صفة “التغالب” في المجتمع العراقي
::cck::2903::/cck::
::introtext::
يحتاج ما يحدث في المجتمع العراقي اليوم من قتل وتدمير واستباحة للحرمات ودماء الأبرياء إلى رؤية عميقة تتجاوز العرضي الحادث، رغم مأساويته، لتنتقل إلى المستوى الأعمق من فهم محددات الشخصية العراقية وتفسير ما يحدث في ضوء ذلك. وربما تمنحنا كتابات علي الوردي، عالم الاجتماع العراقي الشهير فهماً جيداً وعميقاً لما يواجهه العراقيون اليوم، وما ينجم عن ذلك من مآس بلغت حدوداً غير معقولة يصعب تصورها.
::/introtext::
::fulltext::
يحتاج ما يحدث في المجتمع العراقي اليوم من قتل وتدمير واستباحة للحرمات ودماء الأبرياء إلى رؤية عميقة تتجاوز العرضي الحادث، رغم مأساويته، لتنتقل إلى المستوى الأعمق من فهم محددات الشخصية العراقية وتفسير ما يحدث في ضوء ذلك. وربما تمنحنا كتابات علي الوردي، عالم الاجتماع العراقي الشهير فهماً جيداً وعميقاً لما يواجهه العراقيون اليوم، وما ينجم عن ذلك من مآس بلغت حدوداً غير معقولة يصعب تصورها.
يقول علي الوردي في دراسته عن طبيعة المجتمع العراقي 1965، (إن من أهم أساليب اللهو واللعب التي يتعاطاها الأطفال في أزقة العراق هو (الكسار). ومعناها أن يؤلف أطفال كل حارة عصابة ليعاركوا بها أطفال الحارات الأخرى. وهم يفتخرون بذلك، فإذا خرجوا من معركة منتصرين رجعوا إلى حارتهم فرحين يهزجون، فيهتف فريق منهم هل غلبتموهم؟ فيجيبه الفريق الأول نعم. ثم يهتف الفريق الأول مرة أخرى هل غلبوكم؟ فيكون الجواب لا.. إلخ). ويردف الوردي قائلاً، إن العداء كثيراً ما يستفحل بين أطفال الحارات المتجاورة. وتستخدم الهراوات والأحجار والمعاليق في معاركهم، وقد تستخدم الخناجر أو السكاكين فيها أحياناً، لا سيما إذا جرت بين الأطفال الكبار والصبية اليافعين. وتعكس هذه الممارسات التي يشير إليها الوردي طبيعة التنشئة الاجتماعية التي يتربى بين أحضانها الأطفال في العراق، وهي تنشئة تهيمن عليها عقلية الرجولة والغلبة، بحيث يعلي المجتمع من شأن الرجل المنتصر، بينما يكون مصير المهزوم (التحقير).
ويتربى الطفل العراقي وفقاً لثقافة (الكسار) هذه مشمولاً بما يُطلق عليه الوردي صفة (التغالب). هذه الصفة تصحبه إلى مرحلة البلوغ والنضج، حيث تأخذ أشكالاً جديدة ومتنوعة حسب تغير السياقات التاريخية والاجتماعية. ويعني ذلك أن صفة التغالب تظل ملمحاً أساسياً من ملامح الشخصية العراقية رغم الأشكال المتعددة التي تظهر من خلالها عبر الفترات الزمنية المختلفة. فقد تأخذ شكلاً عفوياً انفعالياً، وتأخذ أيضاً شكلاً عقلياً جدلياً، وشكلاً دينياً، وأحياناً شكلاً دموياً، لكنها في التحليل الأخير لا تنمحي ولا تزول. فهذه الصفة من المرتكزات الرئيسية الحاكمة لجملة التعاملات الحياتية اليومية، كما أنها الصفة الحاكمة لجملة الممارسات السياسية للقادة العراقيين طوال القرن العشرين، حيث سيادة مبدأ القوة والهيمنة، وحيث يؤدي الضعف إلى المزيد من الانقلابات والأحداث الدموية التي يمتلأ بها تاريخ العراق الحديث.
وتعني صفة التغالب ضرورة أن يتغلب العراقي على الآخرين، فالضعف مذموم، والغلبة معيار تقدير الفرد وميزان أهميته. لذلك لا يحب العراقي أن يكون في موضع إحساس بفضل الآخرين عليه، لكنه يحب أن تكون له اليد الطولى في العطاء والسيطرة والهيمنة. ولا يعني ذلك، أن العراقي يعيش حياته نهباً لفرض سيطرته على الآخرين وتسلطه عليهم، فبقدر صفات التفاخر والرجولة والعزة الضاربة في العقلية العراقية، هناك أيضاً صفات الوفاء والنجدة ومساعدة الآخرين. لكن ما بين هذا وذاك يظل العراقي محباً وشغوفاً للهيمنة والقبض على زمام الأمور، لذلك لا ينجح في العراق الحاكم الضعيف، حيث يستهزئ به العراقيون، ويصبح مدعاة للتندر والاستهزاء. وبالمثل لا تنجح الفئات والعشائر الضعيفة، فما يمكن تطبيقه على الحكام، ينسحب بدرجة أو بأخرى على طبائع النسيج الاجتماعي العراقي وتشكيلاته القبلية العشائرية المختلفة، ناهيك عن انقساماته الدينية العرقية العديدة.
ويربط الوردي بين صفة التغالب هذه وبين الطبيعة البدوية السائدة في المجتمع العراقي، حيث يصير البدوي وهاباً ونهاباً في الوقت ذاته، حيث تغلب قوانين الغلبة والزهو والتفاخر والرجولة. وعلى ما يبدو أن ثقافة (الكسار) هذه تمثل ركيزة أساسية من ركائز المجتمع العراقي المعاصر، وهي تمنحنا إمكانيات واسعة وعميقة لفهم وتفسير شلالات الدم المنهمرة في عراق اليوم الرازح تحت وطأة الاحتلال الأمريكي.
فمع سقوط صدام حسين، انفكت القبضة الغالبة على عموم العراق، هذه القبضة التي قمعت بشكل أو بآخر قيمة التغالب المسيطرة على عقول السواد الأعظم من العراقيين. ولم يكن قمع هذه الصفة ناجماً فقط عن القمع البعثي، بقدر ما نجم عن ذلك التوحد مع شخصية الحاكم الغالب القوي في عيون أتباعه ومريديه. لذلك، سواء أحب العراقيون صدام حسين أو كرهوه، فقد نجح في قمع القيمة الأثيرة لديهم لفترة طويلة من الزمن، وهي قيمة التغالب. ورغم ما لاقاه العديد من العراقيين على أيدي زبانية النظام البعثي من عنت وقهر، إلا أن هذا النظام قمع قطاعاً كبيراً منهم بخصوص قيمة التغالب هذه، من حيث خضوعهم للنظام البعثي من ناحية، وتقديرهم لقيمة التغالب التي ينطوي عليها من ناحية أخرى. وحينما سقط النظام البعثي، انفرطت قيمة التغالب البعثية القهرية، وظهرت العديد من القوى الأخرى الباحثة عن قيم تغالبها الخاصة بها، والتي وجدت متنفسها في مرحلة ما بعد سقوط النظام البعثي، وتفسخ العراق الحالي. ومن خلال تعارضات ممارسات المغالبة الحادثة الآن تحول العراق إلى ساحة (كسار) ضخمة يمارس فيها كل من هب ودب رغبته المكبوتة في مغالبة الآخرين. لذلك فإن عدم استمرارية هذه الحالة رهن بالتوصل المجتمعي العام لقيمة تغالب تقنع السواد الأعظم من العراقيين بها، فقد تكون فئة مستبدة جديدة، أو قد تكون حاكماً مستبداً جديداً، وربما تكون قيمة العدل والمساواة التي لم يمارسها الكثيرون من العراقيين طوال عقود عديدة من القرن العشرين، والمهم أن تمنحهم هذه القيمة إحساساً بالمغالبة وتصعيداً للقوة وتحجيماً للضعف الذي لا يستسيغه العراقيون.
من هنا، فإن الذين يتحدثون ليل نهار عن الإرهاب في العراق يجهلون أو يتجاهلون ذلك الانفلات الحادث الآن بخصوص قيمة التغالب الأثيرة لدى الشخصية العراقية بمختلف قبائلها وطوائفها وشرائحها الاجتماعية المختلفة. فنظراً لغلبة العقلية البدوية ذات النظرة الولائية الضيقة، ونظراً لغلبة قيم التفاخر والرجولة، تصبح مسألة القتل اليومي الذي نشاهده في العراق منذ الاحتلال الأمريكي له، مسألة مرتبطة بتحقيق قيمة المغالبة بغض النظر عن نتائجها المأساوية. فمن يشاركون في هذه المجازر اليومية، هم أبطال يستحقون المدح والتمجيد أمام ذويهم وأبناء عشائرهم ورؤسائهم. فمن ناحية، ووفقاً للقيم البدوية السائدة يُنظر لهؤلاء على أنهم هم الذين بدأوا بالقتل ولم يبادئهم الآخرون به. ومن ناحية أخرى يصب هذا المنحى في الإعلاء من شأن القبيلة ورموزها وتأثيراتها السياسية المستقبلية في فعل التغالب السياسي، وليس كما يظن البعض فعل الحوار السياسي.
ويُنهي الوردي كتابه بفقرة بالغة الدلالة والتركيز حول توقعاته لمستقبل العراق، في وقت كانت فيه الأمور أكثر تماسكاً وتجانساً عما عليه الحال الآن، حيث يقول (إن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما لدى أي شعب عربي آخر باستثناء لبنان، وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية، وينبغي لأهل العراق أن يعتبروا من تجاربهم الماضية، وهذا أوان الاعتبار، فهل من يسمع؟!
وكتب علي الوردي هذه الأفكار وعبّر عن هذه الهواجس منذ ما يزيد على الأربعة عقود من الزمان، ورغم ما في كتاباته من تعميمات واسعة النطاق وسيولة منهجية مفرطة، ربما ترتبط بصعوبة الحديث عن موضوع بنية الشعب العراقي، إلا أنه وقف على أسس فارقة بخصوص التطورات التي لحقت بهذا الشعب، وأثرت في بنيته الاجتماعية منذ ظهور الإسلام وحتى الآن. وعلى ما يبدو أن علي الوردي وهو يطرح الحل الديمقراطي والنسبية العددية الخاصة بمشكلة الصراع القبلي والطائفي والقومي في العراق لم يكن متفائلاً بطروحاته المقترحة، لكنه آثر أن ينهي كتابه بما يراه متوافقاً مع وضعية التركيبة العراقية القائمة على مبدأ التغالب من ناحية، وبما جاء متوافقاً مع توجهاته الليبرالية في أبرز تجلياتها المرتكزة على فهم حقيقي لوضعية المجتمعات العربية عامة، والمجتمع العراقي خاصة.
وبالطبع يمكننا القول إنه بعد مرور أربعة عقود على ما كتبه الوردي أن أحداً لم يعتبر من التجارب الماضية، كما يمكن القول أيضاً إن أحداً لم يسمع ما قاله الوردي، فلا يزال العراق ينتقل من الأسوأ إلى الوضع الأكثر سوءاً، ومن تدهور إلى آخر. فالقانون الحاكم الآن في العراق، ليس هو الإرهاب كما قد يظن البعض، لكنه نزعة التغالب التي انطلقت من عقالها، لتجد متنفسها في العديد من الطوائف والقبائل والنزعات الدينية الضيقة. وإلى أن يظهر من يستطيع لجم نزعة التغالب هذه على المستوى القومي ستظل انفلاتات هذه النزعة تتوالد يوما بعد يوم عبر المزيد من الانقسامات الجديدة والتفسخات المهلكة وممارسات القتل التي لا تنتهي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2903::/cck::
::introtext::
يحتاج ما يحدث في المجتمع العراقي اليوم من قتل وتدمير واستباحة للحرمات ودماء الأبرياء إلى رؤية عميقة تتجاوز العرضي الحادث، رغم مأساويته، لتنتقل إلى المستوى الأعمق من فهم محددات الشخصية العراقية وتفسير ما يحدث في ضوء ذلك. وربما تمنحنا كتابات علي الوردي، عالم الاجتماع العراقي الشهير فهماً جيداً وعميقاً لما يواجهه العراقيون اليوم، وما ينجم عن ذلك من مآس بلغت حدوداً غير معقولة يصعب تصورها.
::/introtext::
::fulltext::
يحتاج ما يحدث في المجتمع العراقي اليوم من قتل وتدمير واستباحة للحرمات ودماء الأبرياء إلى رؤية عميقة تتجاوز العرضي الحادث، رغم مأساويته، لتنتقل إلى المستوى الأعمق من فهم محددات الشخصية العراقية وتفسير ما يحدث في ضوء ذلك. وربما تمنحنا كتابات علي الوردي، عالم الاجتماع العراقي الشهير فهماً جيداً وعميقاً لما يواجهه العراقيون اليوم، وما ينجم عن ذلك من مآس بلغت حدوداً غير معقولة يصعب تصورها.
يقول علي الوردي في دراسته عن طبيعة المجتمع العراقي 1965، (إن من أهم أساليب اللهو واللعب التي يتعاطاها الأطفال في أزقة العراق هو (الكسار). ومعناها أن يؤلف أطفال كل حارة عصابة ليعاركوا بها أطفال الحارات الأخرى. وهم يفتخرون بذلك، فإذا خرجوا من معركة منتصرين رجعوا إلى حارتهم فرحين يهزجون، فيهتف فريق منهم هل غلبتموهم؟ فيجيبه الفريق الأول نعم. ثم يهتف الفريق الأول مرة أخرى هل غلبوكم؟ فيكون الجواب لا.. إلخ). ويردف الوردي قائلاً، إن العداء كثيراً ما يستفحل بين أطفال الحارات المتجاورة. وتستخدم الهراوات والأحجار والمعاليق في معاركهم، وقد تستخدم الخناجر أو السكاكين فيها أحياناً، لا سيما إذا جرت بين الأطفال الكبار والصبية اليافعين. وتعكس هذه الممارسات التي يشير إليها الوردي طبيعة التنشئة الاجتماعية التي يتربى بين أحضانها الأطفال في العراق، وهي تنشئة تهيمن عليها عقلية الرجولة والغلبة، بحيث يعلي المجتمع من شأن الرجل المنتصر، بينما يكون مصير المهزوم (التحقير).
ويتربى الطفل العراقي وفقاً لثقافة (الكسار) هذه مشمولاً بما يُطلق عليه الوردي صفة (التغالب). هذه الصفة تصحبه إلى مرحلة البلوغ والنضج، حيث تأخذ أشكالاً جديدة ومتنوعة حسب تغير السياقات التاريخية والاجتماعية. ويعني ذلك أن صفة التغالب تظل ملمحاً أساسياً من ملامح الشخصية العراقية رغم الأشكال المتعددة التي تظهر من خلالها عبر الفترات الزمنية المختلفة. فقد تأخذ شكلاً عفوياً انفعالياً، وتأخذ أيضاً شكلاً عقلياً جدلياً، وشكلاً دينياً، وأحياناً شكلاً دموياً، لكنها في التحليل الأخير لا تنمحي ولا تزول. فهذه الصفة من المرتكزات الرئيسية الحاكمة لجملة التعاملات الحياتية اليومية، كما أنها الصفة الحاكمة لجملة الممارسات السياسية للقادة العراقيين طوال القرن العشرين، حيث سيادة مبدأ القوة والهيمنة، وحيث يؤدي الضعف إلى المزيد من الانقلابات والأحداث الدموية التي يمتلأ بها تاريخ العراق الحديث.
وتعني صفة التغالب ضرورة أن يتغلب العراقي على الآخرين، فالضعف مذموم، والغلبة معيار تقدير الفرد وميزان أهميته. لذلك لا يحب العراقي أن يكون في موضع إحساس بفضل الآخرين عليه، لكنه يحب أن تكون له اليد الطولى في العطاء والسيطرة والهيمنة. ولا يعني ذلك، أن العراقي يعيش حياته نهباً لفرض سيطرته على الآخرين وتسلطه عليهم، فبقدر صفات التفاخر والرجولة والعزة الضاربة في العقلية العراقية، هناك أيضاً صفات الوفاء والنجدة ومساعدة الآخرين. لكن ما بين هذا وذاك يظل العراقي محباً وشغوفاً للهيمنة والقبض على زمام الأمور، لذلك لا ينجح في العراق الحاكم الضعيف، حيث يستهزئ به العراقيون، ويصبح مدعاة للتندر والاستهزاء. وبالمثل لا تنجح الفئات والعشائر الضعيفة، فما يمكن تطبيقه على الحكام، ينسحب بدرجة أو بأخرى على طبائع النسيج الاجتماعي العراقي وتشكيلاته القبلية العشائرية المختلفة، ناهيك عن انقساماته الدينية العرقية العديدة.
ويربط الوردي بين صفة التغالب هذه وبين الطبيعة البدوية السائدة في المجتمع العراقي، حيث يصير البدوي وهاباً ونهاباً في الوقت ذاته، حيث تغلب قوانين الغلبة والزهو والتفاخر والرجولة. وعلى ما يبدو أن ثقافة (الكسار) هذه تمثل ركيزة أساسية من ركائز المجتمع العراقي المعاصر، وهي تمنحنا إمكانيات واسعة وعميقة لفهم وتفسير شلالات الدم المنهمرة في عراق اليوم الرازح تحت وطأة الاحتلال الأمريكي.
فمع سقوط صدام حسين، انفكت القبضة الغالبة على عموم العراق، هذه القبضة التي قمعت بشكل أو بآخر قيمة التغالب المسيطرة على عقول السواد الأعظم من العراقيين. ولم يكن قمع هذه الصفة ناجماً فقط عن القمع البعثي، بقدر ما نجم عن ذلك التوحد مع شخصية الحاكم الغالب القوي في عيون أتباعه ومريديه. لذلك، سواء أحب العراقيون صدام حسين أو كرهوه، فقد نجح في قمع القيمة الأثيرة لديهم لفترة طويلة من الزمن، وهي قيمة التغالب. ورغم ما لاقاه العديد من العراقيين على أيدي زبانية النظام البعثي من عنت وقهر، إلا أن هذا النظام قمع قطاعاً كبيراً منهم بخصوص قيمة التغالب هذه، من حيث خضوعهم للنظام البعثي من ناحية، وتقديرهم لقيمة التغالب التي ينطوي عليها من ناحية أخرى. وحينما سقط النظام البعثي، انفرطت قيمة التغالب البعثية القهرية، وظهرت العديد من القوى الأخرى الباحثة عن قيم تغالبها الخاصة بها، والتي وجدت متنفسها في مرحلة ما بعد سقوط النظام البعثي، وتفسخ العراق الحالي. ومن خلال تعارضات ممارسات المغالبة الحادثة الآن تحول العراق إلى ساحة (كسار) ضخمة يمارس فيها كل من هب ودب رغبته المكبوتة في مغالبة الآخرين. لذلك فإن عدم استمرارية هذه الحالة رهن بالتوصل المجتمعي العام لقيمة تغالب تقنع السواد الأعظم من العراقيين بها، فقد تكون فئة مستبدة جديدة، أو قد تكون حاكماً مستبداً جديداً، وربما تكون قيمة العدل والمساواة التي لم يمارسها الكثيرون من العراقيين طوال عقود عديدة من القرن العشرين، والمهم أن تمنحهم هذه القيمة إحساساً بالمغالبة وتصعيداً للقوة وتحجيماً للضعف الذي لا يستسيغه العراقيون.
من هنا، فإن الذين يتحدثون ليل نهار عن الإرهاب في العراق يجهلون أو يتجاهلون ذلك الانفلات الحادث الآن بخصوص قيمة التغالب الأثيرة لدى الشخصية العراقية بمختلف قبائلها وطوائفها وشرائحها الاجتماعية المختلفة. فنظراً لغلبة العقلية البدوية ذات النظرة الولائية الضيقة، ونظراً لغلبة قيم التفاخر والرجولة، تصبح مسألة القتل اليومي الذي نشاهده في العراق منذ الاحتلال الأمريكي له، مسألة مرتبطة بتحقيق قيمة المغالبة بغض النظر عن نتائجها المأساوية. فمن يشاركون في هذه المجازر اليومية، هم أبطال يستحقون المدح والتمجيد أمام ذويهم وأبناء عشائرهم ورؤسائهم. فمن ناحية، ووفقاً للقيم البدوية السائدة يُنظر لهؤلاء على أنهم هم الذين بدأوا بالقتل ولم يبادئهم الآخرون به. ومن ناحية أخرى يصب هذا المنحى في الإعلاء من شأن القبيلة ورموزها وتأثيراتها السياسية المستقبلية في فعل التغالب السياسي، وليس كما يظن البعض فعل الحوار السياسي.
ويُنهي الوردي كتابه بفقرة بالغة الدلالة والتركيز حول توقعاته لمستقبل العراق، في وقت كانت فيه الأمور أكثر تماسكاً وتجانساً عما عليه الحال الآن، حيث يقول (إن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما لدى أي شعب عربي آخر باستثناء لبنان، وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية، وينبغي لأهل العراق أن يعتبروا من تجاربهم الماضية، وهذا أوان الاعتبار، فهل من يسمع؟!
وكتب علي الوردي هذه الأفكار وعبّر عن هذه الهواجس منذ ما يزيد على الأربعة عقود من الزمان، ورغم ما في كتاباته من تعميمات واسعة النطاق وسيولة منهجية مفرطة، ربما ترتبط بصعوبة الحديث عن موضوع بنية الشعب العراقي، إلا أنه وقف على أسس فارقة بخصوص التطورات التي لحقت بهذا الشعب، وأثرت في بنيته الاجتماعية منذ ظهور الإسلام وحتى الآن. وعلى ما يبدو أن علي الوردي وهو يطرح الحل الديمقراطي والنسبية العددية الخاصة بمشكلة الصراع القبلي والطائفي والقومي في العراق لم يكن متفائلاً بطروحاته المقترحة، لكنه آثر أن ينهي كتابه بما يراه متوافقاً مع وضعية التركيبة العراقية القائمة على مبدأ التغالب من ناحية، وبما جاء متوافقاً مع توجهاته الليبرالية في أبرز تجلياتها المرتكزة على فهم حقيقي لوضعية المجتمعات العربية عامة، والمجتمع العراقي خاصة.
وبالطبع يمكننا القول إنه بعد مرور أربعة عقود على ما كتبه الوردي أن أحداً لم يعتبر من التجارب الماضية، كما يمكن القول أيضاً إن أحداً لم يسمع ما قاله الوردي، فلا يزال العراق ينتقل من الأسوأ إلى الوضع الأكثر سوءاً، ومن تدهور إلى آخر. فالقانون الحاكم الآن في العراق، ليس هو الإرهاب كما قد يظن البعض، لكنه نزعة التغالب التي انطلقت من عقالها، لتجد متنفسها في العديد من الطوائف والقبائل والنزعات الدينية الضيقة. وإلى أن يظهر من يستطيع لجم نزعة التغالب هذه على المستوى القومي ستظل انفلاتات هذه النزعة تتوالد يوما بعد يوم عبر المزيد من الانقسامات الجديدة والتفسخات المهلكة وممارسات القتل التي لا تنتهي.
::/fulltext::
::cck::2903::/cck::
