سباق التقارب مع إسرائيل.. لماذا تستثنى منه السعودية؟

::cck::2932::/cck::
::introtext::

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تشاع فيها أخبار عن لقاء سعودي-إسرائيلي سري. ولا أدري تحديداً لماذا كل هذه الضجة التي تصاحب هكذا أخبار أو تسريبات أو حتى أمنيات؟ فالدولتان عضوان في الأمم المتحدة، ، وشارك المندوبون السعوديون في محادثات السلام في مدريد على الطاولة نفسها مع الإسرائيليين، كما أعلنت المملكة العربية السعودية مبادرة الملك عبدالله للسلام التي تبنتها قمة بيروت سنة 2002م، وتحولت بعد ذلك إلى مبادرة عربية، وليس بين السعودية وإسرائيل حرب قائمة أو سابقة ولا تحتل إسرائيل أرضاً سعودية. 

::/introtext::
::fulltext::

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تشاع فيها أخبار عن لقاء سعودي-إسرائيلي سري. ولا أدري تحديداً لماذا كل هذه الضجة التي تصاحب هكذا أخبار أو تسريبات أو حتى أمنيات؟ فالدولتان عضوان في الأمم المتحدة، ، وشارك المندوبون السعوديون في محادثات السلام في مدريد على الطاولة نفسها مع الإسرائيليين، كما أعلنت المملكة العربية السعودية مبادرة الملك عبدالله للسلام التي تبنتها قمة بيروت سنة 2002م، وتحولت بعد ذلك إلى مبادرة عربية، وليس بين السعودية وإسرائيل حرب قائمة أو سابقة ولا تحتل إسرائيل أرضاً سعودية.
بينما تتبادل عدة عواصم عربية وإسلامية السفراء مع إسرائيل، فإن دولاً أخرى من المجموعة نفسها لها تمثيل من نوع أو آخر مع تلك الدولة، يضاف إلى ذلك أن أصحاب القضية الأصليين الذين أعطتهم الجامعة العربية والشرعية الدولية حق تمثيل الشعب الفلسطيني يعترفون بإسرائيل ويقبلون التعايش في دولتين، ويلتقي مسؤولون من الطرفين بشكل يومي تقريبا. وحتى الرئيس السوري بشار الأسد نقل عنه في العاشر من أكتوبر 2006م قوله إن سوريا مستعدة للتعايش مع إسرائيل في ظل عملية سلام شاملة رغم تصريح المسؤولين الإسرائيليين بأن الجولان أرض إسرائيلية لا تفاوض حولها، فما الذي يجعل المملكة استثناء من هذه النماذج العربية والإسلامية التي تلتقي مع الإسرائيليين علانية؟
لقد قامت المملكة العربية السعودية منذ 1948م بدور ريادي في دعم القضية الفلسطينية، وهي بحق أكبر داعم للفلسطينيين مادياً وسياسياً، وقد فضحت ومن دون تحفظ الممارسات الإسرائيلية، وعرّت في ساحة المنظمة الدولية على مرأى من العالم ومسمع – وبعبارات لا أعتقد أن دولة عربية أخرى سبقت المملكة إليها أو تستطيع منافستها فيها – العدوان والإجرام الإسرائيلي، بل ذهبت المملكة أبعد من مهاجمة إسرئيل إلى التنديد بالدعم الذي تجده هذه الدولة من حليفتها الكبرى الولايات المتحدة الأمريكية. هذا السلوك الدبلوماسي السعودي ينسجم مع كون القضية الفلسطينية قضية عربية وإسلامية قبل أن تجرى مفاوضات بين الطرفين المعنيين بالقضية وبشكل مباشر في مدريد وأوسلو. ولقد كان الدور السعودي مؤثراً في ممارسة ضغوط على إسرائيل وحلفائها من أجل الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، ومثّل استجابة مباشرة لرفض الشارع السعودي والعربي والإسلامي الاحتلال والممارسات الإسرائيلية، وكان جزءاً من المسؤولية الأخلاقية لبلد يمثل عمق العالم الإسلامي والعربي. إذاً فالموقف السعودي من إسرائيل حالة تتداخل فيها عدة عوامل دينية وعروبية وتاريخية ونفسية وثقافية يصعب التخلص منها بسهولة، وإن فرضت المصلحة عكس ذلك. وحتى الآن لا يبدو أن هناك مصلحة مؤكدة في تجاوز الثوابت التي قامت عليها السياسة السعودية، ورسخت في الوعي العربي رغم أن القياس المنطقي والواقعي على الحالات العربية والإسلامية المذكورة أعلاه لا يخرج المملكة من السياق العام للرؤية العربية لإسرائيل؛ فالدول العربية المؤثرة إما بين مطبع علني أو شبه مطبع أو يدير مفاوضات من تحت الطاولة.
إن إسرائيل من وجهة نظر السياسة السعودية (أخطر مشكلة تهدد الأمن والسلم الدوليين)، وتحول دون (استتباب الاستقرار والازدهار في منطقة الشرق الأوسط، والعالم بأسره)، وتمارس دوراً (عدوانياً مستمراً)، وتمعن في (السياسة الاستيطانية والعدوانية البغيضة)، وترتكب ممارسات (عنصرية) في تحد (سافر) لقرارات الأمم المتحدة، (مستهترة بالمبادئ والمثل العليا الإنسانية)، وتمثل عدواناً واضحاً على (ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه)، وعلى (القيم الأخلاقية والإنسانية، وهي ذات (سلسلة طويلة من (العدوان والإجرام الصهيوني). ففي الأعوام بين 1982 و 2001م تكررت لفظة (إسرائيل) و(الصهيونية) في كلمات المملكة في الأمم المتحدة 195 مرة، أي بمعدل 10 مرات في كل دورة تقريباً، وجميعها في سياقات تنتقد إسرائيل وممارساتها العدوانية من دون تحفظ، معتبرة أن نظرية إسرائيل في الأمن (لا تقل إن لم تزد عن النظريات النازية والفاشية التي تسببت في جر العالم إلى حرب مدمرة). ولم تتوقف المملكة عند حد تعرية إسرائيل في المحافل الدولية، بل تجاوزت ذلك إلى استخدام سلاح النفط لأول مرة في الصراع العربي-الإسرائيلي. ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م رفض خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (عندما كان ولياً للعهد آنذاك) زيارة الولايات المتحدة الأمريكية احتجاجاً على دورها الداعم لإسرائيل، ووجه في أغسطس سنة 2001م خطاباً شديد اللهجة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قال فيه إن العلاقات السعودية-الأمريكية وصلت إلى مفترق طرق، وإن الحاكم الذي لا يشعر بنبض الشارع سيلاقي مصير شاه إيران، مؤكداً أنه منحاز للشعب السعودي في قضية فلسطين، ما جعل الرئيس الأمريكي يتصل به لاحتواء الغضب السعودي وتقديم وعد بمبادرة أمريكية لحل القضية الفلسطينية في دورة الأمم المتحدة في سبتمبر من ذلك العام، ثم وقعت أحداث 11سبتمبر، وأزاحت كل الملفات القديمة إلى ما وراء ملف مكافحة الإرهاب، وأصبحت المملكة ومسؤولوها وجمعياتها الخيرية هي الداعم المزعوم للإرهاب لأنها دعمت بسخاء مقاومة الشعب الفلسطيني وصموده. والسؤال الذي ينبغي طرحه في هذا السياق هو: إلى أي مدى أسهمت هذه المواقف في تحقيق المصلحة الوطنية السعودية؟إن تاريخ العلاقة السعودية مع الفصائل الفلسطينية المقاومة بمختلف تياراتها لم يكن في يوم من الأيام منصفاً للدور السعودي، بل تعرضت المملكة ومصالحها للخطر الإرهابي الذي كانت تمارسه بعض الفصائل الفلسطينية، كما قذف بالنكران في وجه الساسة السعوديين إبان احتلال العراق للكويت، وتبنت منظمة التحرير الفلسطينية موقف دول الضد، وسبب هذا ألماً عميقاً لصناع القرار وللشارع السعودي على حد سواء. وبالقدر الذي دعمت به المملكة القضية الفلسطينية سياسياً ومالياً ومعنوياً، وعرّت الممارسات الإسرائيلية دولياً، كانت هي هدفاً ينال منه الإسرائيليون والإرهابيون والثوريون والمجاهدون العرب بدرجات وأساليب ووسائل مختلفة. ويبدو أن السياسة السعودية الهادئة التي لا تقبل الاستفزاز أو ما يسمى سياسة النفس الطويل جعلت المملكة هدفاً محتملاً للابتزاز، بل ربما أراد بعض الأشقاء القفز إلى مستوى الوصاية على السياسة والمواقف السعودية، وصنفت مواقفها ومبادراتها على أنها واجب لا تشكر عليه، بل كانت هدفاً للتشكيك والتخوين في مجال القضية الفسطينية من قبل رؤساء ومثقفين وسياسيين عرب في مواقف معلنة داخل أروقة الجامعة العربية ومن على منابر الإعلام. وعندما كانت المملكة تواجه تبعات أحداث11سبتمبر لم تعلن دولة عربية موقفاً صريحاً تدعم فيه المواقف السعودية، وتشيد بمبادرات المملكة في مجال السلام، وتنوه بالأموال السعودية التي ضخت في تنمية الدول العربية والإسلامية والصديقة. ولقد تركت المملكة منذ صبيحة 11سبتمبر تواجه أمريكا وحليفتها إسرائيل والمعسكر الغربي عموماً بمفردها، بل وصل الأمر إلى الضرب تحت الحزام، وصرح حاكم عربي للإعلام بعد خروجه من الكونجرس الأمريكي عقب الأحداث بأيام قليلة عندما سئل هل الإسلام مختطف؟ أجاب قائلاً إن (الأسوأ من اختطاف الإسلام ادعاء دول أنها تحكم بالإسلام وهي دول دكتاتورية ليست فيها انتخابات ديمقراطية ولا حريات)، قاصداً المملكة.
وفي سياق مشهد سياسي متنافر ومواقف متنكرة يكون من حق الحكومة السعودية أن تفكر في مصالحها بداية. فإذا كان من المصلحة أن يلتقي السعوديون والإسرائيليون سراً أو علناً فما الذي يمنع من ذلك؟ العروبة لا تمانع هكذا اتصال لأن مصر والأردن وموريتانيا وقطر وعُمان والمغرب وتونس دول عروبية أيضاً ولم يطعن أحد في عروبتها بعد أن طبعت بشكل أو بآخر. وقطعاً فإن الإسلام لا يمنع أي نوع من الاتصال مع إسرائيل إذا كانت فيه مصلحة وطنية مؤكدة، فأعلى مرجعية دينية سنية تمثلت يوماً في الشيخ عبدالعزيز بن باز أفتت بأن: ( كل دولة تنظر لمصلحتها، فإذا رأت أن من المصلحة للمسلمين في بلادها الصلح مع اليهود في تبادل السفراء والبيع والشراء، وغير ذلك من المعاملات التي يجيزها شرع الله المطهر، فلا بأس في ذلك. وإذا رأت أن المصلحة لها ولشعبها مقاطعة اليهود فعلت ما تقتضيه المصلحة الشرعية، وهكذا بقية الدول الكافرة حكمها حكم اليهود في ذلك).
إن أي مطلع على العلاقات السعودية-الأمريكية يعرف حقيقة ما خسره السعوديون في الداخل الأمريكي بسبب مواقفهم من الدولة العبرية. ويعرف المنصفون من المراقبين أيضاً أن الكثير مما قدمه السعوديون لدعم القضية الفلسطينية لم يحقق مصالح المملكة الوطنية، كما أنه لم يؤد إلى تحرير فلسطين، ولم تستغله المملكة لمصالحها الذاتية داخل الجامعة والوطن العربي في بناء خطاب ثوري تصادمي واستغلاله في تحريك الشارع العربي، كما فعل الناصريون، وكما يفعل من تبقى من البعثيين. وبما أن السلام هو الخيار الوحيد حالياً فإن تشجيع القوى المعتدلة في إسرائيل على بدء حوار جاد مع الفلسطينيين ربما يكون أكثر فائدة من إيصاد الأبواب في وجه أي أمل لحل القضية وتخفيف محنة الشعب الفلسطيني، إلا أن الجائزة السعودية لا يجب أن تقدم لإسرائيل بالمجان، فالمبادرة السعودية العربية واضحة: الأرض مقابل السلام، وفلسطين عاصمتها القدس وعودة اللاجئين، وأن محاولة إسرائيل وأمريكا الحصول على كل شيء من دون تقديم تنازلات تحقق العدل على الأرض، وتعيد الحقوق إلى أصحابها مستغلين الوضع المتفجر في المنطقة لصالح إسرائيل هي منطق لا تقبله السعودية ولا تفاوض عليه.
وبالتالي فإن ربط الاتصالات السعودية المزعومة مع الإسرائيليين بالحالة الإيرانية، وتصوير أي صيغة تقارب سعودية-إسرائيلية على أنها موجهة ضد إيران، إنما هو حاجة أمريكية-إسرائيلية أكثر منها سعودية. والمراقبون عموماً يدركون أن أخطاء أمريكا في المنطقة جعلت من إيران الرابح الوحيد، وبالتالي فإن إشاعة لقاء سعودي-إسرائيلي بمبادرة أمريكية إنما هو من قبيل ممارسة ضغوط على إيران لتقديم تنازلات في برنامجها النووي بعد أن بدا واضحا عجز الولايات المتحدة الأمريكية عن ثنيها عن خططها أو حتى إقناع المجموعة الدولية بفرض عقوبات دولية عليها. كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تقنع الناخب الأمريكي في الداخل، وهي على أبواب انتخابات نصفية للكونجرس بمجلسيه، بأنها على وشك تشكيل حلف جديد لمواجهة إيران وعزل سوريا وتحسين الوضع في العراق. إن إشاعة مثل هذا اللقاء السري تجنب الولايات المتحدة الدخول في صراع في وقت غير مناسب مع اللوبي الصهيوني في واشنطن فيما لو حاولت الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات لفك الحصار عن الشعب الفلسطيني وإرغامها على إعلان قبول المبادرة العربية. وفي الوقت نفسه لابد من تقديم أمل للناخب الأمريكي يطمئنه على السياسة الخارجية الأمريكية التي أصبحت عاملاً مهماً أمام صندوق الاقتراع. وبما أن الولايات المتحدة دخلت موسم انتخابات قد يمتد إلى نوفمبر 2008م فإن الذي تملكه هو إدارة تسريبات تبشر بنجاحات ولو محدودة لسياستها في الشرق الأوسط. ومع ذلك ورغم الأبعاد الدولية العديدة لأي لقاء سعودي-إسرائيلي ستبقى المصلحة الوطنية السعودية هي العامل الحاسم في حدوث أي اتصالات مع إسرائيل خصوصاً أننا نلاحظ تغيراً نوعياً واقعياً في السياسة الخارجية السعودية وشفافية مسؤولة في الداخل، ما يجعل أي نوع من الاتصال بالإسرائيليين هو قرار سيادي سعودي تفرضه المصلحة الوطنية، ولن يكون من خلال الشواهد الحية خروجاً على ثابت عروبي أو ديني.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2932::/cck::
::introtext::

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تشاع فيها أخبار عن لقاء سعودي-إسرائيلي سري. ولا أدري تحديداً لماذا كل هذه الضجة التي تصاحب هكذا أخبار أو تسريبات أو حتى أمنيات؟ فالدولتان عضوان في الأمم المتحدة، ، وشارك المندوبون السعوديون في محادثات السلام في مدريد على الطاولة نفسها مع الإسرائيليين، كما أعلنت المملكة العربية السعودية مبادرة الملك عبدالله للسلام التي تبنتها قمة بيروت سنة 2002م، وتحولت بعد ذلك إلى مبادرة عربية، وليس بين السعودية وإسرائيل حرب قائمة أو سابقة ولا تحتل إسرائيل أرضاً سعودية. 

::/introtext::
::fulltext::

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تشاع فيها أخبار عن لقاء سعودي-إسرائيلي سري. ولا أدري تحديداً لماذا كل هذه الضجة التي تصاحب هكذا أخبار أو تسريبات أو حتى أمنيات؟ فالدولتان عضوان في الأمم المتحدة، ، وشارك المندوبون السعوديون في محادثات السلام في مدريد على الطاولة نفسها مع الإسرائيليين، كما أعلنت المملكة العربية السعودية مبادرة الملك عبدالله للسلام التي تبنتها قمة بيروت سنة 2002م، وتحولت بعد ذلك إلى مبادرة عربية، وليس بين السعودية وإسرائيل حرب قائمة أو سابقة ولا تحتل إسرائيل أرضاً سعودية.
بينما تتبادل عدة عواصم عربية وإسلامية السفراء مع إسرائيل، فإن دولاً أخرى من المجموعة نفسها لها تمثيل من نوع أو آخر مع تلك الدولة، يضاف إلى ذلك أن أصحاب القضية الأصليين الذين أعطتهم الجامعة العربية والشرعية الدولية حق تمثيل الشعب الفلسطيني يعترفون بإسرائيل ويقبلون التعايش في دولتين، ويلتقي مسؤولون من الطرفين بشكل يومي تقريبا. وحتى الرئيس السوري بشار الأسد نقل عنه في العاشر من أكتوبر 2006م قوله إن سوريا مستعدة للتعايش مع إسرائيل في ظل عملية سلام شاملة رغم تصريح المسؤولين الإسرائيليين بأن الجولان أرض إسرائيلية لا تفاوض حولها، فما الذي يجعل المملكة استثناء من هذه النماذج العربية والإسلامية التي تلتقي مع الإسرائيليين علانية؟
لقد قامت المملكة العربية السعودية منذ 1948م بدور ريادي في دعم القضية الفلسطينية، وهي بحق أكبر داعم للفلسطينيين مادياً وسياسياً، وقد فضحت ومن دون تحفظ الممارسات الإسرائيلية، وعرّت في ساحة المنظمة الدولية على مرأى من العالم ومسمع – وبعبارات لا أعتقد أن دولة عربية أخرى سبقت المملكة إليها أو تستطيع منافستها فيها – العدوان والإجرام الإسرائيلي، بل ذهبت المملكة أبعد من مهاجمة إسرئيل إلى التنديد بالدعم الذي تجده هذه الدولة من حليفتها الكبرى الولايات المتحدة الأمريكية. هذا السلوك الدبلوماسي السعودي ينسجم مع كون القضية الفلسطينية قضية عربية وإسلامية قبل أن تجرى مفاوضات بين الطرفين المعنيين بالقضية وبشكل مباشر في مدريد وأوسلو. ولقد كان الدور السعودي مؤثراً في ممارسة ضغوط على إسرائيل وحلفائها من أجل الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، ومثّل استجابة مباشرة لرفض الشارع السعودي والعربي والإسلامي الاحتلال والممارسات الإسرائيلية، وكان جزءاً من المسؤولية الأخلاقية لبلد يمثل عمق العالم الإسلامي والعربي. إذاً فالموقف السعودي من إسرائيل حالة تتداخل فيها عدة عوامل دينية وعروبية وتاريخية ونفسية وثقافية يصعب التخلص منها بسهولة، وإن فرضت المصلحة عكس ذلك. وحتى الآن لا يبدو أن هناك مصلحة مؤكدة في تجاوز الثوابت التي قامت عليها السياسة السعودية، ورسخت في الوعي العربي رغم أن القياس المنطقي والواقعي على الحالات العربية والإسلامية المذكورة أعلاه لا يخرج المملكة من السياق العام للرؤية العربية لإسرائيل؛ فالدول العربية المؤثرة إما بين مطبع علني أو شبه مطبع أو يدير مفاوضات من تحت الطاولة.
إن إسرائيل من وجهة نظر السياسة السعودية (أخطر مشكلة تهدد الأمن والسلم الدوليين)، وتحول دون (استتباب الاستقرار والازدهار في منطقة الشرق الأوسط، والعالم بأسره)، وتمارس دوراً (عدوانياً مستمراً)، وتمعن في (السياسة الاستيطانية والعدوانية البغيضة)، وترتكب ممارسات (عنصرية) في تحد (سافر) لقرارات الأمم المتحدة، (مستهترة بالمبادئ والمثل العليا الإنسانية)، وتمثل عدواناً واضحاً على (ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه)، وعلى (القيم الأخلاقية والإنسانية، وهي ذات (سلسلة طويلة من (العدوان والإجرام الصهيوني). ففي الأعوام بين 1982 و 2001م تكررت لفظة (إسرائيل) و(الصهيونية) في كلمات المملكة في الأمم المتحدة 195 مرة، أي بمعدل 10 مرات في كل دورة تقريباً، وجميعها في سياقات تنتقد إسرائيل وممارساتها العدوانية من دون تحفظ، معتبرة أن نظرية إسرائيل في الأمن (لا تقل إن لم تزد عن النظريات النازية والفاشية التي تسببت في جر العالم إلى حرب مدمرة). ولم تتوقف المملكة عند حد تعرية إسرائيل في المحافل الدولية، بل تجاوزت ذلك إلى استخدام سلاح النفط لأول مرة في الصراع العربي-الإسرائيلي. ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م رفض خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (عندما كان ولياً للعهد آنذاك) زيارة الولايات المتحدة الأمريكية احتجاجاً على دورها الداعم لإسرائيل، ووجه في أغسطس سنة 2001م خطاباً شديد اللهجة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قال فيه إن العلاقات السعودية-الأمريكية وصلت إلى مفترق طرق، وإن الحاكم الذي لا يشعر بنبض الشارع سيلاقي مصير شاه إيران، مؤكداً أنه منحاز للشعب السعودي في قضية فلسطين، ما جعل الرئيس الأمريكي يتصل به لاحتواء الغضب السعودي وتقديم وعد بمبادرة أمريكية لحل القضية الفلسطينية في دورة الأمم المتحدة في سبتمبر من ذلك العام، ثم وقعت أحداث 11سبتمبر، وأزاحت كل الملفات القديمة إلى ما وراء ملف مكافحة الإرهاب، وأصبحت المملكة ومسؤولوها وجمعياتها الخيرية هي الداعم المزعوم للإرهاب لأنها دعمت بسخاء مقاومة الشعب الفلسطيني وصموده. والسؤال الذي ينبغي طرحه في هذا السياق هو: إلى أي مدى أسهمت هذه المواقف في تحقيق المصلحة الوطنية السعودية؟إن تاريخ العلاقة السعودية مع الفصائل الفلسطينية المقاومة بمختلف تياراتها لم يكن في يوم من الأيام منصفاً للدور السعودي، بل تعرضت المملكة ومصالحها للخطر الإرهابي الذي كانت تمارسه بعض الفصائل الفلسطينية، كما قذف بالنكران في وجه الساسة السعوديين إبان احتلال العراق للكويت، وتبنت منظمة التحرير الفلسطينية موقف دول الضد، وسبب هذا ألماً عميقاً لصناع القرار وللشارع السعودي على حد سواء. وبالقدر الذي دعمت به المملكة القضية الفلسطينية سياسياً ومالياً ومعنوياً، وعرّت الممارسات الإسرائيلية دولياً، كانت هي هدفاً ينال منه الإسرائيليون والإرهابيون والثوريون والمجاهدون العرب بدرجات وأساليب ووسائل مختلفة. ويبدو أن السياسة السعودية الهادئة التي لا تقبل الاستفزاز أو ما يسمى سياسة النفس الطويل جعلت المملكة هدفاً محتملاً للابتزاز، بل ربما أراد بعض الأشقاء القفز إلى مستوى الوصاية على السياسة والمواقف السعودية، وصنفت مواقفها ومبادراتها على أنها واجب لا تشكر عليه، بل كانت هدفاً للتشكيك والتخوين في مجال القضية الفسطينية من قبل رؤساء ومثقفين وسياسيين عرب في مواقف معلنة داخل أروقة الجامعة العربية ومن على منابر الإعلام. وعندما كانت المملكة تواجه تبعات أحداث11سبتمبر لم تعلن دولة عربية موقفاً صريحاً تدعم فيه المواقف السعودية، وتشيد بمبادرات المملكة في مجال السلام، وتنوه بالأموال السعودية التي ضخت في تنمية الدول العربية والإسلامية والصديقة. ولقد تركت المملكة منذ صبيحة 11سبتمبر تواجه أمريكا وحليفتها إسرائيل والمعسكر الغربي عموماً بمفردها، بل وصل الأمر إلى الضرب تحت الحزام، وصرح حاكم عربي للإعلام بعد خروجه من الكونجرس الأمريكي عقب الأحداث بأيام قليلة عندما سئل هل الإسلام مختطف؟ أجاب قائلاً إن (الأسوأ من اختطاف الإسلام ادعاء دول أنها تحكم بالإسلام وهي دول دكتاتورية ليست فيها انتخابات ديمقراطية ولا حريات)، قاصداً المملكة.
وفي سياق مشهد سياسي متنافر ومواقف متنكرة يكون من حق الحكومة السعودية أن تفكر في مصالحها بداية. فإذا كان من المصلحة أن يلتقي السعوديون والإسرائيليون سراً أو علناً فما الذي يمنع من ذلك؟ العروبة لا تمانع هكذا اتصال لأن مصر والأردن وموريتانيا وقطر وعُمان والمغرب وتونس دول عروبية أيضاً ولم يطعن أحد في عروبتها بعد أن طبعت بشكل أو بآخر. وقطعاً فإن الإسلام لا يمنع أي نوع من الاتصال مع إسرائيل إذا كانت فيه مصلحة وطنية مؤكدة، فأعلى مرجعية دينية سنية تمثلت يوماً في الشيخ عبدالعزيز بن باز أفتت بأن: ( كل دولة تنظر لمصلحتها، فإذا رأت أن من المصلحة للمسلمين في بلادها الصلح مع اليهود في تبادل السفراء والبيع والشراء، وغير ذلك من المعاملات التي يجيزها شرع الله المطهر، فلا بأس في ذلك. وإذا رأت أن المصلحة لها ولشعبها مقاطعة اليهود فعلت ما تقتضيه المصلحة الشرعية، وهكذا بقية الدول الكافرة حكمها حكم اليهود في ذلك).
إن أي مطلع على العلاقات السعودية-الأمريكية يعرف حقيقة ما خسره السعوديون في الداخل الأمريكي بسبب مواقفهم من الدولة العبرية. ويعرف المنصفون من المراقبين أيضاً أن الكثير مما قدمه السعوديون لدعم القضية الفلسطينية لم يحقق مصالح المملكة الوطنية، كما أنه لم يؤد إلى تحرير فلسطين، ولم تستغله المملكة لمصالحها الذاتية داخل الجامعة والوطن العربي في بناء خطاب ثوري تصادمي واستغلاله في تحريك الشارع العربي، كما فعل الناصريون، وكما يفعل من تبقى من البعثيين. وبما أن السلام هو الخيار الوحيد حالياً فإن تشجيع القوى المعتدلة في إسرائيل على بدء حوار جاد مع الفلسطينيين ربما يكون أكثر فائدة من إيصاد الأبواب في وجه أي أمل لحل القضية وتخفيف محنة الشعب الفلسطيني، إلا أن الجائزة السعودية لا يجب أن تقدم لإسرائيل بالمجان، فالمبادرة السعودية العربية واضحة: الأرض مقابل السلام، وفلسطين عاصمتها القدس وعودة اللاجئين، وأن محاولة إسرائيل وأمريكا الحصول على كل شيء من دون تقديم تنازلات تحقق العدل على الأرض، وتعيد الحقوق إلى أصحابها مستغلين الوضع المتفجر في المنطقة لصالح إسرائيل هي منطق لا تقبله السعودية ولا تفاوض عليه.
وبالتالي فإن ربط الاتصالات السعودية المزعومة مع الإسرائيليين بالحالة الإيرانية، وتصوير أي صيغة تقارب سعودية-إسرائيلية على أنها موجهة ضد إيران، إنما هو حاجة أمريكية-إسرائيلية أكثر منها سعودية. والمراقبون عموماً يدركون أن أخطاء أمريكا في المنطقة جعلت من إيران الرابح الوحيد، وبالتالي فإن إشاعة لقاء سعودي-إسرائيلي بمبادرة أمريكية إنما هو من قبيل ممارسة ضغوط على إيران لتقديم تنازلات في برنامجها النووي بعد أن بدا واضحا عجز الولايات المتحدة الأمريكية عن ثنيها عن خططها أو حتى إقناع المجموعة الدولية بفرض عقوبات دولية عليها. كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تقنع الناخب الأمريكي في الداخل، وهي على أبواب انتخابات نصفية للكونجرس بمجلسيه، بأنها على وشك تشكيل حلف جديد لمواجهة إيران وعزل سوريا وتحسين الوضع في العراق. إن إشاعة مثل هذا اللقاء السري تجنب الولايات المتحدة الدخول في صراع في وقت غير مناسب مع اللوبي الصهيوني في واشنطن فيما لو حاولت الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات لفك الحصار عن الشعب الفلسطيني وإرغامها على إعلان قبول المبادرة العربية. وفي الوقت نفسه لابد من تقديم أمل للناخب الأمريكي يطمئنه على السياسة الخارجية الأمريكية التي أصبحت عاملاً مهماً أمام صندوق الاقتراع. وبما أن الولايات المتحدة دخلت موسم انتخابات قد يمتد إلى نوفمبر 2008م فإن الذي تملكه هو إدارة تسريبات تبشر بنجاحات ولو محدودة لسياستها في الشرق الأوسط. ومع ذلك ورغم الأبعاد الدولية العديدة لأي لقاء سعودي-إسرائيلي ستبقى المصلحة الوطنية السعودية هي العامل الحاسم في حدوث أي اتصالات مع إسرائيل خصوصاً أننا نلاحظ تغيراً نوعياً واقعياً في السياسة الخارجية السعودية وشفافية مسؤولة في الداخل، ما يجعل أي نوع من الاتصال بالإسرائيليين هو قرار سيادي سعودي تفرضه المصلحة الوطنية، ولن يكون من خلال الشواهد الحية خروجاً على ثابت عروبي أو ديني.

::/fulltext::
::cck::2932::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *