ثقافة المقاومة واستراتيجياتها
::cck::2933::/cck::
::introtext::
حين نكون مستهدفين باستراتيجيات دولية ذات طابع عدواني، ونرزح تحت أنظمة حكم عاجزة، قلوبها مع غيرنا وسيوفها علينا، فليس أمامنا من خيار سوى تعزيز (ثقافة المقاومة) وترسيخها في النفوس والعقول، وتوسيعها لتبدأ من (الكلمة) إلى (الرصاصة)، مررواً بشتى ركائز وأشكال الممانعة والمنعة، في الاقتصاد وشؤون الجماعة والثقافة وإنتاج الأفكار، وانتزاع الحكم الرشيـد.
::/introtext::
::fulltext::
حين نكون مستهدفين باستراتيجيات دولية ذات طابع عدواني، ونرزح تحت أنظمة حكم عاجزة، قلوبها مع غيرنا وسيوفها علينا، فليس أمامنا من خيار سوى تعزيز (ثقافة المقاومة) وترسيخها في النفوس والعقول، وتوسيعها لتبدأ من (الكلمة) إلى (الرصاصة)، مررواً بشتى ركائز وأشكال الممانعة والمنعة، في الاقتصاد وشؤون الجماعة والثقافة وإنتاج الأفكار، وانتزاع الحكم الرشيـد.
وبقدر حرصنا على مقاومة العدو والتصدي له في ميدان القتال، يجب أن نحرص أيضاً على امتلاك وسائل العزة والقوة، لأنها تحمي المقاومين وتغطي ظهورهم، خاصة إن طالت المعركة واتسع النزال، فلا مقاومة قوية من دون مجتمع يحتضنها، ويفهم مراميها، ويؤمن بأهدافها ومقاصدها، ويساعدها على الاستمرار والبقاء. ولا مقاومة بلا إمكانيات مادية، لشراء السلاح والغذاء والكساء والدواء، ولا مقاومة بلا أفكار عميقة وأحلام عريضة وإيمان دفين راسخ لا يتزعزع بالله والوطن والحق والعدل والخير والجمال.
وحتى نصل إلى هذا علينا أن نعمل على جبهتين في آن واحد، بلا كلل ولا ملل، الأولى ضد العدو الخارجي، الذي يريد احتلال بلادنا ونهب ما تبقى لنا من ثروات طبيعية وتأجيج الفتن بين أبناء أوطاننا، من أجل تحقيق مصالحه. وإذا كان هذا طبع الدول الكبرى والإمبراطوريات في كل زمان ومكان فإنه من الطبيعي لأي بلد مستهدف أن يقاوم بشتى الطرق، دفاعاً عن مصالحه أيضاً. أما الثانية فهي ضد القوى الداخلية التي تحول دون نهضة بلادنا، حين تمنع بالاستبداد ميلاد الديمقراطية، وتمنع بالفساد وسوء الإدارة مولد الرخاء، وتخدر بإعلامها المأجور وثقافتها الراكدة عقول الناس، فيتقاعسون عن الانتصار للمصلحة العامة، وتكرس جهدها ليس لتحصيل الحرية والتنمية إنما لتدمير الدولة، بما يحرث الأرض أمام أي غريب غاز أو محتل أو طامع.
وهذه المزاوجة بين الجبهتين باتت ضرورة، فالانتصار في معركة الخارج لا يمكن أن يتحقق على الوجه الأكمل إلا بالنصر في معركة الداخل، والجماهير التي لا تستطيع أن تنتزع مطالبها الداخلية، لا يمكن أن تشكل رقماً ذا بال في علاقات الدول، وفي السياسة الخارجية. ومن ثم فإن بعض النابهين ممن يعملون ليل نهار على تعزيز ثقافة المقاومة أخذوا يربطون بين معركتهم ضد إسرائيل ومؤيدتها أمريكا وبين نضالهم ضد الفساد والاستبداد في بلادهم.
وجعلت الحالة التي خلقها العدوان الإسرائيلي على لبنان الفرصة سانحة أمام هذه المزاوجة، إذ إنها كشفت العدو وبددت أوهامه بالتزامن مع كشفها حقيقة بعض الأنظمة العربية، والهوة الواسعة جداً بينها وبين الشعوب في المطالب والمواقف والعواطف والحسابات والرغبات والاستعداد للتضحيات والخوف على حاضر أوطاننا ومستقبلها. وبرهنت الأحداث مرة أخرى، وبشكل أكثر وضوحاً وجلاء، أن ما يحول دون انتصارنا في الحروب، أو على الأقل إيلامنا للعدو وردعنا له، هو الحكام الخائفون على أنظمتهم، وليس لأن العرب جبناء، أو لا يملكون قدرة على التصدي والمواجهة والصمود، بل والانتصار.
إن ثقافة المقاومة تقوم على عدة أسس يجب أن تكون حاضرة ومفهومة في أذهان كل المقاومين، فهي ثقافة نضالية وليست عدوانية أو إرهابية، لا تنشر قيم الكراهية في المجتمع ولا تخاصمه أو ترميه بالخيانة، وهي ثقافة تفرق جيداً، ومن دون أي لبس أو غموض، بين (السلام) و(الاستسلام)، وهي أيضاً ثقافة تعض بالنواجذ على الثوابت الوطنية، فلا تفريط فيها، ولا مقامرة بها، ولا مساومة عليها. وهي ثقافة تقوم على القاعدة الذهبية التي تقول (يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال)، فمهما ماد الناس أو مالوا، ومهما دب اليأس في نفوسهم وتخاذلوا، فإن المقاومين لا تخور عزائمهم، ولا ينفرط عقدهم، ولا تموت أحلامهم في تحقيق النصر المبين، مهما طال أمد المعركة، ومهما تعددت أشكالها. وهي كذلك ثقافة خلاقة متجددة، تستعصي على الموت والفناء مهما كان حجم الإغارة عليها، فتنتقل من جيل إلى جيل، وتسلم رايتها من يد إلى يد، وتحرص دوماً على أن تتسع رقعتها، ويتعزز وجودها، فتضرب في كل الأرض جذوراً قوية، لا يستطيع أعداء الداخل أو الخارج أن يخلعوها. وهي إن كمنت أو هدأت قليلا في (استراحة محارب) فإنها تهب كالمارد حين تستشعر أن هناك من يتربص بنا، أو يرغب في العدوان علينا.
وبالطبع فإن المقاومة لا تحل بغتة كالزلازل، إنما تولد على مهل كما ينبلج الصبح من رحم الليل. والناس لا ترى ولا تدرك إلا الذروة في فعل المقاومة، ويحسب المتعجلون والغافلون والمغرضون أنها إما عملية عشوائية أو تهور لا يدرك العواقب ولا يتوخى الحذر، أو هبة عفوية، أو رغبة دفينة لدى فصيل من الناس في العنف، وربما الانتحار، بل يشكك هؤلاء في جدواها على المدى البعيد.
لكن الراسخين في العلم والعمل يؤمنون بأن أي شخص أو مجموعة عليها أن تمر بمراحل عدة من التربية النفسية والسياسية والتدريب العسكري حتى تحمل صفة (المقاومة) وشرفها، أو حتى تكون مقاومة حقيقية لديها قدرة على التصدي والصمود والاستمرار والبقاء والتجدد الخلاق في التفاعل مع الواقع المعيش، إما لتغييره إلى الأفضل، أو على الأقل إيقاف ولجم من يريد لهذا الواقع أن يصير أكثر قبحاً ومهانة وذلاً واستكانة.
وتبدأ الرحلة إلى المقاومة بإدراك الفرد أو المجموعة للظروف التي تحيط بها، والإلمام بتفاصيلها، أو على الأقل معرفة الصورة الكلية العامة غير المنقوصة لها، وتحديد ماهية العدو، والوعي بأفعاله وخططه الآنية والمستقبلية. ثم تأتي بعدها مرحلة بناء موقف رافض لهذه الظروف، ساخط عليها، راغب في تغييرها. وهذا الرفض قد يكون عند البعض مجرد شحنة نفسية يتم التنفيس عنها إيجابياً في كلام غاضب أو تظاهرة أو سلبياً بالانسحاب واللامبالاة والقناعة بما يجري، لكنه عند من يسير في طريق اكتساب المقاومة يكون هذا الرفض لبنة قوية، تتراص فوقها المواقف والسلوكيات الأخرى، حتى تصل بصاحبها إلى استعداد تام لحمل السلاح، والتضحية بالنفس في سبيل الوطن أو القضية أو المبد
وأول هذه السلوكيات هي اكتساب سمة (العناد) الإيجابي، التي تعني التمسك بالحق، والمنافحة عنه، والاستعداد لبذل المزيد من الجهد في سبيل إعلائه، سواء ضد الغير، وهم أولئك المدافعون عن الباطل، أو ضد الذات أو أنفس الذاهبين إلى اكتساب المقاومة، فلا تكون أنفساً أمارة بالسوء أو دافعة إلى الاستسهال والتراخي والتراجع خطوات إلى الخلف، فيتم السكوت عن الظلم، وترك الباطل يترعرع ويمد أذرعه، فيطوق أكبر عدد من الناس، كما يطوق الأخطبوط فريسته.
وثاني هذه السلوكيات هو (الممانعة) التي تعني اتساع العناد كسمة نفسية ليكتسب أبعاداً اجتماعية أو ليتفاعل مع ما يجري بألسنة الناس وأياديهم. وتضيق الممانعة وتتسع طبقاً لعوامل عديدة منها درجة أصالة القضية التي تنافح عنها المقاومة، وحجم الإجماع الوطني حولها، والقدرات التنظيمية للمقاومين أنفسهم، التي تؤهلهم للاتصال والتعبئة والحشد، لإيجاد أكبر قدر من التفاعل مع مواقفهم وقضيتهم.
والممانعة هي الدرجة الأقرب للمقاومة، والطريق المستقيم إليها، والبيت الأكبر الذي يحتضنها ويؤويها، وهي تقوم على إدراك الجماعة الوطنية أنها مستهدفة، وأن عليها أن تقف في وجه من يستهدفها، مترابطة أبية، قادرة على التصعيد إذا احتاج الأمر. وإذا كان هذا الاستهداف قد انتقل إلى الفعل، وقطع شوطاً في محاولة النيل من استقلال الوطن وتهديد أمنه ومصالحه العليا، تأتي الممانعة في صيغة رفض حاد وتمرد، يمكن أن يأخذ شكل مقاطعة شراء السلع التي ينتجها الأعداء أو من يؤيدونهم، أو ينتظم في تحركات شعبية عبر الجمعيات والمؤسسات الأهلية، التي تعلن رفض ما يجري، وتحول هذا الرفض إلى فعل إيجابي، يحمل رسائل قوية إلى العدو بأن الجماعة الوطنية لن تصمت على أفعاله وجرائمه، وأنها ستقاوم خططه واستراتيجياته، وستضحي بالغالي والنفيس في سبيل إفشالها. وقد تأخذ الممانعة شكل (العصيان المدني) على غرار المنهج الذي اتبعه المهاتما غاندي في مواجهة الاحتلال الإنجليزي للهند، أو (النضال السياسي) المنظم المحمي برضاء الشعب ومباركته، مثل ما اتبعه سعد زغلول ورفاقه في كفاحهم من أجل استقلال مصر من الاستعمار البريطاني.
وفي مرحلة الممانعة يكون الرافضون الذاهبون إلى المقاومة مستعدين لفضح كل من يتعاون مع الأعداء بالترويج لأفعالهم ومباركتها أو ببث الفرقة في صفوف الناس، فينفضون عن التصدي للعدو أو يرتكبون ما يجعل الطريق سهلاً أمامه كي يغزو الوطن ويحتله، أو بزرع اليأس في نفوس الراغبين في المقاومة، فيلقون سلاحهم مستسلمين، ويبحث كل منهم عن أمنه الشخصي ومصلحته الفردية بأنانية مفرطة، فتنهار القدرة الجماعية على الصمود والتصدي.
ومن بين أفواج الممانعين يولد المقاومون، وهم من لديهم قدرة على حمل السلاح في وجه الأعداء من أجل تحرير الأرض السليبة، وصيانة الأعراض المنتهكة، واسترداد الكرامة الضائعة.
إن التجارب التي مر بها العرب في مقاومتهم للاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي ثرية وتعطي المثل والقدوة، بدءاً بنضال القواسم في خليج العرب وانتهاء بالثورة الجزائرية الكبرى، مروراً بنضال المصريين في معركة (الفدائيين) بقناة السويس وتجربة ثورة 1919 والمقاومة الشعبية في حربي 1956 و1973 ونضال الليبيين مع عمر المختار والمغاربة مع عبد الكريم الخطابي، والتوانسة مع بورقيبة ورفاقه، والموريتانيين مع المختار ولد دادة.
إن هذه التجارب يجب أن نستلهمها في امتلاك الروح القادرة على الصمود في وجه الاستعمار الجديد، والدفاع عن أوطاننا باستبسال لا يلين في كافة المجالات السياسية ( الديمقراطية) والاقتصادية ( التنمية المستقلة) والاجتماعية (عدم القابلية للاستعمار) والثقافية (الاستنارة) والعقلية (التفكير النابع من خصوصيتنا) والإعلامية (المصداقية والحرية والمضمون الثري). فكل هذه أشكال للمقاومة لا يجب أن تغيب عن أذهاننا، فهي تسبق حمل السلاح ولا تقل أهمية عنه.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2933::/cck::
::introtext::
حين نكون مستهدفين باستراتيجيات دولية ذات طابع عدواني، ونرزح تحت أنظمة حكم عاجزة، قلوبها مع غيرنا وسيوفها علينا، فليس أمامنا من خيار سوى تعزيز (ثقافة المقاومة) وترسيخها في النفوس والعقول، وتوسيعها لتبدأ من (الكلمة) إلى (الرصاصة)، مررواً بشتى ركائز وأشكال الممانعة والمنعة، في الاقتصاد وشؤون الجماعة والثقافة وإنتاج الأفكار، وانتزاع الحكم الرشيـد.
::/introtext::
::fulltext::
حين نكون مستهدفين باستراتيجيات دولية ذات طابع عدواني، ونرزح تحت أنظمة حكم عاجزة، قلوبها مع غيرنا وسيوفها علينا، فليس أمامنا من خيار سوى تعزيز (ثقافة المقاومة) وترسيخها في النفوس والعقول، وتوسيعها لتبدأ من (الكلمة) إلى (الرصاصة)، مررواً بشتى ركائز وأشكال الممانعة والمنعة، في الاقتصاد وشؤون الجماعة والثقافة وإنتاج الأفكار، وانتزاع الحكم الرشيـد.
وبقدر حرصنا على مقاومة العدو والتصدي له في ميدان القتال، يجب أن نحرص أيضاً على امتلاك وسائل العزة والقوة، لأنها تحمي المقاومين وتغطي ظهورهم، خاصة إن طالت المعركة واتسع النزال، فلا مقاومة قوية من دون مجتمع يحتضنها، ويفهم مراميها، ويؤمن بأهدافها ومقاصدها، ويساعدها على الاستمرار والبقاء. ولا مقاومة بلا إمكانيات مادية، لشراء السلاح والغذاء والكساء والدواء، ولا مقاومة بلا أفكار عميقة وأحلام عريضة وإيمان دفين راسخ لا يتزعزع بالله والوطن والحق والعدل والخير والجمال.
وحتى نصل إلى هذا علينا أن نعمل على جبهتين في آن واحد، بلا كلل ولا ملل، الأولى ضد العدو الخارجي، الذي يريد احتلال بلادنا ونهب ما تبقى لنا من ثروات طبيعية وتأجيج الفتن بين أبناء أوطاننا، من أجل تحقيق مصالحه. وإذا كان هذا طبع الدول الكبرى والإمبراطوريات في كل زمان ومكان فإنه من الطبيعي لأي بلد مستهدف أن يقاوم بشتى الطرق، دفاعاً عن مصالحه أيضاً. أما الثانية فهي ضد القوى الداخلية التي تحول دون نهضة بلادنا، حين تمنع بالاستبداد ميلاد الديمقراطية، وتمنع بالفساد وسوء الإدارة مولد الرخاء، وتخدر بإعلامها المأجور وثقافتها الراكدة عقول الناس، فيتقاعسون عن الانتصار للمصلحة العامة، وتكرس جهدها ليس لتحصيل الحرية والتنمية إنما لتدمير الدولة، بما يحرث الأرض أمام أي غريب غاز أو محتل أو طامع.
وهذه المزاوجة بين الجبهتين باتت ضرورة، فالانتصار في معركة الخارج لا يمكن أن يتحقق على الوجه الأكمل إلا بالنصر في معركة الداخل، والجماهير التي لا تستطيع أن تنتزع مطالبها الداخلية، لا يمكن أن تشكل رقماً ذا بال في علاقات الدول، وفي السياسة الخارجية. ومن ثم فإن بعض النابهين ممن يعملون ليل نهار على تعزيز ثقافة المقاومة أخذوا يربطون بين معركتهم ضد إسرائيل ومؤيدتها أمريكا وبين نضالهم ضد الفساد والاستبداد في بلادهم.
وجعلت الحالة التي خلقها العدوان الإسرائيلي على لبنان الفرصة سانحة أمام هذه المزاوجة، إذ إنها كشفت العدو وبددت أوهامه بالتزامن مع كشفها حقيقة بعض الأنظمة العربية، والهوة الواسعة جداً بينها وبين الشعوب في المطالب والمواقف والعواطف والحسابات والرغبات والاستعداد للتضحيات والخوف على حاضر أوطاننا ومستقبلها. وبرهنت الأحداث مرة أخرى، وبشكل أكثر وضوحاً وجلاء، أن ما يحول دون انتصارنا في الحروب، أو على الأقل إيلامنا للعدو وردعنا له، هو الحكام الخائفون على أنظمتهم، وليس لأن العرب جبناء، أو لا يملكون قدرة على التصدي والمواجهة والصمود، بل والانتصار.
إن ثقافة المقاومة تقوم على عدة أسس يجب أن تكون حاضرة ومفهومة في أذهان كل المقاومين، فهي ثقافة نضالية وليست عدوانية أو إرهابية، لا تنشر قيم الكراهية في المجتمع ولا تخاصمه أو ترميه بالخيانة، وهي ثقافة تفرق جيداً، ومن دون أي لبس أو غموض، بين (السلام) و(الاستسلام)، وهي أيضاً ثقافة تعض بالنواجذ على الثوابت الوطنية، فلا تفريط فيها، ولا مقامرة بها، ولا مساومة عليها. وهي ثقافة تقوم على القاعدة الذهبية التي تقول (يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال)، فمهما ماد الناس أو مالوا، ومهما دب اليأس في نفوسهم وتخاذلوا، فإن المقاومين لا تخور عزائمهم، ولا ينفرط عقدهم، ولا تموت أحلامهم في تحقيق النصر المبين، مهما طال أمد المعركة، ومهما تعددت أشكالها. وهي كذلك ثقافة خلاقة متجددة، تستعصي على الموت والفناء مهما كان حجم الإغارة عليها، فتنتقل من جيل إلى جيل، وتسلم رايتها من يد إلى يد، وتحرص دوماً على أن تتسع رقعتها، ويتعزز وجودها، فتضرب في كل الأرض جذوراً قوية، لا يستطيع أعداء الداخل أو الخارج أن يخلعوها. وهي إن كمنت أو هدأت قليلا في (استراحة محارب) فإنها تهب كالمارد حين تستشعر أن هناك من يتربص بنا، أو يرغب في العدوان علينا.
وبالطبع فإن المقاومة لا تحل بغتة كالزلازل، إنما تولد على مهل كما ينبلج الصبح من رحم الليل. والناس لا ترى ولا تدرك إلا الذروة في فعل المقاومة، ويحسب المتعجلون والغافلون والمغرضون أنها إما عملية عشوائية أو تهور لا يدرك العواقب ولا يتوخى الحذر، أو هبة عفوية، أو رغبة دفينة لدى فصيل من الناس في العنف، وربما الانتحار، بل يشكك هؤلاء في جدواها على المدى البعيد.
لكن الراسخين في العلم والعمل يؤمنون بأن أي شخص أو مجموعة عليها أن تمر بمراحل عدة من التربية النفسية والسياسية والتدريب العسكري حتى تحمل صفة (المقاومة) وشرفها، أو حتى تكون مقاومة حقيقية لديها قدرة على التصدي والصمود والاستمرار والبقاء والتجدد الخلاق في التفاعل مع الواقع المعيش، إما لتغييره إلى الأفضل، أو على الأقل إيقاف ولجم من يريد لهذا الواقع أن يصير أكثر قبحاً ومهانة وذلاً واستكانة.
وتبدأ الرحلة إلى المقاومة بإدراك الفرد أو المجموعة للظروف التي تحيط بها، والإلمام بتفاصيلها، أو على الأقل معرفة الصورة الكلية العامة غير المنقوصة لها، وتحديد ماهية العدو، والوعي بأفعاله وخططه الآنية والمستقبلية. ثم تأتي بعدها مرحلة بناء موقف رافض لهذه الظروف، ساخط عليها، راغب في تغييرها. وهذا الرفض قد يكون عند البعض مجرد شحنة نفسية يتم التنفيس عنها إيجابياً في كلام غاضب أو تظاهرة أو سلبياً بالانسحاب واللامبالاة والقناعة بما يجري، لكنه عند من يسير في طريق اكتساب المقاومة يكون هذا الرفض لبنة قوية، تتراص فوقها المواقف والسلوكيات الأخرى، حتى تصل بصاحبها إلى استعداد تام لحمل السلاح، والتضحية بالنفس في سبيل الوطن أو القضية أو المبد
وأول هذه السلوكيات هي اكتساب سمة (العناد) الإيجابي، التي تعني التمسك بالحق، والمنافحة عنه، والاستعداد لبذل المزيد من الجهد في سبيل إعلائه، سواء ضد الغير، وهم أولئك المدافعون عن الباطل، أو ضد الذات أو أنفس الذاهبين إلى اكتساب المقاومة، فلا تكون أنفساً أمارة بالسوء أو دافعة إلى الاستسهال والتراخي والتراجع خطوات إلى الخلف، فيتم السكوت عن الظلم، وترك الباطل يترعرع ويمد أذرعه، فيطوق أكبر عدد من الناس، كما يطوق الأخطبوط فريسته.
وثاني هذه السلوكيات هو (الممانعة) التي تعني اتساع العناد كسمة نفسية ليكتسب أبعاداً اجتماعية أو ليتفاعل مع ما يجري بألسنة الناس وأياديهم. وتضيق الممانعة وتتسع طبقاً لعوامل عديدة منها درجة أصالة القضية التي تنافح عنها المقاومة، وحجم الإجماع الوطني حولها، والقدرات التنظيمية للمقاومين أنفسهم، التي تؤهلهم للاتصال والتعبئة والحشد، لإيجاد أكبر قدر من التفاعل مع مواقفهم وقضيتهم.
والممانعة هي الدرجة الأقرب للمقاومة، والطريق المستقيم إليها، والبيت الأكبر الذي يحتضنها ويؤويها، وهي تقوم على إدراك الجماعة الوطنية أنها مستهدفة، وأن عليها أن تقف في وجه من يستهدفها، مترابطة أبية، قادرة على التصعيد إذا احتاج الأمر. وإذا كان هذا الاستهداف قد انتقل إلى الفعل، وقطع شوطاً في محاولة النيل من استقلال الوطن وتهديد أمنه ومصالحه العليا، تأتي الممانعة في صيغة رفض حاد وتمرد، يمكن أن يأخذ شكل مقاطعة شراء السلع التي ينتجها الأعداء أو من يؤيدونهم، أو ينتظم في تحركات شعبية عبر الجمعيات والمؤسسات الأهلية، التي تعلن رفض ما يجري، وتحول هذا الرفض إلى فعل إيجابي، يحمل رسائل قوية إلى العدو بأن الجماعة الوطنية لن تصمت على أفعاله وجرائمه، وأنها ستقاوم خططه واستراتيجياته، وستضحي بالغالي والنفيس في سبيل إفشالها. وقد تأخذ الممانعة شكل (العصيان المدني) على غرار المنهج الذي اتبعه المهاتما غاندي في مواجهة الاحتلال الإنجليزي للهند، أو (النضال السياسي) المنظم المحمي برضاء الشعب ومباركته، مثل ما اتبعه سعد زغلول ورفاقه في كفاحهم من أجل استقلال مصر من الاستعمار البريطاني.
وفي مرحلة الممانعة يكون الرافضون الذاهبون إلى المقاومة مستعدين لفضح كل من يتعاون مع الأعداء بالترويج لأفعالهم ومباركتها أو ببث الفرقة في صفوف الناس، فينفضون عن التصدي للعدو أو يرتكبون ما يجعل الطريق سهلاً أمامه كي يغزو الوطن ويحتله، أو بزرع اليأس في نفوس الراغبين في المقاومة، فيلقون سلاحهم مستسلمين، ويبحث كل منهم عن أمنه الشخصي ومصلحته الفردية بأنانية مفرطة، فتنهار القدرة الجماعية على الصمود والتصدي.
ومن بين أفواج الممانعين يولد المقاومون، وهم من لديهم قدرة على حمل السلاح في وجه الأعداء من أجل تحرير الأرض السليبة، وصيانة الأعراض المنتهكة، واسترداد الكرامة الضائعة.
إن التجارب التي مر بها العرب في مقاومتهم للاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي ثرية وتعطي المثل والقدوة، بدءاً بنضال القواسم في خليج العرب وانتهاء بالثورة الجزائرية الكبرى، مروراً بنضال المصريين في معركة (الفدائيين) بقناة السويس وتجربة ثورة 1919 والمقاومة الشعبية في حربي 1956 و1973 ونضال الليبيين مع عمر المختار والمغاربة مع عبد الكريم الخطابي، والتوانسة مع بورقيبة ورفاقه، والموريتانيين مع المختار ولد دادة.
إن هذه التجارب يجب أن نستلهمها في امتلاك الروح القادرة على الصمود في وجه الاستعمار الجديد، والدفاع عن أوطاننا باستبسال لا يلين في كافة المجالات السياسية ( الديمقراطية) والاقتصادية ( التنمية المستقلة) والاجتماعية (عدم القابلية للاستعمار) والثقافية (الاستنارة) والعقلية (التفكير النابع من خصوصيتنا) والإعلامية (المصداقية والحرية والمضمون الثري). فكل هذه أشكال للمقاومة لا يجب أن تغيب عن أذهاننا، فهي تسبق حمل السلاح ولا تقل أهمية عنه.
::/fulltext::
::cck::2933::/cck::
