الهوية الوطنية والخلل الديموغرافي في دول مجلس التعاون الخليجي
::cck::2952::/cck::
::introtext::
مازالت دول مجلس التعاون الخليجي متفاوتة في اهتمامها بقضية الخلل الديموغرافي الذي تعاني منه منذ بروزه في مجتمعاتها بعد الفورة النفطية خلال السبعينات عندما شهدت مجتمعات الخليج تدفقات واسعة من الوافدين العرب والأجانب من مختلف أنحاء العالم لتلبية احتياجات التنمية المختلفة.
::/introtext::
::fulltext::
مازالت دول مجلس التعاون الخليجي متفاوتة في اهتمامها بقضية الخلل الديموغرافي الذي تعاني منه منذ بروزه في مجتمعاتها بعد الفورة النفطية خلال السبعينات عندما شهدت مجتمعات الخليج تدفقات واسعة من الوافدين العرب والأجانب من مختلف أنحاء العالم لتلبية احتياجات التنمية المختلفة.
مثل هذا التحول دفع الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين إلى الاهتمام بتأثير وجود العمالة الوافدة في مجتمعات الخليج اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، إلا أنه في الفترة الأخيرة، وتحديداً منذ منتصف التسعينات من العقد الماضي، ظهر الاهتمام ببحث الآثار السياسية لهذه العمالة، بعد أن أدى ارتفاع عددها بشكل لافت إلى إحداث خلل واضح في التركيبة الديموغرافية مازالت تعاني منه حتى الآن.
وعادة ما يتم التركيز عند بحث الآثار السياسية على الحقوق المدنية والمطالبات السياسية للجماعات الوافدة، وهو ما سيترتب عليه استمرار وجودها وزيادة أعدادها مستقبلاً، ولكن ثمة قضية لا تقل خطورة عن المطالبات السياسية التي قد تظهر لدى هذه الجماعات، وهي تتعلق بأحد العوامل المترتبة على الخلل في التركيبة الديموغرافية، فمنذ استقلال بلدان مجلس التعاون الخليجي خلال عقدي الستينات والسبعينات الماضيين هاجرت إليها أعداد كبيرة من مختلف الجنسيات العربية والآسيوية والأوروبية، ونال كثير منها حقوقاً، وحصل على إحدى جنسيات بلدان المجلس لتظهر بشكل تدريجي مجموعة ديموغرافية جديدة في مجتمعات الخليج تسمى (فئة المجنسين)، وبظهور هذه الفئة خلقت بعداً جديداً في مسألة بناء الهوية الوطنية لدول مجلس التعاون، حيث أدى وجود هذه الفئة في الخليج إلى خلق تحد آخر لعملية بناء الهوية الوطنية التي مازالت غير واضحة لحكومات المنطقة، فرغم عدم وجود آليات محددة لخلق الهويات الوطنية في بلدان مجلس التعاون، فضلاً عن عدم وجود آليات أخرى لبناء الهوية الخليجية المشتركة في مرحلة غياب التهديدات الأمنية لمجلس التعاون كمنظومة إقليمية، وبروز مرحلة جديدة تقوم على ضرورة حماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية المشتركة، وضرورة خلق الهوية الخليجية، إلا أنه يلاحظ أن ظهور فئة المجنسين قد زاد من التحديات والالتزامات المفروضة على الحكومات الخليجية من أجل بناء هوياتها. فإذا كانت في السابق بحاجة إلى استحداث برامج وأنظمة داخلية للتقليل من الفوارق المختلفة بين مواطنيها، فإنها اليوم أكثر حاجة من أي وقت مضى لمثل هذه البرامج والأنظمة لتحقيق مفهوم المواطنة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض بلدان مجلس التعاون الخليجي تتسم مجتمعاتها بتنوع إثني متفاوت، مثل البحرين، السعودية، الكويت، والإمارات إلى حد ما نظراً لاعتماد خصائصها الإثنية على المناطقية بسبب تركيبتها الفيدرالية. ولذلك جاءت هذه الفئة الجديدة التي أوجدتها سياسات مختلفة، وظروف وعوامل متعددة لتزيد من التنوع الإثني المتباين في بلدان المجلس.
وقد تشكل مملكة البحرين حالة مميزة لدراسة هذه الظاهرة، فمن المعروف أن المجتمع البحريني يتسم بتنوع طائفي قديم قائم على وجود طائفتين إحداهما سنية، والأخرى شيعية. وعادة ما تقدر النسب الديموغرافية الطائفية بـ 40 في المائة للسنة، و60 في المائة للشيعة، ولكن لا توجد إحصائيات رسمية حول التقسيم الديموغرافي الطائفي في البحرين، حيث لا يتضمن التعداد السكاني الدوري أية معلومات حول المذاهب، وإنما يكتفي بالديانة فقط. فقد مر المجتمع البحريني طيلة القرن العشرين بالعديد من مراحل التطور السياسي، ونظراً لبدء التعليم الحكومي في فترة مبكرة تعود إلى العام 1919، فقد ساهم ذلك في خلق طبقة مثقفة ومتعلمة من المواطنين، وتدريجياً ولدت ظاهرة التعليم في المجتمع حراكاً سياسياً أفرز لاحقاً العديد من حركات الاحتجاج السياسي التي طالبت بالإصلاح السياسي والاقتصادي ورحيل الاستعمار، وساهم وجود المستعمر البريطاني في خلق سياسات داخلية تهدف إلى الاستفادة من التركيبة الطائفية في تحقيق مكاسب لهذا الاستعمار، واستمر تأثير هذه السياسات في النظام السياسي البحريني حتى الآن رغم رحيل المستعمر البريطاني في العام 1971.
وكان من أبرز النتائج التي تمخضت عن حقبة الاستعمار ظاهرة تتعلق بالتمييز الطائفي لدى كل طائفة في البحرين، وهي عادة ما توجد في شكل ممارسات فردية، أو يمكن أن يعتبرها البعض حكومية أحياناً، خصوصاً في الفترة التي شهدت نهاية التجربة الديمقراطية الأولى (1975-1973) والتي أتاحت المجال لبروز تيارات وتنظيمات سياسية تعمل بشكل سري داخل وخارج البلاد، وخلال هذه المرحلة تعزز الانتماء الطائفي بشكل كبير بسبب وجود صراعات متعددة يمكن رصدها في الآتي:
أولاً: صراع بين السلطة والتنظيمات السياسية السرية المختلفة.
ثانياً: صراع بين التنظيمات السياسية المختلفة بسبب اختلاف انتماءاتها الفكرية.
وفي ظل هذه الصراعات استطاعت السلطة الاستفادة من التركيبة الطائفية للمجتمع البحريني لخلق شكل من أشكال التحالف بين السنة والسلطة نفسها من خلال حصر الصراعات القائمة داخل النظام لتكون قائمة بين الشيعة والسلطة فقط، وهو ما تحقق بالفعل، وكان واضحاً للغاية خلال حركة الاحتجاج السياسي التي شهدتها البحرين في عقد التسعينات الماضي، وقد صاحبت تلك المرحلة فترة من تجنيس المئات من الوافدين العرب والأجانب، وانتهت أخيراً بعد حدوث الانفتاح السياسي منذ العام 2001 عندما تم منح الجنسية البحرينية لجميع مستحقيها حسب قانون الجنسية البحريني.
وفي تلك الظروف والأحداث ظهرت في النظام السياسي البحريني فئة جديدة، فبعد أن كانت التركيبة الديموغرافية تتسم بالانقسام الطائفي بين السنة والشيعة، أصبحت اليوم أكثر انقساماً ببروز طائفتين وفئة أخرى ثالثة لها سماتها العامة مع العديد من الخصوصيات. وهنا يظهر التحدي، فإذا كانت السلطة في السابق تسعى لخلق وحدة وطنية، وهوية مشتركة لعموم المواطنين البحرينيين، فإنها اليوم أصعب بكثير بعد بروز فئة مجتمعية جديدة أصبحت لها حقوق سياسية ومدنية، ولا بد أن يتم إدماجها مع كافة فئات المجتمع بدلاً من أن تبقى فئة مهمشة ينظر إليها المجتمع على أنها فئة دخيلة، وتسعى للاستئثار بثروات البلاد، فمثل هذه الصورة النمطية من شأنها أن تعمق الفروقات الإثنية بين كافة الفئات، وأن تزيد من صعوبة بناء هوية وطنية مشتركة، خصوصاً في ظل عدم وجود برامج واضحة وآليات فعالة تسهم في خلق القواسم المشتركة بين كافة المواطنين لبناء الهوية الوطنية.
قد تكون الحالة البحرينية أنموذجاً لما يمكن أن تواجهه بقية بلدان مجلس التعاون الخليجي التي قامت أيضاً بخطوات مماثلة، وقامت أيضاً بتجنيس الآلاف من المقيمين العرب والأجانب من دون أن تقوم باستيعاب هذه الفئة الجديدة داخل النظام السياسي، الأمر الذي من شأنه أن يخلق العديد من التحديات فيما يلي أبرزها:
أولاً: زيادة درجة عدم التجانس الاجتماعي في بلدان مجلس التعاون الخليجي بسبب إيجاد فئة مجتمعية جديدة لها خصوصيات قد تختلف تماماً عن خصوصيات مواطني هذه البلدان.
ثانياً: توليد الإحساس المستمر بالتهميش لدى معظم فئات المواطنين نتيجة شعورهم بالتجاهل من قبل السلطة التي قد تحرص على الوفاء بكافة الالتزامات تجاه الفئة الجديدة من دون غيرها.
ثالثاً: خلق تجمعات إثني ـ ديموغرافية في مناطق مختلفة لها خصوصياتها وعاداتها وتقاليدها ومشكلاتها المختلفة، مما يتيح الفرصة مستقبلاً لكي تكون قوة ضغط جديدة ضد الحكومات الخليجية لنيل المزيد من الحقوق والمكاسب.
رابعاً: إمكانية بروز حركات احتجاج سياسي من الفئة الجديدة قد تطالب بالمزيد من الحقوق السياسية، أو تطالب بمنح أقاربها المقيمين في الداخل أو الخارج حقوق المواطنة والجنسية، وربما يتطور الأمر لاحقاً لتساعد هذه الظروف في إتاحة المجال لهذه الجماعات للمطالبة بحق تقرير المصير وظهور حركات انفصالية مستقبلاً.
خامساً: زيادة المشكلات الاجتماعية في مجتمعات دول مجلس التعاون نتيجة وجود فئات إثني ـ ديموغرافية متباينة في مستوى المعيشة والقدرات والإمكانات، الأمر الذي قد يفاقم من مشكلات البطالة والجريمة وغيرها.
وفي النهاية فإنه لابد من التأكيد على أنه من غير المعلوم أو المتاح على الأقل أية بيانات حول أعداد العرب والأجانب الذين تم تجنيسهم في بلدان مجلس التعاون خلال السنوات الثلاثين الماضية. وفي ظل ذلك لا يمكن تحديد حجم فئة المجنسين في دول الخليج، خصوصاً أن الإحصاءات الديموغرافية لا تتضمن عادة أية أرقام تفصيلية حول هذه الظاهرة. ولذلك فإنه من الصعوبة بمكان تحديد المدى الزمني للآثار المستقبلية التي قد تترتب عليها. إلا أن ذلك يحتم على المؤسسات الأكاديمية والبحثية دراسة هذه الظاهرة وتحليل أبعادها المختلفة بهدف الوصول إلى آليات واضحة وفعالة تستهدف استيعاب كافة الفئات في المجتمعات الخليجية ضمن إطار واحد حتى تتحقق مسألة الهوية الوطنية. ولابد من الانتباه إلى أنه إذا كانت ثمة مساعٍ خليجية نحو خلق هوية خليجية مشتركة، فإن ذلك لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق بناء الهويات الوطنية في بلدان مجلس التعاون الخليجي أولاً.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2952::/cck::
::introtext::
مازالت دول مجلس التعاون الخليجي متفاوتة في اهتمامها بقضية الخلل الديموغرافي الذي تعاني منه منذ بروزه في مجتمعاتها بعد الفورة النفطية خلال السبعينات عندما شهدت مجتمعات الخليج تدفقات واسعة من الوافدين العرب والأجانب من مختلف أنحاء العالم لتلبية احتياجات التنمية المختلفة.
::/introtext::
::fulltext::
مازالت دول مجلس التعاون الخليجي متفاوتة في اهتمامها بقضية الخلل الديموغرافي الذي تعاني منه منذ بروزه في مجتمعاتها بعد الفورة النفطية خلال السبعينات عندما شهدت مجتمعات الخليج تدفقات واسعة من الوافدين العرب والأجانب من مختلف أنحاء العالم لتلبية احتياجات التنمية المختلفة.
مثل هذا التحول دفع الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين إلى الاهتمام بتأثير وجود العمالة الوافدة في مجتمعات الخليج اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، إلا أنه في الفترة الأخيرة، وتحديداً منذ منتصف التسعينات من العقد الماضي، ظهر الاهتمام ببحث الآثار السياسية لهذه العمالة، بعد أن أدى ارتفاع عددها بشكل لافت إلى إحداث خلل واضح في التركيبة الديموغرافية مازالت تعاني منه حتى الآن.
وعادة ما يتم التركيز عند بحث الآثار السياسية على الحقوق المدنية والمطالبات السياسية للجماعات الوافدة، وهو ما سيترتب عليه استمرار وجودها وزيادة أعدادها مستقبلاً، ولكن ثمة قضية لا تقل خطورة عن المطالبات السياسية التي قد تظهر لدى هذه الجماعات، وهي تتعلق بأحد العوامل المترتبة على الخلل في التركيبة الديموغرافية، فمنذ استقلال بلدان مجلس التعاون الخليجي خلال عقدي الستينات والسبعينات الماضيين هاجرت إليها أعداد كبيرة من مختلف الجنسيات العربية والآسيوية والأوروبية، ونال كثير منها حقوقاً، وحصل على إحدى جنسيات بلدان المجلس لتظهر بشكل تدريجي مجموعة ديموغرافية جديدة في مجتمعات الخليج تسمى (فئة المجنسين)، وبظهور هذه الفئة خلقت بعداً جديداً في مسألة بناء الهوية الوطنية لدول مجلس التعاون، حيث أدى وجود هذه الفئة في الخليج إلى خلق تحد آخر لعملية بناء الهوية الوطنية التي مازالت غير واضحة لحكومات المنطقة، فرغم عدم وجود آليات محددة لخلق الهويات الوطنية في بلدان مجلس التعاون، فضلاً عن عدم وجود آليات أخرى لبناء الهوية الخليجية المشتركة في مرحلة غياب التهديدات الأمنية لمجلس التعاون كمنظومة إقليمية، وبروز مرحلة جديدة تقوم على ضرورة حماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية المشتركة، وضرورة خلق الهوية الخليجية، إلا أنه يلاحظ أن ظهور فئة المجنسين قد زاد من التحديات والالتزامات المفروضة على الحكومات الخليجية من أجل بناء هوياتها. فإذا كانت في السابق بحاجة إلى استحداث برامج وأنظمة داخلية للتقليل من الفوارق المختلفة بين مواطنيها، فإنها اليوم أكثر حاجة من أي وقت مضى لمثل هذه البرامج والأنظمة لتحقيق مفهوم المواطنة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض بلدان مجلس التعاون الخليجي تتسم مجتمعاتها بتنوع إثني متفاوت، مثل البحرين، السعودية، الكويت، والإمارات إلى حد ما نظراً لاعتماد خصائصها الإثنية على المناطقية بسبب تركيبتها الفيدرالية. ولذلك جاءت هذه الفئة الجديدة التي أوجدتها سياسات مختلفة، وظروف وعوامل متعددة لتزيد من التنوع الإثني المتباين في بلدان المجلس.
وقد تشكل مملكة البحرين حالة مميزة لدراسة هذه الظاهرة، فمن المعروف أن المجتمع البحريني يتسم بتنوع طائفي قديم قائم على وجود طائفتين إحداهما سنية، والأخرى شيعية. وعادة ما تقدر النسب الديموغرافية الطائفية بـ 40 في المائة للسنة، و60 في المائة للشيعة، ولكن لا توجد إحصائيات رسمية حول التقسيم الديموغرافي الطائفي في البحرين، حيث لا يتضمن التعداد السكاني الدوري أية معلومات حول المذاهب، وإنما يكتفي بالديانة فقط. فقد مر المجتمع البحريني طيلة القرن العشرين بالعديد من مراحل التطور السياسي، ونظراً لبدء التعليم الحكومي في فترة مبكرة تعود إلى العام 1919، فقد ساهم ذلك في خلق طبقة مثقفة ومتعلمة من المواطنين، وتدريجياً ولدت ظاهرة التعليم في المجتمع حراكاً سياسياً أفرز لاحقاً العديد من حركات الاحتجاج السياسي التي طالبت بالإصلاح السياسي والاقتصادي ورحيل الاستعمار، وساهم وجود المستعمر البريطاني في خلق سياسات داخلية تهدف إلى الاستفادة من التركيبة الطائفية في تحقيق مكاسب لهذا الاستعمار، واستمر تأثير هذه السياسات في النظام السياسي البحريني حتى الآن رغم رحيل المستعمر البريطاني في العام 1971.
وكان من أبرز النتائج التي تمخضت عن حقبة الاستعمار ظاهرة تتعلق بالتمييز الطائفي لدى كل طائفة في البحرين، وهي عادة ما توجد في شكل ممارسات فردية، أو يمكن أن يعتبرها البعض حكومية أحياناً، خصوصاً في الفترة التي شهدت نهاية التجربة الديمقراطية الأولى (1975-1973) والتي أتاحت المجال لبروز تيارات وتنظيمات سياسية تعمل بشكل سري داخل وخارج البلاد، وخلال هذه المرحلة تعزز الانتماء الطائفي بشكل كبير بسبب وجود صراعات متعددة يمكن رصدها في الآتي:
أولاً: صراع بين السلطة والتنظيمات السياسية السرية المختلفة.
ثانياً: صراع بين التنظيمات السياسية المختلفة بسبب اختلاف انتماءاتها الفكرية.
وفي ظل هذه الصراعات استطاعت السلطة الاستفادة من التركيبة الطائفية للمجتمع البحريني لخلق شكل من أشكال التحالف بين السنة والسلطة نفسها من خلال حصر الصراعات القائمة داخل النظام لتكون قائمة بين الشيعة والسلطة فقط، وهو ما تحقق بالفعل، وكان واضحاً للغاية خلال حركة الاحتجاج السياسي التي شهدتها البحرين في عقد التسعينات الماضي، وقد صاحبت تلك المرحلة فترة من تجنيس المئات من الوافدين العرب والأجانب، وانتهت أخيراً بعد حدوث الانفتاح السياسي منذ العام 2001 عندما تم منح الجنسية البحرينية لجميع مستحقيها حسب قانون الجنسية البحريني.
وفي تلك الظروف والأحداث ظهرت في النظام السياسي البحريني فئة جديدة، فبعد أن كانت التركيبة الديموغرافية تتسم بالانقسام الطائفي بين السنة والشيعة، أصبحت اليوم أكثر انقساماً ببروز طائفتين وفئة أخرى ثالثة لها سماتها العامة مع العديد من الخصوصيات. وهنا يظهر التحدي، فإذا كانت السلطة في السابق تسعى لخلق وحدة وطنية، وهوية مشتركة لعموم المواطنين البحرينيين، فإنها اليوم أصعب بكثير بعد بروز فئة مجتمعية جديدة أصبحت لها حقوق سياسية ومدنية، ولا بد أن يتم إدماجها مع كافة فئات المجتمع بدلاً من أن تبقى فئة مهمشة ينظر إليها المجتمع على أنها فئة دخيلة، وتسعى للاستئثار بثروات البلاد، فمثل هذه الصورة النمطية من شأنها أن تعمق الفروقات الإثنية بين كافة الفئات، وأن تزيد من صعوبة بناء هوية وطنية مشتركة، خصوصاً في ظل عدم وجود برامج واضحة وآليات فعالة تسهم في خلق القواسم المشتركة بين كافة المواطنين لبناء الهوية الوطنية.
قد تكون الحالة البحرينية أنموذجاً لما يمكن أن تواجهه بقية بلدان مجلس التعاون الخليجي التي قامت أيضاً بخطوات مماثلة، وقامت أيضاً بتجنيس الآلاف من المقيمين العرب والأجانب من دون أن تقوم باستيعاب هذه الفئة الجديدة داخل النظام السياسي، الأمر الذي من شأنه أن يخلق العديد من التحديات فيما يلي أبرزها:
أولاً: زيادة درجة عدم التجانس الاجتماعي في بلدان مجلس التعاون الخليجي بسبب إيجاد فئة مجتمعية جديدة لها خصوصيات قد تختلف تماماً عن خصوصيات مواطني هذه البلدان.
ثانياً: توليد الإحساس المستمر بالتهميش لدى معظم فئات المواطنين نتيجة شعورهم بالتجاهل من قبل السلطة التي قد تحرص على الوفاء بكافة الالتزامات تجاه الفئة الجديدة من دون غيرها.
ثالثاً: خلق تجمعات إثني ـ ديموغرافية في مناطق مختلفة لها خصوصياتها وعاداتها وتقاليدها ومشكلاتها المختلفة، مما يتيح الفرصة مستقبلاً لكي تكون قوة ضغط جديدة ضد الحكومات الخليجية لنيل المزيد من الحقوق والمكاسب.
رابعاً: إمكانية بروز حركات احتجاج سياسي من الفئة الجديدة قد تطالب بالمزيد من الحقوق السياسية، أو تطالب بمنح أقاربها المقيمين في الداخل أو الخارج حقوق المواطنة والجنسية، وربما يتطور الأمر لاحقاً لتساعد هذه الظروف في إتاحة المجال لهذه الجماعات للمطالبة بحق تقرير المصير وظهور حركات انفصالية مستقبلاً.
خامساً: زيادة المشكلات الاجتماعية في مجتمعات دول مجلس التعاون نتيجة وجود فئات إثني ـ ديموغرافية متباينة في مستوى المعيشة والقدرات والإمكانات، الأمر الذي قد يفاقم من مشكلات البطالة والجريمة وغيرها.
وفي النهاية فإنه لابد من التأكيد على أنه من غير المعلوم أو المتاح على الأقل أية بيانات حول أعداد العرب والأجانب الذين تم تجنيسهم في بلدان مجلس التعاون خلال السنوات الثلاثين الماضية. وفي ظل ذلك لا يمكن تحديد حجم فئة المجنسين في دول الخليج، خصوصاً أن الإحصاءات الديموغرافية لا تتضمن عادة أية أرقام تفصيلية حول هذه الظاهرة. ولذلك فإنه من الصعوبة بمكان تحديد المدى الزمني للآثار المستقبلية التي قد تترتب عليها. إلا أن ذلك يحتم على المؤسسات الأكاديمية والبحثية دراسة هذه الظاهرة وتحليل أبعادها المختلفة بهدف الوصول إلى آليات واضحة وفعالة تستهدف استيعاب كافة الفئات في المجتمعات الخليجية ضمن إطار واحد حتى تتحقق مسألة الهوية الوطنية. ولابد من الانتباه إلى أنه إذا كانت ثمة مساعٍ خليجية نحو خلق هوية خليجية مشتركة، فإن ذلك لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق بناء الهويات الوطنية في بلدان مجلس التعاون الخليجي أولاً.
::/fulltext::
::cck::2952::/cck::
