إيران والمشكلة السكانية.. تجربة خاصة
::cck::2990::/cck::
::introtext::
لا أجد في الحديث عن المسألة الديموغرافية لإيران ما يختلف عن غيره من الملفات الملتهبة لهذا البلد من حيث جدليتها وغرابتها في الوقت نفسه، فالقضايا الإيرانية عادة ما تكون مرهونة بساحة مفتوحة للأزمات مع تمازج غير طبيعي للمتناقضات إلى الحد الذي يعجز فيه أي متابع للشأن الإيراني – فضلاً عن غيره – عن فك ذلك الطلسم ليُحيله لاحقاً إلى سلّة المهملات علّها الأيام وحدها القادرة على تشريحه بمنطق السوق السياسي السائد. لذا فإن الإشارة إلى ديموغرافيا إيران بشيء من التفصيل ستعني الإطلاع على واحد من أهم الملفات الإيرانية غرابة والتي تقع مع الأسف في خانة القضايا المسكوت عنها بالرغم من محوريتها وأهميتها سواء بالنسبة إلى الداخل الإيراني أو للوعاء الجغرافي المحيط بها، بل وحتى عالمياً إذا ما كانت هناك فرصة تقييم لها من قِبَل جهات أممية تضطلع عبر إحدى أذرعها الرئيسية بالمسألة السكانية ((العالمية)) التي يبدو أنها أصبحت قضية مُدوّلة ومطروحة بقوة في المحافل الدولية، خصوصاً أن الأنظمة السياسية الحاكمة ضمن حزام العالم الثالث باتت تنظر إليها بشيء من الترقب لاقتناعها التام بأن المسألة الديموغرافية باتت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالاستقرار السياسي.
::/introtext::
::fulltext::
لا أجد في الحديث عن المسألة الديموغرافية لإيران ما يختلف عن غيره من الملفات الملتهبة لهذا البلد من حيث جدليتها وغرابتها في الوقت نفسه، فالقضايا الإيرانية عادة ما تكون مرهونة بساحة مفتوحة للأزمات مع تمازج غير طبيعي للمتناقضات إلى الحد الذي يعجز فيه أي متابع للشأن الإيراني – فضلاً عن غيره – عن فك ذلك الطلسم ليُحيله لاحقاً إلى سلّة المهملات علّها الأيام وحدها القادرة على تشريحه بمنطق السوق السياسي السائد. لذا فإن الإشارة إلى ديموغرافيا إيران بشيء من التفصيل ستعني الإطلاع على واحد من أهم الملفات الإيرانية غرابة والتي تقع مع الأسف في خانة القضايا المسكوت عنها بالرغم من محوريتها وأهميتها سواء بالنسبة إلى الداخل الإيراني أو للوعاء الجغرافي المحيط بها، بل وحتى عالمياً إذا ما كانت هناك فرصة تقييم لها من قِبَل جهات أممية تضطلع عبر إحدى أذرعها الرئيسية بالمسألة السكانية ((العالمية)) التي يبدو أنها أصبحت قضية مُدوّلة ومطروحة بقوة في المحافل الدولية، خصوصاً أن الأنظمة السياسية الحاكمة ضمن حزام العالم الثالث باتت تنظر إليها بشيء من الترقب لاقتناعها التام بأن المسألة الديموغرافية باتت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالاستقرار السياسي.
إيران والمشكلة السكانية
بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران في الحادي عشر من فبراير 1979 كان تعداد الشعب الإيراني يقترب من الثلاثة والثلاثين مليون نسمة، وبما أن الحركة السياسية الجديدة التي قادها الإمام الخميني هي حركة دينية صرفة لها وجهات نظر محددة ومؤدلجة تجاه العديد من القضايا بما فيها مسألة تحديد النسل، فقد باشر مجلس قيادة الثورة والحكومة المؤقتة ولاحقاً الحكومة الأولى والثانية عملية إيقاف أي نشاط تحريضي ضد العملية (التدرارية)، فانفتح الباب على مصراعيه نحو إنتاج بشري هائل وغير مُنظّم ساعدته عوامل اقتصادية تحفيزية ((باعتبار أن الدولة كانت تُوفّر الحاجات الأساسية الاستهلاكية في ظل اقتصاد الحرب المُوجّه)) واجتماعية أبرزها ظروف الحرب العراقية – الإيرانية التي أوجدت مفهوماً خاصاً لدى الإيراني يتعلق بضرورة الحفاظ على العنصر الذكوري لإسناد مدماك الصراع المحتدم مع الجيش العراقي وما كان يخلّفه ذلك الصراع من خسائر بشرية هائلة، بالإضافة إلى الظروف النفسية التي كان يواجهها الجندي الإيراني في الجبهات والتي كانت تعطيه فرصة قوية للتنفيس عبر مسألة الزواج ومن ثم الإنجاب المفتوح وتوسيع العائلة الصغيرة إلى عائلة مُركّبة، وبالتالي زيادة جنونية في الخصوبة، الأمر الآخر الذي ساعد على مضاعفة عدد السكان في المدن والأرياف الإيرانية، هو ما كان يعانيه الشعب الإيراني من ظروف ثقافية وتعليمية مزرية، فقد كان أكثر من نصف الشعب الإيراني في العام 1978 لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وبالتالي نُقصان عمودي في مسألة الوعي الصحي والاجتماعي، مع الإشارة هنا إلى أن الإحصاءات الرقمية الحديثة تُشير إلى أن المرأة (الأمية) تنجب أطفالاً يتراوح عددهم ما بين ثمانية وتسعة أطفال، في مقابل المرأة (المتعلّمة) التي يتراوح إنجابها ما بين الثلاثة والأربعة، رغم أن إيران في نهاية المطاف لم تكن خارجة آنذاك عن الجو الديموغرافي العام لمنطقة الشرق الأوسط التي كانت تشهداً معدلات إنجاب للأطفال يبلغ 6.6 منذ منتصـف الخمسينات.
وبعد النصف الأول من عقد الثمانينات وبالتحديد في العام 1986 تبيّن أن إيران تحقق نمواً سُكّانياً بنسبة 3.7 في المائة في السنة وهو أعلى معدل لزيادة عدد السكان في العالم. لذا فإن المسؤولين الإيرانيين استيقظوا على رعب كتل بشرية هائلة ضاعفت شعبهم بشكل مُخيف الأمر الذي أثّر بقوة في مسيرة العملية التنموية الناشئة بعد الحرب مع العراق، التي بدأتها حكومة الإعمار الأولى برئاسة هاشمي رفسنجاني، ثم تبيّن أيضاً أن إيران وبسبب الطفرة السكانية لم تعد قادرة على الاستناد إلى البنى التحتية المكونة للإنتاج والاقتصاد، فبدأت برامج تخطيط أسري صارمة جداً صاحبتها بالتوازي أولوية صحية للنساء والأطفال أفضت إلى أن ينخفض عدد الولادات إلى النصف خلال العشر سنوات الماضية، أي من 2.26 إلى 1.19 مليون، مع التأكيد هنا على أن الإيرانيين وفي سبيل تحقيق ذلك قاموا بعدة مواءمات اجتماعية تمنع إيجاد خلل في البنية الأساسية والطبقية للمجتمع، خصوصاً أن نصف الشعب الإيراني هم ضمن تصنيف (الفُتوّة) أو بالتحديد تحت سن الخامسة عشرة، وأن 435635 من ذلك التصنيف هم شابات جامعيات، لذا فإنهم ومن خلال تلك المواءمات لم يسعوا أبداً لتعقيد مسألة الزواج كوسيلة لتقليل النسل، بل على العكس فإن الجماعات المحافظة التي كانت تُسيطر على المنظمات الخيرية كمؤسسة الإمام الخميني للإغاثة مضت قُدماً نحو إقامة الزيجات الجماعية التي تضم الآلاف في كل وجبة من فقراء القرى النائية والأرياف، تُقدّم خلالها التسهيلات المادية والعينية للمتزوجين، وقد شهدت إيران منذ انتصار الثورة وإلى الآن أكثر من 120 ألف زواج جماعي تكفّلت به تلك المنظمات الخيرية، ولكن وفي مقابل ذلك وبالتوازي كانت آلة التثقيف والتوعية تعمل على قدم وساق في ثلاثين محافظة و928 مدينة و68122 قرية في كل أرجاء إيران، وفُرضت خلالها شروط مختلفة لإتمام صيغ عقد النكاح، فلا يُمكن لأي شاب أو شابة الارتباط من دون حضور ورشة عمل تثقيفية تستمر لستٍ وثلاثين ساعة لتعلّم تقنيات التخطيط الأسري، الأمر الذي أفضى إلى قناعات فردية وجماعية في بطون وأفخاذ الأسر الإيرانية، ونجحت تلك الإجراءات في أن تقوم ثلاثة أرباع النساء المتزوجات في إيران باستخدام موانع للحمل، بل أصبحت تلك الموانع في الأرياف توازي استخداماتها في المدن.
وقبل عامين من انصراف العقد التسعيني انخفض معدل السكّان في الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى 2.7 بعدما أن كان 6.7، وأخيراً وبالتحديد في العام 2002 إلى 1,5 في المائة ما يعني أن أقل من خمسة وعشرين في المائة من الشعب الإيراني سيكون عمره ضمن سن الخامسة عشرة بعد عقد تقريباً، وهو تطور نوعي في مجال نتائج إجراءات الدول في التعامل مع القضايا السكانية، بل إن الأمم المتحدة قد وضعت إيران في مصاف الدول المتقدمة في مجال التعامل مع القضية السكانية والحد من النسل غير المنتظم، وباتت تتحدث اليوم عن أن النمو السكاني في إيران لا يزيد إلا بفارق طفيف على معدل الزيادة في الولايات المتحدة التي تعتبر أغنى دولة في العالم.
الأسباب والمعالجه
عند تناولنا المسألة السكانية في إيران يتوجب الإشارة أيضاً إلى أمور غير مرئية لعبت دورها في مسألة تحجيم مسألة الإنجاب في ذلك البلد خلقتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية، أهمها الهجرة العفوية لسكان الأرياف نحو المدن أو التموضع في أطرافها، فقد بلغ عدد السكان في المناطق الحضرية 44.77 مليون إيراني، في حين وصل عدد السكان في المناطق الريفية إلى 22.70 مليون إيراني بكثافة إجمالية بلغت 40.5 نسمة (كم) الأمر الذي أفضى إلى إيجاد مجتمع صناعي وظهور طبقة وسطى متنامية، كذلك فإن تلك الهجرات ولّدت دفوعاً معرفية قوية، صاحبتها عملية تعليم واسعة في مختلف أرجاء إيران تساندها الآلة الإعلامية المُركّزة وسطوة (الفُتيا)، حيث تولّدت منظومة قيم متمازجة ما بين الديني والقومي، وبدأ الحديث يدور حول 1801 مطبوعة في إيران، وسبعة ملايين نسخة من الصحف توزّع في الداخل يومياً، وأربعين شبكة تلفزيونية، وثلاثمائة دور للسينما وطباعة أكثر من 153.753 مليون مجلد سنوياً، وعن بلوغ نسبة التعليم خمسة وثمانين في المائة.
وقام النظام في إيران بإجراءات راديكالية في مجال التعليم، فتأسست مؤسسة التعليم عن بعد ونُفّذت مشاريع تعليم البنات المتأخرات عن الدراسة، وطُوّرت وسائل التعليم للسكان ((الرُحّل)) وزيادة المدارس الثانوية في الأرياف وإقامة دورات تحضيرية لأطفال المرحلة الأولى في المناطق التي تتحدث بلغتين، فتقوّمت النظرة الفردية والجماعية للأشياء والقضايا بما فيها مسألة النسل. أضف إلى ذلك فإن الساحة السياسية الإيرانية وما تشهده من تجاذبات هائلة بين الأحزاب والتيارات، كوّنت بيئة سياسية راديكالية تنتظم فيها جموع هائلة من المواطنين، وهي كلها حالات معطوفة على مستوى التعليم ومدى قدرته على التوسع الأفقي بين المجتمع.
ولقد استطاع الحكم في إيران إدراك أن الخدمات الاجتماعية وتحسين الظروف المعيشية لمواطنيه عن طريق توفير فرص العمل والتعليم والخدمات الصحية والمسكن واستصلاح الأراضي والتنمية المحلية والتأمين والاهتمام بالقطاعات المختلفة للمجتمع، كلها من أساسيات التنمية، وبالتالي فهي أمور لا يُمكن تحقيقها في ظل انفجار سكاني وعدم وجود تخطيط وطني يُعالج مثل هذا الملف الشائك، وبما أن الإيرانيين قد قطعوا شوطاً مهماً في ذلك المجال فإن العديد من النتائج ظهرت كانعكاس إيجابي على ذلك، فانخفض معدل الوفيات إلى 0,23 في المائة، وازدادت نسبة العمالة النسائية، وارتفع متوسط العمر من 60,12 إلى 66,84 مع انخفاض في المعدل الإجمالي للوفاة (كل مائة ألف نسمة) من 11,36 إلى 5,36 وفي معدل وفيات الأطفال بين 1000 طفل من 91,6 إلى 35,6، وفي الجانب الاقتصادي انخفض مؤشر الفقر (HPI) من 31 إلى 18,6.
أثمان لأخطاء سابقة
إن الإجراءات التي قامت بها الحكومات الإيرانية المتعاقبة منذ العام 1988 حيال المسألة الاجتماعية والحد من النمو غير المؤطّر للسكان مكّنت من إيقاف كرة الثلج المتعاظمة للمشكلات الطبقية والاجتماعية، لكنها وفي الوقت نفسه لم تستطع أن تُغيّر من نتائج ما أحدثته من إرهاصات الفترة السابقة من مشكلات شديدة التأثير في بنية المجتمع الإيراني، سواء أكان ذلك في أمر الطلاق أم البطالة. وبالرغم من تحوّل المجتمع الإيراني تدريجياً من مستويات (العول) الخطيرة والتفرّغ للكسب إلى مجتمع رفاهية إلى حدّ ما بعد الخطط الخمسية الأربع والاهتمام بالقضايا المعيشية، إلاّ أننا نرى أن المحافظات الطليعية لإيران هي أكثر المحافظات نسبة في الطلاق، فقد جاءت محافظة طهران التي تضم أكثر من عشرة ملايين نسمة في المرتبة الأولى بنسبة 17,18، وإصفهان في المرتبة الرابعة بنسبة 8.3، لكن الغريب أيضاً أن محافظة قم المقدسة التي تعتبر الخاصرة الدينية والأيديولوجية للسلطة الدينية في إيران جاءت في المرتبة الثانية بعد العاصمة بنسبة 12,8 وهو أمر يمكن رده إلى طبيعة هذه المحافظة التي تعيش خليطاً سكانياً غير متجانس بعد نزوح أعداد هائلة من العراقيين إليها إبان الحرب مع العراق، وكذلك شهدت المحافظات التي تعتبر من (الموزاييك العرقي) للشعب الإيراني كمحافظة كردستان وأذربيجان الغربية نسباً مرتفعة أيضاً للطلاق، وأشارت الإحصائية الصادرة عن مصلحة الأحوال المدنية في وزارة الداخلية الإيرانية للعام (2001 – 2002) إلى وقوع 644251 حالة زواج تُقابلها 61013 حالة طلاق في العام الواحد، وأن نسبة الطلاق للمتزوجين ارتفعت من 7,9 في العام (1996 – 1997) إلى 9,4 في العام (2001 – 2002) أي بزيادة تبلغ 1.5 في المائة، أي 23196 حالة طلاق. وبالتالي يُمكن ترقيم ذلك بالإشارة إلى وجود 287013 أسرة قد انهارت مع أبنائها الذين قد يبلغ عددهم ضعف الرقم الأول إذا افترضنا وجود طفلين لكل أسرة، وكذلك وجود 143506 نساء ممن فقدت زوجها أو معيلها، و143503 عوائل بات لديها لقب مطلّقة لإحدى بناتها. وهي أرقام مخيفة تحتاج إلى معالجة وإلا ساهمت في تفكيك البنية الاجتماعية لإيران.
أخيراً إن الحالة الإيرانية تبدو مهمة في سياق التجربة العالمية في التعامل مع القضية السكانية وانعكاساتها الاجتماعية، بل إن ما وصلت إليه إيران من نتائج مهمة في ذلك، وأيضاً ما تعانيه من مشكلات نتيجة الفترة السابقة هي أيضاً تجربة للكثير من البلدان التي تعاني من خصوبة مرتفعة وانفلات سكاني غير محسوب.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2990::/cck::
::introtext::
لا أجد في الحديث عن المسألة الديموغرافية لإيران ما يختلف عن غيره من الملفات الملتهبة لهذا البلد من حيث جدليتها وغرابتها في الوقت نفسه، فالقضايا الإيرانية عادة ما تكون مرهونة بساحة مفتوحة للأزمات مع تمازج غير طبيعي للمتناقضات إلى الحد الذي يعجز فيه أي متابع للشأن الإيراني – فضلاً عن غيره – عن فك ذلك الطلسم ليُحيله لاحقاً إلى سلّة المهملات علّها الأيام وحدها القادرة على تشريحه بمنطق السوق السياسي السائد. لذا فإن الإشارة إلى ديموغرافيا إيران بشيء من التفصيل ستعني الإطلاع على واحد من أهم الملفات الإيرانية غرابة والتي تقع مع الأسف في خانة القضايا المسكوت عنها بالرغم من محوريتها وأهميتها سواء بالنسبة إلى الداخل الإيراني أو للوعاء الجغرافي المحيط بها، بل وحتى عالمياً إذا ما كانت هناك فرصة تقييم لها من قِبَل جهات أممية تضطلع عبر إحدى أذرعها الرئيسية بالمسألة السكانية ((العالمية)) التي يبدو أنها أصبحت قضية مُدوّلة ومطروحة بقوة في المحافل الدولية، خصوصاً أن الأنظمة السياسية الحاكمة ضمن حزام العالم الثالث باتت تنظر إليها بشيء من الترقب لاقتناعها التام بأن المسألة الديموغرافية باتت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالاستقرار السياسي.
::/introtext::
::fulltext::
لا أجد في الحديث عن المسألة الديموغرافية لإيران ما يختلف عن غيره من الملفات الملتهبة لهذا البلد من حيث جدليتها وغرابتها في الوقت نفسه، فالقضايا الإيرانية عادة ما تكون مرهونة بساحة مفتوحة للأزمات مع تمازج غير طبيعي للمتناقضات إلى الحد الذي يعجز فيه أي متابع للشأن الإيراني – فضلاً عن غيره – عن فك ذلك الطلسم ليُحيله لاحقاً إلى سلّة المهملات علّها الأيام وحدها القادرة على تشريحه بمنطق السوق السياسي السائد. لذا فإن الإشارة إلى ديموغرافيا إيران بشيء من التفصيل ستعني الإطلاع على واحد من أهم الملفات الإيرانية غرابة والتي تقع مع الأسف في خانة القضايا المسكوت عنها بالرغم من محوريتها وأهميتها سواء بالنسبة إلى الداخل الإيراني أو للوعاء الجغرافي المحيط بها، بل وحتى عالمياً إذا ما كانت هناك فرصة تقييم لها من قِبَل جهات أممية تضطلع عبر إحدى أذرعها الرئيسية بالمسألة السكانية ((العالمية)) التي يبدو أنها أصبحت قضية مُدوّلة ومطروحة بقوة في المحافل الدولية، خصوصاً أن الأنظمة السياسية الحاكمة ضمن حزام العالم الثالث باتت تنظر إليها بشيء من الترقب لاقتناعها التام بأن المسألة الديموغرافية باتت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالاستقرار السياسي.
إيران والمشكلة السكانية
بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران في الحادي عشر من فبراير 1979 كان تعداد الشعب الإيراني يقترب من الثلاثة والثلاثين مليون نسمة، وبما أن الحركة السياسية الجديدة التي قادها الإمام الخميني هي حركة دينية صرفة لها وجهات نظر محددة ومؤدلجة تجاه العديد من القضايا بما فيها مسألة تحديد النسل، فقد باشر مجلس قيادة الثورة والحكومة المؤقتة ولاحقاً الحكومة الأولى والثانية عملية إيقاف أي نشاط تحريضي ضد العملية (التدرارية)، فانفتح الباب على مصراعيه نحو إنتاج بشري هائل وغير مُنظّم ساعدته عوامل اقتصادية تحفيزية ((باعتبار أن الدولة كانت تُوفّر الحاجات الأساسية الاستهلاكية في ظل اقتصاد الحرب المُوجّه)) واجتماعية أبرزها ظروف الحرب العراقية – الإيرانية التي أوجدت مفهوماً خاصاً لدى الإيراني يتعلق بضرورة الحفاظ على العنصر الذكوري لإسناد مدماك الصراع المحتدم مع الجيش العراقي وما كان يخلّفه ذلك الصراع من خسائر بشرية هائلة، بالإضافة إلى الظروف النفسية التي كان يواجهها الجندي الإيراني في الجبهات والتي كانت تعطيه فرصة قوية للتنفيس عبر مسألة الزواج ومن ثم الإنجاب المفتوح وتوسيع العائلة الصغيرة إلى عائلة مُركّبة، وبالتالي زيادة جنونية في الخصوبة، الأمر الآخر الذي ساعد على مضاعفة عدد السكان في المدن والأرياف الإيرانية، هو ما كان يعانيه الشعب الإيراني من ظروف ثقافية وتعليمية مزرية، فقد كان أكثر من نصف الشعب الإيراني في العام 1978 لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وبالتالي نُقصان عمودي في مسألة الوعي الصحي والاجتماعي، مع الإشارة هنا إلى أن الإحصاءات الرقمية الحديثة تُشير إلى أن المرأة (الأمية) تنجب أطفالاً يتراوح عددهم ما بين ثمانية وتسعة أطفال، في مقابل المرأة (المتعلّمة) التي يتراوح إنجابها ما بين الثلاثة والأربعة، رغم أن إيران في نهاية المطاف لم تكن خارجة آنذاك عن الجو الديموغرافي العام لمنطقة الشرق الأوسط التي كانت تشهداً معدلات إنجاب للأطفال يبلغ 6.6 منذ منتصـف الخمسينات.
وبعد النصف الأول من عقد الثمانينات وبالتحديد في العام 1986 تبيّن أن إيران تحقق نمواً سُكّانياً بنسبة 3.7 في المائة في السنة وهو أعلى معدل لزيادة عدد السكان في العالم. لذا فإن المسؤولين الإيرانيين استيقظوا على رعب كتل بشرية هائلة ضاعفت شعبهم بشكل مُخيف الأمر الذي أثّر بقوة في مسيرة العملية التنموية الناشئة بعد الحرب مع العراق، التي بدأتها حكومة الإعمار الأولى برئاسة هاشمي رفسنجاني، ثم تبيّن أيضاً أن إيران وبسبب الطفرة السكانية لم تعد قادرة على الاستناد إلى البنى التحتية المكونة للإنتاج والاقتصاد، فبدأت برامج تخطيط أسري صارمة جداً صاحبتها بالتوازي أولوية صحية للنساء والأطفال أفضت إلى أن ينخفض عدد الولادات إلى النصف خلال العشر سنوات الماضية، أي من 2.26 إلى 1.19 مليون، مع التأكيد هنا على أن الإيرانيين وفي سبيل تحقيق ذلك قاموا بعدة مواءمات اجتماعية تمنع إيجاد خلل في البنية الأساسية والطبقية للمجتمع، خصوصاً أن نصف الشعب الإيراني هم ضمن تصنيف (الفُتوّة) أو بالتحديد تحت سن الخامسة عشرة، وأن 435635 من ذلك التصنيف هم شابات جامعيات، لذا فإنهم ومن خلال تلك المواءمات لم يسعوا أبداً لتعقيد مسألة الزواج كوسيلة لتقليل النسل، بل على العكس فإن الجماعات المحافظة التي كانت تُسيطر على المنظمات الخيرية كمؤسسة الإمام الخميني للإغاثة مضت قُدماً نحو إقامة الزيجات الجماعية التي تضم الآلاف في كل وجبة من فقراء القرى النائية والأرياف، تُقدّم خلالها التسهيلات المادية والعينية للمتزوجين، وقد شهدت إيران منذ انتصار الثورة وإلى الآن أكثر من 120 ألف زواج جماعي تكفّلت به تلك المنظمات الخيرية، ولكن وفي مقابل ذلك وبالتوازي كانت آلة التثقيف والتوعية تعمل على قدم وساق في ثلاثين محافظة و928 مدينة و68122 قرية في كل أرجاء إيران، وفُرضت خلالها شروط مختلفة لإتمام صيغ عقد النكاح، فلا يُمكن لأي شاب أو شابة الارتباط من دون حضور ورشة عمل تثقيفية تستمر لستٍ وثلاثين ساعة لتعلّم تقنيات التخطيط الأسري، الأمر الذي أفضى إلى قناعات فردية وجماعية في بطون وأفخاذ الأسر الإيرانية، ونجحت تلك الإجراءات في أن تقوم ثلاثة أرباع النساء المتزوجات في إيران باستخدام موانع للحمل، بل أصبحت تلك الموانع في الأرياف توازي استخداماتها في المدن.
وقبل عامين من انصراف العقد التسعيني انخفض معدل السكّان في الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى 2.7 بعدما أن كان 6.7، وأخيراً وبالتحديد في العام 2002 إلى 1,5 في المائة ما يعني أن أقل من خمسة وعشرين في المائة من الشعب الإيراني سيكون عمره ضمن سن الخامسة عشرة بعد عقد تقريباً، وهو تطور نوعي في مجال نتائج إجراءات الدول في التعامل مع القضايا السكانية، بل إن الأمم المتحدة قد وضعت إيران في مصاف الدول المتقدمة في مجال التعامل مع القضية السكانية والحد من النسل غير المنتظم، وباتت تتحدث اليوم عن أن النمو السكاني في إيران لا يزيد إلا بفارق طفيف على معدل الزيادة في الولايات المتحدة التي تعتبر أغنى دولة في العالم.
الأسباب والمعالجه
عند تناولنا المسألة السكانية في إيران يتوجب الإشارة أيضاً إلى أمور غير مرئية لعبت دورها في مسألة تحجيم مسألة الإنجاب في ذلك البلد خلقتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية، أهمها الهجرة العفوية لسكان الأرياف نحو المدن أو التموضع في أطرافها، فقد بلغ عدد السكان في المناطق الحضرية 44.77 مليون إيراني، في حين وصل عدد السكان في المناطق الريفية إلى 22.70 مليون إيراني بكثافة إجمالية بلغت 40.5 نسمة (كم) الأمر الذي أفضى إلى إيجاد مجتمع صناعي وظهور طبقة وسطى متنامية، كذلك فإن تلك الهجرات ولّدت دفوعاً معرفية قوية، صاحبتها عملية تعليم واسعة في مختلف أرجاء إيران تساندها الآلة الإعلامية المُركّزة وسطوة (الفُتيا)، حيث تولّدت منظومة قيم متمازجة ما بين الديني والقومي، وبدأ الحديث يدور حول 1801 مطبوعة في إيران، وسبعة ملايين نسخة من الصحف توزّع في الداخل يومياً، وأربعين شبكة تلفزيونية، وثلاثمائة دور للسينما وطباعة أكثر من 153.753 مليون مجلد سنوياً، وعن بلوغ نسبة التعليم خمسة وثمانين في المائة.
وقام النظام في إيران بإجراءات راديكالية في مجال التعليم، فتأسست مؤسسة التعليم عن بعد ونُفّذت مشاريع تعليم البنات المتأخرات عن الدراسة، وطُوّرت وسائل التعليم للسكان ((الرُحّل)) وزيادة المدارس الثانوية في الأرياف وإقامة دورات تحضيرية لأطفال المرحلة الأولى في المناطق التي تتحدث بلغتين، فتقوّمت النظرة الفردية والجماعية للأشياء والقضايا بما فيها مسألة النسل. أضف إلى ذلك فإن الساحة السياسية الإيرانية وما تشهده من تجاذبات هائلة بين الأحزاب والتيارات، كوّنت بيئة سياسية راديكالية تنتظم فيها جموع هائلة من المواطنين، وهي كلها حالات معطوفة على مستوى التعليم ومدى قدرته على التوسع الأفقي بين المجتمع.
ولقد استطاع الحكم في إيران إدراك أن الخدمات الاجتماعية وتحسين الظروف المعيشية لمواطنيه عن طريق توفير فرص العمل والتعليم والخدمات الصحية والمسكن واستصلاح الأراضي والتنمية المحلية والتأمين والاهتمام بالقطاعات المختلفة للمجتمع، كلها من أساسيات التنمية، وبالتالي فهي أمور لا يُمكن تحقيقها في ظل انفجار سكاني وعدم وجود تخطيط وطني يُعالج مثل هذا الملف الشائك، وبما أن الإيرانيين قد قطعوا شوطاً مهماً في ذلك المجال فإن العديد من النتائج ظهرت كانعكاس إيجابي على ذلك، فانخفض معدل الوفيات إلى 0,23 في المائة، وازدادت نسبة العمالة النسائية، وارتفع متوسط العمر من 60,12 إلى 66,84 مع انخفاض في المعدل الإجمالي للوفاة (كل مائة ألف نسمة) من 11,36 إلى 5,36 وفي معدل وفيات الأطفال بين 1000 طفل من 91,6 إلى 35,6، وفي الجانب الاقتصادي انخفض مؤشر الفقر (HPI) من 31 إلى 18,6.
أثمان لأخطاء سابقة
إن الإجراءات التي قامت بها الحكومات الإيرانية المتعاقبة منذ العام 1988 حيال المسألة الاجتماعية والحد من النمو غير المؤطّر للسكان مكّنت من إيقاف كرة الثلج المتعاظمة للمشكلات الطبقية والاجتماعية، لكنها وفي الوقت نفسه لم تستطع أن تُغيّر من نتائج ما أحدثته من إرهاصات الفترة السابقة من مشكلات شديدة التأثير في بنية المجتمع الإيراني، سواء أكان ذلك في أمر الطلاق أم البطالة. وبالرغم من تحوّل المجتمع الإيراني تدريجياً من مستويات (العول) الخطيرة والتفرّغ للكسب إلى مجتمع رفاهية إلى حدّ ما بعد الخطط الخمسية الأربع والاهتمام بالقضايا المعيشية، إلاّ أننا نرى أن المحافظات الطليعية لإيران هي أكثر المحافظات نسبة في الطلاق، فقد جاءت محافظة طهران التي تضم أكثر من عشرة ملايين نسمة في المرتبة الأولى بنسبة 17,18، وإصفهان في المرتبة الرابعة بنسبة 8.3، لكن الغريب أيضاً أن محافظة قم المقدسة التي تعتبر الخاصرة الدينية والأيديولوجية للسلطة الدينية في إيران جاءت في المرتبة الثانية بعد العاصمة بنسبة 12,8 وهو أمر يمكن رده إلى طبيعة هذه المحافظة التي تعيش خليطاً سكانياً غير متجانس بعد نزوح أعداد هائلة من العراقيين إليها إبان الحرب مع العراق، وكذلك شهدت المحافظات التي تعتبر من (الموزاييك العرقي) للشعب الإيراني كمحافظة كردستان وأذربيجان الغربية نسباً مرتفعة أيضاً للطلاق، وأشارت الإحصائية الصادرة عن مصلحة الأحوال المدنية في وزارة الداخلية الإيرانية للعام (2001 – 2002) إلى وقوع 644251 حالة زواج تُقابلها 61013 حالة طلاق في العام الواحد، وأن نسبة الطلاق للمتزوجين ارتفعت من 7,9 في العام (1996 – 1997) إلى 9,4 في العام (2001 – 2002) أي بزيادة تبلغ 1.5 في المائة، أي 23196 حالة طلاق. وبالتالي يُمكن ترقيم ذلك بالإشارة إلى وجود 287013 أسرة قد انهارت مع أبنائها الذين قد يبلغ عددهم ضعف الرقم الأول إذا افترضنا وجود طفلين لكل أسرة، وكذلك وجود 143506 نساء ممن فقدت زوجها أو معيلها، و143503 عوائل بات لديها لقب مطلّقة لإحدى بناتها. وهي أرقام مخيفة تحتاج إلى معالجة وإلا ساهمت في تفكيك البنية الاجتماعية لإيران.
أخيراً إن الحالة الإيرانية تبدو مهمة في سياق التجربة العالمية في التعامل مع القضية السكانية وانعكاساتها الاجتماعية، بل إن ما وصلت إليه إيران من نتائج مهمة في ذلك، وأيضاً ما تعانيه من مشكلات نتيجة الفترة السابقة هي أيضاً تجربة للكثير من البلدان التي تعاني من خصوبة مرتفعة وانفلات سكاني غير محسوب.
::/fulltext::
::cck::2990::/cck::
