مظاهر الخلل السكاني في دول مجلس التعاون الخليجي
::cck::2953::/cck::
::introtext::
نما عدد السكان في دول الخليج من 4 ملايين نسمة عام 1950 إلى حوالي 32.1 عام 2001 والى 32.8 مليون نسمة عام 2004 أي حوالي ثمانية أضعاف، فكان معدل النمو السكاني أكبر معدلات النمو في العالم، حيث بلغ 5.5 في المائة في المتوسط خلال السبعينات.
::/introtext::
::fulltext::
نما عدد السكان في دول الخليج من 4 ملايين نسمة عام 1950 إلى حوالي 32.1 عام 2001 والى 32.8 مليون نسمة عام 2004 أي حوالي ثمانية أضعاف، فكان معدل النمو السكاني أكبر معدلات النمو في العالم، حيث بلغ 5.5 في المائة في المتوسط خلال السبعينات.
وكانت حاجة النمو السكاني المرتفع في المراحل الأولى لاكتشاف النفط في ظل الندرة الواضحة للسكان المواطنين، ولذلك تزايد الاعتماد على العمالة الوافدة غير أن مستوياتها الحالية أضحت تمثل تهديدا واضحا للتركيبة السكانية في المنطقة، وأصبح السكان الأصليون في بعض دول الخليج أقلية سكانية في دولهم خصوصاً في ثلاث دول من دول الخليج. ففي دولة قطر تمثل نسبة السكان الأصليين نحو 13 في المائة، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة نحو 24 في المائة، وفي دولة الكويت نحو 35 في المائة، بينما ترتفع النسبة إلى نحو 70 في المائة في المملكة العربية السعودية و73 في المائة في سلطنة عُمان و63 في مملكة البحرين. فالخلل في التركيبة السكانية أصبح يشكل هاجساً وتحدياً خطيراً أمام دول المجلس منذ زمن وخصوصاً في ظل التحولات الأخيرة، ودخول المنطقة في اتفاقيات دولية تدعو إلى توطين العمالة الوافدة والمهاجرة ومساواتها مع العمالة الوطنية في كافة الحقوق، فتحولت قضية العمالة الوافدة البالغة 12.5 مليون وافد بنسبة 38.5 في المائة من مجموع سكان الخليج البالغ عددهم 33 مليون نسمة إلى قضية أمنية وسياسية في المقام الأول قبل أن تكون قضية ذات مضامين تنموية واقتصادية واجتماعية، فهي الخطر القادم إذا لم تتكاتف دول المجلس وتضع لها استراتيجيات واضحة ومحددة لمعالجة تلك المعضلة بكل شفافية.
وبسبب فقدان دول المجلس خلال الفترة الماضية لاستراتيجية عمالية واضحة واستسلامها للضغوط القادمة من المنظمات الدولية المتخصصة بالشأن العمالي مثل منظمة العمل الدولية والاتحادات العمالية الإقليمية في دول جنوب شرق آسيا التي تطالب بمزيد من الحقوق لعمالتها في دول المهجر الخليجي مستخدمة في ذلك وسائل ضغط عديدة منها منظمة الأمم المتحدة، وربما يأتي الوقت الذي تطالب فيه تلك الدول بتوطين عمالتها في دول المنطقة نظراً للسنوات التي قضتها فيها، وهو ما ينتج عنه عدم الاستقرار الأمني في المنطقة. وسبق أن قام العمال الهنود بإضراب في الكويت عام 1978 مطالبين بزيادة الأجور وتحسين شروط العمل، مما أثار ردود فعل رسمية في الهند، وقد تكون الاضرابات اللاحقة تطالب بالتوطين. كما أن عدم التجانس بين فئات العمال الوافدين قد ينقل الصراعات من دولهم إلى دول المهجر، مثلما انتقل الصراع بين المسلمين والهندوس إلى داخل دول الخليج عندما حرق الهندوس مسجد (بابري) في الهند فنشبت مظاهرات داخل الإمارات، هذا إضافة إلى السماح بالحرية الدينية كالأزمة التي حدثت بين الهند والكويت حينما اكتشفت الحكومة الكويتية معبداً للسيخ وقامت بإغلاقه بصفته مخالفاً للقانون وغير مرخص.
واستغلت تلك الأحداث منظمة (هيومان رايتس ووتش) الأمريكية، التي طالبت دول مجلس التعاون بالتصديق على معاهدات العمل الدولية لحماية حقوق العمال الأجانب التي دخلت حيز التنفيذ في يوليو عام 2003 مما يجعلها إحدى أدوات الضغط على حكومات المنطقة لتمرير مخططاتها، وضغوط ليست في صالح دول المجلس.
وبالفعل تواجه دول المجلس ضغوطا من الولايات المتحدة واتهام أربع دول من دول المجلس بممارسة الاتجار بالبشر وهي السعودية والكويت والإمارات وقطر، كما وجهت منظمة (هيومان رايتس ووتش) قبل هذا التقرير في يوليو 2004 إدانات إلى المملكة العربية السعودية زاعمة بارتكابها انتهاكات لحقوق العمال الأجانب.
فالنمو المتسارع للسكان خلال العقدين الماضيين مع مشاركة نسائية أكبر في سوق العمل ترتب عليه نمو متسارع للقوة الوطنية العاملة يزيد متوسط معدله السنوي على 4 في المائة لأن نصف سكان دول المجلس هم الآن يمثلون فئة الأقل من 15 سنة، لذا فإن قوى العمل الوطنية تنمو بمعدل 5 في المائة سنويا، أي أنه من المتوقع بحلول عام 2010 أن يكون في دول مجلس التعاون خمسة ملايين وثلاثمائة مواطن ومواطنة تتراوح أعمارهم ما بين السادسة عشرة والخامسة والثلاثين قادرين على مزاولة العمل. هذا كله أفرز بطالة مقنعة وبطالة سافرة وصلت في بعض الدول إلى 14 في المائة وكذلك في العمالة الوافدة، بسبب التباطؤ النسبي مؤخراً في معدلات النمو.
وتعتبر مشكلة البطالة محصلة لمشكلات أخرى عديدة منها تعثر جهود دول المجلس في تنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد غير النفطي على الرغم من أن هذا الهدف مطروح منذ أكثر من ربع قرن، مما قلص من قدرتها على خلق فرص عمل جديدة من ناحية وأدى إلى وجود فجوة كبيرة بين مخرجات المؤسسات التعليمية من ناحية أخرى، فضلا عن تواضع مساهمة القطاع الخاص في عملية توطين العمالة.
وأدى الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة إلى تعقيد عملية تجزئة أسواق العمل في تلك الدول، حيث أدى ذلك إلى موقف سادت فيه العمالة الوافدة في القطاع الخاص، بينما تركزت العمالة الوطنية في القطاعات الحكومية، وأصبح من غير الممكن الاستمرار في توظيف كامل العمالة الوطنية عندما بلغت قيود الميزانية حدودها القصوى، وتحولها من مصدر لعملية التنمية إلى أداة تعيق المسار التنموي وذلك بسبب ارتفاع تكلفتها سواء بالنسبة لتضخم العمالة في المصالح الحكومية وانتشار البطالة المقنعة، ولأن المشكلة الأساسية في اقتصادات دول الخليج تتمثل في اعتماد القطاعات السلعية على استخراج النفط ورغم ارتفاع مساهمة قطاع الخدمات الذي يعد إحدى خصائص اقتصاديات التنمية في دول الخليج، إلا أنها تتركز في النشاط الحكومي، في الوقت الذي نلاحظ فيه محدودية مساهمة قطاع الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي، حيث تتراوح مساهمة هذا القطاع بين 7.1 في المائة في قطر، و9.7 في المائة في السعودية، و12.57 في المائة في الإمارات، و22.9 في الكويت.
وتجدر الإشارة إلى أن نسبة الصناعات المعتمدة على النفط في قطاع الصناعات التحويلية تعد مرتفعة أيضاً، مما يعكس صغر قاعدة الصناعات التحويلية الأخرى، في الوقت الذي تنخفض فيه مساهمة قطاع الزراعة بصورة واضحة، حيث تقل في بعض الدول عن واحد في المائة من إجمالي الناتج المحلي.
ومن آثار الخلل في التوزيع الجغرافي للسكان بسبب محدودية التنمية وتركيزها على المدن دون الريف، ما أدت إليه هذه السياسة الخاطئة من هجرة السكان من الريف إلى المدينة بحثاً عن الوظائف والخدمات غير المتوفرة في الريف، مما أدى بدوره إلى (ترييف) المدينة وتفاقم مشكلات البطالة، وألقى بالمزيد من الأعباء على البنى الأساسية في المدن مع عدم تحمل القطاع الخاص المسؤولية ومشاركته في معالجة قضايا سوق العمل في المنطقة.
لذلك نحن بحاجة إلى بناء موارد بشرية تشترك في مسيرة البناء الخليجية، وخلق كوادر مهنية مدربة تستطيع بهم الانتقال من وضع تقليدي يجسد الوضع السياسي الخليجي القائم على قراءات بسيطة تسطرها دراسات ارتجالية، وبحاجة أيضاً إلى مراجعة شاملة وهادفة لانتقال مواردنا البشرية من مفهوم الاتكالية إلى الاعتماد على الذات، كما أننا أمام تحولات ومرحلة جديدة من الاستثمار، لأن المنطقة لديها 686 مليار برميل من النفط، و156 مليار متر مكعب من الغاز، ولديها معادن وفيرة مثل النحاس والذهب واليورانيوم والبوكسيت، فهناك مشاريع مهمة متاحة في المرحلة المقبلة تشمل قطاعات الطاقة والمياه والسكك الحديدية وغيرها، وفرص العمل والاستثمارات الخليجية غير محدودة، وتقوم الطفرة الحالية هذه المرة على القطاعين العام والخاص. وتوقعت مجلة (ميد) أن تصل القيمة الإجمالية للمشاريع الرأسمالية في دول مجلس التعاون والعراق وإيران إلى 300 مليار دولار بين عامي 2005 و2007. وقدر التقرير الذي أصدرته المجلة بأن قيمة المشاريع الرئيسية التي تم الإعلان عنها في إمارة دبي خلال السنوات الخمس الماضية نحو 257 مليار درهم (70 مليار دولار) وتحتاج السعودية إلى ضخ 50 مليار دولار في قطاع النقل و150 مليار دولار في قطاع المياه عدا مشاريع البتروكيماويات والمشاريع التكريرية والتحويلية الأخرى.
لذا، فإن تحديات العولمة والتشغيل للفترة المقبلة تفرض شراكة بين دول مجلس التعاون ومنظمة العمل الدولية والعربية، هذا من جانب، والجانب الآخر ضبط التركيبة السكانية لدول المجلس والحفاظ على الهوية الخليجية والسياسات الاجتماعية عن طريق تكامل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير الحماية للمواطن الخليجي في ظل الممارسات الخارجية التي تستهدف وحدة وتماسك الخليج العربي. كما أن التأخر في معالجة مسألة (البدون) قد ضخم المشكلة، وعطّل حلها بسبب ما أثير من مخاوف جمة حول فتح باب التجنيس على مصراعيه وتأثير ذلك في هوية المجتمع رغم أن تلك المخاوف غير مبررة إذا كانت هناك سياسة سكانية وتجنيس مبني على أسس علمية وموضوعية أساسها حق الدولة القانوني والسيادي وحق (البدون) الإنساني والقانوني أيضاً من أجل تصحيح أوضاعهم ودمجهم في المجتمع والمشاركة في التنمية والتقليل من خطرهم الأمني والاجتماعي.
وبالمحصلة نقول إن دول المجلس باتت في حاجة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى ضرورة التنسيق في مواقفها وإدماج العنصر النسائي الخليجي في قوة العمل، والإسراع في وضع استراتيجية سكانية موحدة من أجل تحقيق توازن سكاني فيها لتلافي حدوث أي خلل في التركيبة السكانية مستقبلا ومواجهة التحديات بكل شجاعة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2953::/cck::
::introtext::
نما عدد السكان في دول الخليج من 4 ملايين نسمة عام 1950 إلى حوالي 32.1 عام 2001 والى 32.8 مليون نسمة عام 2004 أي حوالي ثمانية أضعاف، فكان معدل النمو السكاني أكبر معدلات النمو في العالم، حيث بلغ 5.5 في المائة في المتوسط خلال السبعينات.
::/introtext::
::fulltext::
نما عدد السكان في دول الخليج من 4 ملايين نسمة عام 1950 إلى حوالي 32.1 عام 2001 والى 32.8 مليون نسمة عام 2004 أي حوالي ثمانية أضعاف، فكان معدل النمو السكاني أكبر معدلات النمو في العالم، حيث بلغ 5.5 في المائة في المتوسط خلال السبعينات.
وكانت حاجة النمو السكاني المرتفع في المراحل الأولى لاكتشاف النفط في ظل الندرة الواضحة للسكان المواطنين، ولذلك تزايد الاعتماد على العمالة الوافدة غير أن مستوياتها الحالية أضحت تمثل تهديدا واضحا للتركيبة السكانية في المنطقة، وأصبح السكان الأصليون في بعض دول الخليج أقلية سكانية في دولهم خصوصاً في ثلاث دول من دول الخليج. ففي دولة قطر تمثل نسبة السكان الأصليين نحو 13 في المائة، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة نحو 24 في المائة، وفي دولة الكويت نحو 35 في المائة، بينما ترتفع النسبة إلى نحو 70 في المائة في المملكة العربية السعودية و73 في المائة في سلطنة عُمان و63 في مملكة البحرين. فالخلل في التركيبة السكانية أصبح يشكل هاجساً وتحدياً خطيراً أمام دول المجلس منذ زمن وخصوصاً في ظل التحولات الأخيرة، ودخول المنطقة في اتفاقيات دولية تدعو إلى توطين العمالة الوافدة والمهاجرة ومساواتها مع العمالة الوطنية في كافة الحقوق، فتحولت قضية العمالة الوافدة البالغة 12.5 مليون وافد بنسبة 38.5 في المائة من مجموع سكان الخليج البالغ عددهم 33 مليون نسمة إلى قضية أمنية وسياسية في المقام الأول قبل أن تكون قضية ذات مضامين تنموية واقتصادية واجتماعية، فهي الخطر القادم إذا لم تتكاتف دول المجلس وتضع لها استراتيجيات واضحة ومحددة لمعالجة تلك المعضلة بكل شفافية.
وبسبب فقدان دول المجلس خلال الفترة الماضية لاستراتيجية عمالية واضحة واستسلامها للضغوط القادمة من المنظمات الدولية المتخصصة بالشأن العمالي مثل منظمة العمل الدولية والاتحادات العمالية الإقليمية في دول جنوب شرق آسيا التي تطالب بمزيد من الحقوق لعمالتها في دول المهجر الخليجي مستخدمة في ذلك وسائل ضغط عديدة منها منظمة الأمم المتحدة، وربما يأتي الوقت الذي تطالب فيه تلك الدول بتوطين عمالتها في دول المنطقة نظراً للسنوات التي قضتها فيها، وهو ما ينتج عنه عدم الاستقرار الأمني في المنطقة. وسبق أن قام العمال الهنود بإضراب في الكويت عام 1978 مطالبين بزيادة الأجور وتحسين شروط العمل، مما أثار ردود فعل رسمية في الهند، وقد تكون الاضرابات اللاحقة تطالب بالتوطين. كما أن عدم التجانس بين فئات العمال الوافدين قد ينقل الصراعات من دولهم إلى دول المهجر، مثلما انتقل الصراع بين المسلمين والهندوس إلى داخل دول الخليج عندما حرق الهندوس مسجد (بابري) في الهند فنشبت مظاهرات داخل الإمارات، هذا إضافة إلى السماح بالحرية الدينية كالأزمة التي حدثت بين الهند والكويت حينما اكتشفت الحكومة الكويتية معبداً للسيخ وقامت بإغلاقه بصفته مخالفاً للقانون وغير مرخص.
واستغلت تلك الأحداث منظمة (هيومان رايتس ووتش) الأمريكية، التي طالبت دول مجلس التعاون بالتصديق على معاهدات العمل الدولية لحماية حقوق العمال الأجانب التي دخلت حيز التنفيذ في يوليو عام 2003 مما يجعلها إحدى أدوات الضغط على حكومات المنطقة لتمرير مخططاتها، وضغوط ليست في صالح دول المجلس.
وبالفعل تواجه دول المجلس ضغوطا من الولايات المتحدة واتهام أربع دول من دول المجلس بممارسة الاتجار بالبشر وهي السعودية والكويت والإمارات وقطر، كما وجهت منظمة (هيومان رايتس ووتش) قبل هذا التقرير في يوليو 2004 إدانات إلى المملكة العربية السعودية زاعمة بارتكابها انتهاكات لحقوق العمال الأجانب.
فالنمو المتسارع للسكان خلال العقدين الماضيين مع مشاركة نسائية أكبر في سوق العمل ترتب عليه نمو متسارع للقوة الوطنية العاملة يزيد متوسط معدله السنوي على 4 في المائة لأن نصف سكان دول المجلس هم الآن يمثلون فئة الأقل من 15 سنة، لذا فإن قوى العمل الوطنية تنمو بمعدل 5 في المائة سنويا، أي أنه من المتوقع بحلول عام 2010 أن يكون في دول مجلس التعاون خمسة ملايين وثلاثمائة مواطن ومواطنة تتراوح أعمارهم ما بين السادسة عشرة والخامسة والثلاثين قادرين على مزاولة العمل. هذا كله أفرز بطالة مقنعة وبطالة سافرة وصلت في بعض الدول إلى 14 في المائة وكذلك في العمالة الوافدة، بسبب التباطؤ النسبي مؤخراً في معدلات النمو.
وتعتبر مشكلة البطالة محصلة لمشكلات أخرى عديدة منها تعثر جهود دول المجلس في تنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد غير النفطي على الرغم من أن هذا الهدف مطروح منذ أكثر من ربع قرن، مما قلص من قدرتها على خلق فرص عمل جديدة من ناحية وأدى إلى وجود فجوة كبيرة بين مخرجات المؤسسات التعليمية من ناحية أخرى، فضلا عن تواضع مساهمة القطاع الخاص في عملية توطين العمالة.
وأدى الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة إلى تعقيد عملية تجزئة أسواق العمل في تلك الدول، حيث أدى ذلك إلى موقف سادت فيه العمالة الوافدة في القطاع الخاص، بينما تركزت العمالة الوطنية في القطاعات الحكومية، وأصبح من غير الممكن الاستمرار في توظيف كامل العمالة الوطنية عندما بلغت قيود الميزانية حدودها القصوى، وتحولها من مصدر لعملية التنمية إلى أداة تعيق المسار التنموي وذلك بسبب ارتفاع تكلفتها سواء بالنسبة لتضخم العمالة في المصالح الحكومية وانتشار البطالة المقنعة، ولأن المشكلة الأساسية في اقتصادات دول الخليج تتمثل في اعتماد القطاعات السلعية على استخراج النفط ورغم ارتفاع مساهمة قطاع الخدمات الذي يعد إحدى خصائص اقتصاديات التنمية في دول الخليج، إلا أنها تتركز في النشاط الحكومي، في الوقت الذي نلاحظ فيه محدودية مساهمة قطاع الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي، حيث تتراوح مساهمة هذا القطاع بين 7.1 في المائة في قطر، و9.7 في المائة في السعودية، و12.57 في المائة في الإمارات، و22.9 في الكويت.
وتجدر الإشارة إلى أن نسبة الصناعات المعتمدة على النفط في قطاع الصناعات التحويلية تعد مرتفعة أيضاً، مما يعكس صغر قاعدة الصناعات التحويلية الأخرى، في الوقت الذي تنخفض فيه مساهمة قطاع الزراعة بصورة واضحة، حيث تقل في بعض الدول عن واحد في المائة من إجمالي الناتج المحلي.
ومن آثار الخلل في التوزيع الجغرافي للسكان بسبب محدودية التنمية وتركيزها على المدن دون الريف، ما أدت إليه هذه السياسة الخاطئة من هجرة السكان من الريف إلى المدينة بحثاً عن الوظائف والخدمات غير المتوفرة في الريف، مما أدى بدوره إلى (ترييف) المدينة وتفاقم مشكلات البطالة، وألقى بالمزيد من الأعباء على البنى الأساسية في المدن مع عدم تحمل القطاع الخاص المسؤولية ومشاركته في معالجة قضايا سوق العمل في المنطقة.
لذلك نحن بحاجة إلى بناء موارد بشرية تشترك في مسيرة البناء الخليجية، وخلق كوادر مهنية مدربة تستطيع بهم الانتقال من وضع تقليدي يجسد الوضع السياسي الخليجي القائم على قراءات بسيطة تسطرها دراسات ارتجالية، وبحاجة أيضاً إلى مراجعة شاملة وهادفة لانتقال مواردنا البشرية من مفهوم الاتكالية إلى الاعتماد على الذات، كما أننا أمام تحولات ومرحلة جديدة من الاستثمار، لأن المنطقة لديها 686 مليار برميل من النفط، و156 مليار متر مكعب من الغاز، ولديها معادن وفيرة مثل النحاس والذهب واليورانيوم والبوكسيت، فهناك مشاريع مهمة متاحة في المرحلة المقبلة تشمل قطاعات الطاقة والمياه والسكك الحديدية وغيرها، وفرص العمل والاستثمارات الخليجية غير محدودة، وتقوم الطفرة الحالية هذه المرة على القطاعين العام والخاص. وتوقعت مجلة (ميد) أن تصل القيمة الإجمالية للمشاريع الرأسمالية في دول مجلس التعاون والعراق وإيران إلى 300 مليار دولار بين عامي 2005 و2007. وقدر التقرير الذي أصدرته المجلة بأن قيمة المشاريع الرئيسية التي تم الإعلان عنها في إمارة دبي خلال السنوات الخمس الماضية نحو 257 مليار درهم (70 مليار دولار) وتحتاج السعودية إلى ضخ 50 مليار دولار في قطاع النقل و150 مليار دولار في قطاع المياه عدا مشاريع البتروكيماويات والمشاريع التكريرية والتحويلية الأخرى.
لذا، فإن تحديات العولمة والتشغيل للفترة المقبلة تفرض شراكة بين دول مجلس التعاون ومنظمة العمل الدولية والعربية، هذا من جانب، والجانب الآخر ضبط التركيبة السكانية لدول المجلس والحفاظ على الهوية الخليجية والسياسات الاجتماعية عن طريق تكامل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير الحماية للمواطن الخليجي في ظل الممارسات الخارجية التي تستهدف وحدة وتماسك الخليج العربي. كما أن التأخر في معالجة مسألة (البدون) قد ضخم المشكلة، وعطّل حلها بسبب ما أثير من مخاوف جمة حول فتح باب التجنيس على مصراعيه وتأثير ذلك في هوية المجتمع رغم أن تلك المخاوف غير مبررة إذا كانت هناك سياسة سكانية وتجنيس مبني على أسس علمية وموضوعية أساسها حق الدولة القانوني والسيادي وحق (البدون) الإنساني والقانوني أيضاً من أجل تصحيح أوضاعهم ودمجهم في المجتمع والمشاركة في التنمية والتقليل من خطرهم الأمني والاجتماعي.
وبالمحصلة نقول إن دول المجلس باتت في حاجة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى ضرورة التنسيق في مواقفها وإدماج العنصر النسائي الخليجي في قوة العمل، والإسراع في وضع استراتيجية سكانية موحدة من أجل تحقيق توازن سكاني فيها لتلافي حدوث أي خلل في التركيبة السكانية مستقبلا ومواجهة التحديات بكل شجاعة.
::/fulltext::
::cck::2953::/cck::
