الخليج مفككاً!
::cck::2930::/cck::
::introtext::
(قد يأتي الإصلاح على حساب تجاوز الحكومة الاستبدادية للإرادة الموحدة والمؤسسات التاريخية في البلاد، أو تتم المحافظة على الحرية على حساب استمرارية أنظمة من الامتيازات والملكية والحقوق الخاصة والبنية الطبقية والمشاركة الكنسية في شؤون الدولة. كانت الثورة ضد تجديدات الحكومة المعصرنة – ثورة ضد التنوير بمعنى ما. وهي من هذه الناحية لم تكن غير نموذجية بالنسبة لعصرها).
::/introtext::
::fulltext::
(قد يأتي الإصلاح على حساب تجاوز الحكومة الاستبدادية للإرادة الموحدة والمؤسسات التاريخية في البلاد، أو تتم المحافظة على الحرية على حساب استمرارية أنظمة من الامتيازات والملكية والحقوق الخاصة والبنية الطبقية والمشاركة الكنسية في شؤون الدولة. كانت الثورة ضد تجديدات الحكومة المعصرنة – ثورة ضد التنوير بمعنى ما. وهي من هذه الناحية لم تكن غير نموذجية بالنسبة لعصرها).
ادمين ليوون (السلاح والسياسة في أمريكا اللاتينية)
لا تبدو الأنظمة السياسية في الخليج – كما تروج كراسات التحليل السيسيولوجي من لدن غير واحد من المهتمين بتحليل وقراءة نماذج الإصلاح السياسي في الخليج – ذات صورة نمطية مغلفة. وفي معترك هذا التفاوت والتضارب نجد أن هذه الأنظمة الحديثة محتاجة إلى سبر وبحث جديدين، لما يولدا بعد.
كراسات التحليل المهووسة بالترف (الأوليغارشي) وبنتائجها التاريخية، باتت أمام اختبارات ورهانات هذه المرحلة عاجزة عن تبرير المشهد السياسي في الخليج. وأيضاً تكلست مقولات علم الاجتماع الكليانية – سلطة القبيلة/ نمط الحكم في القبيلة – ولم تعد بالمستوى الكافي من الفاعلية على مستوى التحليل والفهم لما يجري حولنا.
ونحن عاجزون فعلاً عن الاستمرار في الاعتماد على هذه التراتبيات الكلاسيكية في تحديد الأطر الفاعلة في الإصلاح السياسي الخليجي، لا في مستواه السياسي فقط من منظور ضيق، لكن، بما يتصل بالنظام الاجتماعي الجديد، الذي بدأ في التشكل والظهور.
منذ أحداث سبتمبر2001 والنظام الاجتماعي بنتائجه السياسية في الخليج يمر بمتغيرات عدة، هذه المتغيرات أحدثت، ولا تزال في طريقها نحو إحداث فترة جديدة من التشكل الاجتماعي (اللامنظم)، وهذه التسمية (اللامنظم) هي تسمية مؤقتة، أستعيرها هنا، ذلك أن نقاشاً جاداً حول ماهية الإصلاح السياسي وانعكاساته الاجتماعية في الخليج لم ير النور بعد.
الإصلاحات السياسية في الخليج وأنماط الحكم
لا تسير سلسلة الإصلاحات السياسية في الخليج عبر نمط تقليدي، بل تقترب في خصوصيتها من نماذج أكثر حضرية من ذلك النمط الرعوي للمجتمعات الرعوية.
وقد تتماثل دول الخليج العربية اليوم – مع طغيان الفارق الثقافي من دولة لأخرى باعتباري أتحفظ على أي تصور وحدة خليجية سيسيولوجياً – مع نماذج (العصرنة الدفاعية)، التي عايشتها الملكيات في أوروبا إبان القرن السابع عشر في طابعها المدني.
ويعود الأمريكي صامويل هنتنغتون بـ(علعلة) هذه الحركات الإصلاحية إلى الخوف من (غزو محتمل)، أو من (حكم أجنبي). ويقترب هنتنغتون من شرح نموذج الحال الخليجية اليوم أكثر حين يسقط رؤيته التحليلية على النموذج الإصلاحي الإيراني عام 1905، إذ يقول (أدى تزايد الغزوات الروسية والبريطانية في إيران إلى الحركة الإصلاحية، وإلى الخطط السياسية التي وضعها (رضا شاه) ما بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت مدفوعة إلى حد كبير برغبته في المحافظة على وحدة الأرض واستقلال بلاده من التأثير البريطاني، ومن التأثير الروسي المحتمل).
لكن الحركة الإصلاحية في الخليج ليست وليدة الخوف الأمني من الخارج فقط، فلقد كانت للضرورات الداخلية التي نشأت بعد أحداث سبتمبر أهميتها التي لا يمكن إغفالها أو المرور عنها، خاصة في النموذج الكويتي والبحريني على وجه التحديد ليبرالياً، وبالنسبة للنموذج السعودي (أصولياً).
وفي الحقيقة كانت (الأفكار) القادمة للخليج أكثر المؤثرات فاعلية في الإصلاح السياسي في الخليج حتى لما قبل أحداث سبتمبر، إذ أصبحت (العصرنة) فرضاً واجباً لسد حاجات شعبية أكثر منه تحولاً مدنياً طبيعياً جراء تهديدات خارجية.
واليوم، تقود نظم الحكم في الخليج حركة العصرنة (الإصلاح السياسي، الإصلاح الاجتماعي، الإصلاح الثقافي والفكري) بنفسها إذ أدركت هذه النظم الحاكمة ضرورة التوجه نحو عصرنة بلدانها، بدلاً من يقوم بهذه العصرنة أحد آخر.
الاختزالات القاتلة.. الإصلاح مقابل الحرية
من جهة أخرى، أهملت قراءات الإصلاح السياسي في الخليج أبعاداً عدة، ولقد كان للظروف الإقليمية والدولية بالغ التأثير في أن تتعرض هذه الإصلاحات السياسية لتلك الاختزالات القاتلة.
أصبح (اجتثاث الحركات الإسلامية التكفيرية) أولاً، وتعزيز الحريات الفردية ثانياً، محوري الإصلاح السياسي في الخليج، في ظل إهمال غير محسوب العواقب لعوامل أخرى قد تكون أكثر محورية وأهمية، وبالطبع يأتي محور قيام دولة (المؤسسات) كأهم المحاور التي تم تجاهلها، رغم أنها تواجدت في غير خطاب من خطابات المعارضة الخليجية في الداخل أو الخارج على حد سواء.
ولقد لعب الإصلاح من جهة، قبالة الحرية للعلمانيين والقمع للأفكار التكفيرية من جهة أخرى، فرس الرهان على الإصلاح السياسي في الخليج، واستطاعت الدول الخليجية كافة أن تنجح في هذا الخيار، وبالفعل نجد اليوم أن الرأي العام العالمي بات يتجه نحو القبول بحقيقة صنعها الإعلام الخليجي بامتياز، وهي أنها حققت مستويات جيدة من الإصلاح السياسي، وجاء ذلك في خطابات سياسية عديدة، كان أهمها إشادات الخارجية الأمريكية بالحركة الإصلاحية في الخليج خاصة في مملكة البحرين، لتفاجأ بعدها الخارجية الأمريكية بطرد إحدى مؤسسات الدعم الديمقراطي التابعة للحزب الديمقراطي (ndi) من البحرين
والأهم من هذا وذاك، هو أن هذه العصرنة والتحديث والإصلاح السياسي في الخليج تمت عبر تكتيكات سياسية استثنائية، صنعتها ظروف الحرب على الإرهاب، ودعوات إصلاح التعليم، والاتجاه نحو الخيار الديمقراطي. هذه التكتيكات السريعة نسبياً لم ترتبط بنمط الحكم القبلي، إلا في كونه نجاحاً في التموقع الجديد (postioning) في مدة قياسية. ما معناه، أن القبيلة –سيسيولوجياً – تمتلك مهارات التمركز في أي ظروف تفرضها عليها ثقافة الصحراء المتقلبة.
واستطاعت دول الخليج أن تبحث عن موقع مناسب وفق المتغيرات السياسية التي تحيط بها، وبرهنت في فترة قياسية على استطاعتها الولوج لتلك الحال من السواء السياسي مع دول الغرب المتهكمة من (القاعدة) وهجماتها في أوروبا وأمريكا.
وكان النجاح الخليجي الأهم هو تحقيق هذا التموضع السياسي (political position) بأقل الخسائر الممكنة في هيكلة نظمها السياسية، فعملية العصرنة التي انتهجتها هذه الدول خلقت لها على الصعيد الأمني – هذه العملية بدأت قبل أحداث سبتمبر وسارعت تلك الأحداث في إنجازها – مؤسسات سيادية فاعلة، استطاعت من خلالها أن تجعل من تلك العصرنة عصرنة دفاعية، عصرنة ممانعة من التغير السياسي الذي كان البعض يطمح إليه.
من يصنع الإصلاح السياسي في الخليج؟
يقول هنتنغتون (قد يتلقى الملوك الذين يريدون العصرنة الدعم من أربعة مصادر، ثلاثة منها من داخل المجتمع وواحد من خارجه).
أول مصدر للدعم والأكثر أهمية بالطبع هو بيروقراطية الدولة، إذ يستطيع النظام السياسي (القلق) أن يستثمر أفراداً من فئات اجتماعية لا ارستقراطية في مراكز القوة الخاصة به، وكل ما عليه هو أن يتحمل جراء ذلك إضعاف نظامه (البيروقراطي) لفترة ما.
وسيسيولوجياً، تبدو البيروقراطية أكبر أعداء النظم الأرستقراطية والتحديث الذي هو سمة الأرستقراطيين في مستوياته الطبقية العليا، والذي لابد أن يتعرض لمضايقات مفيدة، يتم ذلك حين تشترك في أرستقراطيه فئات اجتماعية دنيا. وهو ما يجعل خيارات التحديث متخلفة في نتائجها بضمانات أولية.
أما الذي يربك التجارب الملكية حين تعمد إلى هذا الخيار -بحسب هنتنغتون- هو أن المعارضة تكون في هذه الحال أشد وأكثر قسوة. ففي البحرين – التي تشهد صراعاً سياسياً على صعيد التجنيس، أي صناعة الطبقة الأرستقراطية التي تحدث عنها هنتنغتون – يظهر أن هذه الخيار تمت الاستفادة منه بالفعل.
والعامل الثاني، هو صناعة طبقة من البرجوازيين الجدد، وهذا العامل هو نتيجة تسلسلية لمصدر الدعم الأول في العصرنة. وهذه البرجوازية الجديدة تتصف بالنفعية وبقدرتها الهائلة على صناعة (تحديث) موارب، يدعم الأنظمة السياسية التقليدية في أي ظرف من الظروف، تلك الأنظمة التي تعتبر بالنسبة لها (رأسمالاً) لا يمكن الاستغناء عنه.
والعامل الثالث، هو المجتمع بولاءاته التاريخية، ويفعل عبر الاعتماد على استثمار ذلك الخوف من (الغزو/الخارج/ الخوف من الغرباء). إذ تعمد النظم – بحسب هنتنغتون – إلى استثمار هذه الولاءات في صياغة مستويات مرتفعة من الرضا الشعبي، الذي يُستثمر لاحقاً في إقفال/إكمال حلقة الإصلاح السياسي والتحديث، ويلعب الخارج دور المصدر الرابع للدعم، وهو ما لم تكن الدول الخليجية في حاجة له.
إن التموضع السياسي لدول الخليج بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر هو بمثابة مرحلة إعادة صياغة للنظم الملكية في الخليج، ونجحت دول الخليج كافة في هذا الامتحان الصعب، وعلى مرأى من دول العالم كافة، إلا أن أحداً منا لم يستطع أن يقرأ ماهية هذه العملية الانتقالية!
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2930::/cck::
::introtext::
(قد يأتي الإصلاح على حساب تجاوز الحكومة الاستبدادية للإرادة الموحدة والمؤسسات التاريخية في البلاد، أو تتم المحافظة على الحرية على حساب استمرارية أنظمة من الامتيازات والملكية والحقوق الخاصة والبنية الطبقية والمشاركة الكنسية في شؤون الدولة. كانت الثورة ضد تجديدات الحكومة المعصرنة – ثورة ضد التنوير بمعنى ما. وهي من هذه الناحية لم تكن غير نموذجية بالنسبة لعصرها).
::/introtext::
::fulltext::
(قد يأتي الإصلاح على حساب تجاوز الحكومة الاستبدادية للإرادة الموحدة والمؤسسات التاريخية في البلاد، أو تتم المحافظة على الحرية على حساب استمرارية أنظمة من الامتيازات والملكية والحقوق الخاصة والبنية الطبقية والمشاركة الكنسية في شؤون الدولة. كانت الثورة ضد تجديدات الحكومة المعصرنة – ثورة ضد التنوير بمعنى ما. وهي من هذه الناحية لم تكن غير نموذجية بالنسبة لعصرها).
ادمين ليوون (السلاح والسياسة في أمريكا اللاتينية)
لا تبدو الأنظمة السياسية في الخليج – كما تروج كراسات التحليل السيسيولوجي من لدن غير واحد من المهتمين بتحليل وقراءة نماذج الإصلاح السياسي في الخليج – ذات صورة نمطية مغلفة. وفي معترك هذا التفاوت والتضارب نجد أن هذه الأنظمة الحديثة محتاجة إلى سبر وبحث جديدين، لما يولدا بعد.
كراسات التحليل المهووسة بالترف (الأوليغارشي) وبنتائجها التاريخية، باتت أمام اختبارات ورهانات هذه المرحلة عاجزة عن تبرير المشهد السياسي في الخليج. وأيضاً تكلست مقولات علم الاجتماع الكليانية – سلطة القبيلة/ نمط الحكم في القبيلة – ولم تعد بالمستوى الكافي من الفاعلية على مستوى التحليل والفهم لما يجري حولنا.
ونحن عاجزون فعلاً عن الاستمرار في الاعتماد على هذه التراتبيات الكلاسيكية في تحديد الأطر الفاعلة في الإصلاح السياسي الخليجي، لا في مستواه السياسي فقط من منظور ضيق، لكن، بما يتصل بالنظام الاجتماعي الجديد، الذي بدأ في التشكل والظهور.
منذ أحداث سبتمبر2001 والنظام الاجتماعي بنتائجه السياسية في الخليج يمر بمتغيرات عدة، هذه المتغيرات أحدثت، ولا تزال في طريقها نحو إحداث فترة جديدة من التشكل الاجتماعي (اللامنظم)، وهذه التسمية (اللامنظم) هي تسمية مؤقتة، أستعيرها هنا، ذلك أن نقاشاً جاداً حول ماهية الإصلاح السياسي وانعكاساته الاجتماعية في الخليج لم ير النور بعد.
الإصلاحات السياسية في الخليج وأنماط الحكم
لا تسير سلسلة الإصلاحات السياسية في الخليج عبر نمط تقليدي، بل تقترب في خصوصيتها من نماذج أكثر حضرية من ذلك النمط الرعوي للمجتمعات الرعوية.
وقد تتماثل دول الخليج العربية اليوم – مع طغيان الفارق الثقافي من دولة لأخرى باعتباري أتحفظ على أي تصور وحدة خليجية سيسيولوجياً – مع نماذج (العصرنة الدفاعية)، التي عايشتها الملكيات في أوروبا إبان القرن السابع عشر في طابعها المدني.
ويعود الأمريكي صامويل هنتنغتون بـ(علعلة) هذه الحركات الإصلاحية إلى الخوف من (غزو محتمل)، أو من (حكم أجنبي). ويقترب هنتنغتون من شرح نموذج الحال الخليجية اليوم أكثر حين يسقط رؤيته التحليلية على النموذج الإصلاحي الإيراني عام 1905، إذ يقول (أدى تزايد الغزوات الروسية والبريطانية في إيران إلى الحركة الإصلاحية، وإلى الخطط السياسية التي وضعها (رضا شاه) ما بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت مدفوعة إلى حد كبير برغبته في المحافظة على وحدة الأرض واستقلال بلاده من التأثير البريطاني، ومن التأثير الروسي المحتمل).
لكن الحركة الإصلاحية في الخليج ليست وليدة الخوف الأمني من الخارج فقط، فلقد كانت للضرورات الداخلية التي نشأت بعد أحداث سبتمبر أهميتها التي لا يمكن إغفالها أو المرور عنها، خاصة في النموذج الكويتي والبحريني على وجه التحديد ليبرالياً، وبالنسبة للنموذج السعودي (أصولياً).
وفي الحقيقة كانت (الأفكار) القادمة للخليج أكثر المؤثرات فاعلية في الإصلاح السياسي في الخليج حتى لما قبل أحداث سبتمبر، إذ أصبحت (العصرنة) فرضاً واجباً لسد حاجات شعبية أكثر منه تحولاً مدنياً طبيعياً جراء تهديدات خارجية.
واليوم، تقود نظم الحكم في الخليج حركة العصرنة (الإصلاح السياسي، الإصلاح الاجتماعي، الإصلاح الثقافي والفكري) بنفسها إذ أدركت هذه النظم الحاكمة ضرورة التوجه نحو عصرنة بلدانها، بدلاً من يقوم بهذه العصرنة أحد آخر.
الاختزالات القاتلة.. الإصلاح مقابل الحرية
من جهة أخرى، أهملت قراءات الإصلاح السياسي في الخليج أبعاداً عدة، ولقد كان للظروف الإقليمية والدولية بالغ التأثير في أن تتعرض هذه الإصلاحات السياسية لتلك الاختزالات القاتلة.
أصبح (اجتثاث الحركات الإسلامية التكفيرية) أولاً، وتعزيز الحريات الفردية ثانياً، محوري الإصلاح السياسي في الخليج، في ظل إهمال غير محسوب العواقب لعوامل أخرى قد تكون أكثر محورية وأهمية، وبالطبع يأتي محور قيام دولة (المؤسسات) كأهم المحاور التي تم تجاهلها، رغم أنها تواجدت في غير خطاب من خطابات المعارضة الخليجية في الداخل أو الخارج على حد سواء.
ولقد لعب الإصلاح من جهة، قبالة الحرية للعلمانيين والقمع للأفكار التكفيرية من جهة أخرى، فرس الرهان على الإصلاح السياسي في الخليج، واستطاعت الدول الخليجية كافة أن تنجح في هذا الخيار، وبالفعل نجد اليوم أن الرأي العام العالمي بات يتجه نحو القبول بحقيقة صنعها الإعلام الخليجي بامتياز، وهي أنها حققت مستويات جيدة من الإصلاح السياسي، وجاء ذلك في خطابات سياسية عديدة، كان أهمها إشادات الخارجية الأمريكية بالحركة الإصلاحية في الخليج خاصة في مملكة البحرين، لتفاجأ بعدها الخارجية الأمريكية بطرد إحدى مؤسسات الدعم الديمقراطي التابعة للحزب الديمقراطي (ndi) من البحرين
والأهم من هذا وذاك، هو أن هذه العصرنة والتحديث والإصلاح السياسي في الخليج تمت عبر تكتيكات سياسية استثنائية، صنعتها ظروف الحرب على الإرهاب، ودعوات إصلاح التعليم، والاتجاه نحو الخيار الديمقراطي. هذه التكتيكات السريعة نسبياً لم ترتبط بنمط الحكم القبلي، إلا في كونه نجاحاً في التموقع الجديد (postioning) في مدة قياسية. ما معناه، أن القبيلة –سيسيولوجياً – تمتلك مهارات التمركز في أي ظروف تفرضها عليها ثقافة الصحراء المتقلبة.
واستطاعت دول الخليج أن تبحث عن موقع مناسب وفق المتغيرات السياسية التي تحيط بها، وبرهنت في فترة قياسية على استطاعتها الولوج لتلك الحال من السواء السياسي مع دول الغرب المتهكمة من (القاعدة) وهجماتها في أوروبا وأمريكا.
وكان النجاح الخليجي الأهم هو تحقيق هذا التموضع السياسي (political position) بأقل الخسائر الممكنة في هيكلة نظمها السياسية، فعملية العصرنة التي انتهجتها هذه الدول خلقت لها على الصعيد الأمني – هذه العملية بدأت قبل أحداث سبتمبر وسارعت تلك الأحداث في إنجازها – مؤسسات سيادية فاعلة، استطاعت من خلالها أن تجعل من تلك العصرنة عصرنة دفاعية، عصرنة ممانعة من التغير السياسي الذي كان البعض يطمح إليه.
من يصنع الإصلاح السياسي في الخليج؟
يقول هنتنغتون (قد يتلقى الملوك الذين يريدون العصرنة الدعم من أربعة مصادر، ثلاثة منها من داخل المجتمع وواحد من خارجه).
أول مصدر للدعم والأكثر أهمية بالطبع هو بيروقراطية الدولة، إذ يستطيع النظام السياسي (القلق) أن يستثمر أفراداً من فئات اجتماعية لا ارستقراطية في مراكز القوة الخاصة به، وكل ما عليه هو أن يتحمل جراء ذلك إضعاف نظامه (البيروقراطي) لفترة ما.
وسيسيولوجياً، تبدو البيروقراطية أكبر أعداء النظم الأرستقراطية والتحديث الذي هو سمة الأرستقراطيين في مستوياته الطبقية العليا، والذي لابد أن يتعرض لمضايقات مفيدة، يتم ذلك حين تشترك في أرستقراطيه فئات اجتماعية دنيا. وهو ما يجعل خيارات التحديث متخلفة في نتائجها بضمانات أولية.
أما الذي يربك التجارب الملكية حين تعمد إلى هذا الخيار -بحسب هنتنغتون- هو أن المعارضة تكون في هذه الحال أشد وأكثر قسوة. ففي البحرين – التي تشهد صراعاً سياسياً على صعيد التجنيس، أي صناعة الطبقة الأرستقراطية التي تحدث عنها هنتنغتون – يظهر أن هذه الخيار تمت الاستفادة منه بالفعل.
والعامل الثاني، هو صناعة طبقة من البرجوازيين الجدد، وهذا العامل هو نتيجة تسلسلية لمصدر الدعم الأول في العصرنة. وهذه البرجوازية الجديدة تتصف بالنفعية وبقدرتها الهائلة على صناعة (تحديث) موارب، يدعم الأنظمة السياسية التقليدية في أي ظرف من الظروف، تلك الأنظمة التي تعتبر بالنسبة لها (رأسمالاً) لا يمكن الاستغناء عنه.
والعامل الثالث، هو المجتمع بولاءاته التاريخية، ويفعل عبر الاعتماد على استثمار ذلك الخوف من (الغزو/الخارج/ الخوف من الغرباء). إذ تعمد النظم – بحسب هنتنغتون – إلى استثمار هذه الولاءات في صياغة مستويات مرتفعة من الرضا الشعبي، الذي يُستثمر لاحقاً في إقفال/إكمال حلقة الإصلاح السياسي والتحديث، ويلعب الخارج دور المصدر الرابع للدعم، وهو ما لم تكن الدول الخليجية في حاجة له.
إن التموضع السياسي لدول الخليج بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر هو بمثابة مرحلة إعادة صياغة للنظم الملكية في الخليج، ونجحت دول الخليج كافة في هذا الامتحان الصعب، وعلى مرأى من دول العالم كافة، إلا أن أحداً منا لم يستطع أن يقرأ ماهية هذه العملية الانتقالية!
::/fulltext::
::cck::2930::/cck::
