العراق.. أبواب المصالحة وشبابيك الخلاف

::cck::3003::/cck::
::introtext::

اتفق الفرقاء العراقيون على أن المصالحة وطي صفحة الخلافات هما الحل الوحيد للخروج من المأزق العراقي الحالي، إلا أنهم مازالوا مختلفين حول آليات هذه المصالحة وكيفية الدخول إليها.. وحالهم حال من يريد أن يغمر قدماه في الماء البارد قبل جسده خشية  البرد القارص.

::/introtext::
::fulltext::

اتفق الفرقاء العراقيون على أن المصالحة وطي صفحة الخلافات هما الحل الوحيد للخروج من المأزق العراقي الحالي، إلا أنهم مازالوا مختلفين حول آليات هذه المصالحة وكيفية الدخول إليها.. وحالهم حال من يريد أن يغمر قدماه في الماء البارد قبل جسده خشية البرد القارص.
ومن يتصفح أطروحات الفرقاء حول المصالحة يجد أنها تدور في حلقتين لا ثالث لهما، أولهما، هل تجري المصالحة قبل مناقشة تعديل الدستور العراقي الجديد أم بعده؟ وثانيهما، هل تجري المصالحة قبل مناقشة قضية الفيدرالية وسلطات الأقاليم أم بعدها؟
وداخل هاتان الحلقتان تكمن العديد من النقاط الخلافية التي تفسر كل منها فلسفة التيار الذي يتبناها ومنهجه الفكري أو السياسي الذي يرنو إلى تحقيقه على أرض العراق ومدى تأثره بالقوى الإقليمية أو العربية أو الدولية.. فعلى سبيل المثال فإن الخلافات حول الفيدرالية وسلطات الأقاليم اقتحمت أبواب البرلمان العراقي وأثارت ضجة لم تنته حتى الآن وهي ضجة تهدد بتمزيق كيانات قوية وتمهد ربما إلى إنشاء كيانات جديدة داخل البرلمان، خاصة أنها – الفيدرالية وسلطات الأقاليم – طرحت بعيد قرار الأكراد إنزال العلم العراقي في إقليم كردستان المكون من ثلاث محافظات فقط هي (أربيل والسليمانية ودهوك) من أصل المحافظات العراقية الثماني عشرة – وهو الأقليم الذي يستحوذ على 17 في المائة من تخصيصات الميزانية العراقية، وهو قرار يصفه المعارضون للحكومة بأنه لم يثر اعتراضا من المركز ومن دون أن يناقش داخل البرلمان ومن دون أن يصبح هذا القرار مثلاً محل انتقاد من التيارات التي تتحكم بالأغلبية مثلما أثار غيره من القضايا انتقاداتها الشديدة، وهو أمر زاد من أعداد المعترضين على هذه النقطة الخلافية.
وبعد انتهاء مؤتمر العشائر العراقية بنحو ثلاثة أسابيع عقدت نحو 1000 من الشخصيات العراقية مؤتمرها في مدينة بغداد يوم السبت 16/9/2006 وداخل حقيبة كل واحد من هؤلاء فيض من الأسئلة وفيض آخر من الأجوبة، ولابد أن يكون موضوع الفيدرالية وسلطات الأقاليم الشائكة من بين أهم نقاط جدول أعمال المؤتمر الذي يستمر يومين.
ومثلما أثارت هذه النقطة الخلاف أثارت النقطة الثانية وهي مناقشة تعديل الدستور العراقي الجديد خلافات حادة أخرى، فبينما يتمسك الائتلاف العراقي الموحد (شيعي) 130 مقعداً من أصل مقاعد البرلمان العراقي الـ (275) – والتحالف الكردستاني 56 مقعداً – بما تضمنه الدستور وخاصة في تحديد لهوية العراق ونظامه الاتحادي الفيدرالي وهو ما يبيح لهما التمسك بمناقشة قضية سلطات الأقاليم وتطبيق النظام الفيدرالية بين أي ثلاث محافظات، بينما يتمسك هذان الفصيلان بهذه الأطروحات المستندة إلى نصوص الدستور الجديد ، يتمسك الفرقاء الآخرون، جبهة التوافق العراقية (سنية) 44 مقعداً والقائمة العراقية (علمانية) 25 مقعداً، وجبهة الحوار الوطني (علمانية) 11 مقعداً بتفعيل الفقرة (142) من الدستور العراقي الجديد التي تتيح للبرلمان إجراء التعديلات على الدستور، حيث يطمح هؤلاء إلى تعطيل تعديل النصوص المتعلقة بإقامة الفيدرالية في الجنوب على أساس أن الفيدرالية القائمة على الأرض في كردستان إنما أقيمت على أساس قومي، وأنه لا يجوز إقامة فيدرالية على أساس مذهبي لأبناء قومية واحدة (فيدرالية الجنوب والوسط).
ولكي نقف على بعض ما يقوله الفرقاء المتخاصمون استطلعنا آراء عدد من المسؤولين في هذه الكيانات عن قضية المصالحة الوطنية.
يقول حسن الشمري عضو البرلمان العراقي – قائمة الائتلاف العراقي الموحد (شيعية) وهو من التيار الصدري – حول المصالحة المنشودة في العراق والخلافات القائمة حولها: على الحكومة أن تقدم تقريراً إلى البرلمان توضح فيه هل إن الطموح في الوصول إلى المصالحة تحقق فعلياً. نحن نسمع أن هناك اتصالات بين رئيس الوزراء مع بعض الفصائل المسلحة. وفي الحقيقة نحن ندعم المصالحة، كما أن قسماً من آلية تفعيل المصالحة خطت خطوات لا بأس بها مثال ذلك تشكيل هيئة عليا للمصالحة إلا أن بقية الإجراءات ليست بمستوى الطموح، حتى إنها ليست بمستوى الحدود الدنيا – وعلى سبيل المثال لا الحصر– يقول عضو البرلمان العراقي: لم تعقد مؤتمرات تقرب وجهات النظر باستثناء مؤتمر العشائر العراقية، ولم يتوصل الفرقاء إلى عقد مؤتمر لرجال الدين، ولم يعقد مؤتمر لمؤسسات المجتمع المدني، ولم يتم دمج الميليشيات في العملية السياسية رغم أن هذه الميليشيات مؤطرة بإطار رسمي، ولا تأتمر إلا بأمر الجهات السياسية التي تقودها. وهذا بمجمله يعني أن خطوات المصالحة لا تزال تتعثر.
* وكيف تفسرون إنزال العلم العراقي من قبل الأكراد في سياقات المصالحة؟
– قال الشمري.. لهذه القضية بعدان قانوني وسياسي:
*قانونياً – إنزال العلم العراقي خرق كبير حيث إن مجلس النواب لم يناقش، ولم يصوت، ثم إن هناك رؤية أخرى لموضوع العلم. فهل إن للعلم العراقي الحالي غطاء قانونياً أم لا؟ باعتبار أن سلطات الاحتلال عطلت جميع القرارات السابقة ومن هذه القرارات القرار المتعلق باعتماد العلم العراقي، هل إنه لايزال ساري المفعول أم عطل كما عطلت غيره من القرارات السابقة؟ أنا أعتقد أن العلم من الناحية القانونية لايزال معتمداً وأن إنزاله خرق للقانون.
أما من الناحية السياسية فإن القرار الكردي يؤدي إلى أضعاف موقف الحكومة في نظر الشعب.. تصور أن رئاسة الوزراء تنتقد ورئاسة الجمهورية تؤيد إنزال علم البلاد في دولة واحدة، فتصور بعد ذلك كيف تسير أمور المصالحة.. الأكراد لا يرفعون العلم العراقي، وأنك إذا قمت بزيارة لأي وزير كردي في الحكومة الحالية فإنك ستلاحظ أنهم لا يرفعون العلم العراقي في مكاتبهم.. قضية العلم أثارت الكثير من الشد والمخاوف خاصة أنه أعقبها مباشرة طرح موضوع الأقاليم، ونحن نعتقد أن هناك قضايا أكثر إلحاحاً من موضوع الفيدرالية في المرحلة الراهنة.. وإذا كنا نتحدث في موضوع المصالحة فإن سكوت الحكومة عن حجم القوى التي تريد المشاركة في العملية السياسية غير واضح وهو سكوت متعمد. إننا ندعو الحكومة إلى أن تحدد بإعلان واضح القوى التي ستشارك في العملية السياسية.
* وهل تتحفظون على قوى أو فئات من المشاركة في العملية السياسية؟
– إننا فقط ندعو أن يطبق القانون بحذا فيره لمحاسبة المقصرين والمجرمين السابقين وبعد ذلك لا تحفظ لدينا على أي فئة تريد المشاركة في العملية السياسية، ولكن ليس قبل محاكمة المجرمين والمقصرين بحق الشعب العراقي.
إن قضية المصالحة في العراق لابد أن تدخل من أبواب البرلمان، ولابد أن تجتاز عقبات الفيدرالية وسلطات الأقاليم التي لم يحتدم النقاش حولها داخل البرلمان حتى الآن، وهي قضايا لم تحسم حتى داخل الائتلاف الشيعي فيما يبدو، حيث إن هناك رؤية داخل الائتلاف بأن يكون لكل محافظ من المحافظات العراقية الحق إقامة فيدرالية خاصة بها، وهناك رؤية أخرى بأن يكفل هذا الحق لكل ثلاث محافظات وعلى النمط الكردي.. وهناك رؤية ثالثة داخل الائتلاف الشيعي بأن يكون لكل تسع محافظات الحق في إقامة فيدرالية – المحافظات الشيعية التسع هي (البصرة، العمارة، الناصرية، السماوة، الديوانية، النجف، كربلاء، الحلة، الكوت) مما يعني أن ثمة تياراً داخل الائتلاف العراقي يفكر في إقامة فيدرالية لكل المحافظات ذات الأغلبية الشيعية المطلقة، وعندئذ فإن نقاط الخلافات ستتسع إلى مديات أكبر وأخطر بكثير مما هي عليه الآن.
* هذا جزء من الرأي الشيعي العراقي في قضية المصالحة الوطنية.. فماذا لدى الطرف الآخر (السني)؟
– يقول الدكتور حسن الفلوجي عضو البرلمان العراقي عن قائمة التوافق : نحن نرفـض مشروع الفيـدرالية، ولدينا مبرراتنا الدستورية، فــمن المعلوم أن المادة (142) أدخلت على الدستور بحسب توافق سياسي معـروف، ونرى أن الإخوة في الائتلاف يصرون على مادة، ويهملون عن عمد مادة أخرى في الدستور العراقي تسبقها أهمية. أليس من المفروض إجراء التعديل في الدستور قبل النظر في نقطة تثير خلافات حادة مثل الفيدرالية ، خاصة – والقول، للدكتور الفلوجي – أن الدستور رفض من قبل الجمهور.. وليس من المعقول أن تقدم قائمة الائتلاف مشروعاً في المساء وتطلب المصادقة عليه في الصباح، ثم إن جبهة التوافق قدمت مشروعا متكاملا لإعادة صياغة الدستور إلا أن البرلمان لم يأخذ هذا المشروع في الاعتبار.
ولكن قائمة الائتلاف تقول إنها قدمت مجرد قراءة أولى لمشروع سلطات الأقاليم، فيما دعت قائمة التوافق إلى الذهاب إلى المحكمة الدستورية لحل هذا الخلاف تنفيذا لما ورد في المادة (118) من الدستور العراقي.
وقال الدكتور الفلوجي أيهما أولى، أن نشرع قانوناً عرضة للتعديل والاستبدال أم نقدم وثيقة دستور؟ الأولى – يقول الدكتور الفلوجي – أن ننتهي من قراءة أولية لتعديل الدستور، ثم بعد ذلك ننظر بالمشاريع المختلفة، وأنا أعتقد أن هناك غرضاً سياسياً يقف وراء الإصرار على طرح موضوع الفيدرالية وسلطات الأقاليم، وأن هناك جهة في الائتلاف تريد تفعيل هذا القانون وتصر عليه.
* قائمة الائتلاف تقول إنها تريد عراق قوياً وإن الفيدرالية لا تؤدي إلى تقسيم البلاد.. ويرون أنها نوع من االلأمركزية في الأداة.. الفيدرالية وفقا لوجهة نظر الائتلاف الشيعي الحاكم تفسح المجال أمام المناطق خارج المركز إلى التطور، وأنهم عندما يتحدثون عن الفيدرالية لا يتحدثون عن إقليم شيعي كما يطرح خطأ. – قال الفلوجي: أنا أمثل جمهوراً انتخابياً يرفض الفيدرالية.. ونحن في وسط وغرب العراق نرفض الفيدرالية صراحة، ونعتقد أنها طريقة لتقسيم البلاد لأن التعريف السياسي والقانوني للفيدرالية أنها تتم من خلال اتحاد دولتين أو أكثر.. حالة العراق هي حالة دولة قوية يراد تفكيكها، والفيدرالية تنتهي عادة بانفصال أقاليم أو دويلات صغيرة بعضها عن البعض الآخر؛ أما في حال أكراد العراق فإن لديهم عقدة تاريخية بأن الاستعمار هو الذي جزأهم بين تركيا وإيران والعراق وغيرها.. وليس صحيحا أنهم رفعوا السلاح بوجه نظام صدام حسين لأنه دكتاتوري، إنهم رفعوا السلاح بوجه النظام الملكي الذي يعتبر من أفضل أنواع الديمقراطيات، وكذلك رفعوا السلاح بوجه نظام حكم عبد الكريم قاسم وبوجه نظام حكم عبد السلام عارف ثم أخيه عبد الرحمن عارف، إنهم في حالة حرب مع المركز دائماً مهماً كانت هوية وميول هذا المركز والتاريخ يعرف ذلك، ولولا الضغوط التي تمارسها الدول الإقليمية المجاورة للعراقي لأعلن الأكراد الانفصال.
* ما هي الحلول التي تقترحونها؟
– يقول الدكتور حسن الفلوجي: قائمة الائتلاف تقول إنها تخاف من عودة الدكتاتورية وبطش المركز وأنا أتفق معها.. وأقول لها إن الحل ليس بالفيدرالية بل هو تقليص فترة ولاية رؤساء الوحدات الإدارية من أربع سنوات مثلا إلى سنتين بمن في ذلك رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، حتى لا يتمكن المسؤول من تأسيس بؤرة ولو صغيرة للدكتاتورية مهما كانت صفتها.
والمطروح في أجواء المصالحة العراقية التي تضمنتها المبادرة التي أطلقها رئيس الوزراء نوري المالكي في الخامس والعشرين من يونيو الماضي والتي شكلت هيئة ترأسها المالكي شخصياً، وضمت أعضاء يمثلون الكيانات السياسية العراقية المختلفة، هو أن تبدأ المصالحة بتنفيذ النقاط المهمة التالية:
– إطلاق سراح 28 ألف معتقل منهم 15 ألفاً لدى القوات الأمريكية و13 الفا لدى الحكومة العراقية من خلال عفو عام، اختلفت الآراء حول من يستثنى منه.
– الحوار مع الجماعات المسلحة التي تريد الانخراط في العملية السياسية باستثناء القاعدة والصداميين (نقطة مثار خلافات شديدة).
– إعادة النظر بقانون اجتثاث البعث (نقطة مثار خلاف شديد).
– إعادة بناء القوات المسلحة العراقية – الجيش والشرطة.
– تعويض عوائل الشهداء العراقيين.
– حصر السلاح بيد الدولة.
– حل الميليشيات وتجريدها من السلاح.
– اعتبار فترة السجن لمن يطلق سراحهم بالعفو العام مجزية لأغراض الإمتيازات الوظيفية.
تلك هي النقاط المطروحة إعلامياً عن مضامين المصالحة العراقية.. أما داخل كواليس الكيانات السياسية فلا أحد يدري ماذا يدور.
وبعيداً عما تحقق على الأرض من تلك المصالحة.. وبعيداً أيضاً عن التجاذبات التي التي تهددها وبرغم الخلافات الشديدة التي تنتظرها، فقد أغضبت المصالحة المرتقبة في العراق والتي لم تولد بعد الأمريكيين. ويقول الكاتب الأمريكي المعروف هنري جي باركي في مقال نشره في صحيفة (لوس أنجلس تايمز): سيجد الأمريكيون أنه أمر بغيض أن ينجو من العقاب أولئك الذين قاموا بتفجير الجنود الأمريكيين، ولكن المثير للسخرية – يقول باركي – أن هذه النهاية هي أفصل خياراتنا.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3003::/cck::
::introtext::

اتفق الفرقاء العراقيون على أن المصالحة وطي صفحة الخلافات هما الحل الوحيد للخروج من المأزق العراقي الحالي، إلا أنهم مازالوا مختلفين حول آليات هذه المصالحة وكيفية الدخول إليها.. وحالهم حال من يريد أن يغمر قدماه في الماء البارد قبل جسده خشية  البرد القارص.

::/introtext::
::fulltext::

اتفق الفرقاء العراقيون على أن المصالحة وطي صفحة الخلافات هما الحل الوحيد للخروج من المأزق العراقي الحالي، إلا أنهم مازالوا مختلفين حول آليات هذه المصالحة وكيفية الدخول إليها.. وحالهم حال من يريد أن يغمر قدماه في الماء البارد قبل جسده خشية البرد القارص.
ومن يتصفح أطروحات الفرقاء حول المصالحة يجد أنها تدور في حلقتين لا ثالث لهما، أولهما، هل تجري المصالحة قبل مناقشة تعديل الدستور العراقي الجديد أم بعده؟ وثانيهما، هل تجري المصالحة قبل مناقشة قضية الفيدرالية وسلطات الأقاليم أم بعدها؟
وداخل هاتان الحلقتان تكمن العديد من النقاط الخلافية التي تفسر كل منها فلسفة التيار الذي يتبناها ومنهجه الفكري أو السياسي الذي يرنو إلى تحقيقه على أرض العراق ومدى تأثره بالقوى الإقليمية أو العربية أو الدولية.. فعلى سبيل المثال فإن الخلافات حول الفيدرالية وسلطات الأقاليم اقتحمت أبواب البرلمان العراقي وأثارت ضجة لم تنته حتى الآن وهي ضجة تهدد بتمزيق كيانات قوية وتمهد ربما إلى إنشاء كيانات جديدة داخل البرلمان، خاصة أنها – الفيدرالية وسلطات الأقاليم – طرحت بعيد قرار الأكراد إنزال العلم العراقي في إقليم كردستان المكون من ثلاث محافظات فقط هي (أربيل والسليمانية ودهوك) من أصل المحافظات العراقية الثماني عشرة – وهو الأقليم الذي يستحوذ على 17 في المائة من تخصيصات الميزانية العراقية، وهو قرار يصفه المعارضون للحكومة بأنه لم يثر اعتراضا من المركز ومن دون أن يناقش داخل البرلمان ومن دون أن يصبح هذا القرار مثلاً محل انتقاد من التيارات التي تتحكم بالأغلبية مثلما أثار غيره من القضايا انتقاداتها الشديدة، وهو أمر زاد من أعداد المعترضين على هذه النقطة الخلافية.
وبعد انتهاء مؤتمر العشائر العراقية بنحو ثلاثة أسابيع عقدت نحو 1000 من الشخصيات العراقية مؤتمرها في مدينة بغداد يوم السبت 16/9/2006 وداخل حقيبة كل واحد من هؤلاء فيض من الأسئلة وفيض آخر من الأجوبة، ولابد أن يكون موضوع الفيدرالية وسلطات الأقاليم الشائكة من بين أهم نقاط جدول أعمال المؤتمر الذي يستمر يومين.
ومثلما أثارت هذه النقطة الخلاف أثارت النقطة الثانية وهي مناقشة تعديل الدستور العراقي الجديد خلافات حادة أخرى، فبينما يتمسك الائتلاف العراقي الموحد (شيعي) 130 مقعداً من أصل مقاعد البرلمان العراقي الـ (275) – والتحالف الكردستاني 56 مقعداً – بما تضمنه الدستور وخاصة في تحديد لهوية العراق ونظامه الاتحادي الفيدرالي وهو ما يبيح لهما التمسك بمناقشة قضية سلطات الأقاليم وتطبيق النظام الفيدرالية بين أي ثلاث محافظات، بينما يتمسك هذان الفصيلان بهذه الأطروحات المستندة إلى نصوص الدستور الجديد ، يتمسك الفرقاء الآخرون، جبهة التوافق العراقية (سنية) 44 مقعداً والقائمة العراقية (علمانية) 25 مقعداً، وجبهة الحوار الوطني (علمانية) 11 مقعداً بتفعيل الفقرة (142) من الدستور العراقي الجديد التي تتيح للبرلمان إجراء التعديلات على الدستور، حيث يطمح هؤلاء إلى تعطيل تعديل النصوص المتعلقة بإقامة الفيدرالية في الجنوب على أساس أن الفيدرالية القائمة على الأرض في كردستان إنما أقيمت على أساس قومي، وأنه لا يجوز إقامة فيدرالية على أساس مذهبي لأبناء قومية واحدة (فيدرالية الجنوب والوسط).
ولكي نقف على بعض ما يقوله الفرقاء المتخاصمون استطلعنا آراء عدد من المسؤولين في هذه الكيانات عن قضية المصالحة الوطنية.
يقول حسن الشمري عضو البرلمان العراقي – قائمة الائتلاف العراقي الموحد (شيعية) وهو من التيار الصدري – حول المصالحة المنشودة في العراق والخلافات القائمة حولها: على الحكومة أن تقدم تقريراً إلى البرلمان توضح فيه هل إن الطموح في الوصول إلى المصالحة تحقق فعلياً. نحن نسمع أن هناك اتصالات بين رئيس الوزراء مع بعض الفصائل المسلحة. وفي الحقيقة نحن ندعم المصالحة، كما أن قسماً من آلية تفعيل المصالحة خطت خطوات لا بأس بها مثال ذلك تشكيل هيئة عليا للمصالحة إلا أن بقية الإجراءات ليست بمستوى الطموح، حتى إنها ليست بمستوى الحدود الدنيا – وعلى سبيل المثال لا الحصر– يقول عضو البرلمان العراقي: لم تعقد مؤتمرات تقرب وجهات النظر باستثناء مؤتمر العشائر العراقية، ولم يتوصل الفرقاء إلى عقد مؤتمر لرجال الدين، ولم يعقد مؤتمر لمؤسسات المجتمع المدني، ولم يتم دمج الميليشيات في العملية السياسية رغم أن هذه الميليشيات مؤطرة بإطار رسمي، ولا تأتمر إلا بأمر الجهات السياسية التي تقودها. وهذا بمجمله يعني أن خطوات المصالحة لا تزال تتعثر.
* وكيف تفسرون إنزال العلم العراقي من قبل الأكراد في سياقات المصالحة؟
– قال الشمري.. لهذه القضية بعدان قانوني وسياسي:
*قانونياً – إنزال العلم العراقي خرق كبير حيث إن مجلس النواب لم يناقش، ولم يصوت، ثم إن هناك رؤية أخرى لموضوع العلم. فهل إن للعلم العراقي الحالي غطاء قانونياً أم لا؟ باعتبار أن سلطات الاحتلال عطلت جميع القرارات السابقة ومن هذه القرارات القرار المتعلق باعتماد العلم العراقي، هل إنه لايزال ساري المفعول أم عطل كما عطلت غيره من القرارات السابقة؟ أنا أعتقد أن العلم من الناحية القانونية لايزال معتمداً وأن إنزاله خرق للقانون.
أما من الناحية السياسية فإن القرار الكردي يؤدي إلى أضعاف موقف الحكومة في نظر الشعب.. تصور أن رئاسة الوزراء تنتقد ورئاسة الجمهورية تؤيد إنزال علم البلاد في دولة واحدة، فتصور بعد ذلك كيف تسير أمور المصالحة.. الأكراد لا يرفعون العلم العراقي، وأنك إذا قمت بزيارة لأي وزير كردي في الحكومة الحالية فإنك ستلاحظ أنهم لا يرفعون العلم العراقي في مكاتبهم.. قضية العلم أثارت الكثير من الشد والمخاوف خاصة أنه أعقبها مباشرة طرح موضوع الأقاليم، ونحن نعتقد أن هناك قضايا أكثر إلحاحاً من موضوع الفيدرالية في المرحلة الراهنة.. وإذا كنا نتحدث في موضوع المصالحة فإن سكوت الحكومة عن حجم القوى التي تريد المشاركة في العملية السياسية غير واضح وهو سكوت متعمد. إننا ندعو الحكومة إلى أن تحدد بإعلان واضح القوى التي ستشارك في العملية السياسية.
* وهل تتحفظون على قوى أو فئات من المشاركة في العملية السياسية؟
– إننا فقط ندعو أن يطبق القانون بحذا فيره لمحاسبة المقصرين والمجرمين السابقين وبعد ذلك لا تحفظ لدينا على أي فئة تريد المشاركة في العملية السياسية، ولكن ليس قبل محاكمة المجرمين والمقصرين بحق الشعب العراقي.
إن قضية المصالحة في العراق لابد أن تدخل من أبواب البرلمان، ولابد أن تجتاز عقبات الفيدرالية وسلطات الأقاليم التي لم يحتدم النقاش حولها داخل البرلمان حتى الآن، وهي قضايا لم تحسم حتى داخل الائتلاف الشيعي فيما يبدو، حيث إن هناك رؤية داخل الائتلاف بأن يكون لكل محافظ من المحافظات العراقية الحق إقامة فيدرالية خاصة بها، وهناك رؤية أخرى بأن يكفل هذا الحق لكل ثلاث محافظات وعلى النمط الكردي.. وهناك رؤية ثالثة داخل الائتلاف الشيعي بأن يكون لكل تسع محافظات الحق في إقامة فيدرالية – المحافظات الشيعية التسع هي (البصرة، العمارة، الناصرية، السماوة، الديوانية، النجف، كربلاء، الحلة، الكوت) مما يعني أن ثمة تياراً داخل الائتلاف العراقي يفكر في إقامة فيدرالية لكل المحافظات ذات الأغلبية الشيعية المطلقة، وعندئذ فإن نقاط الخلافات ستتسع إلى مديات أكبر وأخطر بكثير مما هي عليه الآن.
* هذا جزء من الرأي الشيعي العراقي في قضية المصالحة الوطنية.. فماذا لدى الطرف الآخر (السني)؟
– يقول الدكتور حسن الفلوجي عضو البرلمان العراقي عن قائمة التوافق : نحن نرفـض مشروع الفيـدرالية، ولدينا مبرراتنا الدستورية، فــمن المعلوم أن المادة (142) أدخلت على الدستور بحسب توافق سياسي معـروف، ونرى أن الإخوة في الائتلاف يصرون على مادة، ويهملون عن عمد مادة أخرى في الدستور العراقي تسبقها أهمية. أليس من المفروض إجراء التعديل في الدستور قبل النظر في نقطة تثير خلافات حادة مثل الفيدرالية ، خاصة – والقول، للدكتور الفلوجي – أن الدستور رفض من قبل الجمهور.. وليس من المعقول أن تقدم قائمة الائتلاف مشروعاً في المساء وتطلب المصادقة عليه في الصباح، ثم إن جبهة التوافق قدمت مشروعا متكاملا لإعادة صياغة الدستور إلا أن البرلمان لم يأخذ هذا المشروع في الاعتبار.
ولكن قائمة الائتلاف تقول إنها قدمت مجرد قراءة أولى لمشروع سلطات الأقاليم، فيما دعت قائمة التوافق إلى الذهاب إلى المحكمة الدستورية لحل هذا الخلاف تنفيذا لما ورد في المادة (118) من الدستور العراقي.
وقال الدكتور الفلوجي أيهما أولى، أن نشرع قانوناً عرضة للتعديل والاستبدال أم نقدم وثيقة دستور؟ الأولى – يقول الدكتور الفلوجي – أن ننتهي من قراءة أولية لتعديل الدستور، ثم بعد ذلك ننظر بالمشاريع المختلفة، وأنا أعتقد أن هناك غرضاً سياسياً يقف وراء الإصرار على طرح موضوع الفيدرالية وسلطات الأقاليم، وأن هناك جهة في الائتلاف تريد تفعيل هذا القانون وتصر عليه.
* قائمة الائتلاف تقول إنها تريد عراق قوياً وإن الفيدرالية لا تؤدي إلى تقسيم البلاد.. ويرون أنها نوع من االلأمركزية في الأداة.. الفيدرالية وفقا لوجهة نظر الائتلاف الشيعي الحاكم تفسح المجال أمام المناطق خارج المركز إلى التطور، وأنهم عندما يتحدثون عن الفيدرالية لا يتحدثون عن إقليم شيعي كما يطرح خطأ. – قال الفلوجي: أنا أمثل جمهوراً انتخابياً يرفض الفيدرالية.. ونحن في وسط وغرب العراق نرفض الفيدرالية صراحة، ونعتقد أنها طريقة لتقسيم البلاد لأن التعريف السياسي والقانوني للفيدرالية أنها تتم من خلال اتحاد دولتين أو أكثر.. حالة العراق هي حالة دولة قوية يراد تفكيكها، والفيدرالية تنتهي عادة بانفصال أقاليم أو دويلات صغيرة بعضها عن البعض الآخر؛ أما في حال أكراد العراق فإن لديهم عقدة تاريخية بأن الاستعمار هو الذي جزأهم بين تركيا وإيران والعراق وغيرها.. وليس صحيحا أنهم رفعوا السلاح بوجه نظام صدام حسين لأنه دكتاتوري، إنهم رفعوا السلاح بوجه النظام الملكي الذي يعتبر من أفضل أنواع الديمقراطيات، وكذلك رفعوا السلاح بوجه نظام حكم عبد الكريم قاسم وبوجه نظام حكم عبد السلام عارف ثم أخيه عبد الرحمن عارف، إنهم في حالة حرب مع المركز دائماً مهماً كانت هوية وميول هذا المركز والتاريخ يعرف ذلك، ولولا الضغوط التي تمارسها الدول الإقليمية المجاورة للعراقي لأعلن الأكراد الانفصال.
* ما هي الحلول التي تقترحونها؟
– يقول الدكتور حسن الفلوجي: قائمة الائتلاف تقول إنها تخاف من عودة الدكتاتورية وبطش المركز وأنا أتفق معها.. وأقول لها إن الحل ليس بالفيدرالية بل هو تقليص فترة ولاية رؤساء الوحدات الإدارية من أربع سنوات مثلا إلى سنتين بمن في ذلك رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، حتى لا يتمكن المسؤول من تأسيس بؤرة ولو صغيرة للدكتاتورية مهما كانت صفتها.
والمطروح في أجواء المصالحة العراقية التي تضمنتها المبادرة التي أطلقها رئيس الوزراء نوري المالكي في الخامس والعشرين من يونيو الماضي والتي شكلت هيئة ترأسها المالكي شخصياً، وضمت أعضاء يمثلون الكيانات السياسية العراقية المختلفة، هو أن تبدأ المصالحة بتنفيذ النقاط المهمة التالية:
– إطلاق سراح 28 ألف معتقل منهم 15 ألفاً لدى القوات الأمريكية و13 الفا لدى الحكومة العراقية من خلال عفو عام، اختلفت الآراء حول من يستثنى منه.
– الحوار مع الجماعات المسلحة التي تريد الانخراط في العملية السياسية باستثناء القاعدة والصداميين (نقطة مثار خلافات شديدة).
– إعادة النظر بقانون اجتثاث البعث (نقطة مثار خلاف شديد).
– إعادة بناء القوات المسلحة العراقية – الجيش والشرطة.
– تعويض عوائل الشهداء العراقيين.
– حصر السلاح بيد الدولة.
– حل الميليشيات وتجريدها من السلاح.
– اعتبار فترة السجن لمن يطلق سراحهم بالعفو العام مجزية لأغراض الإمتيازات الوظيفية.
تلك هي النقاط المطروحة إعلامياً عن مضامين المصالحة العراقية.. أما داخل كواليس الكيانات السياسية فلا أحد يدري ماذا يدور.
وبعيداً عما تحقق على الأرض من تلك المصالحة.. وبعيداً أيضاً عن التجاذبات التي التي تهددها وبرغم الخلافات الشديدة التي تنتظرها، فقد أغضبت المصالحة المرتقبة في العراق والتي لم تولد بعد الأمريكيين. ويقول الكاتب الأمريكي المعروف هنري جي باركي في مقال نشره في صحيفة (لوس أنجلس تايمز): سيجد الأمريكيون أنه أمر بغيض أن ينجو من العقاب أولئك الذين قاموا بتفجير الجنود الأمريكيين، ولكن المثير للسخرية – يقول باركي – أن هذه النهاية هي أفصل خياراتنا.

::/fulltext::
::cck::3003::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *