هل سياسات توطين العمالة في دول “التعاون” ناجحة؟
::cck::2962::/cck::
::introtext::
أعلن مسؤولون سعوديون في سبتمبر من عام 2002، أنه في غضون ستة أشهر سيتم استبدال سائقي سيارات الأجرة من المغتربين – وهم يشكلون نحو 90 في المائة من إجمالي العدد – بسائقين من المواطنين السعوديين، لكن هذا لم يتم، وأُعلن مؤخراً أن عملية الاستبدال هذه ستستغرق ثلاث سنوات أخرى حتى يتم تنفيذها. ويدعي سائقو الأجرة السعوديون أن هذا التأخير يعود إلى انعدام الالتزام من جانب شركات سيارات الأجرة المملوكة لجهات خاصة، وسبب ذلك أن السائقين الوافدين أقل تكلفة في تشغيلهم أو فصلهم من العمل، ويتمتعون بحقوق قانونية أقل، ويعملون ساعات أطول.
::/introtext::
::fulltext::
أعلن مسؤولون سعوديون في سبتمبر من عام 2002، أنه في غضون ستة أشهر سيتم استبدال سائقي سيارات الأجرة من المغتربين – وهم يشكلون نحو 90 في المائة من إجمالي العدد – بسائقين من المواطنين السعوديين، لكن هذا لم يتم، وأُعلن مؤخراً أن عملية الاستبدال هذه ستستغرق ثلاث سنوات أخرى حتى يتم تنفيذها. ويدعي سائقو الأجرة السعوديون أن هذا التأخير يعود إلى انعدام الالتزام من جانب شركات سيارات الأجرة المملوكة لجهات خاصة، وسبب ذلك أن السائقين الوافدين أقل تكلفة في تشغيلهم أو فصلهم من العمل، ويتمتعون بحقوق قانونية أقل، ويعملون ساعات أطول.
إن سياسات التوطين في المنطقة تبدو منطقية من حيث قيمتها الظاهرية، فتشغيل المواطنين بدل المغتربين يُفترض أن يقلل تدفق رأس المال الإقليمي إلى الخارج، ويخفف العبء عن كاهل القطاع العام في إيجاد مزيد من فرص العمل لأعداد السكان المتزايدة باطراد. وفي الوقت الحالي يجري تنفيذ هذه السياسات بالدرجة الأولى من خلال تحديد حصص للقطاع الخاص من التوظيف واستبدال غير المواطنين بالمواطنين في القطاع العام، لكن سياسات مثل الأمرتة (نسبة إلى الإمارات) والتعمين (نسبة إلى عمان)، إن لم تنفَّذ بتروٍّ وعناية، يمكن أن تؤدي إلى تصلبات وتشوهات في سوق العمل، فإجبار شركات القطاع الخاص على تشغيل المواطنين بدل المغتربين الأقل تكلفة والأكثر إنتاجية يمكن أن يقلص قدرتها التنافسية ويجبرها على التفكير في تغيير مخصصاتها والاعتماد على تكليف شركات أخرى تنفيذَ الأعمال.
إن معدلات نمو السكان مرتفعة في دول مجلس التعاون الست، تصل إلى 3 في المائة وأكثر (راجع الجداول)، وجميع هذه الدول فيها أعداد كبيرة من الوافدين، تفوق في دول عدة أعداد مواطنيها (راجع الجدول). ووفقاً لإحصاءات وزارة التخطيط السعودية، فإن 40 في المائة من سكانها دون سن 15، و40 في المائة منهم أيضاً بين 15 و39 من العمر، كما أن أغلبية السكان في قطر أيضاً من الشباب، وثمة تقديرات للأمم المتحدة تشير إلى أن 27 في المائة هم دون سن 15. وأظهرت دراسة حديثة في دبي أن المواطنين يشكلون أقل من 10 في المائة من قوة العمل، ومع ذلك فإن مستويات البطالة بين المواطنين الإماراتيين تصل إلى 15 في المائة (البنك الوطني في دبي، التقرير الاقتصادي، يناير – 2005). وبالنسبة للمواطنين العمانيين تقدر نسبة البطالة بـ 15 في المائة، بينما تتراوح نسبة البطالة بين مواطني دول مجلس التعاون الأخرى بين 9 و12 في المائة. ومن الواضح في ضوء هذه الأوضاع الديموغرافية أنه ستكون هناك حاجة لإيجاد المزيد من فرص العمل، فالمقاربات التنازلية على مختلف المستويات كاستبدال الوظائف وأنظمة الحصص – التي اتخذتها الكثير من السياسات الوطنية الحالية هدفاً لها – يمكن أن يكون أمراً سهلاً، لكن خلق فرص العمل وتوفير الثقافة المهنية المناسبة قد يكونان أكثر صعوبةً بكثير.
إن الهدف الرئيسي لسياسات توطين العمل في المنطقة هو توفير المزيد من الوظائف للمواطنين وضمان قدرة القادمين الجدد في المستقبل إلى سوق العمل على إيجاد عمل مناسب. وتتضمن الفوائد الاقتصادية المرتبطة بهذا الأمر تقليص الاعتماد على العمال المغتربين والاستحواذ على قدر أكبر من رأس المال وإعادة استثماره بدل أن يتدفق خارج البلاد، إذ يقدر أنه على مدى السنوات العشر الماضية تم تحويل نحو 156 مليار دولار أمريكي من المملكة العربية السعودية وحدها (السعودة والإصلاحات الاقتصادية السليمة: هل الأمران متوافقان؟ روبرت لوني – 2004). وتشير التحليلات إلى أن هذه الأموال، لو أُنفقت محلياً، لكان لها أثر مضاعف إيجابي، وأسهمت في إيجاد فرص عمل جديدة في غير القطاع النفطي.
وفي الكويت يعمل نحو 95 في المائة من الموظفين الكويتيين في القطاع العام، وإذا لم يتم توسيع جوهري في وظائف القطاع الخاص، فسيتعين على الحكومة الكويتية إيجاد 10 آلاف وظيفة في القطاع العام سنوياً تقريباً، وهذا يتطلب مخصصات مرتفعة غير مجدية من الموارد الاقتصادية. ولهذا وتؤمن سياسات استبدال المغتربين بالمواطنين حلاً جيداً على المدى القصير، لكن الكثير من دول مجلس التعاون طبقت مسبقاً إجراءات الاستبدال في قطاعاتها العامة، وهذا ما يجعلها تزيد أكثر اهتمامها على القطاع الخاص.
ووفقاً لهيئة تنمية وتشغيل الموارد البشرية الوطنية في الإمارات (مؤسسة تنمية)، يستدعي فرض الحصص التوظيفية على قطاعات معينة من الاقتصاد الخاص أن تتصرف مؤسسات الأعمال بشكل احترازي استباقي بتطوير دورات تدريبية وتوفير حوافز لجذب المواطنين بدلاً من مجرد القول إن المواطنين المحليين يفتقدون المهارات اللازمة.
وحتى الآن لم يحقق السعي باتجاه توطين قوة العمل في مجلس التعاون من النجاح إلا قليلاً، فجهود استبدال الوافدين تعقّدها وتعوقها حقيقة أن المؤسسات المملوكة من جهات خاصة يغلب عليها تفضيل الوافدين، لأنهم أقل تكلفة وأفضل تأهيلاً وأسهل فصلاً من العمل. فعملية (الأمرتة) على سبيل المثال وضعت حداً أدنى لحصص المواطنين من العمالة في أي مؤسسة مصرفية، لكن وفقاً (لمؤسسة تنمية)، فإن ثلاثة أرباع المصارف تقريباً لم تحقق تلك الحصص، وقطاع التأمين وضعه أسوأ من ذلك في هذا الشأن، ومع ذلك لم تقم الحكومة حتى الآن بتغريم أي شركة خاصة على عدم الالتزام بالحصص.
ووجدت (مؤسسة تنمية) أيضاً أن 27 في المائة من المواطنين الذين قدم لهم عمل في مصرف خاص تركوا العمل في غضون ستة أشهر، ووسطياً كان الإماراتيون يقضون 19 شهراً في عملهم مع المصرف بالمقارنة مع ستين شهراً يقضيها الوافدون كمعدل (تقرير الموارد البشرية في الإمارات – 2005 – مؤسسة تنمية – دبي). وذكرت المصارف في هذا الشأن طائفة من المشكلات التي واجهتها، ومنها سياستها الخاصة باعتبار أن الأسبوع 6 أيام، ومطالب الرواتب المتصاعدة، والمتقدمون للعمل ليست لديهم كفاءات ودوافع كافيه. وثمة خطر أيضا يتمثل في قيام بعض شركات القطاع الخاص بتوظيف المواطنين في مواقع إدارية ومكتبية لا تحتاج إلى مهارات، والسعي لتقليص العدد الإجمالي لموظفيها بالاعتماد على موارد خارجية في بعض عملياتها.
وبما أن القطاع العام غير قادر على تحقيق ناتج غير نفطي ملموس، فسيكون من مهمة القطاع الخاص أن يلعب دوراً محورياً في إيجاد المزيد من فرص الأعمال. بيد أن الكثير من الشركات الخاصة في المملكة العربية السعودية تعتقد بأن عملية (السعودة) يمكن أن تقلص قدرتها التنافسية، وتجعل إمكانية قيامها بأعمالها أصعب في الواقع، كما أن فرض الحصص في الوظائف واتباع الطريقة التنازلية يمكن أن يعوقا الاستثمار الأجنبي المباشر الذي من دونه تصبح مسألة خلق فرص العمل الجديدة أكثر صعوبة، وقد يكون من الأجدى لو أن سياسات التوطين في المنطقة تقدم حوافز للمؤسسات الخاصة بدل فرض القيود والحصص.
إن الانتفاع بعمالة الوافدين يوفر لاقتصادات مجلس التعاون مزايا عدة ولا سيما في فترات ارتفاع أسعار النفط حين يزداد النشاط الاقتصادي بصورة سريعة، إذ إن قوة عمل الوافدين قوة مرنة إلى حد بعيد، ويمكن تجنيدها بسرعة لفترات قصيرة الأجل، والازدهار الذي يشهده قطاع البناء والعقارات حالياً مثال جيد على ذلك. فإذا فرضت سياسات التوطين قيوداً على عدد الوافدين المسموح لهم بدخول البلاد في فترة معينة، فإنه يمكن في الواقع أن تكبح النمو الاقتصادي.
إن الاستبدال التدريجي للوافدين بالمواطنين استراتيجية اقتصادية حكيمة، ولا سيما في ضوء الواقع الديموغرافي للمنطقة، لكنها لن تنجح إذا تركزت على استبدال الوظائف على حساب إيجاد فرص عمل جديدة. كما أنها لن تنجح إذا أدت إلى جعل شركات القطاع الخاص أقل قدرة على المنافسة، وأعاقت الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
إن رفع مستويات التحصيل العلمي بين المواطنين عن طريق ـ مثلاً ـ تعزيز التدريب العلمي والمهني وتوفير المزيد من المنح الدراسية، سيؤدي إلى أن يصبح المواطنون أكثر مهارة وأكثر قدرة على المنافسة من قبل شركات القطاع الخاص. ففي الكويت على سبيل المثال، نحو 53 في المائة من الراشدين لم يكملوا تعليمهم الثانوي، وربعهم فقط يحمل شهادة دبلوم أو شهادة جامعية (تقرير وحدة EIU الاقتصادي حول الكويت – 2005). وفي دولة الإمارات 23 في المائة من الراشدين أميون (البنك الدولي – مؤشرات التنمية العالمية – 2003). إضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي توفير الحوافز للقطاع الخاص عن طريق الإعانات والمنح الحكومية مثلاً إلى أن تصبح هناك رغبة أكبر من وجهة نظر اقتصادية لدى هذا القطاع لتوظيف المواطنين بدل الوافدين.
ومن الخطوات الأخرى المفيدة الممكن اتخاذها، فصل الفوائد أو المزايا الإضافية لوظائف القطاع العام عن الأجور التي توفرها، إذ إن توفير الفوائد نفسها لجميع المواطنين، بغض النظر عن كونهم يعملون في القطاع العام أو الخاص، سيجعل العمل في القطاع الخاص بلا شك أكثر جاذبية، ويجعل تشغيل المواطنين أكثر جاذبية للقطاع العام، لأنه لن يضطر إلى أن يدفع ذاك الكم من الفوائد أو المزايا.
وأخيراً نقول إن هناك ثمة حاجة إلى التفكير بحلول إبداعية أخرى أيضاً، فوفقاً لما ذكره عضو مجلس الشورى السعودي محمد الزلفة، يكلف سائقو السيارات – الذين يتم توظيفهم ليخدموا تنقلات النساء – المملكة أكثر من 3 مليارات دولار أمريكي سنوياً. فلو سمح للنساء السعوديات بأن يقدن سياراتهن بأنفسهن لما كانت هناك حاجة لتوظيف آلاف السائقين من المغتربين، ويمكن للملايين التي يتم توفيرها أن تساعد على إيجاد فرص عمل محلية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2962::/cck::
::introtext::
أعلن مسؤولون سعوديون في سبتمبر من عام 2002، أنه في غضون ستة أشهر سيتم استبدال سائقي سيارات الأجرة من المغتربين – وهم يشكلون نحو 90 في المائة من إجمالي العدد – بسائقين من المواطنين السعوديين، لكن هذا لم يتم، وأُعلن مؤخراً أن عملية الاستبدال هذه ستستغرق ثلاث سنوات أخرى حتى يتم تنفيذها. ويدعي سائقو الأجرة السعوديون أن هذا التأخير يعود إلى انعدام الالتزام من جانب شركات سيارات الأجرة المملوكة لجهات خاصة، وسبب ذلك أن السائقين الوافدين أقل تكلفة في تشغيلهم أو فصلهم من العمل، ويتمتعون بحقوق قانونية أقل، ويعملون ساعات أطول.
::/introtext::
::fulltext::
أعلن مسؤولون سعوديون في سبتمبر من عام 2002، أنه في غضون ستة أشهر سيتم استبدال سائقي سيارات الأجرة من المغتربين – وهم يشكلون نحو 90 في المائة من إجمالي العدد – بسائقين من المواطنين السعوديين، لكن هذا لم يتم، وأُعلن مؤخراً أن عملية الاستبدال هذه ستستغرق ثلاث سنوات أخرى حتى يتم تنفيذها. ويدعي سائقو الأجرة السعوديون أن هذا التأخير يعود إلى انعدام الالتزام من جانب شركات سيارات الأجرة المملوكة لجهات خاصة، وسبب ذلك أن السائقين الوافدين أقل تكلفة في تشغيلهم أو فصلهم من العمل، ويتمتعون بحقوق قانونية أقل، ويعملون ساعات أطول.
إن سياسات التوطين في المنطقة تبدو منطقية من حيث قيمتها الظاهرية، فتشغيل المواطنين بدل المغتربين يُفترض أن يقلل تدفق رأس المال الإقليمي إلى الخارج، ويخفف العبء عن كاهل القطاع العام في إيجاد مزيد من فرص العمل لأعداد السكان المتزايدة باطراد. وفي الوقت الحالي يجري تنفيذ هذه السياسات بالدرجة الأولى من خلال تحديد حصص للقطاع الخاص من التوظيف واستبدال غير المواطنين بالمواطنين في القطاع العام، لكن سياسات مثل الأمرتة (نسبة إلى الإمارات) والتعمين (نسبة إلى عمان)، إن لم تنفَّذ بتروٍّ وعناية، يمكن أن تؤدي إلى تصلبات وتشوهات في سوق العمل، فإجبار شركات القطاع الخاص على تشغيل المواطنين بدل المغتربين الأقل تكلفة والأكثر إنتاجية يمكن أن يقلص قدرتها التنافسية ويجبرها على التفكير في تغيير مخصصاتها والاعتماد على تكليف شركات أخرى تنفيذَ الأعمال.
إن معدلات نمو السكان مرتفعة في دول مجلس التعاون الست، تصل إلى 3 في المائة وأكثر (راجع الجداول)، وجميع هذه الدول فيها أعداد كبيرة من الوافدين، تفوق في دول عدة أعداد مواطنيها (راجع الجدول). ووفقاً لإحصاءات وزارة التخطيط السعودية، فإن 40 في المائة من سكانها دون سن 15، و40 في المائة منهم أيضاً بين 15 و39 من العمر، كما أن أغلبية السكان في قطر أيضاً من الشباب، وثمة تقديرات للأمم المتحدة تشير إلى أن 27 في المائة هم دون سن 15. وأظهرت دراسة حديثة في دبي أن المواطنين يشكلون أقل من 10 في المائة من قوة العمل، ومع ذلك فإن مستويات البطالة بين المواطنين الإماراتيين تصل إلى 15 في المائة (البنك الوطني في دبي، التقرير الاقتصادي، يناير – 2005). وبالنسبة للمواطنين العمانيين تقدر نسبة البطالة بـ 15 في المائة، بينما تتراوح نسبة البطالة بين مواطني دول مجلس التعاون الأخرى بين 9 و12 في المائة. ومن الواضح في ضوء هذه الأوضاع الديموغرافية أنه ستكون هناك حاجة لإيجاد المزيد من فرص العمل، فالمقاربات التنازلية على مختلف المستويات كاستبدال الوظائف وأنظمة الحصص – التي اتخذتها الكثير من السياسات الوطنية الحالية هدفاً لها – يمكن أن يكون أمراً سهلاً، لكن خلق فرص العمل وتوفير الثقافة المهنية المناسبة قد يكونان أكثر صعوبةً بكثير.
إن الهدف الرئيسي لسياسات توطين العمل في المنطقة هو توفير المزيد من الوظائف للمواطنين وضمان قدرة القادمين الجدد في المستقبل إلى سوق العمل على إيجاد عمل مناسب. وتتضمن الفوائد الاقتصادية المرتبطة بهذا الأمر تقليص الاعتماد على العمال المغتربين والاستحواذ على قدر أكبر من رأس المال وإعادة استثماره بدل أن يتدفق خارج البلاد، إذ يقدر أنه على مدى السنوات العشر الماضية تم تحويل نحو 156 مليار دولار أمريكي من المملكة العربية السعودية وحدها (السعودة والإصلاحات الاقتصادية السليمة: هل الأمران متوافقان؟ روبرت لوني – 2004). وتشير التحليلات إلى أن هذه الأموال، لو أُنفقت محلياً، لكان لها أثر مضاعف إيجابي، وأسهمت في إيجاد فرص عمل جديدة في غير القطاع النفطي.
وفي الكويت يعمل نحو 95 في المائة من الموظفين الكويتيين في القطاع العام، وإذا لم يتم توسيع جوهري في وظائف القطاع الخاص، فسيتعين على الحكومة الكويتية إيجاد 10 آلاف وظيفة في القطاع العام سنوياً تقريباً، وهذا يتطلب مخصصات مرتفعة غير مجدية من الموارد الاقتصادية. ولهذا وتؤمن سياسات استبدال المغتربين بالمواطنين حلاً جيداً على المدى القصير، لكن الكثير من دول مجلس التعاون طبقت مسبقاً إجراءات الاستبدال في قطاعاتها العامة، وهذا ما يجعلها تزيد أكثر اهتمامها على القطاع الخاص.
ووفقاً لهيئة تنمية وتشغيل الموارد البشرية الوطنية في الإمارات (مؤسسة تنمية)، يستدعي فرض الحصص التوظيفية على قطاعات معينة من الاقتصاد الخاص أن تتصرف مؤسسات الأعمال بشكل احترازي استباقي بتطوير دورات تدريبية وتوفير حوافز لجذب المواطنين بدلاً من مجرد القول إن المواطنين المحليين يفتقدون المهارات اللازمة.
وحتى الآن لم يحقق السعي باتجاه توطين قوة العمل في مجلس التعاون من النجاح إلا قليلاً، فجهود استبدال الوافدين تعقّدها وتعوقها حقيقة أن المؤسسات المملوكة من جهات خاصة يغلب عليها تفضيل الوافدين، لأنهم أقل تكلفة وأفضل تأهيلاً وأسهل فصلاً من العمل. فعملية (الأمرتة) على سبيل المثال وضعت حداً أدنى لحصص المواطنين من العمالة في أي مؤسسة مصرفية، لكن وفقاً (لمؤسسة تنمية)، فإن ثلاثة أرباع المصارف تقريباً لم تحقق تلك الحصص، وقطاع التأمين وضعه أسوأ من ذلك في هذا الشأن، ومع ذلك لم تقم الحكومة حتى الآن بتغريم أي شركة خاصة على عدم الالتزام بالحصص.
ووجدت (مؤسسة تنمية) أيضاً أن 27 في المائة من المواطنين الذين قدم لهم عمل في مصرف خاص تركوا العمل في غضون ستة أشهر، ووسطياً كان الإماراتيون يقضون 19 شهراً في عملهم مع المصرف بالمقارنة مع ستين شهراً يقضيها الوافدون كمعدل (تقرير الموارد البشرية في الإمارات – 2005 – مؤسسة تنمية – دبي). وذكرت المصارف في هذا الشأن طائفة من المشكلات التي واجهتها، ومنها سياستها الخاصة باعتبار أن الأسبوع 6 أيام، ومطالب الرواتب المتصاعدة، والمتقدمون للعمل ليست لديهم كفاءات ودوافع كافيه. وثمة خطر أيضا يتمثل في قيام بعض شركات القطاع الخاص بتوظيف المواطنين في مواقع إدارية ومكتبية لا تحتاج إلى مهارات، والسعي لتقليص العدد الإجمالي لموظفيها بالاعتماد على موارد خارجية في بعض عملياتها.
وبما أن القطاع العام غير قادر على تحقيق ناتج غير نفطي ملموس، فسيكون من مهمة القطاع الخاص أن يلعب دوراً محورياً في إيجاد المزيد من فرص الأعمال. بيد أن الكثير من الشركات الخاصة في المملكة العربية السعودية تعتقد بأن عملية (السعودة) يمكن أن تقلص قدرتها التنافسية، وتجعل إمكانية قيامها بأعمالها أصعب في الواقع، كما أن فرض الحصص في الوظائف واتباع الطريقة التنازلية يمكن أن يعوقا الاستثمار الأجنبي المباشر الذي من دونه تصبح مسألة خلق فرص العمل الجديدة أكثر صعوبة، وقد يكون من الأجدى لو أن سياسات التوطين في المنطقة تقدم حوافز للمؤسسات الخاصة بدل فرض القيود والحصص.
إن الانتفاع بعمالة الوافدين يوفر لاقتصادات مجلس التعاون مزايا عدة ولا سيما في فترات ارتفاع أسعار النفط حين يزداد النشاط الاقتصادي بصورة سريعة، إذ إن قوة عمل الوافدين قوة مرنة إلى حد بعيد، ويمكن تجنيدها بسرعة لفترات قصيرة الأجل، والازدهار الذي يشهده قطاع البناء والعقارات حالياً مثال جيد على ذلك. فإذا فرضت سياسات التوطين قيوداً على عدد الوافدين المسموح لهم بدخول البلاد في فترة معينة، فإنه يمكن في الواقع أن تكبح النمو الاقتصادي.
إن الاستبدال التدريجي للوافدين بالمواطنين استراتيجية اقتصادية حكيمة، ولا سيما في ضوء الواقع الديموغرافي للمنطقة، لكنها لن تنجح إذا تركزت على استبدال الوظائف على حساب إيجاد فرص عمل جديدة. كما أنها لن تنجح إذا أدت إلى جعل شركات القطاع الخاص أقل قدرة على المنافسة، وأعاقت الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
إن رفع مستويات التحصيل العلمي بين المواطنين عن طريق ـ مثلاً ـ تعزيز التدريب العلمي والمهني وتوفير المزيد من المنح الدراسية، سيؤدي إلى أن يصبح المواطنون أكثر مهارة وأكثر قدرة على المنافسة من قبل شركات القطاع الخاص. ففي الكويت على سبيل المثال، نحو 53 في المائة من الراشدين لم يكملوا تعليمهم الثانوي، وربعهم فقط يحمل شهادة دبلوم أو شهادة جامعية (تقرير وحدة EIU الاقتصادي حول الكويت – 2005). وفي دولة الإمارات 23 في المائة من الراشدين أميون (البنك الدولي – مؤشرات التنمية العالمية – 2003). إضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي توفير الحوافز للقطاع الخاص عن طريق الإعانات والمنح الحكومية مثلاً إلى أن تصبح هناك رغبة أكبر من وجهة نظر اقتصادية لدى هذا القطاع لتوظيف المواطنين بدل الوافدين.
ومن الخطوات الأخرى المفيدة الممكن اتخاذها، فصل الفوائد أو المزايا الإضافية لوظائف القطاع العام عن الأجور التي توفرها، إذ إن توفير الفوائد نفسها لجميع المواطنين، بغض النظر عن كونهم يعملون في القطاع العام أو الخاص، سيجعل العمل في القطاع الخاص بلا شك أكثر جاذبية، ويجعل تشغيل المواطنين أكثر جاذبية للقطاع العام، لأنه لن يضطر إلى أن يدفع ذاك الكم من الفوائد أو المزايا.
وأخيراً نقول إن هناك ثمة حاجة إلى التفكير بحلول إبداعية أخرى أيضاً، فوفقاً لما ذكره عضو مجلس الشورى السعودي محمد الزلفة، يكلف سائقو السيارات – الذين يتم توظيفهم ليخدموا تنقلات النساء – المملكة أكثر من 3 مليارات دولار أمريكي سنوياً. فلو سمح للنساء السعوديات بأن يقدن سياراتهن بأنفسهن لما كانت هناك حاجة لتوظيف آلاف السائقين من المغتربين، ويمكن للملايين التي يتم توفيرها أن تساعد على إيجاد فرص عمل محلية.
::/fulltext::
::cck::2962::/cck::
