التنمية الثقافية في العالم العربي
::cck::3002::/cck::
::introtext::
مفهوم التنمية الثقافية مفهوم حديث بالنسبة لأدبيات التنمية في العالم العربي، وذلك لأن الدارج حتى فترة قريبة من الآن في مصطلحات التنمية هو كل من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهنالك مفهوم شامل هو التنمية البشرية، والحقيقة أن التنمية مفهوم شامل يغطي كافة مجالات حياة الإنسان. وفي هذه المقالة سنتناول مفهوم التنمية الثقافية كمفهوم معاصر ومهم جداً لارتباطه العميق بفكر وثقافة وإبداع الإنسان وتقدمه الحضاري
::/introtext::
::fulltext::
مفهوم التنمية الثقافية مفهوم حديث بالنسبة لأدبيات التنمية في العالم العربي، وذلك لأن الدارج حتى فترة قريبة من الآن في مصطلحات التنمية هو كل من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهنالك مفهوم شامل هو التنمية البشرية، والحقيقة أن التنمية مفهوم شامل يغطي كافة مجالات حياة الإنسان. وفي هذه المقالة سنتناول مفهوم التنمية الثقافية كمفهوم معاصر ومهم جداً لارتباطه العميق بفكر وثقافة وإبداع الإنسان وتقدمه الحضاري.
التنمية: تحدد التنمية بصفتها عملية مركبة وشاملة ومتعددة الأبعاد – كما أسلفنا – تتعدى مجرى النمو الاقتصادي والاجتماعي وما ينتج عنه من خبرات، كما أن التنمية تعني جهداً واعياً مخططاً له لتحسين ظروف المستقبل، وتقوم على توظيف كافة الجهود، وتوسيع مجالات النشاط الإنساني، وتعزيز القدرات الإنسانية، ومشاركة فعالة من المجتمع سواء في السعي إلى تحقيق الأهداف أو المشاركة في جني ثمارها، خاصة تلك القطاعات والفئات الاجتماعية التي حرمت من فرص النمو.
الثقافة: الثقافة هي المعيار الذي تتحدد به هوية كل مجتمع بشري، ولا يمكننا تصور مجتمع بلا ثقافة، ولكل مرحلة من مراحل حياة المجتمع سمات ثقافية تتأثر وتؤثر في عوامل نهوضه أو تفككه، وتوجد داخل المجتمع نفسه مجموعة من الثقافات الفرعية لتغير في السمات والمظاهر والمستويات المعيشية وطرائق الإنتاج، وبهذا فإن الثقافة الفرعية هي ثقافة قطاع مميز من المجتمع، لها جزء ومستوى مما للمجتمع من خصائص، إضافة إلى انفرادها بخصائص ذاتية، ويكتسب الفرد الثقافة من مجتمعه، ولكن بوصفه عضواً في قطاع اجتماعي معين فإنه لا يحمل كل ما في ذلك المجتمع من عناصر الثقافة. ويشار إلى أن مفهوم الثقافة إلى حد اليوم لم يقر له قرار، فهو من المفاهيم أو المصطلحات الزئبقية أو العائمة، فنحن إذا حاولنا تتبع هذا المصطلح نجده يزيد على المائتين – عدداً – ويختلف مفهوماً لرجوعه تاريخياً لتطورات عديدة سواء من حيث مدلوله أو تعريفه الأنثروبولوجي، ولعل أكثر التعريفات انتشاراً واعتماداً هو تعريف العالم الإنجليزي (أدوارد تايلور) مؤسس الأنثروبولوجيا الثقافية الأوروبية إذ يقول: (الثقافة أو المدنية هي الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعرف وأي قدرات أو عادات يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع) التنمية الثقافية: بالاستناد إلى تعريف التنمية – آنف الذكر – فإن (التنمية الثقافية جهد واع مخطط له من أجل إحداث تغير ثقافي مما يعني – على سبيل المثال- تغيراً في الفكر وأساليب السلوك، وقدرة على التمييز بين العناصر الثقافية التقليدية والعناصر الجديدة المستحدثة، واستبعاد العناصر التي يثبت عجزها عن التناغم مع الجديد والمستحدث الذي لا يمكن التنكر له أو تجاهله)- (د.أحمد مرسي – المجلس الأعلى للثقافة القاهرة 1997)
ويرى الأستاذ ساسي سفيان في تعريف بالمنحى نفسه أن التنمية الثقافية هي التعامل مع عامل (المتغير) في الثقافة السائدة سواء في الذائقة الجمالية النمطية المستقرة (ثقافة الآداب والفنون وجمالياتها) أو في منحى التوجه العلمي في الثقافة (ثقافة العلوم) وذلك بالبحث والتجريب والاختيار واكتساب المهارات والمعرفة للانعتاق من إطار النمطية والاستقرار وتحقيق تطلعات مستقبلية (ابتكارية) نتجاوز بها مرحلة النقل والتقليد واستيراد المناهج والنظريات والقيم والمفاهيم، مثلما نستورد الآلات والتكنولوجيا في ثقافتنا العلمية والتقنية السائدة و(التنمية الثقافية). وفي تبسيط أكثر هي وضع خطة متحركة ذات منهاج وفلسفة واضحين للتغلب على النواقص والثغرات والاحتياجات الثقافية وملء الفراغ خلال فترة زمنية محددة وبمعدلات يمكن قياسها، أي أنها – التنمية الثقافية- فضاء تتحرك فيه مدارات معرفية غير محددة بمنهجية أوليات أكثر أهمية، لتطوير وجدان معرفي مستقبلي يأخذ بتطورات قدرات الإنسان على الإبداع الحياتي، وينفي التقليد والنقل، فضاء وآفاق للثقافة تجعل الصعب ممكناً والمعقد بسيطاً والإشكالي قابلاً للحل. وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم الثقافة يعني منذ البداية الخلق والإبداع في مجال زراعة الأرض وتشجيرها، وبهذا المعنى يذكر (لويس دوللو) أن المعنى الاقتصادي لمفهوم الثقافة الأول هو معنى تنموي لأن الثقافة كانت تعني زراعة الأرض وغرس النباتات والأشجار والخضار، ويرى أن أنماط التنمية تفترض أنماطاً ثقافية محددة بحدود الشكل التاريخي للأنماط الأولى وممهورة بخاتم هويتها التاريخية. إن أهمية البعد الثقافي للتنمية قد جعلت (دوللو) يعتبر الإعلان عن حق الإنسان بالثقافة إحدى الثورات الثقافية المهمة في القرن العشرين، فهو يرى أن الإعلان عن (الحق في الثقافة) الذي أصبح أحد بنود حقوق الإنسان يمثل (الثورة الثقافية) الثانية في القرن العشرين. إن تجريد الإنسان من حقه في الثقافة، بصرف النظر عن الحقوق السياسية والاقتصادية الأخرى يساوي تجريده من بشريته وآدميته، فهو الكائن الوحيد المثقف، بمعنى القادر على الخلق عن طريق التفكير، وتتعاظم أهمية البعد الثقافي في التنمية في ظل ظروف التخلف التاريخي، فالثقافة في مثل هذه الظروف هي الوسيلة الوحيدة المتوافرة لدى الإنسان للتأكيد على آدميته واسترجاع حقوقه الأخرى، ذلك أن الثقافة بمعنى التفكير غير قابلة للمصادرة، بينما بقية الحقوق الأخرى قد تصادر فتغر ب عن الإنسان المعني بالحق فيها. وعلى هذا النحو، فإنه في ظل ظروف تاريخية متخلفة لا بد أن تأخذ الثقافة طابعاً نقدياً وتكون شكلاً من أشكال الدفاع عن الذات الإنسانية الحرة. وتجدر الإشارة إلى أن العديد من الباحثين والمفكرين يميلون إلى الاعتقاد أنَ من الأسباب الرئيسية لتخلف العالم الثالث، هو الفشل في الأخذ في الحسبان قوة الثقافة كعامل مؤثر يمكن أن يساعد على التقدم أو عرقلته.
لقد أكدت مؤتمرات (اليونسكو) العديدة التي عقدت في العقدين الماضيين أهمية الاعتراف بالبعد الثقافي ضمن منوال التنمية والتأكيد على الهويات الثقافية، وفتح آفاق المشاركة في الحياة الثقافية مع دعم التعاون الثقافي الدولي، وقد اعتبر من الضروري اعتماد القيم الكونية، وفي آن واحد التعددية الثقافية، بحيث تهدف السياسات الثقافية إلى المحافظة على تعددية المبادرات الثقافية وحمايتها بهدف دعم التفاهم والاعتبار والاحترام بين الأفراد والأوطان في مجابهة مخاطر الصراعات والتغلب عليها، وهذا ما جعل الثقافة بالمنظور الكوني الجديد في قلب عملية الوجود البشري، وعملية التنمية الإنسانية من منطلق أن الثقافة هي مجمل الخطوط المميزة روحانياً أو مادياً وفكرياً وحسياً، وهذه الخطوط هي التي تميز مجتمعاً ما أو مجموعة اجتماعية وهي تعني الفنون والآداب وطرائق الحياة ونوعية الحياة الاجتماعية ومنظومة القيم والتقاليد والمعتقدات عوائق التقدم الثقافي– أو التنمية الثقافية – مشروط بتطورات وأوضاع لابد من توافرها، لكن الظروف الحالية للمجتمع والثقافة العربيين تواجه عوائق عديدة تغيب شروط التقدم الثقافي، ولعل أهم هذه العوائق:
1-غياب الديمقراطية وضمانات حقوق الإنسان، وبالذات حق التفكير والتعبير والعقيدة.
2-التخلف الاقتصادي والفقر وأثرهما في الحرمان من الحقوق الثقافية.
3-انتشار الفكر غير العلمي وسطوته على الجماهير البسيطة.
4-سيادة نظم التعليم التلقيني مقابل التعليم النقدي.
5-انتشار الأمية بأنواعها الأبجدية، الثقافية، التكنولوجيا آفاق مستقبلية لتنمية ثقافية في العالم العربي: يمكننا الاستناد إلى رؤية مستقبلية لتنمية ثقافية في العالم العربي قدمتها الدكتورة هدى النعيمي في ندوة عقدت في دمشق بعنوان: (مشروع النهضة العربية للقرن الحادي والعشرين) والتي ارتكزت على النقاط التالية:
1-نظرة جديدة للتراث بقصد استلهام الأصيل فيه والإنساني ونبذ ما تراكم فيه من أفكار ورؤى وليدة عصور الاضمحلال والتدهور.
2-النظر إلى التعليم باعتباره منظومة متكاملة تهدف إلى إرساء قيم إعمال العقل من دون الاعتماد على النقل، والتأكيد على النظرة الموضوعية، واتساع الأفق في التعامل مع ثقافات الغير، وربط التعليم بضرورات الحياة الاجتماعية.
3-مراجعة الدور المنوط بأجهزة الإعلام وأدائها، بحيث يصبح فارقاً في تبنيه لسياسات وخطاب تنويري يتميز بالجرأة في الطرح والنقاش، ويقوم بدوره التثقيفي والفكري بين جماهير الشعب الذي تقف الأمية بوجوهها الثلاثة: الأبجدية والثقافية والتكنولوجية عقبة كأداء أمام أي خطة للتنمية الثقافية.
4-وضع استراتيجية دائمة للقضاء على الأمية في البلدان العربية والتي تشكل تحدياً لكل خطط التنمية الثقافية، بل استهزاء بكل منجزاتها، ويمكن في هذا المجال للمثقفين العرب أن يتبنوا برنامجا لمحو الأمية يشاركون فيه بأنفسهم، ويضربون المثل عن التحامهم الحقيقي والفعلي بجماهير الشعب الذي يتشدقون ويتحدثون باسمه وقدراته.
5-التأكيد على الثقافة العلمية ودورها في إيجاد مناخات تحترم البحث العلمي، وتؤمن بدور التجارب العلمية في إثراء حياتنا ومفاهيمنا دونما معارضة بينها وبين الثقافة الإنسانية، فالثقافتان جناحان لطائر واحد، يثريان العقل والوجدان ويساعدان إلى حد كبير على القضاء على ثنائية الفكر، التي تخلق التصادم المزيف بين العلم والإبداع رغم ما يحويه الإبداع من فكر متسق وما يمثله العلم من إبداع لا ينكره أحد.
6-إرساء قيم ثقافية وطنية / عالمية جيدة تصون الهوية الوطنية، ولا تعزل نفسها أو تتقوقع على ذاتها، خائفة من غيرها، مضخمة من شأن نفسها عن حق أو عن غير حق.
7-العمل بدأب وبشكل مستمر على إيجاد كوادر ثقافية قادرة على حمل رسالة التنمية الثقافية والوصول ببرامجها إلى أقصى درجات التحقق، فكم من برنامج طموح أفسده الموظفون الذين يعملون في حقل الثقافة بتفكيرهم الروتيني والمتخلف، إن الكوادر المؤهلة بحكم انتمائها لجموع الشعب، وإيمانها العميق بحق الشعوب في المعرفة والثقافة المستنيرة هي الأجدر بتولي المناصب القيادية في العمل الثقافي تحقيقاً لفلسفة التنمية في نشر الوعي الفكري والثقافي والسياسي بين جموع الجماهير العربية العريضة على امتداد الوطن العربي.
8-رفع القيود المفروضة على العمل الأهلي بتكويناته ومنظماته، وإفساح المجال أمامه ليحقق رسالته في نشر الوعي، وتدريب كوادره على العمل الخلاق التطوعي، وإعطاؤه الفرصة للعمل بحرية في النشأة والتأسيس والممارسة.
9-تأكيد الحرية والديمقراطية للفرد والجماعة على كل الصعد الفكرية والسياسية والاجتماعية كشرط أساسي لقيام وعي عربي مدرك لذاته وللعالم من حوله الآن ومستقبلا.
10-إنشاء مجالس على مستوى العالم العربي في العلوم والفنون والآداب تتبنى وضع أسس للعمل العلمي والثقافي للدول العربية، وتساهم في توحيد الجهود العلمية للباحثين العرب في كل مجالات المعرفة بغاية الوصول إلى منظومة متكاملة من المعرفة تساهم في النهضة العربية المرتقبة، مواكبة للتطورات الكبرى التي يشهدها عالم اليوم من المعرفة والثقافة والتقدم المذهل في كافة المجالات.
وفي الختام يمكن القول إن مفهوم التنمية الثقافية يهدف إلى تطوير الذهنيات والمدارك والأخلاقيات وتطوير طرائق الفكر والتفكير والإبداع لإيجاد حالة فعل مجتمعية ديناميكية مستمرة للارتقاء بمستوى الوعي البشري إلى آفاق تطويرية كبرى.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3002::/cck::
::introtext::
مفهوم التنمية الثقافية مفهوم حديث بالنسبة لأدبيات التنمية في العالم العربي، وذلك لأن الدارج حتى فترة قريبة من الآن في مصطلحات التنمية هو كل من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهنالك مفهوم شامل هو التنمية البشرية، والحقيقة أن التنمية مفهوم شامل يغطي كافة مجالات حياة الإنسان. وفي هذه المقالة سنتناول مفهوم التنمية الثقافية كمفهوم معاصر ومهم جداً لارتباطه العميق بفكر وثقافة وإبداع الإنسان وتقدمه الحضاري
::/introtext::
::fulltext::
مفهوم التنمية الثقافية مفهوم حديث بالنسبة لأدبيات التنمية في العالم العربي، وذلك لأن الدارج حتى فترة قريبة من الآن في مصطلحات التنمية هو كل من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهنالك مفهوم شامل هو التنمية البشرية، والحقيقة أن التنمية مفهوم شامل يغطي كافة مجالات حياة الإنسان. وفي هذه المقالة سنتناول مفهوم التنمية الثقافية كمفهوم معاصر ومهم جداً لارتباطه العميق بفكر وثقافة وإبداع الإنسان وتقدمه الحضاري.
التنمية: تحدد التنمية بصفتها عملية مركبة وشاملة ومتعددة الأبعاد – كما أسلفنا – تتعدى مجرى النمو الاقتصادي والاجتماعي وما ينتج عنه من خبرات، كما أن التنمية تعني جهداً واعياً مخططاً له لتحسين ظروف المستقبل، وتقوم على توظيف كافة الجهود، وتوسيع مجالات النشاط الإنساني، وتعزيز القدرات الإنسانية، ومشاركة فعالة من المجتمع سواء في السعي إلى تحقيق الأهداف أو المشاركة في جني ثمارها، خاصة تلك القطاعات والفئات الاجتماعية التي حرمت من فرص النمو.
الثقافة: الثقافة هي المعيار الذي تتحدد به هوية كل مجتمع بشري، ولا يمكننا تصور مجتمع بلا ثقافة، ولكل مرحلة من مراحل حياة المجتمع سمات ثقافية تتأثر وتؤثر في عوامل نهوضه أو تفككه، وتوجد داخل المجتمع نفسه مجموعة من الثقافات الفرعية لتغير في السمات والمظاهر والمستويات المعيشية وطرائق الإنتاج، وبهذا فإن الثقافة الفرعية هي ثقافة قطاع مميز من المجتمع، لها جزء ومستوى مما للمجتمع من خصائص، إضافة إلى انفرادها بخصائص ذاتية، ويكتسب الفرد الثقافة من مجتمعه، ولكن بوصفه عضواً في قطاع اجتماعي معين فإنه لا يحمل كل ما في ذلك المجتمع من عناصر الثقافة. ويشار إلى أن مفهوم الثقافة إلى حد اليوم لم يقر له قرار، فهو من المفاهيم أو المصطلحات الزئبقية أو العائمة، فنحن إذا حاولنا تتبع هذا المصطلح نجده يزيد على المائتين – عدداً – ويختلف مفهوماً لرجوعه تاريخياً لتطورات عديدة سواء من حيث مدلوله أو تعريفه الأنثروبولوجي، ولعل أكثر التعريفات انتشاراً واعتماداً هو تعريف العالم الإنجليزي (أدوارد تايلور) مؤسس الأنثروبولوجيا الثقافية الأوروبية إذ يقول: (الثقافة أو المدنية هي الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعرف وأي قدرات أو عادات يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع) التنمية الثقافية: بالاستناد إلى تعريف التنمية – آنف الذكر – فإن (التنمية الثقافية جهد واع مخطط له من أجل إحداث تغير ثقافي مما يعني – على سبيل المثال- تغيراً في الفكر وأساليب السلوك، وقدرة على التمييز بين العناصر الثقافية التقليدية والعناصر الجديدة المستحدثة، واستبعاد العناصر التي يثبت عجزها عن التناغم مع الجديد والمستحدث الذي لا يمكن التنكر له أو تجاهله)- (د.أحمد مرسي – المجلس الأعلى للثقافة القاهرة 1997)
ويرى الأستاذ ساسي سفيان في تعريف بالمنحى نفسه أن التنمية الثقافية هي التعامل مع عامل (المتغير) في الثقافة السائدة سواء في الذائقة الجمالية النمطية المستقرة (ثقافة الآداب والفنون وجمالياتها) أو في منحى التوجه العلمي في الثقافة (ثقافة العلوم) وذلك بالبحث والتجريب والاختيار واكتساب المهارات والمعرفة للانعتاق من إطار النمطية والاستقرار وتحقيق تطلعات مستقبلية (ابتكارية) نتجاوز بها مرحلة النقل والتقليد واستيراد المناهج والنظريات والقيم والمفاهيم، مثلما نستورد الآلات والتكنولوجيا في ثقافتنا العلمية والتقنية السائدة و(التنمية الثقافية). وفي تبسيط أكثر هي وضع خطة متحركة ذات منهاج وفلسفة واضحين للتغلب على النواقص والثغرات والاحتياجات الثقافية وملء الفراغ خلال فترة زمنية محددة وبمعدلات يمكن قياسها، أي أنها – التنمية الثقافية- فضاء تتحرك فيه مدارات معرفية غير محددة بمنهجية أوليات أكثر أهمية، لتطوير وجدان معرفي مستقبلي يأخذ بتطورات قدرات الإنسان على الإبداع الحياتي، وينفي التقليد والنقل، فضاء وآفاق للثقافة تجعل الصعب ممكناً والمعقد بسيطاً والإشكالي قابلاً للحل. وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم الثقافة يعني منذ البداية الخلق والإبداع في مجال زراعة الأرض وتشجيرها، وبهذا المعنى يذكر (لويس دوللو) أن المعنى الاقتصادي لمفهوم الثقافة الأول هو معنى تنموي لأن الثقافة كانت تعني زراعة الأرض وغرس النباتات والأشجار والخضار، ويرى أن أنماط التنمية تفترض أنماطاً ثقافية محددة بحدود الشكل التاريخي للأنماط الأولى وممهورة بخاتم هويتها التاريخية. إن أهمية البعد الثقافي للتنمية قد جعلت (دوللو) يعتبر الإعلان عن حق الإنسان بالثقافة إحدى الثورات الثقافية المهمة في القرن العشرين، فهو يرى أن الإعلان عن (الحق في الثقافة) الذي أصبح أحد بنود حقوق الإنسان يمثل (الثورة الثقافية) الثانية في القرن العشرين. إن تجريد الإنسان من حقه في الثقافة، بصرف النظر عن الحقوق السياسية والاقتصادية الأخرى يساوي تجريده من بشريته وآدميته، فهو الكائن الوحيد المثقف، بمعنى القادر على الخلق عن طريق التفكير، وتتعاظم أهمية البعد الثقافي في التنمية في ظل ظروف التخلف التاريخي، فالثقافة في مثل هذه الظروف هي الوسيلة الوحيدة المتوافرة لدى الإنسان للتأكيد على آدميته واسترجاع حقوقه الأخرى، ذلك أن الثقافة بمعنى التفكير غير قابلة للمصادرة، بينما بقية الحقوق الأخرى قد تصادر فتغر ب عن الإنسان المعني بالحق فيها. وعلى هذا النحو، فإنه في ظل ظروف تاريخية متخلفة لا بد أن تأخذ الثقافة طابعاً نقدياً وتكون شكلاً من أشكال الدفاع عن الذات الإنسانية الحرة. وتجدر الإشارة إلى أن العديد من الباحثين والمفكرين يميلون إلى الاعتقاد أنَ من الأسباب الرئيسية لتخلف العالم الثالث، هو الفشل في الأخذ في الحسبان قوة الثقافة كعامل مؤثر يمكن أن يساعد على التقدم أو عرقلته.
لقد أكدت مؤتمرات (اليونسكو) العديدة التي عقدت في العقدين الماضيين أهمية الاعتراف بالبعد الثقافي ضمن منوال التنمية والتأكيد على الهويات الثقافية، وفتح آفاق المشاركة في الحياة الثقافية مع دعم التعاون الثقافي الدولي، وقد اعتبر من الضروري اعتماد القيم الكونية، وفي آن واحد التعددية الثقافية، بحيث تهدف السياسات الثقافية إلى المحافظة على تعددية المبادرات الثقافية وحمايتها بهدف دعم التفاهم والاعتبار والاحترام بين الأفراد والأوطان في مجابهة مخاطر الصراعات والتغلب عليها، وهذا ما جعل الثقافة بالمنظور الكوني الجديد في قلب عملية الوجود البشري، وعملية التنمية الإنسانية من منطلق أن الثقافة هي مجمل الخطوط المميزة روحانياً أو مادياً وفكرياً وحسياً، وهذه الخطوط هي التي تميز مجتمعاً ما أو مجموعة اجتماعية وهي تعني الفنون والآداب وطرائق الحياة ونوعية الحياة الاجتماعية ومنظومة القيم والتقاليد والمعتقدات عوائق التقدم الثقافي– أو التنمية الثقافية – مشروط بتطورات وأوضاع لابد من توافرها، لكن الظروف الحالية للمجتمع والثقافة العربيين تواجه عوائق عديدة تغيب شروط التقدم الثقافي، ولعل أهم هذه العوائق:
1-غياب الديمقراطية وضمانات حقوق الإنسان، وبالذات حق التفكير والتعبير والعقيدة.
2-التخلف الاقتصادي والفقر وأثرهما في الحرمان من الحقوق الثقافية.
3-انتشار الفكر غير العلمي وسطوته على الجماهير البسيطة.
4-سيادة نظم التعليم التلقيني مقابل التعليم النقدي.
5-انتشار الأمية بأنواعها الأبجدية، الثقافية، التكنولوجيا آفاق مستقبلية لتنمية ثقافية في العالم العربي: يمكننا الاستناد إلى رؤية مستقبلية لتنمية ثقافية في العالم العربي قدمتها الدكتورة هدى النعيمي في ندوة عقدت في دمشق بعنوان: (مشروع النهضة العربية للقرن الحادي والعشرين) والتي ارتكزت على النقاط التالية:
1-نظرة جديدة للتراث بقصد استلهام الأصيل فيه والإنساني ونبذ ما تراكم فيه من أفكار ورؤى وليدة عصور الاضمحلال والتدهور.
2-النظر إلى التعليم باعتباره منظومة متكاملة تهدف إلى إرساء قيم إعمال العقل من دون الاعتماد على النقل، والتأكيد على النظرة الموضوعية، واتساع الأفق في التعامل مع ثقافات الغير، وربط التعليم بضرورات الحياة الاجتماعية.
3-مراجعة الدور المنوط بأجهزة الإعلام وأدائها، بحيث يصبح فارقاً في تبنيه لسياسات وخطاب تنويري يتميز بالجرأة في الطرح والنقاش، ويقوم بدوره التثقيفي والفكري بين جماهير الشعب الذي تقف الأمية بوجوهها الثلاثة: الأبجدية والثقافية والتكنولوجية عقبة كأداء أمام أي خطة للتنمية الثقافية.
4-وضع استراتيجية دائمة للقضاء على الأمية في البلدان العربية والتي تشكل تحدياً لكل خطط التنمية الثقافية، بل استهزاء بكل منجزاتها، ويمكن في هذا المجال للمثقفين العرب أن يتبنوا برنامجا لمحو الأمية يشاركون فيه بأنفسهم، ويضربون المثل عن التحامهم الحقيقي والفعلي بجماهير الشعب الذي يتشدقون ويتحدثون باسمه وقدراته.
5-التأكيد على الثقافة العلمية ودورها في إيجاد مناخات تحترم البحث العلمي، وتؤمن بدور التجارب العلمية في إثراء حياتنا ومفاهيمنا دونما معارضة بينها وبين الثقافة الإنسانية، فالثقافتان جناحان لطائر واحد، يثريان العقل والوجدان ويساعدان إلى حد كبير على القضاء على ثنائية الفكر، التي تخلق التصادم المزيف بين العلم والإبداع رغم ما يحويه الإبداع من فكر متسق وما يمثله العلم من إبداع لا ينكره أحد.
6-إرساء قيم ثقافية وطنية / عالمية جيدة تصون الهوية الوطنية، ولا تعزل نفسها أو تتقوقع على ذاتها، خائفة من غيرها، مضخمة من شأن نفسها عن حق أو عن غير حق.
7-العمل بدأب وبشكل مستمر على إيجاد كوادر ثقافية قادرة على حمل رسالة التنمية الثقافية والوصول ببرامجها إلى أقصى درجات التحقق، فكم من برنامج طموح أفسده الموظفون الذين يعملون في حقل الثقافة بتفكيرهم الروتيني والمتخلف، إن الكوادر المؤهلة بحكم انتمائها لجموع الشعب، وإيمانها العميق بحق الشعوب في المعرفة والثقافة المستنيرة هي الأجدر بتولي المناصب القيادية في العمل الثقافي تحقيقاً لفلسفة التنمية في نشر الوعي الفكري والثقافي والسياسي بين جموع الجماهير العربية العريضة على امتداد الوطن العربي.
8-رفع القيود المفروضة على العمل الأهلي بتكويناته ومنظماته، وإفساح المجال أمامه ليحقق رسالته في نشر الوعي، وتدريب كوادره على العمل الخلاق التطوعي، وإعطاؤه الفرصة للعمل بحرية في النشأة والتأسيس والممارسة.
9-تأكيد الحرية والديمقراطية للفرد والجماعة على كل الصعد الفكرية والسياسية والاجتماعية كشرط أساسي لقيام وعي عربي مدرك لذاته وللعالم من حوله الآن ومستقبلا.
10-إنشاء مجالس على مستوى العالم العربي في العلوم والفنون والآداب تتبنى وضع أسس للعمل العلمي والثقافي للدول العربية، وتساهم في توحيد الجهود العلمية للباحثين العرب في كل مجالات المعرفة بغاية الوصول إلى منظومة متكاملة من المعرفة تساهم في النهضة العربية المرتقبة، مواكبة للتطورات الكبرى التي يشهدها عالم اليوم من المعرفة والثقافة والتقدم المذهل في كافة المجالات.
وفي الختام يمكن القول إن مفهوم التنمية الثقافية يهدف إلى تطوير الذهنيات والمدارك والأخلاقيات وتطوير طرائق الفكر والتفكير والإبداع لإيجاد حالة فعل مجتمعية ديناميكية مستمرة للارتقاء بمستوى الوعي البشري إلى آفاق تطويرية كبرى.
::/fulltext::
::cck::3002::/cck::
