أمن الخليج وسبل تحقيقه

::cck::2931::/cck::
::introtext::

مع تزايد الاعتماد على النفط وزيادة الاحتياطي البترولي في منطقة الخليج انتقل أمن الخليج إلى المرتبة الأولى في سلم الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا. 

::/introtext::
::fulltext::

مع تزايد الاعتماد على النفط وزيادة الاحتياطي البترولي في منطقة الخليج انتقل أمن الخليج إلى المرتبة الأولى في سلم الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا. وهنا لابد أن نأخذ في الاعتبار محاور ثلاثة تؤثر في أمن منطقة الخليج العربي هي:
– التهديدات الأمنية المختلفة لدول مجلس التعاون.
– تنمية القدرات العسكرية لدول المجلس.
– الدفاع المشترك بين دول المجلس والترتيبات الأمنية في المنطقة.
ظلت بريطانيا تتحمل مسؤولية أمن الخليج منذ الاكتشاف الأول للنفط بكميات تجارية في مجد سليمان جنوب إيران عام 1908م، وحتى انسحابها من المنطقة عام 1971م، لتترك للولايات المتحدة الأمريكية وحدها أعباء هذه المسؤولية.
وكانت بريطانيا تعتمد على إيران في أمن الخليج، ففي عام 1920م اقتطعت بريطانيا من جسد الأمة العربية منطقة المحمَّرة، والأهواز، وبقية ما يعرف بعربستان، وضمتها إلى إيران، وجعلت من الشاه سيداً وحامياً للخليج، ثم دخلت الولايات المتحدة لتساهم معها في تثبيت الحكم في إيران، والمحافظة على أمن الخليج، فكانت إيران مسؤولة عن حماية هذه المنطقة فــي مواجهــة الاتحاد السوفييتي وتجاه أي دولة من دول المنطقة وقبيــل الانسحاب البريطانـي كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد رسمت أهدافها في الخليج، وتمثلت في خمسة أهداف:
1- تعزيز الأمن الإقليمي لمنطقة الخليج.
2- ضمان حرية وسلامة تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.
3- الحفاظ على حرية الملاحة في الخليج.
4- حماية المواطنين الأمريكيين وممتلكاتهم في المنطقة.
5- تدعيم أمن الحلفاء والأصدقاء بمنطقة الخليج.
ولتحقيق هذه الأهداف، انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية عدداً من السياسات، فكان أولها (مبدأ نيكسون) عام 1969م الذي عرف بسياسة (العمودين المتساندين)، تلاه (مبدأ كارتر) عام 1979م الذي يقضي بإنشاء قوة التدخل السريع، ثم سياسة ريجان عام 1981م، بعدها جاءت استراتيجية كلينتون المعروفة باسم الاحتواء المزدوج عام 1993م، وأخيراً سياسة بوش الأب والابن التي تقضي بالتواجد العسكري الأمريكي الدائم في المنطقة، وبذلك نجحت أمريكا في إحاطة الخليج بحزام عسكري أمريكي، فحققت ما يعرف بالجوار الاستراتيجي، وتخلت عن الحماية بالوكالة.
ولقد خرج الخليج من معادلات الأمن الهشة، ليدخل تحت مظلة الأمن القومي الأمريكي التي تعتمد على الوجود العسكري المباشر، ساعد على ذلك انهيار الاتحاد السوفييتي، وانتهاء الحرب الباردة، كما هيأت لها أحداث 11 سبتمبر الأجواء وقدمت لها الذريعة، بالتواجد خلف الخطوط الإيرانية، والانتشار في آسيا الوسطى التي لم تكن تحلم بها من قبل، كما أتاحت لها الاقتراب من النفط في بحر قزوين، وبذلك قطعت على روسيا إعادة احتلال دول آسيا الوسطى.
التهديدات الأمنية
في أواخر عهد الشاه محمد رضا بهلوي تحولت إيران من أداة الحماية إلى أداة للتهديد، وأصبحت تشكل خطراً على المنطقة بسبب الطموحات الإيرانية التاريخية، عندما ظهرت أطماع الشاه في الاستيلاء على آبار النفط، التي كشف عنها كتاب ( crash 79 ) ولمــا لــم يتراجــع الشــاه، قـررت الولايــات المتحـدة الأمريكية التخلص منه واستبداله بحكم ديني يساعد على ضرب الاتحاد السوفييتي لطرده من أفغانستان في ظل ما يعرف باستراتيجية الضرب تحت الحزام التي تعرف باسم ( The under belly soft strategy).
كما سارعت هذه الدول وعلى رأسها المملكة العربية السعودية إلى تأسيس مجلس التعاون في 25 مايو 1981م، ومن يومها بدأت دول الخليج الاعتماد على نفسها في تحقيق أمنها، لكن الخميني استطاع أن يستأثر بالسلطة في إيران، ويوجه الثورة ضد الولايات المتحدة، ويتطلع إلى الهيمنة على المنطقة بأسرها.
وبهذا أصبحت إيران تمثل أكبر تهديد لأمن المنطقة ودول مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً عندما سعت إلى امتلاك أسلحة متطورة، وحثت الخطى نحو امتلاك ترسانة نووية، مستغلة حرب الخليج عام 1990م و 1991م حيث انطلقت بكل طاقاتها وإمكاناتها لتطوير قدراتها القتالية وتصنيع الصواريخ بأنواعها المتوسطة والبعيدة، و من أهمها صاروخ (شهاب) الذي يتجاوز مداه 1300 كيلومتر.
وكان نظام البعث العراقي يمثل التهديد المباشر الثاني لمنطقة الخليج، لكنه انتقل إلى مرحلة الخطورة عندما قام باحتلال دولة الكويت عام 1990م، وبعد حرب الخليج الثانية خفت حدة التهديد العراقي بسبب الحظر الجوي الذي فرض عليه، لكن التهديد العراقي انتهى كلياً باحتلاله وسقوط النظام في بغداد.
أما إسرائيل وتركيا فكما يقول اللواء عبد الرحمن الهواري إنهما من الدول التي تهدد أمن دول الخليج بطريقة غير مباشرة، ومن هذا المنطلق تقرر تفعيل دور دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة التهديدات بإنشاء (قوة درع الجزيرة) عام 1986م، لكن هذه القوة حلت عام 2006م بعــد أن ظلــت عشريــن عاماً لعــدة أسبــاب أهمهــا الجوار الاستراتيجي، وتغيير مصادر التهديد، وظهور خطر الإرهاب، وصعود إيران كقوة إقليمية مؤثرة لها حضور قوي في العراق، وإصرارها على امتلاك قدرات نووية، وصواريخ بعيدة المدى، فضلاً عن الخلل الواضح بين الجيوش الخليجية الستة. وفي ميزان المقارنة نجد أن القوة الإيرانية تبلغ 800 ألف جندي، بينما قوات دول المجلس التي لا تزيد على 400 ألف جندي، على الرغم من أن دول الخليج أنفقت 4 مليار دولار على الأمن والتسلح عام 2005م، وبهذا أصبح الأمن الذاتي لكل دولة من دول المجلس هو البديل الأمثل.
أمن الخليج والأمن القومي الأمريكي
قبل انتهاء ولاية الرئيس كلينتون الرئاسية، وقبيل استلام الرئيس جورج دبليو بوش الثاني رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، تلقى البيت الأبيض تقريراً حول استراتيجية الأمن القومي، وفي ما يخص أمن الخليج، يقول التقرير: (إن هذه المنطقة يجب التركيز عليها، وعدم تعرضها للتهديد من أجل الاستقرار الإقليمي، وأمن مصادر الطاقة، والوقوف في وجه التهديدات التي تشكلها الدول التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل، وحماية أمن شركائنا في المنطقة).
وفي ما يخص أعضاء مجلس التعاون الخليجي جاء فيه (أننا سوف نستمر في تشجيع أعضاء مجلس التعاون الخليجي على أن يعملوا معاً وبطريقة وثيقة من أجل التوصل إلى ترتيبات دفاعية، وأمنية جماعية ومساعدة كل دولة للوفاء بمتطلباتها الدفاعية وتطوير العلاقات الدفاعية الثنائية).
ولتفعيل ما جاء في تقرير استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، تم تجديد معاهدات الدفاع المشتركة الثنائية مع دول مجلس التعاون لعدة سنوات أخرى، مع منح بعض هذه الدول صفة حليف من خارج حلف الناتو، مثل البحرين والكويت، وعلى هذه الصفة يترتب عدد من الاستحقاقات العسكرية والسياسية تجاه هذه الدول. وبموجب هذه الصفة تحصل كل من البحرين والكويت على عدد من المميزات، في مقابل أن تمنحا وجود القوات الأمريكية فيهما حق استخدامها المنشآت العسكرية، بالإضافة إلى الدعم التي تتلقاه هذه القوات من الدول المضيفة.
ولقيت هذه السياسة الأمريكية قبولاً من دول مجلس التعاون، وذلك لأن العلاقات الأمنية تدخل في المسائل الاستراتيجية، ولا علاقة لها بما حدث أو يحدث في العراق، وهو ما عبر عنه وزير الدفاع الكويتي الشيخ جابر المبارك الصباح خلال شهر يونيو 2003م، عندما قال: (إن الوجود الأمريكي في الكويت تحكمه اتفاقيات أمنية موقعة بين البلدين ولا علاقة له بما يحدث في العراق).
إن دول الخليج الصغرى تنظر إلى العلاقات الأمنية بالولايات المتحدة على أنها وثيقة التأمين المناسبة لحمايتها، باعتبارها دولاً صغيرة وغنية ومحاطة بجيران أقوياء يشكلون خطراً عليها.
لقد حقق الوجود الأمريكي في الخليج والعراق ما يعرف بالجوار الاستراتيجي، فجعل من الدول التي كانت تشكل خطراً وتهديداً لدول مجلس التعاون، دولاً تتعرض للتهديد من قبــل القــوات الأمريكيــة، ممــا دعـا الدول التي كانت تهدد دول مجلس التعاون للتحول إلى دول تقع تحت التهديد ما أدى بها إلى زيادة الإنفاق على التسليح، أما دول مجلس التعاون فقد حدَّ الجوار الاستراتيجي من زيادة إنفاقها على التسليح مما جعل هذه الدول توظف الفائض لأغراض التنمية، وبهذا حقق هذا الوجود ثلاثة مظاهر:
1- احتلال العراق وتشكيل حكومة وطنية.
2- تفعيل الترتيبات العسكرية الثانية مع دول الخليج.
3- العزلة شبه الكاملة لإيران وتهديدها.
وأدت هــذه المظاهــر إلــى سقـوط الحكومة المعتدلة في طهران وإتاحة الفرصة لوصول الراديكاليين إلى السلطة، مما صعد الموقف الإيراني، وأخذت حكومة أحمدي نجاد تبعث بتهديدات للولايات المتحدة في حالة تعرضها لأي قصف أو هجوم أمريكي.
ومن أهم هذه التهديدات، ضرب منابع النفط في الخليج، وقفل مضيق هرمز، وقصف القطع البحرية والقواعد الأمريكية في المنطقة، وتصفية الجنود الأمريكيين في العراق، وتوسيع دائرة الإرهاب وتنشيطه في العالم، وبهذا حولت إيران عناصر القوة لديها إلى قوة رادعة جعلت الولايات المتحدة ودول المنطقة تفكر في الحماية من هذه التهديدات، وإلى الالتفاف حول الولايات المتحدة والوقوف معها، فكانت الحرب الإسرائيلية – اللبنانية بمثابة التجربة على القصف المزمع للأهداف الإيرانية، والتأكد من مدى جدية التهديدات الإيرانية.
ولأن الولايات المتحدة الأمريكية وجدت أنه من الصعب فرض العزلة الكاملة على طهران، وأنها أصبحت منافسة لها في الشرق الأوسط فلذلك حددت أهدافها تجاه إيران في ثلاثة أمور:
1- تحريض الأقليات العرقية في إيران على الانفصال مثل العرب، والكرد، والبلوش، والأذريين لتفكيك إيران.
2- قصف المواقع والأهداف العسكرية والنووية لمنعها من الوصول إلى تصنيع السلاح النووي.
3- إسقاط النظام في إيران من خلال القصف وإثارة الشعب الإيراني.
الأنظمة الأمنية المقترحة
لقد ساهمت بعض مراكز الدراسات الاستراتيجية للولايات المتحدة في وضع عدد من الصيغ لأمن الخليج أهمها:
1- الوجود الأمريكي المباشر في المنطقة والذي ينقسم إلى عسكري وسياسي، فالعسكري يصطدم بالإرهاب الذي يقاوم هذا التواجد، وغياب الدعم الشعبي للولايات المتحدة بسبب مساعدة إسرائيل، لكن ذلك لا يثني الولايات المتحدة عن خططها، لكنه يشكل قيوداً عليها، أما الوجود السياسي فيتحقق من خلال العلاقات المميزة مع دول الخليج الست مما يحد من المشكلات الإقليمية.
2- النظام الرأسي في الأمن: وهذا يتطلب أن يكون النظام الأمني متعدد الطبقات، إذ يبدأ بالتعاون الثنائي بين دول الخليج والولايات المتحدة، ويعتمد في ذلك على المناورات العسكرية المنتظمة في دول المنطقة، ما يرفع من مستوى الكفاءة لدى قوات المجلس، كما يؤدي إلى التخفيف من التواجد العسكري الأمريكي.
أما الطبقة الثانية فتعتمد على المنتدى الإقليمي لأمن الخليج ( gulf regional security forum ) شأنها شأن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، ومنتدى الآسيان، فيتكون أعضــاؤه مــن أعضاء سياسيين هــم: دول الخليـج، ومجلس التعاون، بالإضافة إلى دول من خارج المنطقة، ومنظمات لها اهتمام بالخليج، بحيث يربط أطراف الخليج بشبكة من الترتيبات الأمنية القابلة للتوسع والانكماش بحسب الاحتياجات الأمنية، ويستهدف هذا النظام إيجاد بيئة أمنية تشترك فيها دول المنطقة، وتشعر بأن لها مصالح جوهرية تتماشى مع أهدافها القومية.
3- توسيع رقعة حلف شمال الأطلسي، بحيث يمتد هذا الحلف إلى منطقة الخليج من خلال إنشاء حلف دفاعي إقليمي، وهذا يتطلب وضع التهديدات الإرهابية في الحسبان، مع عدم الفصل بين أمن الخليج وأمن الشرق الأوسط والأمن العالمي، كما يتطلب الحد من المنافسة الإقليمية بين الدول وذلك بإيجاد صيغ للتوازن في المصالح والقيم.
وبالمحصلة فإن أي نظام أمني مقترح لا يكتب له النجاح إذا لم تتواضع إرادة الأطراف الخليجية على الاقتناع به وتأييدها للنظام الأمني المقترح، فدول مجلس التعاون يرتبط أمنها الإقليمي بالأمن القومي العربي، كما يتطلب ذلك تطوير قدرات دول المجلس الدفاعية الجماعية، لأن ذلك يؤهل هذه الدول إلى الدخول في أي نظام إقليمي مقترح بحيث يكون لها دور القوة الموازنة، فمنطقة الخليج تتلاقى فيها المصالح وتختلف فيها الأطماع وهو ما يستدعي توافقاً بين دول الخليج وتوازناً في المصالح ونبذاً للأطماع، وهذا ما يحقق الأمن في المنطقة، ويبعد عنها شبح التهديد. فالعالم كله بحاجة إلى الطاقة ويتزايد الطلب والاعتماد عليها، ولابد من حماية هذه الموارد، والمحافظة على الاحتياطي في مكامنها، وتأمين سير الإمدادات بها، والمحافظة على الأسعار عند المنفعة الحدية لها.
إن أمن المنطقة يقع بصفة أساسية على كاهل دول المنطقة وبشكل خاص على دول مجلس التعاون، التي يجب أن تضع لنفسها خطة استراتيجية لتوفير الحماية الخاصة لكل دولة، وبالتالي للمجموعة الخليجية، وذلك بتوفير الأمن والسلامة لمنابع النفط، وهذا يتطلب منها التنسيق فيما بينها في سياستها النفطية من دون الانتظار لتفرض عليها سياسة أمنية من الخارج سواء كان ذلك من دول صديقة أو شقيقة.
إن الصراع في العراق يشكل خطراً على الخليج، كما أن البرنامج النووي في إيران يشكل تهديداً لأمن الخليج، وهنا لابد أن يهدأ الصراع في العراق، ولابد من تدخل عربي وإسلامي في مقابل الانسحاب الأمريكي، حيث إن نذر الحرب الأهلية القائمة على الصراع المذهبي ستمتد إلى دول الخليج، ولن يكون النفط بمنجاة عنها، كما أن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يعطي إشارات خطيرة على الأمن في منطقة الخليج.
لهذا، فإن على دول مجلس التعاون أن ترسم لنفسها خطة استراتيجية تقوم على المواءمة بين دول مجلس التعاون ونبذ الخلاف فيما بينها، وبالتالي وضع خطة متكاملة للتسليح والتدريب، بالإضافة إلى خطة للتحرك السياسي تجاه إيران والعراق لدرء الأخطار قبل وقوعها، وليس الانتظار حتى تقع الكارثة.
لقد استطاعت النمسا وهي الدولة الأوروبية الصغيرة أن تضع السلام في أوروبا لمدة 99 عاماً ما بين حروب نابليون إلى الحرب العالمية الأولى، وذلك بفضل الخطة التي وضعها الأمير كليمنس فون مترنيخ مستشار النمسا. ولذلك فإن مجلس التعاون مطالب بوضع خطة استراتيجية أمنية تعتمد في أساسها على قدرات مجلــس التعاون العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذه الخطة يجب ألا تستثني إيران والعراق، خصوصاً أن أمن الخليج سيكون أهم الموضوعات المطروحة على القمة المقبلة لدول مجلس التعاون.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2931::/cck::
::introtext::

مع تزايد الاعتماد على النفط وزيادة الاحتياطي البترولي في منطقة الخليج انتقل أمن الخليج إلى المرتبة الأولى في سلم الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا. 

::/introtext::
::fulltext::

مع تزايد الاعتماد على النفط وزيادة الاحتياطي البترولي في منطقة الخليج انتقل أمن الخليج إلى المرتبة الأولى في سلم الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا. وهنا لابد أن نأخذ في الاعتبار محاور ثلاثة تؤثر في أمن منطقة الخليج العربي هي:
– التهديدات الأمنية المختلفة لدول مجلس التعاون.
– تنمية القدرات العسكرية لدول المجلس.
– الدفاع المشترك بين دول المجلس والترتيبات الأمنية في المنطقة.
ظلت بريطانيا تتحمل مسؤولية أمن الخليج منذ الاكتشاف الأول للنفط بكميات تجارية في مجد سليمان جنوب إيران عام 1908م، وحتى انسحابها من المنطقة عام 1971م، لتترك للولايات المتحدة الأمريكية وحدها أعباء هذه المسؤولية.
وكانت بريطانيا تعتمد على إيران في أمن الخليج، ففي عام 1920م اقتطعت بريطانيا من جسد الأمة العربية منطقة المحمَّرة، والأهواز، وبقية ما يعرف بعربستان، وضمتها إلى إيران، وجعلت من الشاه سيداً وحامياً للخليج، ثم دخلت الولايات المتحدة لتساهم معها في تثبيت الحكم في إيران، والمحافظة على أمن الخليج، فكانت إيران مسؤولة عن حماية هذه المنطقة فــي مواجهــة الاتحاد السوفييتي وتجاه أي دولة من دول المنطقة وقبيــل الانسحاب البريطانـي كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد رسمت أهدافها في الخليج، وتمثلت في خمسة أهداف:
1- تعزيز الأمن الإقليمي لمنطقة الخليج.
2- ضمان حرية وسلامة تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.
3- الحفاظ على حرية الملاحة في الخليج.
4- حماية المواطنين الأمريكيين وممتلكاتهم في المنطقة.
5- تدعيم أمن الحلفاء والأصدقاء بمنطقة الخليج.
ولتحقيق هذه الأهداف، انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية عدداً من السياسات، فكان أولها (مبدأ نيكسون) عام 1969م الذي عرف بسياسة (العمودين المتساندين)، تلاه (مبدأ كارتر) عام 1979م الذي يقضي بإنشاء قوة التدخل السريع، ثم سياسة ريجان عام 1981م، بعدها جاءت استراتيجية كلينتون المعروفة باسم الاحتواء المزدوج عام 1993م، وأخيراً سياسة بوش الأب والابن التي تقضي بالتواجد العسكري الأمريكي الدائم في المنطقة، وبذلك نجحت أمريكا في إحاطة الخليج بحزام عسكري أمريكي، فحققت ما يعرف بالجوار الاستراتيجي، وتخلت عن الحماية بالوكالة.
ولقد خرج الخليج من معادلات الأمن الهشة، ليدخل تحت مظلة الأمن القومي الأمريكي التي تعتمد على الوجود العسكري المباشر، ساعد على ذلك انهيار الاتحاد السوفييتي، وانتهاء الحرب الباردة، كما هيأت لها أحداث 11 سبتمبر الأجواء وقدمت لها الذريعة، بالتواجد خلف الخطوط الإيرانية، والانتشار في آسيا الوسطى التي لم تكن تحلم بها من قبل، كما أتاحت لها الاقتراب من النفط في بحر قزوين، وبذلك قطعت على روسيا إعادة احتلال دول آسيا الوسطى.
التهديدات الأمنية
في أواخر عهد الشاه محمد رضا بهلوي تحولت إيران من أداة الحماية إلى أداة للتهديد، وأصبحت تشكل خطراً على المنطقة بسبب الطموحات الإيرانية التاريخية، عندما ظهرت أطماع الشاه في الاستيلاء على آبار النفط، التي كشف عنها كتاب ( crash 79 ) ولمــا لــم يتراجــع الشــاه، قـررت الولايــات المتحـدة الأمريكية التخلص منه واستبداله بحكم ديني يساعد على ضرب الاتحاد السوفييتي لطرده من أفغانستان في ظل ما يعرف باستراتيجية الضرب تحت الحزام التي تعرف باسم ( The under belly soft strategy).
كما سارعت هذه الدول وعلى رأسها المملكة العربية السعودية إلى تأسيس مجلس التعاون في 25 مايو 1981م، ومن يومها بدأت دول الخليج الاعتماد على نفسها في تحقيق أمنها، لكن الخميني استطاع أن يستأثر بالسلطة في إيران، ويوجه الثورة ضد الولايات المتحدة، ويتطلع إلى الهيمنة على المنطقة بأسرها.
وبهذا أصبحت إيران تمثل أكبر تهديد لأمن المنطقة ودول مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً عندما سعت إلى امتلاك أسلحة متطورة، وحثت الخطى نحو امتلاك ترسانة نووية، مستغلة حرب الخليج عام 1990م و 1991م حيث انطلقت بكل طاقاتها وإمكاناتها لتطوير قدراتها القتالية وتصنيع الصواريخ بأنواعها المتوسطة والبعيدة، و من أهمها صاروخ (شهاب) الذي يتجاوز مداه 1300 كيلومتر.
وكان نظام البعث العراقي يمثل التهديد المباشر الثاني لمنطقة الخليج، لكنه انتقل إلى مرحلة الخطورة عندما قام باحتلال دولة الكويت عام 1990م، وبعد حرب الخليج الثانية خفت حدة التهديد العراقي بسبب الحظر الجوي الذي فرض عليه، لكن التهديد العراقي انتهى كلياً باحتلاله وسقوط النظام في بغداد.
أما إسرائيل وتركيا فكما يقول اللواء عبد الرحمن الهواري إنهما من الدول التي تهدد أمن دول الخليج بطريقة غير مباشرة، ومن هذا المنطلق تقرر تفعيل دور دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة التهديدات بإنشاء (قوة درع الجزيرة) عام 1986م، لكن هذه القوة حلت عام 2006م بعــد أن ظلــت عشريــن عاماً لعــدة أسبــاب أهمهــا الجوار الاستراتيجي، وتغيير مصادر التهديد، وظهور خطر الإرهاب، وصعود إيران كقوة إقليمية مؤثرة لها حضور قوي في العراق، وإصرارها على امتلاك قدرات نووية، وصواريخ بعيدة المدى، فضلاً عن الخلل الواضح بين الجيوش الخليجية الستة. وفي ميزان المقارنة نجد أن القوة الإيرانية تبلغ 800 ألف جندي، بينما قوات دول المجلس التي لا تزيد على 400 ألف جندي، على الرغم من أن دول الخليج أنفقت 4 مليار دولار على الأمن والتسلح عام 2005م، وبهذا أصبح الأمن الذاتي لكل دولة من دول المجلس هو البديل الأمثل.
أمن الخليج والأمن القومي الأمريكي
قبل انتهاء ولاية الرئيس كلينتون الرئاسية، وقبيل استلام الرئيس جورج دبليو بوش الثاني رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، تلقى البيت الأبيض تقريراً حول استراتيجية الأمن القومي، وفي ما يخص أمن الخليج، يقول التقرير: (إن هذه المنطقة يجب التركيز عليها، وعدم تعرضها للتهديد من أجل الاستقرار الإقليمي، وأمن مصادر الطاقة، والوقوف في وجه التهديدات التي تشكلها الدول التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل، وحماية أمن شركائنا في المنطقة).
وفي ما يخص أعضاء مجلس التعاون الخليجي جاء فيه (أننا سوف نستمر في تشجيع أعضاء مجلس التعاون الخليجي على أن يعملوا معاً وبطريقة وثيقة من أجل التوصل إلى ترتيبات دفاعية، وأمنية جماعية ومساعدة كل دولة للوفاء بمتطلباتها الدفاعية وتطوير العلاقات الدفاعية الثنائية).
ولتفعيل ما جاء في تقرير استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، تم تجديد معاهدات الدفاع المشتركة الثنائية مع دول مجلس التعاون لعدة سنوات أخرى، مع منح بعض هذه الدول صفة حليف من خارج حلف الناتو، مثل البحرين والكويت، وعلى هذه الصفة يترتب عدد من الاستحقاقات العسكرية والسياسية تجاه هذه الدول. وبموجب هذه الصفة تحصل كل من البحرين والكويت على عدد من المميزات، في مقابل أن تمنحا وجود القوات الأمريكية فيهما حق استخدامها المنشآت العسكرية، بالإضافة إلى الدعم التي تتلقاه هذه القوات من الدول المضيفة.
ولقيت هذه السياسة الأمريكية قبولاً من دول مجلس التعاون، وذلك لأن العلاقات الأمنية تدخل في المسائل الاستراتيجية، ولا علاقة لها بما حدث أو يحدث في العراق، وهو ما عبر عنه وزير الدفاع الكويتي الشيخ جابر المبارك الصباح خلال شهر يونيو 2003م، عندما قال: (إن الوجود الأمريكي في الكويت تحكمه اتفاقيات أمنية موقعة بين البلدين ولا علاقة له بما يحدث في العراق).
إن دول الخليج الصغرى تنظر إلى العلاقات الأمنية بالولايات المتحدة على أنها وثيقة التأمين المناسبة لحمايتها، باعتبارها دولاً صغيرة وغنية ومحاطة بجيران أقوياء يشكلون خطراً عليها.
لقد حقق الوجود الأمريكي في الخليج والعراق ما يعرف بالجوار الاستراتيجي، فجعل من الدول التي كانت تشكل خطراً وتهديداً لدول مجلس التعاون، دولاً تتعرض للتهديد من قبــل القــوات الأمريكيــة، ممــا دعـا الدول التي كانت تهدد دول مجلس التعاون للتحول إلى دول تقع تحت التهديد ما أدى بها إلى زيادة الإنفاق على التسليح، أما دول مجلس التعاون فقد حدَّ الجوار الاستراتيجي من زيادة إنفاقها على التسليح مما جعل هذه الدول توظف الفائض لأغراض التنمية، وبهذا حقق هذا الوجود ثلاثة مظاهر:
1- احتلال العراق وتشكيل حكومة وطنية.
2- تفعيل الترتيبات العسكرية الثانية مع دول الخليج.
3- العزلة شبه الكاملة لإيران وتهديدها.
وأدت هــذه المظاهــر إلــى سقـوط الحكومة المعتدلة في طهران وإتاحة الفرصة لوصول الراديكاليين إلى السلطة، مما صعد الموقف الإيراني، وأخذت حكومة أحمدي نجاد تبعث بتهديدات للولايات المتحدة في حالة تعرضها لأي قصف أو هجوم أمريكي.
ومن أهم هذه التهديدات، ضرب منابع النفط في الخليج، وقفل مضيق هرمز، وقصف القطع البحرية والقواعد الأمريكية في المنطقة، وتصفية الجنود الأمريكيين في العراق، وتوسيع دائرة الإرهاب وتنشيطه في العالم، وبهذا حولت إيران عناصر القوة لديها إلى قوة رادعة جعلت الولايات المتحدة ودول المنطقة تفكر في الحماية من هذه التهديدات، وإلى الالتفاف حول الولايات المتحدة والوقوف معها، فكانت الحرب الإسرائيلية – اللبنانية بمثابة التجربة على القصف المزمع للأهداف الإيرانية، والتأكد من مدى جدية التهديدات الإيرانية.
ولأن الولايات المتحدة الأمريكية وجدت أنه من الصعب فرض العزلة الكاملة على طهران، وأنها أصبحت منافسة لها في الشرق الأوسط فلذلك حددت أهدافها تجاه إيران في ثلاثة أمور:
1- تحريض الأقليات العرقية في إيران على الانفصال مثل العرب، والكرد، والبلوش، والأذريين لتفكيك إيران.
2- قصف المواقع والأهداف العسكرية والنووية لمنعها من الوصول إلى تصنيع السلاح النووي.
3- إسقاط النظام في إيران من خلال القصف وإثارة الشعب الإيراني.
الأنظمة الأمنية المقترحة
لقد ساهمت بعض مراكز الدراسات الاستراتيجية للولايات المتحدة في وضع عدد من الصيغ لأمن الخليج أهمها:
1- الوجود الأمريكي المباشر في المنطقة والذي ينقسم إلى عسكري وسياسي، فالعسكري يصطدم بالإرهاب الذي يقاوم هذا التواجد، وغياب الدعم الشعبي للولايات المتحدة بسبب مساعدة إسرائيل، لكن ذلك لا يثني الولايات المتحدة عن خططها، لكنه يشكل قيوداً عليها، أما الوجود السياسي فيتحقق من خلال العلاقات المميزة مع دول الخليج الست مما يحد من المشكلات الإقليمية.
2- النظام الرأسي في الأمن: وهذا يتطلب أن يكون النظام الأمني متعدد الطبقات، إذ يبدأ بالتعاون الثنائي بين دول الخليج والولايات المتحدة، ويعتمد في ذلك على المناورات العسكرية المنتظمة في دول المنطقة، ما يرفع من مستوى الكفاءة لدى قوات المجلس، كما يؤدي إلى التخفيف من التواجد العسكري الأمريكي.
أما الطبقة الثانية فتعتمد على المنتدى الإقليمي لأمن الخليج ( gulf regional security forum ) شأنها شأن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، ومنتدى الآسيان، فيتكون أعضــاؤه مــن أعضاء سياسيين هــم: دول الخليـج، ومجلس التعاون، بالإضافة إلى دول من خارج المنطقة، ومنظمات لها اهتمام بالخليج، بحيث يربط أطراف الخليج بشبكة من الترتيبات الأمنية القابلة للتوسع والانكماش بحسب الاحتياجات الأمنية، ويستهدف هذا النظام إيجاد بيئة أمنية تشترك فيها دول المنطقة، وتشعر بأن لها مصالح جوهرية تتماشى مع أهدافها القومية.
3- توسيع رقعة حلف شمال الأطلسي، بحيث يمتد هذا الحلف إلى منطقة الخليج من خلال إنشاء حلف دفاعي إقليمي، وهذا يتطلب وضع التهديدات الإرهابية في الحسبان، مع عدم الفصل بين أمن الخليج وأمن الشرق الأوسط والأمن العالمي، كما يتطلب الحد من المنافسة الإقليمية بين الدول وذلك بإيجاد صيغ للتوازن في المصالح والقيم.
وبالمحصلة فإن أي نظام أمني مقترح لا يكتب له النجاح إذا لم تتواضع إرادة الأطراف الخليجية على الاقتناع به وتأييدها للنظام الأمني المقترح، فدول مجلس التعاون يرتبط أمنها الإقليمي بالأمن القومي العربي، كما يتطلب ذلك تطوير قدرات دول المجلس الدفاعية الجماعية، لأن ذلك يؤهل هذه الدول إلى الدخول في أي نظام إقليمي مقترح بحيث يكون لها دور القوة الموازنة، فمنطقة الخليج تتلاقى فيها المصالح وتختلف فيها الأطماع وهو ما يستدعي توافقاً بين دول الخليج وتوازناً في المصالح ونبذاً للأطماع، وهذا ما يحقق الأمن في المنطقة، ويبعد عنها شبح التهديد. فالعالم كله بحاجة إلى الطاقة ويتزايد الطلب والاعتماد عليها، ولابد من حماية هذه الموارد، والمحافظة على الاحتياطي في مكامنها، وتأمين سير الإمدادات بها، والمحافظة على الأسعار عند المنفعة الحدية لها.
إن أمن المنطقة يقع بصفة أساسية على كاهل دول المنطقة وبشكل خاص على دول مجلس التعاون، التي يجب أن تضع لنفسها خطة استراتيجية لتوفير الحماية الخاصة لكل دولة، وبالتالي للمجموعة الخليجية، وذلك بتوفير الأمن والسلامة لمنابع النفط، وهذا يتطلب منها التنسيق فيما بينها في سياستها النفطية من دون الانتظار لتفرض عليها سياسة أمنية من الخارج سواء كان ذلك من دول صديقة أو شقيقة.
إن الصراع في العراق يشكل خطراً على الخليج، كما أن البرنامج النووي في إيران يشكل تهديداً لأمن الخليج، وهنا لابد أن يهدأ الصراع في العراق، ولابد من تدخل عربي وإسلامي في مقابل الانسحاب الأمريكي، حيث إن نذر الحرب الأهلية القائمة على الصراع المذهبي ستمتد إلى دول الخليج، ولن يكون النفط بمنجاة عنها، كما أن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يعطي إشارات خطيرة على الأمن في منطقة الخليج.
لهذا، فإن على دول مجلس التعاون أن ترسم لنفسها خطة استراتيجية تقوم على المواءمة بين دول مجلس التعاون ونبذ الخلاف فيما بينها، وبالتالي وضع خطة متكاملة للتسليح والتدريب، بالإضافة إلى خطة للتحرك السياسي تجاه إيران والعراق لدرء الأخطار قبل وقوعها، وليس الانتظار حتى تقع الكارثة.
لقد استطاعت النمسا وهي الدولة الأوروبية الصغيرة أن تضع السلام في أوروبا لمدة 99 عاماً ما بين حروب نابليون إلى الحرب العالمية الأولى، وذلك بفضل الخطة التي وضعها الأمير كليمنس فون مترنيخ مستشار النمسا. ولذلك فإن مجلس التعاون مطالب بوضع خطة استراتيجية أمنية تعتمد في أساسها على قدرات مجلــس التعاون العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذه الخطة يجب ألا تستثني إيران والعراق، خصوصاً أن أمن الخليج سيكون أهم الموضوعات المطروحة على القمة المقبلة لدول مجلس التعاون.

 

::/fulltext::
::cck::2931::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *