أكراد العراق والتحدي الأمني
::cck::2893::/cck::
::introtext::
شكلت القضية الكردية لفترة طويلة أحد مصادر التهديد للدولة العراقية، كما أن هذه القضية اكتسبت أبعاداً خطيرة في ضوء احتلال العراق، خاصة في ظل التدخل الإسرائيلي في شمال العراق وما يُعانيه الأخير من حالة من الانفلات الأمني. والمشكلة الأخطر أن هذه التداعيات لا تقتصر على الدولة العراقية فحسب، بل يمتد تأثيرها إلى بعض دول الجوار، وذلك في ظل وجود أقليات كردية في العراق وفي بعض الدول المجاورة يجمعهم حلم مشترك هو تكوين دولة واحدة تضم الأكراد المتفرقين في تلك الدول، وتحفظ لهم هويتهم الثقافية.
::/introtext::
::fulltext::
شكلت القضية الكردية لفترة طويلة أحد مصادر التهديد للدولة العراقية، كما أن هذه القضية اكتسبت أبعاداً خطيرة في ضوء احتلال العراق، خاصة في ظل التدخل الإسرائيلي في شمال العراق وما يُعانيه الأخير من حالة من الانفلات الأمني. والمشكلة الأخطر أن هذه التداعيات لا تقتصر على الدولة العراقية فحسب، بل يمتد تأثيرها إلى بعض دول الجوار، وذلك في ظل وجود أقليات كردية في العراق وفي بعض الدول المجاورة يجمعهم حلم مشترك هو تكوين دولة واحدة تضم الأكراد المتفرقين في تلك الدول، وتحفظ لهم هويتهم الثقافية.
تبرز خطورة المشكلة في الوقت الحالي في ظل تزايد المخاوف من منح أكراد العراق وضعاً أشبه بالفيدرالية قد يترتب عليه تكوينهم لدولتهم المستقلة ثم رفع شعار تجميع الأكراد المتفرقين في دولة واحدة.
وبالتطرق إلى الجذور التاريخية للقضية الكردية، فإن جذور هذه المشكلة تعود إلى منتصف القرن السادس عشر، ففي عام 1514 حدث صدام بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية في معركة أطلق عليها معركة (جالديران) التي ترتب عليها تقسيم كردستان بين الدولتين الصفوية والعثمانية. وتلى ذلك توقيع مجموعة من الاتفاقيات بين الدولتين التي كرست تقسيم كردستان من بينها اتفاقية (أماسيا) عام 1555، واتفاقية (زهاو) (عام 1639) ومعاهدة (أرضروم الأولى) (عام 1823)، و(أرضروم الثانية) (عام 1847)، و(اتفاقية طهران) (عام 1911)، ثم اتفاقية تخطيط الحدود بين الدولتين الإيرانية والعثمانية (عام 1913) في الأستانة، وفي العام ذاته تم التوقيع على بروتوكول الأستانة. وقد نصت معاهدة (سيفر)، التي وُقعت بين الدولة العثمانية والحلفاء في عام 1920، على إنشاء دولة كردية في كردستان، وذلك في قسمي الأخيرة الشمالي والجنوبي. وفي الوقت الحالي فإن الجزء الشمالي من كردستان يقع في تركيا، بينما يقع القسم الجنوبي شمال العراق. وفي عام 1922 صدر بيان بموجبه اعترفت الحكومتان البريطانية والعراقية بحقوق الأكراد القاطنين داخل العراق في إقامة حكومة كردية، إلا أن هذا البيان كان مجرد أداة استخدمتها بريطانيا للضغط على العراق، حيث ساعدت بريطانيا العراق، وفي العام ذاته- في القضاء على الإدارة الكردية في السليمانية وإخضاع المناطق الكردية جميعها للدولة الكردية. كما نصت معاهدة (لوزان) لعام 1923 على تقسيم أراضي وسكان إقليم كردستان، وبموجب الاتفاق الأخير حصلت تركيا على ما يزيد على 230 ألف كيلومتر مربع من إقليم كردستان الشمالية، في حين سيطرت إيران بموجب الاتفاق ذاته على حوالي 125 ألف كيلومتر مربع من المنطقة الواقعة شرق إقليم كردستان، أما في ما يتعلق ببقية أراضي الإقليم فقد ضُمت إلى كلٍّ من العراق وسوريا (74 ألف كيلومتر مربع، و20 ألف كيلومتر مربع على التوالي)، كما تم ضم 10 آلاف كيلومتر مربع إلى الاتحاد السوفييتي السابق.
وتُشير الإحصائيات إلى أن توزيع الأكراد في تلك الدول (تركيا، العراق، إيران، سوريا، والاتحاد السوفييتي السابق) مثل في ذاك الوقت على التوالي 24 في المائة، 30 في المائة، 16 في المائة، 11 في المائة، 0.3 في المائة. وفي الوقت الحالي يُشكل الأكراد20 في المائة من سكان تركيا، و 15- 20 في المائة في العراق، و 7 في المائة من سكان إيران، كما يُشكلون حوالي 5 في المائة تقريباً من سكان سوريا. وبذلك تتمثل المشكلة الكردية بالأساس في كيفية حفاظ الأكراد على هويتهم القومية واللغوية في تلك الدول. وتُشير أيضاً بعض التقديرات إلى أن عدد سكان كردستان يبلغ ما بين 25-40 مليون نسمة يوجد 46 في المائة منهم في تركيا، و31 في المائة في إيران، 18 في المائة في العراق، و5 في المائة في أرمينيا وسوريا. وفي تركيا يعيش الأكراد في 19 ولاية من ولايات البلاد البالغ عددها 90 ولاية، وفي العراق يتركز الأكراد في شمال وشمال شرق البلاد، والوضع ذاته في سوريا، وفي إيران يعيش الأكراد في شمال غرب البلاد.
وبوجه عام، يوجد توافق بين الأطراف المعنية بالقضية الكردية على رفض قيام دولة كردية مستقلة قد تشكل تهديداً لاستقرار تلك الدول، إضافة إلى الرغبة في عدم المساس بالحدود القائمة بحيث ترفض تلك الدول أي دعاوى تُطرح بشأن الهوية الثقافية الخاصة بالأكراد وضرورة تجميعهم في دولتهم المستقلة.
ففي ما يتعلق بالمشكلة الكردية في العراق، فقد شهدت الأخيرة مواجهات عدة بين الدولة والأكراد حيث تعددت الأسباب التي دفعت إلى هذه المواجهات. في البداية كانت أسباباً عشائرية ودينية ثم تحولت تلك الأسباب في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين إلى عوامل وأسباب قومية خاصة بعد ظهور تنظيمات سياسية تعبر عن مطالبهم ومن بينها حزب هيوا (في عام 1939)، وحزب زركاري (1945) والحزب الديمقراطي الكردستاني (1946).
ومن دون الدخول في كافة التفاصيل، فإن هذه القضية اكتسبت خلال العقود الثلاثة الماضية أبعاداً خطيرة والتي أسهمت في بعض الأحيان في التأثير في علاقات الأطراف المعنية مع بعضها البعض. فعلى سبيل المثال فمنذ منتصف الثمانينات من القرن العشرين أخذ نشاط حزب العمال الكردستاني التركي في التزايد، حيث كان التركيز على إقامة دولة مستقلة عن تركيا، وكذلك تجميع الأكراد المتفرقين في دولة مستقلة. وفي هذا السياق، لجأ حزب العمال الكردستاني إلى تبني شعار الكفاح المسلح ضد الدولة التركية.
وفي هذا السياق، فقد تمثل الأثر الأبرز بهذا الصدد في الاتهامات التركية للحكومة الإيرانية بدورها في دعم العناصر المقاتلة من حزب العمال الكردستاني في أنشطتها المعادية للحكومة التركية وذلك من خلال تقديم الدعم اللوجستي لأعضاء الحزب. خاصة أنه أثناء حكم صدام حسين تمتعت كلُّ من إيران وسوريا بصلات قوية مع الأحزاب الكردية شمال العراق وكذلك حزب العمال الكردستاني في تركيا بحيث ضمنت الدولتان من خلال هذه العلاقة عدم مواجهة أي هجوم كردي يأتي لها من شمال العراق. وفي واقع الأمر، فإن الدول الثلاث إيران، العراق، وسوريا لجأت إلى استخدام الورقة الخاصة بحزب العمال الكردستاني –وإن كان بصور مختلفة- كورقة ضغط ضد تركيا.
كما أنه في ظل الحرب الإيرانية- العراقية، فقد العراق سيطرته على الأكراد في شمال البلاد بحيث أدى هذا الأمر إلى ظهور فراغ سياسي هناك ما أدى إلى بروز تنافس إيراني- تركي، وهو ما رجع بصورة أساسية إلى عدم ثقة أي من الدولتين باحترام الدولة الأخرى للاتفاق بشأن الحفاظ على تكامل الأراضي العراقية، حيث أسهمت هذه الشكوك المتبادلة في إذكاء حالة من الخوف المتبادل وعدم الثقة، إلا أن السمة الرئيسية لهذا الخلاف تمثلت في أنها حالة غير معلنة.
فعلى الجانب الإيراني، نظرت إيران للغارات التركية شمال العراق على أنها عمليات تهدف بالأساس إلى السيطرة على منطقة الموصل الغنية بالنفط، الأمر الذي من شأنه في حال تحققه أن يؤثر في توازن القوى في المنطقة لغير صالح إيران هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية، فإن إيران كانت تخشى من أي وجود تركي شمال العراق خوفاً من أن يعطي هذا الأمر لتركيا الفرصة ومن خلال التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية التدخل في إيران. وربما يُفسر لنا هذا الأمر الرفض الإيراني الشديد لقيام تركيا بعمليات عسكرية شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني، كما أنه في الوقت ذاته يُفسر محاولة إيران خلق وجود لها شمال العراق وذلك من خلال سعيها للتعاون مع الجماعات الكردية هناك وهي جماعات معارضة لتركيا.
وعلى الجانب التركي، فإن تركيا كانت تخشى من تزايد التأثير الإيراني على كل من القادة الأكراد شمال العراق، وكذلك الشيعة العراقيين وهو ما دفع بتركيا لاتهام إيران بقيامها بتقديم دعم عسكري لحزب العمال الكردستاني رغبة منها في خلق وجود لها في شمال العراق.
وتجدر الإشارة إلى أنه مع حرب الخليج الثانية سعى التحالف الدولي إلى استغلال المعارضة العراقية الناشطة في ذاك الوقت ومن بينها الأحزاب الكردستانية، التي كانت قد توحدت منذ عام 1987 في جبهة عسكرية. وقد تمثل دور الأخيرة في هذا الشأن في قيادة انتفاضة شعبية مسلحة وذلك في 5 مارس عام 1991، حيث شارك في هذه المظاهرة كلُّ من الأحزاب الكردستانية، والميليشيات العسكرية التي كانت تابعة للنظام السياسي في العراق، وقطاعات واسعة من الشعب العراقي، حيث نجحت هذه الانتفاضة في السيطرة على معظم أجزاء كردستان العراق، إلا أنه بعد ذلك ونظراً لعدم التكافؤ بين هذه الجبهة والقوات العسكرية العراقية أخذ الوضع في التحول مرة أخرى حيث أخذت تلك المدن، التي كانت قد سبقت السيطرة عليها، في السقوط في أيدي القوات العسكرية العراقية. وبذلك بدأ ما أُطلق عليه (الهجرة المليونية) في إطار هجرة أكراد العراق إلى الحدود بين إيران وتركيا.
التدخل الإسرائيلي في العراق والمشكلة الكردية
اكتسبت القضية الكردية أبعاداً جديدة في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق، وذلك في ظل مخاوف منح أكراد العراق فيدرالية يترتب عليها إنشاء دولة كردية مستقلة. هذه المخاوف أكدتها معلومات تُشير إلى وجود تعاون إسرائيلي مع الأكراد شمال العراق، خاصة في ظل معلومات تؤكد أن التعاون الإسرائيلي مع الأكراد شمال العراق يهدف بالأساس إلى إنشاء مراكز رصد متطورة هناك على الحدود يمكن لإسرائيل من خلالها مراقبة تركيا وإيران وسوريا، يُضاف إلى ذلك الرغبة الإسرائيلية في تكوين وحدات كردية بمقدورها اختراق جماعات المقاومة السنية والشيعية مع استخدامها كمنطلق للعمليات الموجهة ضد إيران، إضافة إلى إمكانية زرع أجهزة تنصت على محطات الطاقة النووية الإيرانية. وزادت هذه المخاوف في ظل بعض المعلومات عن نشاط مكثف للموساد الإسرائيلي شمال العراق مما يخيف تركيا بأن يقوم أكراد شمال العراق الذين تلقوا تدريبات من خلال الموساد الإسرائيلي بعمليات داخل تركيا، وأن يتحول هذا الوجود إلى قواعد عسكرية شمال العراق مما يشكل تهديداً لأمن العراق ذاته.وبذلك فقد أتاح الاحتلال الأمريكي للعراق فرصة ذهبية لإسرائيل بحيث تمكنت من خلاله من خلق وجود دائم لها بوجه خاص في شمال العراق. وتشير التحليلات إلى أن اليهود لهم مطالبهم التاريخية في العراق، فإسرائيل لديها مخاوفها التاريخية من الدولة العراقية ممثلة في عقدة تدمير الدولة العبرية عن طريق غزو قادم من المشرق العربي خاصة العراق على غرار محنة السبي البابلي لليهود في التاريخ القديم، حيث أطاح البابليون بمملكة إسرائيل القديمة.
وبوجه عام، فإن الأهداف الإسرائيلية من التدخل في شمال العراق تتمثل في:
أولاً: منع أن تكون هناك دولة عربية ذات ثقل سياسي. فوفقاً للتصور الاستراتيجي لإسرائيل، فإن من يسيطر على العراق يتحكم بالهلال الخصيب. ومن هنا، تبرز أهمية العراق في الاستراتيجية اليهودية. كما أنه وفقاً للتصور الإسرائيلي، فإن السيطرة على العراق تضمن الهيمنة على الشرق الأوسط. ومن ثم فالحلم الصهيوني هو تقسيم العراق إلى كيانات ثلاثة شمال كردي، وسط سني، وجنوب شيعي.
ثانياً: إنشاء دولة كردية حتى لا تكون إسرائيل هي الدولة غير العربية الوحيدة في المنطقة. فإسرائيل تدعم فكرة إقامة دولة كردية شمال العراق تكون حليفة للدولة العبرية في مواجهة الدول العربية، وهذه فكرة ليست جديدة فقد لعبت إسرائيل منذ الستينات من القرن العشرين دوراً في دعم التمرد الكردستاني في شمال العراق وإمداده بالسلاح، وذلك منذ عهد الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني.
وبذلك، فإن المشكلة الكردية كانت ولا تزال تشكل هاجساً أمنياً خطيراً لدول المنطقة، خاصة أن هذه القضية تستخدم من قبل أطراف دولية كورقة ضغط ضد تلك الدول. ومن ثم فإن المخاوف في الوقت الحالي تتمثل في خطورة حدوث تطورات نوعية تتحول معه القضية الكردية إلى أزمة فعلية لدول المنطقة، وتتحول أيضاً إلى تحد أمني خطير. فعلى سبيل المثال فإن تركيا تهدد بأنه لو قامت دولة كردية شمال العراق فإنها سوف تقوم باجتياح شمال العراق. وهو ما يتطلب من تلك الدول ضرورة العمل على موازنة الدور الإسرائيلي من خلال سرعة التوصل إلى اتفاق بين كافة الأطراف المعنية بهذه القضية، والأهم من ذلك هو أن يكون الطرف الكردي ممثلاً في هذا الاتفاق.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2893::/cck::
::introtext::
شكلت القضية الكردية لفترة طويلة أحد مصادر التهديد للدولة العراقية، كما أن هذه القضية اكتسبت أبعاداً خطيرة في ضوء احتلال العراق، خاصة في ظل التدخل الإسرائيلي في شمال العراق وما يُعانيه الأخير من حالة من الانفلات الأمني. والمشكلة الأخطر أن هذه التداعيات لا تقتصر على الدولة العراقية فحسب، بل يمتد تأثيرها إلى بعض دول الجوار، وذلك في ظل وجود أقليات كردية في العراق وفي بعض الدول المجاورة يجمعهم حلم مشترك هو تكوين دولة واحدة تضم الأكراد المتفرقين في تلك الدول، وتحفظ لهم هويتهم الثقافية.
::/introtext::
::fulltext::
شكلت القضية الكردية لفترة طويلة أحد مصادر التهديد للدولة العراقية، كما أن هذه القضية اكتسبت أبعاداً خطيرة في ضوء احتلال العراق، خاصة في ظل التدخل الإسرائيلي في شمال العراق وما يُعانيه الأخير من حالة من الانفلات الأمني. والمشكلة الأخطر أن هذه التداعيات لا تقتصر على الدولة العراقية فحسب، بل يمتد تأثيرها إلى بعض دول الجوار، وذلك في ظل وجود أقليات كردية في العراق وفي بعض الدول المجاورة يجمعهم حلم مشترك هو تكوين دولة واحدة تضم الأكراد المتفرقين في تلك الدول، وتحفظ لهم هويتهم الثقافية.
تبرز خطورة المشكلة في الوقت الحالي في ظل تزايد المخاوف من منح أكراد العراق وضعاً أشبه بالفيدرالية قد يترتب عليه تكوينهم لدولتهم المستقلة ثم رفع شعار تجميع الأكراد المتفرقين في دولة واحدة.
وبالتطرق إلى الجذور التاريخية للقضية الكردية، فإن جذور هذه المشكلة تعود إلى منتصف القرن السادس عشر، ففي عام 1514 حدث صدام بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية في معركة أطلق عليها معركة (جالديران) التي ترتب عليها تقسيم كردستان بين الدولتين الصفوية والعثمانية. وتلى ذلك توقيع مجموعة من الاتفاقيات بين الدولتين التي كرست تقسيم كردستان من بينها اتفاقية (أماسيا) عام 1555، واتفاقية (زهاو) (عام 1639) ومعاهدة (أرضروم الأولى) (عام 1823)، و(أرضروم الثانية) (عام 1847)، و(اتفاقية طهران) (عام 1911)، ثم اتفاقية تخطيط الحدود بين الدولتين الإيرانية والعثمانية (عام 1913) في الأستانة، وفي العام ذاته تم التوقيع على بروتوكول الأستانة. وقد نصت معاهدة (سيفر)، التي وُقعت بين الدولة العثمانية والحلفاء في عام 1920، على إنشاء دولة كردية في كردستان، وذلك في قسمي الأخيرة الشمالي والجنوبي. وفي الوقت الحالي فإن الجزء الشمالي من كردستان يقع في تركيا، بينما يقع القسم الجنوبي شمال العراق. وفي عام 1922 صدر بيان بموجبه اعترفت الحكومتان البريطانية والعراقية بحقوق الأكراد القاطنين داخل العراق في إقامة حكومة كردية، إلا أن هذا البيان كان مجرد أداة استخدمتها بريطانيا للضغط على العراق، حيث ساعدت بريطانيا العراق، وفي العام ذاته- في القضاء على الإدارة الكردية في السليمانية وإخضاع المناطق الكردية جميعها للدولة الكردية. كما نصت معاهدة (لوزان) لعام 1923 على تقسيم أراضي وسكان إقليم كردستان، وبموجب الاتفاق الأخير حصلت تركيا على ما يزيد على 230 ألف كيلومتر مربع من إقليم كردستان الشمالية، في حين سيطرت إيران بموجب الاتفاق ذاته على حوالي 125 ألف كيلومتر مربع من المنطقة الواقعة شرق إقليم كردستان، أما في ما يتعلق ببقية أراضي الإقليم فقد ضُمت إلى كلٍّ من العراق وسوريا (74 ألف كيلومتر مربع، و20 ألف كيلومتر مربع على التوالي)، كما تم ضم 10 آلاف كيلومتر مربع إلى الاتحاد السوفييتي السابق.
وتُشير الإحصائيات إلى أن توزيع الأكراد في تلك الدول (تركيا، العراق، إيران، سوريا، والاتحاد السوفييتي السابق) مثل في ذاك الوقت على التوالي 24 في المائة، 30 في المائة، 16 في المائة، 11 في المائة، 0.3 في المائة. وفي الوقت الحالي يُشكل الأكراد20 في المائة من سكان تركيا، و 15- 20 في المائة في العراق، و 7 في المائة من سكان إيران، كما يُشكلون حوالي 5 في المائة تقريباً من سكان سوريا. وبذلك تتمثل المشكلة الكردية بالأساس في كيفية حفاظ الأكراد على هويتهم القومية واللغوية في تلك الدول. وتُشير أيضاً بعض التقديرات إلى أن عدد سكان كردستان يبلغ ما بين 25-40 مليون نسمة يوجد 46 في المائة منهم في تركيا، و31 في المائة في إيران، 18 في المائة في العراق، و5 في المائة في أرمينيا وسوريا. وفي تركيا يعيش الأكراد في 19 ولاية من ولايات البلاد البالغ عددها 90 ولاية، وفي العراق يتركز الأكراد في شمال وشمال شرق البلاد، والوضع ذاته في سوريا، وفي إيران يعيش الأكراد في شمال غرب البلاد.
وبوجه عام، يوجد توافق بين الأطراف المعنية بالقضية الكردية على رفض قيام دولة كردية مستقلة قد تشكل تهديداً لاستقرار تلك الدول، إضافة إلى الرغبة في عدم المساس بالحدود القائمة بحيث ترفض تلك الدول أي دعاوى تُطرح بشأن الهوية الثقافية الخاصة بالأكراد وضرورة تجميعهم في دولتهم المستقلة.
ففي ما يتعلق بالمشكلة الكردية في العراق، فقد شهدت الأخيرة مواجهات عدة بين الدولة والأكراد حيث تعددت الأسباب التي دفعت إلى هذه المواجهات. في البداية كانت أسباباً عشائرية ودينية ثم تحولت تلك الأسباب في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين إلى عوامل وأسباب قومية خاصة بعد ظهور تنظيمات سياسية تعبر عن مطالبهم ومن بينها حزب هيوا (في عام 1939)، وحزب زركاري (1945) والحزب الديمقراطي الكردستاني (1946).
ومن دون الدخول في كافة التفاصيل، فإن هذه القضية اكتسبت خلال العقود الثلاثة الماضية أبعاداً خطيرة والتي أسهمت في بعض الأحيان في التأثير في علاقات الأطراف المعنية مع بعضها البعض. فعلى سبيل المثال فمنذ منتصف الثمانينات من القرن العشرين أخذ نشاط حزب العمال الكردستاني التركي في التزايد، حيث كان التركيز على إقامة دولة مستقلة عن تركيا، وكذلك تجميع الأكراد المتفرقين في دولة مستقلة. وفي هذا السياق، لجأ حزب العمال الكردستاني إلى تبني شعار الكفاح المسلح ضد الدولة التركية.
وفي هذا السياق، فقد تمثل الأثر الأبرز بهذا الصدد في الاتهامات التركية للحكومة الإيرانية بدورها في دعم العناصر المقاتلة من حزب العمال الكردستاني في أنشطتها المعادية للحكومة التركية وذلك من خلال تقديم الدعم اللوجستي لأعضاء الحزب. خاصة أنه أثناء حكم صدام حسين تمتعت كلُّ من إيران وسوريا بصلات قوية مع الأحزاب الكردية شمال العراق وكذلك حزب العمال الكردستاني في تركيا بحيث ضمنت الدولتان من خلال هذه العلاقة عدم مواجهة أي هجوم كردي يأتي لها من شمال العراق. وفي واقع الأمر، فإن الدول الثلاث إيران، العراق، وسوريا لجأت إلى استخدام الورقة الخاصة بحزب العمال الكردستاني –وإن كان بصور مختلفة- كورقة ضغط ضد تركيا.
كما أنه في ظل الحرب الإيرانية- العراقية، فقد العراق سيطرته على الأكراد في شمال البلاد بحيث أدى هذا الأمر إلى ظهور فراغ سياسي هناك ما أدى إلى بروز تنافس إيراني- تركي، وهو ما رجع بصورة أساسية إلى عدم ثقة أي من الدولتين باحترام الدولة الأخرى للاتفاق بشأن الحفاظ على تكامل الأراضي العراقية، حيث أسهمت هذه الشكوك المتبادلة في إذكاء حالة من الخوف المتبادل وعدم الثقة، إلا أن السمة الرئيسية لهذا الخلاف تمثلت في أنها حالة غير معلنة.
فعلى الجانب الإيراني، نظرت إيران للغارات التركية شمال العراق على أنها عمليات تهدف بالأساس إلى السيطرة على منطقة الموصل الغنية بالنفط، الأمر الذي من شأنه في حال تحققه أن يؤثر في توازن القوى في المنطقة لغير صالح إيران هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية، فإن إيران كانت تخشى من أي وجود تركي شمال العراق خوفاً من أن يعطي هذا الأمر لتركيا الفرصة ومن خلال التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية التدخل في إيران. وربما يُفسر لنا هذا الأمر الرفض الإيراني الشديد لقيام تركيا بعمليات عسكرية شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني، كما أنه في الوقت ذاته يُفسر محاولة إيران خلق وجود لها شمال العراق وذلك من خلال سعيها للتعاون مع الجماعات الكردية هناك وهي جماعات معارضة لتركيا.
وعلى الجانب التركي، فإن تركيا كانت تخشى من تزايد التأثير الإيراني على كل من القادة الأكراد شمال العراق، وكذلك الشيعة العراقيين وهو ما دفع بتركيا لاتهام إيران بقيامها بتقديم دعم عسكري لحزب العمال الكردستاني رغبة منها في خلق وجود لها في شمال العراق.
وتجدر الإشارة إلى أنه مع حرب الخليج الثانية سعى التحالف الدولي إلى استغلال المعارضة العراقية الناشطة في ذاك الوقت ومن بينها الأحزاب الكردستانية، التي كانت قد توحدت منذ عام 1987 في جبهة عسكرية. وقد تمثل دور الأخيرة في هذا الشأن في قيادة انتفاضة شعبية مسلحة وذلك في 5 مارس عام 1991، حيث شارك في هذه المظاهرة كلُّ من الأحزاب الكردستانية، والميليشيات العسكرية التي كانت تابعة للنظام السياسي في العراق، وقطاعات واسعة من الشعب العراقي، حيث نجحت هذه الانتفاضة في السيطرة على معظم أجزاء كردستان العراق، إلا أنه بعد ذلك ونظراً لعدم التكافؤ بين هذه الجبهة والقوات العسكرية العراقية أخذ الوضع في التحول مرة أخرى حيث أخذت تلك المدن، التي كانت قد سبقت السيطرة عليها، في السقوط في أيدي القوات العسكرية العراقية. وبذلك بدأ ما أُطلق عليه (الهجرة المليونية) في إطار هجرة أكراد العراق إلى الحدود بين إيران وتركيا.
التدخل الإسرائيلي في العراق والمشكلة الكردية
اكتسبت القضية الكردية أبعاداً جديدة في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق، وذلك في ظل مخاوف منح أكراد العراق فيدرالية يترتب عليها إنشاء دولة كردية مستقلة. هذه المخاوف أكدتها معلومات تُشير إلى وجود تعاون إسرائيلي مع الأكراد شمال العراق، خاصة في ظل معلومات تؤكد أن التعاون الإسرائيلي مع الأكراد شمال العراق يهدف بالأساس إلى إنشاء مراكز رصد متطورة هناك على الحدود يمكن لإسرائيل من خلالها مراقبة تركيا وإيران وسوريا، يُضاف إلى ذلك الرغبة الإسرائيلية في تكوين وحدات كردية بمقدورها اختراق جماعات المقاومة السنية والشيعية مع استخدامها كمنطلق للعمليات الموجهة ضد إيران، إضافة إلى إمكانية زرع أجهزة تنصت على محطات الطاقة النووية الإيرانية. وزادت هذه المخاوف في ظل بعض المعلومات عن نشاط مكثف للموساد الإسرائيلي شمال العراق مما يخيف تركيا بأن يقوم أكراد شمال العراق الذين تلقوا تدريبات من خلال الموساد الإسرائيلي بعمليات داخل تركيا، وأن يتحول هذا الوجود إلى قواعد عسكرية شمال العراق مما يشكل تهديداً لأمن العراق ذاته.وبذلك فقد أتاح الاحتلال الأمريكي للعراق فرصة ذهبية لإسرائيل بحيث تمكنت من خلاله من خلق وجود دائم لها بوجه خاص في شمال العراق. وتشير التحليلات إلى أن اليهود لهم مطالبهم التاريخية في العراق، فإسرائيل لديها مخاوفها التاريخية من الدولة العراقية ممثلة في عقدة تدمير الدولة العبرية عن طريق غزو قادم من المشرق العربي خاصة العراق على غرار محنة السبي البابلي لليهود في التاريخ القديم، حيث أطاح البابليون بمملكة إسرائيل القديمة.
وبوجه عام، فإن الأهداف الإسرائيلية من التدخل في شمال العراق تتمثل في:
أولاً: منع أن تكون هناك دولة عربية ذات ثقل سياسي. فوفقاً للتصور الاستراتيجي لإسرائيل، فإن من يسيطر على العراق يتحكم بالهلال الخصيب. ومن هنا، تبرز أهمية العراق في الاستراتيجية اليهودية. كما أنه وفقاً للتصور الإسرائيلي، فإن السيطرة على العراق تضمن الهيمنة على الشرق الأوسط. ومن ثم فالحلم الصهيوني هو تقسيم العراق إلى كيانات ثلاثة شمال كردي، وسط سني، وجنوب شيعي.
ثانياً: إنشاء دولة كردية حتى لا تكون إسرائيل هي الدولة غير العربية الوحيدة في المنطقة. فإسرائيل تدعم فكرة إقامة دولة كردية شمال العراق تكون حليفة للدولة العبرية في مواجهة الدول العربية، وهذه فكرة ليست جديدة فقد لعبت إسرائيل منذ الستينات من القرن العشرين دوراً في دعم التمرد الكردستاني في شمال العراق وإمداده بالسلاح، وذلك منذ عهد الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني.
وبذلك، فإن المشكلة الكردية كانت ولا تزال تشكل هاجساً أمنياً خطيراً لدول المنطقة، خاصة أن هذه القضية تستخدم من قبل أطراف دولية كورقة ضغط ضد تلك الدول. ومن ثم فإن المخاوف في الوقت الحالي تتمثل في خطورة حدوث تطورات نوعية تتحول معه القضية الكردية إلى أزمة فعلية لدول المنطقة، وتتحول أيضاً إلى تحد أمني خطير. فعلى سبيل المثال فإن تركيا تهدد بأنه لو قامت دولة كردية شمال العراق فإنها سوف تقوم باجتياح شمال العراق. وهو ما يتطلب من تلك الدول ضرورة العمل على موازنة الدور الإسرائيلي من خلال سرعة التوصل إلى اتفاق بين كافة الأطراف المعنية بهذه القضية، والأهم من ذلك هو أن يكون الطرف الكردي ممثلاً في هذا الاتفاق.
::/fulltext::
::cck::2893::/cck::
