القدرات النووية الإسرائيلية
::cck::2912::/cck::
::introtext::
جاء المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في عامه الخمسين، الذي عقد في سبتمبر 2006، وقد خيم على أعماله العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو 2006، الذي راح ضحيته عشرات المئات الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، بالإضافة إلى تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، حيث تستمر إسرائيل في عدوانها على الأراضي الفلسطينية.
::/introtext::
::fulltext::
جاء المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في عامه الخمسين، الذي عقد في سبتمبر 2006، وقد خيم على أعماله العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو 2006، الذي راح ضحيته عشرات المئات الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، بالإضافة إلى تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، حيث تستمر إسرائيل في عدوانها على الأراضي الفلسطينية.
من ناحية أخرى، تزامنت مع أعمال المؤتمر مطالبة واشنطن بفرض عقوبات على إيران بسبب رفضها وقف نشاطات تخصيب اليورانيوم وانتهاء المهلة التي حددها مجلس الأمن لهذا الغرض وهي 31 أغسطس 2006. ولعل هذا كان الدافع وراء تقديم مجموعة الدول العربية، مشروع القرار العربي (القدرات النووية الإسرائيلية والخطر النووي الإسرائيلي). كما قدمت مصر مشروع قرار بشأن تطبيق ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الشرق الأوسط. وقد تضمن مشروع القرار العربي أربع توصيات هي: الترحيب بانضمام جميع الدول في الشرق الأوسط إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؛ ويطلب من إسرائيل أن تنضم إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية من أجل تحقيق عالمية تلك المعاهدة في الشرق الأوسط وإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ويطالب مشروع القرار المدير العام بالعمل مع الدول المعنية، لاسيما الدول التي تتحمل مسؤولية خاصة عن الحفاظ على السلم والأمن الدوليين لتحقيق تلك الغاية.
وكانت الدول العربية تكتفي في السابق ومنذ عام 1992 بطرح الموضوع كبند على جدول أعمال مؤتمرات الوكالة، وتوافق على الاكتفاء ببيان من رئيس المؤتمر يعرب عن القلق بسبب هذه القدرات والمخاطر الناجمة عنه، ومن ثم يكتفي بطرح البند على جدول أعمال المؤتمر الذي يليه حتى عام 2005. ولكن الأمر اختلف هذا العام بسبب التطورات التي تشهدها المنطقة منذ الصيف الساخن حتى العدوان الإسرائيلي غير المبرر على لبنان وفلسطين. خصوصاً أن الكثيرين ضاقوا ذرعاً من سياسة (الكيل بمكيالين) التي تتبناها الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، والحماسة الظاهرة لفرض عقوبات على إيران بشأن ملفها النووي في حين يقف المجتمع الدولي مكتوف الأيدي إزاء إسرائيل. فضلاً عن أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي ترفض الانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي، كما ترفض إخضاع منشآتها النووية لنظام الضمانات الشاملة ورقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما أدى إلى تزايد الشكوى حول مدى إخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي.
فإلى متى ستظل إسرائيل تراوغ وتماطل في هذا الأمر، في حين انضمت جميع دول المنطقة إلى المعاهدة، وأخضعت جميع منشآتها وأنشطتها النووية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟
-1-
أصرت المجموعة العربية على طرح مشروع القرار للمناقشة، وأبدت صموداً قوياً لأول مرة في اجتماعات رؤساء المجموعات الجغرافية طيلة أيام المؤتمر حتى اليوم الأخير، ما تسبب في تأجيل انعقاد الجلسة الختامية نحو خمس ساعات متواصلة نتيجة الخلاف بين الدول العربية من ناحية، والولايات المتحدة والدول الغربية من ناحية أخرى، التي نجحت في تأجيل مناقشة القرار إلى العام المقبل، بناء على طلب مندوب كندا الذي طالب بالتصويت على التأجيل وليس على مضمون مشروع القرار، على الرغم من إصرار الدول العربية على عدم التأجيل، حيث أسفر التصويت عن موافقة 45 دولة على التأجيل، بينما اعترضت 29 دولة بينها كل الدول العربية وكوبا وفنزويلا وبعض الدول النامية مثل جنوب إفريقيا وإيران، في حين امتنعت 19 دولة عن التصويت بينها الهند وروسيا، وقد اعتبر الاتحاد الأوروبي أن مشروع القرار مصبوغ بصبغة سياسية، إذ يتعلق الأمر بالنزاع في منطقة الشرق الأوسط.
أما الدول العربية، فقد أصابتها الدهشة من طلب تأجيل المناقشة في ظل الأوضاع الراهنة التي تسببت فيها السياسات الإسرائيلية العدوانية تجاه شعوب المنطقة، ورغم أن دول العالم تعلم أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية تبلغ نحو 200 رأس نووي. وما يخفف الإحباط العربي أن التصويت تم على تأجيل المناقشة إلى العام المقبل ( وهي مسألة إجرائية بحتة )، وليس على ما تضمنه القرار من مسائل موضوعية، فالموافقة على التأجيل هنا لا تعني رفض مضمون القرار. كما وصف المراقبون الإصرار العربي على طرح المشروع للمناقشة بأنه (بالون) قصد به اختبار نية المجتمع الدولي لتحديد موقفه بالنسبة للبرنامج النووي الإسرائيلي، وقد تكون نقلة نوعية وبداية ينطلق منها العرب في المؤتمرات المقبلة بطرح مشروع القرار للمناقشة، ورسالة قوية للمجتمع الدولي بأن صبر العرب قد نفد على التسويف والمماطلة الإسرائيلية فيما يتعلق بالقضايا النووية. وربما يكون ذلك نوعاً من الضغط العربي على إسرائيل وحلفائها لكي تحرك المياه الراكدة في المنطقة، خاصة عملية السلام التي أصيبت بالجمود منذ عدة سنوات.كما أن المشروع جاء في توقيت مهم تحتفل فيه الوكالة بمرور خمسين عاماً على تأسيسها، ويذكّر الوكالة والمجتمع الدولي بمهامهما ومسؤولياتهما تجاه قضايا منع الانتشار من خلال الانتباه إلى البرنامج النووي الإسرائيلي، الذي لا يجب تركه إلى الأبد بحجج السلام، لأن ذلك يؤثر في الأمن والاستقرار ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم أجمع أيضاً، إذا ما وضعنا في الاعتبار أن الشرق الأوسط من أكبر المناطق حساسية في العالم. وفضلاً عن ذلك، فإن ترك البرنامج النووي الإسرائيلي دون رقابة صارمة من قبل المجتمع الدولي يثير الكثير من الشكوك حول مصداقية معاهدة منع الانتشار ويحول دون تحقيق عالميته، بالإضافة إلى عدم تطبيق نظام الضمانات الشاملة للوكالة على المنشآت والمرافق النووية، بسبب التعنت الإسرائيلي الذي أفشل جهود مدير عام الوكالة الدكتور محمد البرادعي مع جميع الأطراف المعنية في المنطقة دون جدوى حتى الآن. وأكدت مواقف الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية السياسات ذات المعايير المزدوجة التي تنتهجها في ما يتعلق بالمسائل النووية والأمنية في الشرق الأوسط. ففي حين تركز واشنطن والدول الأوروبية على البرنامج النووي الإيراني منذ نحو ثلاث سنوات، وتطالب طهران بالتخلي عن أنشطتها النووية الحساسة، فإنها تغض البصر عن البرنامج النووي الإسرائيلي مما قد يجعل بعض دول المنطقة تفكر وتسعى لامتلاك سلاح نووي مقابل للسلاح الإسرائيلي الذي يحظى بحصانة غير مبررة من المساءلة الدولية. وما يدعو للغرابة أن إسرائيل تعبر من خلال الوكالة وبمنتهى الانزعاج عن قلقها من مخاطر الانتشار، في إشارة منها لطهران النووية في المنطقة، وهو أمر يمثل بلا شك استهتاراً بالنظام الدولي برمته ثقة منها بأنها لا تخضع لحساب أو عقاب. والذي لا تريد الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية فهمه هو أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا إلا إذا انضمت إسرائيل أسوة ببقية دول المنطقة إلى المعاهدة، كما أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى مزيد من الخلل في أمن المنطقة واستقرارها وسيدخلها في سباق تسلح وخيم العواقب. وما يزيد من الإحساس بالانزعاج لدى الدول العربية، أنها سعت على مدى أكثر من ثلاثة عقود إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، وبذلت جهوداً حثيثة لذلك، وأطلقت عدداً من المبادرات على الساحة الدولية. وبالرغم من صدور العديد من القرارات الدولية، التي تؤكد ضرورة تطبيق نظام الضمانات الشاملة في المنطقة، وتطالب إسرائيل بالانضمام لمعاهدة منع الانتشار النووي، فإن آليات التنفيذ على الساحة الدولية لاتزال غائبة، مما يجعل العمل على عدم الاستمرار في التغاضي عن هذه القضية في الوكالة أمراً ملحاً باعتبارها مسألة في صميم اختصاص الوكالة. أما بخصوص مشروع القرار المصري الخاص بتطبيق الضمانات الشاملة للوكالة على كل المنشآت النووية في الشرق الأوسط بلا استثناء والذي كان متوقعاً أن يتبناه المؤتمر بتوافق الآراء فقد طرح للتصويت بطلب من إسرائيل، وعقبت مصر طالبة أن يكون ذلك بأسماء الوفود، خصوصاً أن مصر لم تدخل أي تعديل على نص القرار منذ أربعة عشر عاماً مما اقتضى تحديثه، وقدمت المشروع بعد مشاورات موسعة حيث تضمن المشروع الحد الأدنى من التعديلات المطلوبة في الصياغة لتعكس الواقع من دون أن يمس ذلك بالعناصر الموضوعية لمضمون القرار التي تتمتع بتوافق المجتمع الدولي.
وانتقدت إسرائيل مشروع القرار الذي قدمته الدول العربية الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأعربت عن تحفظها على مطالبة الدول العربية بإدراج بندٍ آخر تحت عنوان (تطبيق ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الشرق الأوسط). وطالبت البعثة الإسرائيلية لدى الوكالة المؤتمر العام بحذف البند المتعلق بـ (القدرات النووية الإسرائيلية والخطر النووي الإسرائيلي) والذي وصفته بـ (النزق)، والإبقاء على البند الثاني المتعلق بـ (تطبيق ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الشرق الأوسط)، لإدامة القرار الذي تبنته المؤتمرات العامة السابقة. واعتبرت البعثة الإسرائيلية في مذكرة رفعتها إلى الأمانة العامة للوكالة الذرية بتاريخ 8 سبتمبر 2006، إدراج البند المعنون (القدرات النووية الإسرائيلية والخطر النووي الإسرائيلي) بأنه (غير مسوّغ من الناحية الجوهرية وغير صائب من الناحية العملية). واعتبرته أنه (لا يتناول مخاوف الانتشار الأكثر إلحاحاً والتداعيات الأمنية الأوسع نطاقاً، ولا هو يخلق مناخاً مواتياً لمناقشة قضايا يمكن لمداولاتها في مؤتمر عام الوكالة أن تؤدي دوراً إيجابياً فيها).
وأسفر التصويت عن موافقة أغلبية ساحقة بعدد 89 دولة على المشروع، بينما اعترضت فقط كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين امتنع عن التصويت كل من أستراليا والكاميرون ونيجيريا. وتؤكد نتيجة التصويت على مدى التأييد لإخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل من أجل الاستقرار والأمن في المنطقة، بالإضافة إلى قناعة المجتمع الدولي بأهمية نزع السلاح النووي من الشرق الأوسط وإخضاع كل المرافق النووية فيه لنظام الرقابة الدولية للوكالة، مما يؤكد أن طلب إسرائيل التصويت على القرار جاء كرد فعل أمام إصرار وصمود المجموعة العربية في تقديم مشروع القرار العربي لانتقاد القدرات النووية الإسرائيلية والخطر النووي الإسرائيلي لمناقشته في المؤتمر، حيث إن توافق الآراء الذي كان يتحقق في الأعوام الماضية بالنسبة لمشروع تطبيق الضمانات كان مقابل عدم طرح مشروع القدرات النووية الإسرائيلية والخطر النووي الإسرائيلي والاكتفاء بالبيان الرئاسي. وبرغم ذلك لم تراع إسرائيل ذلك، وطالبت بالتصويت على المشروع، لكن خابت آمالها في رفض المشروع.
-2-
بدأت إسرائيل مشروع خيارها النووي منذ عام 1956، ولم يعلن عنه حتى عام 1960، عندما تم الكشف عن بناء المفاعل النووي الثاني في (ديمونا)، وادعي بأنه مخصص للأغراض السلمية. ومن المعروف أن إسرائيل كانت قد تلقت المساعدات والدعم الشامل علمياً وتقنياً ومالياً من الدول الغربية لإنشاء وتطوير برنامجها النووي، ولاسيما من قبل فرنسا التي قامت ببناء مفاعل (ديمونا)، والولايات المتحدة الأمريكية التي قامت ببناء ثلاثة مفاعلات نووية، وهي مفاعل (ريشون ليزيون) في عام 1956، الذي يقع بالقرب من مدينة حيفا، ومفاعل (ناحال سوريق) في عام 1960، الذي يقع في وادي (سوريق)، بالقرب من قرية (ناحال سوريق)، الواقعة بالقرب من شاطئ البحر المتوسط، ومفاعل (النبي روبين) في عام 1966. فضلاً عن مساعدة أطراف دولية غربية عدة في عبور شحنة كاملة من نحو (200) طن من اليورانيوم إلى إسرائيل وضعت بين مواد عدة أخرى. وتشير التقارير الدولية المتخصصة في هذا المجال إلى تضخم ترسانة إسرائيل النووية وامتلاكها نحو (200) قنبلة نووية، وذكر أحد المصادر الأمريكية أن احتياطي (البلوتونيوم) الإسرائيلي الذي يستخدم في صنع السلاح النووي، يقدر بنحو (300-500) كيلو جرام، أي ما يكفي لصنع أكثر من (100) قنبلة نووية أخرى. كما كشف تقرير مخابراتي سوفييتي (سابق) قام بتوزيعه (جون غليم) عضو مجلس الشيوخ الأمريكي في عام 1999 عن تخزين إسرائيل في ترسانتها النووية ما يصل إلى نحو (200) قنبلة نووية، في حين يرفع العدد مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة شيكاغو ما بين 400-600 سلاح نووي إسرائيلي. وتعمد إسرائيل في مجال انفرادها بالسلاح النووي في المنطقة، إلى خلط الأوراق وإيهام العالم بأن مصدر الخطر على الأمن الإسرائيلي لا ينحصر بجيرانها العرب فحسب، بل ومن دول أبعد جغرافياً عنها مثل إيران وباكستان لتصل حتى إلى كوريا الشمالية، والزعم بأن احتكارها للسلاح النووي هو الكفيل بتحقيق ما سمته الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، والأساس لضمان استمرار التسويات (السلمية) للصراع العربي-الإسرائيلي.
لذا كان الرد الطبيعي على ذلك هو رفض فكرة التعايش برمتها مع الترسانة النووية الإسرائيلية لأن عدم الرفض يعني الاستسلام لهذا الاستثناء في المنطقة. إن هذا المنطق الإسرائيلي يفرض اليقظة عربياً وعالمياً ويرافقها فعل جدي منظم في تعبئة الرأي العام العالمي، وتحذيره من خطورة احتكار إسرائيل للأسلحة النووية في منطقة الشرق الأوسط. ويعد من أولويات العمل المرحلي القادم من جانب الدول العربية أن تضع العالم على حقيقة ما يجري في إسرائيل، وإجبارها على الرضوخ لقرارات المجتمع الدولي في نزع أسلحتها المحظورة في هذا الجزء الحيوي من العالم، لكي يتحقق التوازن المفقود في المنطقة وإبعادها عن خطر الإنجرار وراء سباق التسلح النووي وأسلحة التدمير الشامل الأخرى الكيماوية والبيولوجية والجرثومية التي بإمكان العرب السعي لامتلاكها إن لم يتمكنوا من الحصول على السلاح النووي، لكنها تمتاز هي الأخرى بقدرة ردعية لا يستهان بها. وبسبب السند الخارجي لإسرائيل من قبل الغرب ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية والانقسام والانشقاق والتشرذم في الصف العربي وعدم قدرة القادة العرب على اتخاذ قرار استراتيجي تاريخي بالشروع في الحصول على أسلحة مقابلة تحقق توازن الرعب الإقليمي في المنطقة تبقى القوة النووية الإسرائيلية مصدر قوة وردع بيد إسرائيل التي استطاعت من خلالها أن تفرض واقعاً سياسياً واقتصادياً في المنطقة يصب في خدمتها ويؤمّن مصالحها، وفي انتظار امتلاك العرب وسائل الردع المقابل أو إجبار المجتمع الدولي إسرائيل على التخلي عن ترسانتها النووية والتوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وخضوع منشآتها النووية لتفتيش المراقبين الدوليين، يبقى العرب تحت رحمة السلاح النووي الإسرائيلي في ظل الدعم الأمريكي والغربي المطلق وفي غياب أي ضمانات أمنية دولية في مستوى الطموحات العربية.
وكان المدير العام للوكالة الذرية محمد البرادعي اعترف بأنه فشل في إحراز التقدم المطلوب في ضمانات الوكالة الشاملة في الشرق الأوسط. ففي التقرير الذي تلاه في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العام للوكالة أوضح البرادعي مجدداً أنه واصل إجراء مشاورات مع عدد من كبار المسؤولين في حكومات الدول المعنية في الشرق الأوسط، ولكنه عبّر عن الأسف لعدم إحراز أي تقدم نظراً لاستمرار الفجوة بين إسرائيل والدول العربية. وأكد البرادعي أن المشاورات التي أجراها مع الدول المعنية في الشرق الأوسط خلال العام الحالي، فشلت في التوصل إلى أي اتفاق حول جدول أعمال المنتدى الدولي للاستفادة في الشرق الأوسط من تجارب سابقة في إنشاء مناطق خالية من الأسلحة النووية وإجراءات بناء قواعد الثقة، وأن فجوة الخلافات التي لا تزال عميقة بين الدول العربية وإسرائيل تتمحور حول رفض إسرائيل وضع كافة منشآتها النووية تحت رقابة الوكالة الذرية، ورفضها الانضمام سواء إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو نظام ضمانات الوكالة الشاملة، ما دامت عملية التسوية السلمية لم تتحقق بالكامل بينها وبين الدول العربية.
وفي التحليل الأخير، يتطلب هذا القرار أن تكثف جميع الدول الأعضاء جهودها لكسر حالة الجمود التي تحيط بتنفيذ قرار المؤتمر العام، وتتكاتف من أجل فرض احترام مبادئ واضحة محددة في مجال منع الانتشار النووي تنطبق على الجميع دون استثناء، وتساعد على القضاء على المخاطر الناجمة عن الانتشار النووي، وتمنع اندلاع سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط حفاظاً على السلم والأمن الدوليين. والذي لاشك فيه أن أسلوب تناول الدول الأعضاء في الوكالة لبندي الشرق الأوسط على جدول الأعمال يمثل اختباراً حقيقياً لمدى مصداقية المجتمع الدولي في دعم معاهدة منع الانتشار النووي التي تمثل أساس عمل الوكالة ومرجعية نشاطها، وتختبر كذلك مدى مصداقية وحياد الأصوات التي تنادي بالحفاظ على مصداقية معاهدة منع الانتشار، وتطالب بالامتثال الكامل لها خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2912::/cck::
::introtext::
جاء المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في عامه الخمسين، الذي عقد في سبتمبر 2006، وقد خيم على أعماله العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو 2006، الذي راح ضحيته عشرات المئات الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، بالإضافة إلى تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، حيث تستمر إسرائيل في عدوانها على الأراضي الفلسطينية.
::/introtext::
::fulltext::
جاء المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في عامه الخمسين، الذي عقد في سبتمبر 2006، وقد خيم على أعماله العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو 2006، الذي راح ضحيته عشرات المئات الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، بالإضافة إلى تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، حيث تستمر إسرائيل في عدوانها على الأراضي الفلسطينية.
من ناحية أخرى، تزامنت مع أعمال المؤتمر مطالبة واشنطن بفرض عقوبات على إيران بسبب رفضها وقف نشاطات تخصيب اليورانيوم وانتهاء المهلة التي حددها مجلس الأمن لهذا الغرض وهي 31 أغسطس 2006. ولعل هذا كان الدافع وراء تقديم مجموعة الدول العربية، مشروع القرار العربي (القدرات النووية الإسرائيلية والخطر النووي الإسرائيلي). كما قدمت مصر مشروع قرار بشأن تطبيق ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الشرق الأوسط. وقد تضمن مشروع القرار العربي أربع توصيات هي: الترحيب بانضمام جميع الدول في الشرق الأوسط إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؛ ويطلب من إسرائيل أن تنضم إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية من أجل تحقيق عالمية تلك المعاهدة في الشرق الأوسط وإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ويطالب مشروع القرار المدير العام بالعمل مع الدول المعنية، لاسيما الدول التي تتحمل مسؤولية خاصة عن الحفاظ على السلم والأمن الدوليين لتحقيق تلك الغاية.
وكانت الدول العربية تكتفي في السابق ومنذ عام 1992 بطرح الموضوع كبند على جدول أعمال مؤتمرات الوكالة، وتوافق على الاكتفاء ببيان من رئيس المؤتمر يعرب عن القلق بسبب هذه القدرات والمخاطر الناجمة عنه، ومن ثم يكتفي بطرح البند على جدول أعمال المؤتمر الذي يليه حتى عام 2005. ولكن الأمر اختلف هذا العام بسبب التطورات التي تشهدها المنطقة منذ الصيف الساخن حتى العدوان الإسرائيلي غير المبرر على لبنان وفلسطين. خصوصاً أن الكثيرين ضاقوا ذرعاً من سياسة (الكيل بمكيالين) التي تتبناها الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، والحماسة الظاهرة لفرض عقوبات على إيران بشأن ملفها النووي في حين يقف المجتمع الدولي مكتوف الأيدي إزاء إسرائيل. فضلاً عن أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي ترفض الانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي، كما ترفض إخضاع منشآتها النووية لنظام الضمانات الشاملة ورقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما أدى إلى تزايد الشكوى حول مدى إخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي.
فإلى متى ستظل إسرائيل تراوغ وتماطل في هذا الأمر، في حين انضمت جميع دول المنطقة إلى المعاهدة، وأخضعت جميع منشآتها وأنشطتها النووية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟
-1-
أصرت المجموعة العربية على طرح مشروع القرار للمناقشة، وأبدت صموداً قوياً لأول مرة في اجتماعات رؤساء المجموعات الجغرافية طيلة أيام المؤتمر حتى اليوم الأخير، ما تسبب في تأجيل انعقاد الجلسة الختامية نحو خمس ساعات متواصلة نتيجة الخلاف بين الدول العربية من ناحية، والولايات المتحدة والدول الغربية من ناحية أخرى، التي نجحت في تأجيل مناقشة القرار إلى العام المقبل، بناء على طلب مندوب كندا الذي طالب بالتصويت على التأجيل وليس على مضمون مشروع القرار، على الرغم من إصرار الدول العربية على عدم التأجيل، حيث أسفر التصويت عن موافقة 45 دولة على التأجيل، بينما اعترضت 29 دولة بينها كل الدول العربية وكوبا وفنزويلا وبعض الدول النامية مثل جنوب إفريقيا وإيران، في حين امتنعت 19 دولة عن التصويت بينها الهند وروسيا، وقد اعتبر الاتحاد الأوروبي أن مشروع القرار مصبوغ بصبغة سياسية، إذ يتعلق الأمر بالنزاع في منطقة الشرق الأوسط.
أما الدول العربية، فقد أصابتها الدهشة من طلب تأجيل المناقشة في ظل الأوضاع الراهنة التي تسببت فيها السياسات الإسرائيلية العدوانية تجاه شعوب المنطقة، ورغم أن دول العالم تعلم أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية تبلغ نحو 200 رأس نووي. وما يخفف الإحباط العربي أن التصويت تم على تأجيل المناقشة إلى العام المقبل ( وهي مسألة إجرائية بحتة )، وليس على ما تضمنه القرار من مسائل موضوعية، فالموافقة على التأجيل هنا لا تعني رفض مضمون القرار. كما وصف المراقبون الإصرار العربي على طرح المشروع للمناقشة بأنه (بالون) قصد به اختبار نية المجتمع الدولي لتحديد موقفه بالنسبة للبرنامج النووي الإسرائيلي، وقد تكون نقلة نوعية وبداية ينطلق منها العرب في المؤتمرات المقبلة بطرح مشروع القرار للمناقشة، ورسالة قوية للمجتمع الدولي بأن صبر العرب قد نفد على التسويف والمماطلة الإسرائيلية فيما يتعلق بالقضايا النووية. وربما يكون ذلك نوعاً من الضغط العربي على إسرائيل وحلفائها لكي تحرك المياه الراكدة في المنطقة، خاصة عملية السلام التي أصيبت بالجمود منذ عدة سنوات.كما أن المشروع جاء في توقيت مهم تحتفل فيه الوكالة بمرور خمسين عاماً على تأسيسها، ويذكّر الوكالة والمجتمع الدولي بمهامهما ومسؤولياتهما تجاه قضايا منع الانتشار من خلال الانتباه إلى البرنامج النووي الإسرائيلي، الذي لا يجب تركه إلى الأبد بحجج السلام، لأن ذلك يؤثر في الأمن والاستقرار ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم أجمع أيضاً، إذا ما وضعنا في الاعتبار أن الشرق الأوسط من أكبر المناطق حساسية في العالم. وفضلاً عن ذلك، فإن ترك البرنامج النووي الإسرائيلي دون رقابة صارمة من قبل المجتمع الدولي يثير الكثير من الشكوك حول مصداقية معاهدة منع الانتشار ويحول دون تحقيق عالميته، بالإضافة إلى عدم تطبيق نظام الضمانات الشاملة للوكالة على المنشآت والمرافق النووية، بسبب التعنت الإسرائيلي الذي أفشل جهود مدير عام الوكالة الدكتور محمد البرادعي مع جميع الأطراف المعنية في المنطقة دون جدوى حتى الآن. وأكدت مواقف الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية السياسات ذات المعايير المزدوجة التي تنتهجها في ما يتعلق بالمسائل النووية والأمنية في الشرق الأوسط. ففي حين تركز واشنطن والدول الأوروبية على البرنامج النووي الإيراني منذ نحو ثلاث سنوات، وتطالب طهران بالتخلي عن أنشطتها النووية الحساسة، فإنها تغض البصر عن البرنامج النووي الإسرائيلي مما قد يجعل بعض دول المنطقة تفكر وتسعى لامتلاك سلاح نووي مقابل للسلاح الإسرائيلي الذي يحظى بحصانة غير مبررة من المساءلة الدولية. وما يدعو للغرابة أن إسرائيل تعبر من خلال الوكالة وبمنتهى الانزعاج عن قلقها من مخاطر الانتشار، في إشارة منها لطهران النووية في المنطقة، وهو أمر يمثل بلا شك استهتاراً بالنظام الدولي برمته ثقة منها بأنها لا تخضع لحساب أو عقاب. والذي لا تريد الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية فهمه هو أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا إلا إذا انضمت إسرائيل أسوة ببقية دول المنطقة إلى المعاهدة، كما أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى مزيد من الخلل في أمن المنطقة واستقرارها وسيدخلها في سباق تسلح وخيم العواقب. وما يزيد من الإحساس بالانزعاج لدى الدول العربية، أنها سعت على مدى أكثر من ثلاثة عقود إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، وبذلت جهوداً حثيثة لذلك، وأطلقت عدداً من المبادرات على الساحة الدولية. وبالرغم من صدور العديد من القرارات الدولية، التي تؤكد ضرورة تطبيق نظام الضمانات الشاملة في المنطقة، وتطالب إسرائيل بالانضمام لمعاهدة منع الانتشار النووي، فإن آليات التنفيذ على الساحة الدولية لاتزال غائبة، مما يجعل العمل على عدم الاستمرار في التغاضي عن هذه القضية في الوكالة أمراً ملحاً باعتبارها مسألة في صميم اختصاص الوكالة. أما بخصوص مشروع القرار المصري الخاص بتطبيق الضمانات الشاملة للوكالة على كل المنشآت النووية في الشرق الأوسط بلا استثناء والذي كان متوقعاً أن يتبناه المؤتمر بتوافق الآراء فقد طرح للتصويت بطلب من إسرائيل، وعقبت مصر طالبة أن يكون ذلك بأسماء الوفود، خصوصاً أن مصر لم تدخل أي تعديل على نص القرار منذ أربعة عشر عاماً مما اقتضى تحديثه، وقدمت المشروع بعد مشاورات موسعة حيث تضمن المشروع الحد الأدنى من التعديلات المطلوبة في الصياغة لتعكس الواقع من دون أن يمس ذلك بالعناصر الموضوعية لمضمون القرار التي تتمتع بتوافق المجتمع الدولي.
وانتقدت إسرائيل مشروع القرار الذي قدمته الدول العربية الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأعربت عن تحفظها على مطالبة الدول العربية بإدراج بندٍ آخر تحت عنوان (تطبيق ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الشرق الأوسط). وطالبت البعثة الإسرائيلية لدى الوكالة المؤتمر العام بحذف البند المتعلق بـ (القدرات النووية الإسرائيلية والخطر النووي الإسرائيلي) والذي وصفته بـ (النزق)، والإبقاء على البند الثاني المتعلق بـ (تطبيق ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الشرق الأوسط)، لإدامة القرار الذي تبنته المؤتمرات العامة السابقة. واعتبرت البعثة الإسرائيلية في مذكرة رفعتها إلى الأمانة العامة للوكالة الذرية بتاريخ 8 سبتمبر 2006، إدراج البند المعنون (القدرات النووية الإسرائيلية والخطر النووي الإسرائيلي) بأنه (غير مسوّغ من الناحية الجوهرية وغير صائب من الناحية العملية). واعتبرته أنه (لا يتناول مخاوف الانتشار الأكثر إلحاحاً والتداعيات الأمنية الأوسع نطاقاً، ولا هو يخلق مناخاً مواتياً لمناقشة قضايا يمكن لمداولاتها في مؤتمر عام الوكالة أن تؤدي دوراً إيجابياً فيها).
وأسفر التصويت عن موافقة أغلبية ساحقة بعدد 89 دولة على المشروع، بينما اعترضت فقط كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين امتنع عن التصويت كل من أستراليا والكاميرون ونيجيريا. وتؤكد نتيجة التصويت على مدى التأييد لإخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل من أجل الاستقرار والأمن في المنطقة، بالإضافة إلى قناعة المجتمع الدولي بأهمية نزع السلاح النووي من الشرق الأوسط وإخضاع كل المرافق النووية فيه لنظام الرقابة الدولية للوكالة، مما يؤكد أن طلب إسرائيل التصويت على القرار جاء كرد فعل أمام إصرار وصمود المجموعة العربية في تقديم مشروع القرار العربي لانتقاد القدرات النووية الإسرائيلية والخطر النووي الإسرائيلي لمناقشته في المؤتمر، حيث إن توافق الآراء الذي كان يتحقق في الأعوام الماضية بالنسبة لمشروع تطبيق الضمانات كان مقابل عدم طرح مشروع القدرات النووية الإسرائيلية والخطر النووي الإسرائيلي والاكتفاء بالبيان الرئاسي. وبرغم ذلك لم تراع إسرائيل ذلك، وطالبت بالتصويت على المشروع، لكن خابت آمالها في رفض المشروع.
-2-
بدأت إسرائيل مشروع خيارها النووي منذ عام 1956، ولم يعلن عنه حتى عام 1960، عندما تم الكشف عن بناء المفاعل النووي الثاني في (ديمونا)، وادعي بأنه مخصص للأغراض السلمية. ومن المعروف أن إسرائيل كانت قد تلقت المساعدات والدعم الشامل علمياً وتقنياً ومالياً من الدول الغربية لإنشاء وتطوير برنامجها النووي، ولاسيما من قبل فرنسا التي قامت ببناء مفاعل (ديمونا)، والولايات المتحدة الأمريكية التي قامت ببناء ثلاثة مفاعلات نووية، وهي مفاعل (ريشون ليزيون) في عام 1956، الذي يقع بالقرب من مدينة حيفا، ومفاعل (ناحال سوريق) في عام 1960، الذي يقع في وادي (سوريق)، بالقرب من قرية (ناحال سوريق)، الواقعة بالقرب من شاطئ البحر المتوسط، ومفاعل (النبي روبين) في عام 1966. فضلاً عن مساعدة أطراف دولية غربية عدة في عبور شحنة كاملة من نحو (200) طن من اليورانيوم إلى إسرائيل وضعت بين مواد عدة أخرى. وتشير التقارير الدولية المتخصصة في هذا المجال إلى تضخم ترسانة إسرائيل النووية وامتلاكها نحو (200) قنبلة نووية، وذكر أحد المصادر الأمريكية أن احتياطي (البلوتونيوم) الإسرائيلي الذي يستخدم في صنع السلاح النووي، يقدر بنحو (300-500) كيلو جرام، أي ما يكفي لصنع أكثر من (100) قنبلة نووية أخرى. كما كشف تقرير مخابراتي سوفييتي (سابق) قام بتوزيعه (جون غليم) عضو مجلس الشيوخ الأمريكي في عام 1999 عن تخزين إسرائيل في ترسانتها النووية ما يصل إلى نحو (200) قنبلة نووية، في حين يرفع العدد مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة شيكاغو ما بين 400-600 سلاح نووي إسرائيلي. وتعمد إسرائيل في مجال انفرادها بالسلاح النووي في المنطقة، إلى خلط الأوراق وإيهام العالم بأن مصدر الخطر على الأمن الإسرائيلي لا ينحصر بجيرانها العرب فحسب، بل ومن دول أبعد جغرافياً عنها مثل إيران وباكستان لتصل حتى إلى كوريا الشمالية، والزعم بأن احتكارها للسلاح النووي هو الكفيل بتحقيق ما سمته الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، والأساس لضمان استمرار التسويات (السلمية) للصراع العربي-الإسرائيلي.
لذا كان الرد الطبيعي على ذلك هو رفض فكرة التعايش برمتها مع الترسانة النووية الإسرائيلية لأن عدم الرفض يعني الاستسلام لهذا الاستثناء في المنطقة. إن هذا المنطق الإسرائيلي يفرض اليقظة عربياً وعالمياً ويرافقها فعل جدي منظم في تعبئة الرأي العام العالمي، وتحذيره من خطورة احتكار إسرائيل للأسلحة النووية في منطقة الشرق الأوسط. ويعد من أولويات العمل المرحلي القادم من جانب الدول العربية أن تضع العالم على حقيقة ما يجري في إسرائيل، وإجبارها على الرضوخ لقرارات المجتمع الدولي في نزع أسلحتها المحظورة في هذا الجزء الحيوي من العالم، لكي يتحقق التوازن المفقود في المنطقة وإبعادها عن خطر الإنجرار وراء سباق التسلح النووي وأسلحة التدمير الشامل الأخرى الكيماوية والبيولوجية والجرثومية التي بإمكان العرب السعي لامتلاكها إن لم يتمكنوا من الحصول على السلاح النووي، لكنها تمتاز هي الأخرى بقدرة ردعية لا يستهان بها. وبسبب السند الخارجي لإسرائيل من قبل الغرب ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية والانقسام والانشقاق والتشرذم في الصف العربي وعدم قدرة القادة العرب على اتخاذ قرار استراتيجي تاريخي بالشروع في الحصول على أسلحة مقابلة تحقق توازن الرعب الإقليمي في المنطقة تبقى القوة النووية الإسرائيلية مصدر قوة وردع بيد إسرائيل التي استطاعت من خلالها أن تفرض واقعاً سياسياً واقتصادياً في المنطقة يصب في خدمتها ويؤمّن مصالحها، وفي انتظار امتلاك العرب وسائل الردع المقابل أو إجبار المجتمع الدولي إسرائيل على التخلي عن ترسانتها النووية والتوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وخضوع منشآتها النووية لتفتيش المراقبين الدوليين، يبقى العرب تحت رحمة السلاح النووي الإسرائيلي في ظل الدعم الأمريكي والغربي المطلق وفي غياب أي ضمانات أمنية دولية في مستوى الطموحات العربية.
وكان المدير العام للوكالة الذرية محمد البرادعي اعترف بأنه فشل في إحراز التقدم المطلوب في ضمانات الوكالة الشاملة في الشرق الأوسط. ففي التقرير الذي تلاه في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العام للوكالة أوضح البرادعي مجدداً أنه واصل إجراء مشاورات مع عدد من كبار المسؤولين في حكومات الدول المعنية في الشرق الأوسط، ولكنه عبّر عن الأسف لعدم إحراز أي تقدم نظراً لاستمرار الفجوة بين إسرائيل والدول العربية. وأكد البرادعي أن المشاورات التي أجراها مع الدول المعنية في الشرق الأوسط خلال العام الحالي، فشلت في التوصل إلى أي اتفاق حول جدول أعمال المنتدى الدولي للاستفادة في الشرق الأوسط من تجارب سابقة في إنشاء مناطق خالية من الأسلحة النووية وإجراءات بناء قواعد الثقة، وأن فجوة الخلافات التي لا تزال عميقة بين الدول العربية وإسرائيل تتمحور حول رفض إسرائيل وضع كافة منشآتها النووية تحت رقابة الوكالة الذرية، ورفضها الانضمام سواء إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو نظام ضمانات الوكالة الشاملة، ما دامت عملية التسوية السلمية لم تتحقق بالكامل بينها وبين الدول العربية.
وفي التحليل الأخير، يتطلب هذا القرار أن تكثف جميع الدول الأعضاء جهودها لكسر حالة الجمود التي تحيط بتنفيذ قرار المؤتمر العام، وتتكاتف من أجل فرض احترام مبادئ واضحة محددة في مجال منع الانتشار النووي تنطبق على الجميع دون استثناء، وتساعد على القضاء على المخاطر الناجمة عن الانتشار النووي، وتمنع اندلاع سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط حفاظاً على السلم والأمن الدوليين. والذي لاشك فيه أن أسلوب تناول الدول الأعضاء في الوكالة لبندي الشرق الأوسط على جدول الأعمال يمثل اختباراً حقيقياً لمدى مصداقية المجتمع الدولي في دعم معاهدة منع الانتشار النووي التي تمثل أساس عمل الوكالة ومرجعية نشاطها، وتختبر كذلك مدى مصداقية وحياد الأصوات التي تنادي بالحفاظ على مصداقية معاهدة منع الانتشار، وتطالب بالامتثال الكامل لها خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
::/fulltext::
::cck::2912::/cck::
