هل تساعد أسعار النفط القياسية على التنوع الاقتصادي

::cck::3025::/cck::
::introtext::

بلغت عائدات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة من النفط 190 مليار دولار أمريكي عام ‏‏2004، أي بزيادة قدرها 40 في المائة عن عام 2003، ومن المتوقع بحسب التوقعات أن تكون ‏الزيادة في العائدات عام 2005 أكبر من ذلك أيضاً. حيث بلغ متوسط سعر برميل نفط غربي ‏تكساس 42 دولاراً أمريكياً عام 2004، مرتفعاً من 31 دولاراً للبرميل عام 2003، بالمقارنة مع ‏متوسط سعره خلال التسعينات حيث كان 20 دولاراً للبرميل. وقد اتسم ذلك العقد بركود النمو ‏الاقتصادي وبمحاولات لتنويع البنى الاقتصادية لتقليل الاعتماد على النفط. ويمثل الارتفاع الكبير ‏في أسعار النفط حالياً فرصة مثالية لدول مجلس التعاون الخليجي لتفعيل وتمويل طائفة من ‏إجراءات التنوع الاقتصادي. لكن عندما يكون سعر النفط مرتفعاً يكون هناك اتجاه لتأخير الإصلاح ‏والحفاظ على الوضع الراهن.‏

 

::/introtext::
::fulltext::

بلغت عائدات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة من النفط 190 مليار دولار أمريكي عام ‏‏2004، أي بزيادة قدرها 40 في المائة عن عام 2003، ومن المتوقع بحسب التوقعات أن تكون ‏الزيادة في العائدات عام 2005 أكبر من ذلك أيضاً. حيث بلغ متوسط سعر برميل نفط غربي ‏تكساس 42 دولاراً أمريكياً عام 2004، مرتفعاً من 31 دولاراً للبرميل عام 2003، بالمقارنة مع ‏متوسط سعره خلال التسعينات حيث كان 20 دولاراً للبرميل. وقد اتسم ذلك العقد بركود النمو ‏الاقتصادي وبمحاولات لتنويع البنى الاقتصادية لتقليل الاعتماد على النفط. ويمثل الارتفاع الكبير ‏في أسعار النفط حالياً فرصة مثالية لدول مجلس التعاون الخليجي لتفعيل وتمويل طائفة من ‏إجراءات التنوع الاقتصادي. لكن عندما يكون سعر النفط مرتفعاً يكون هناك اتجاه لتأخير الإصلاح ‏والحفاظ على الوضع الراهن.‏

ومن الجدير بالذكر أن قطاع النفط يمثل المصدر الأكبر بلا منازع من إجمالي الناتج المحلي لدول ‏المجلس جميعها، وقد بقي الوضع على هذا الحال سنين عدة (انظر الشكل 1: النفط والغاز ‏كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي). والمفارقة أن انتعاش أسعار النفط قد أدى إلى صرف ‏الأنظار عن جهود التنويع الاقتصادي الأخيرة. ففي السنة الماضية ارتفعت نسبة النفط من ‏الصادرات الإجمالية في كل دول المجلس باستثناء دولة واحدة، ارتفاعاً فعلياً بالمقارنة مع عام ‏‏1994 (انظر الشكل 2: النفط والغاز كنسبة مئوية من إجمالي الصادرات).‏

وإذا استثنينا الإمارات، التي تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة، وحققت نجاحاً مميزاً في تنويع ‏اقتصادها، يبدو لنا جلياً وجود ترابط بين العمر المتوقع لاحتياطيات النفط في بلد ما ودرجة التنوع ‏الاقتصادي فيه. فالبحرين تمتلك أدنى الاحتياطيات على الإطلاق، حيث لا يتوقع لها، وفق ‏مستويات الإنتاج الحالية، أن تدوم أكثر من بضع سنوات أخرى. وفي الوقت نفسه تعتبر البحرين ‏الدولة الأكثر ليبرالية وتنوعاً اقتصادياً، كما تصنف بأنها الأكثر حرية بين دول المجلس في سجل ‏الحرية الاقتصادية لدى مؤسسة التراث. وتأتي الإمارات في المرتبة الثانية من حيث انخفاض ‏احتياطياتها، وقد بدأت حكومتها خصخصة بعض القطاعات المملوكة للدولة، ووضع تشريعات ‏تسمح للأجانب بتملك بعض الشركات بنسبة 100 في المائة، وتستثمر مبالغ كبيرة في قطاع ‏السياحة. وتهدف المبادرة الحكومية المسماة (رؤية 2020) إلى تنويع الاقتصاد تنويعاً كلياً بعيداً ‏عن النفط بحلول عام 2020.

وعلى الجانب المقابل، هناك الكويت وقطر اللتان تمتلكان ‏احتياطيات ضخمة من النفط والغاز وعدداً صغيراً نسبياً من
السكان، ولذلك فإن تنويع الاقتصاد ‏بالنسبة لهما ليس على الدرجة نفسها من الإلحاح والحدة، كما أن المساهمة التي يمثلها ‏النفط والغاز من إجمالي ناتجيهما المحليين هي العليا في المنطقة، حيث تبلغ 46.6 في ‏المائة و62.2 في المائة على التوالي. إن هذا الترابط يبين أن التنويع قابل للتحقيق اقتصادياً، ‏لكنه يتطلب إصراراً سياسياً حازماً أيضاً.‏

أما في السعودية فالمشكلة ليست مشكلة إمدادات آخذة في النضوب، فهي تمتلك 25 في ‏المائة من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، إضافة إلى تمتعها ببعض أدنى تكاليف ‏الاستخراج والوصول إلى السوق في أي مكان في العالم، وإنما تتمثل المشكلة في التزايد ‏السريع لعدد السكان، حيث يعتبر معدل النمو السكاني فيها من أعلى معدلات النمو في ‏العالم، بالإضافة إلى مستويات البطالة الآخذة بالارتفاع. وصناعة النفط صناعة تستلزم استثمار ‏مبالغ طائلة لا يمكن أن تستوعب أكثر من نسبة صغيرة من الشباب السعودي الذي يدخل ‏سوق العمل سنوياً. ومنذ بدأ الازدهار الحالي في أسعار النفط، عملت السعودية على ‏الاستثمار بقوة في أعمال التكرير والتسويق. ففي (رابغ) على سبيل المثال، يجري تطوير ‏مشروع تكرير وتسويق ضخم تقدر قيمته بنحو 4 مليارات دولار أمريكي، وستقوم هذه المصفاة ‏المتكاملة والمجمع البتروكيماوي الضخم بإنتاج منتجات مكررة وبتروكيماويات ذات مستوى رفيع، ‏ونال هذا المشروع اهتمام شركة أجنبية هي سوميتومو اليابانية التي ستشارك بالعمل فيه ‏مع شركة أرامكو السعودية. ولا بد أن مشاريع مثل مصفاة رابغ ستوفر على المدى الطويل ‏مزيداً من الأعمال ذات المهارات الرفيعة للمواطنين السعوديين وتدفع الاقتصاد نحو تصدير ‏مشتقات بترولية ذات (قيمة مضافة). ‏

ومع ذلك، وبعد سنوات، بل في بعض الحالات بعد عقود من الإعلان عن سياسات التنويع ‏الاقتصادي، لا تزال معظم دول المجلس تتكل اتكالاً شديداً على عائدات النفط (انظر الشكل 3: ‏النفط والغاز كنسبة مئوية من إجمالي العائدات الحكومية)‏ وبغض النظر عن كون احتياطيات المنطقة من النفط والغاز ـ باعتبارهما سلعتين محدودتين لا ‏تتجددان ـ ستستنفد في نهاية المطاف، فهناك مشكلات كثيرة على المدى القصير تتعلق ‏بالاعتماد على النفط، فأسعار النفط متقلبة بطبيعتها، وباعتبار أن الدخل الحكومي ـ المحرك ‏الاقتصادي الرئيسي ـ يعتمد اعتماداً كبيراً عليها فإن المنطقة معرضة بشدة لفترات ازدهار ‏وأزمات اقتصادية وتذبذبات دورية كبيرة. ويسبب هذا الوضع بشكل خاص مصاعب تتعلق ‏ بالتزامات الإنفاق المالي وتخطيط الاقتصاد والموازنات. ومن المشكلات الأخرى أن قطاع النفط ‏والغاز قطاع ذو رأسمال كثيف، وهو بذلك لا يولد إلا القليل من فرص العمل التي تعتبر دول ‏المجلس في أمس الحاجة إليها، حيث إن أعمار ما يقرب من 40 في المائة من السكان تحت ‏سن 15 ومشكلة البطالة آخذة في التزايد، إضافة إلى مشكلة أخرى ترتبط بتصدير النفط تعرف ‏باسم (المرض الهولندي)، حيث إن استيراد البضائع المصنعة يكون في الأغلب أرخص من ‏إنتاجها محلياً في دول المجلس، مما يعني أن المنتجات المتنوعة، إذا تم تصنيعها محلياً، ‏ستكون غير قادرة على المنافسة، وبالتالي فإن إمكانية توفير فرص العمل في القطاع الصناعي ‏محدودة. ‏

ومع هذا فثمة مؤشرات على أن جهوداً جادة تُبذل الآن للتنويع بعيداً عن الاعتماد على النفط، ‏ولا سيما الاتكال على عائدات تصدير النفط الخام. ولا بد من التذكير بأن انتعاش أسعار النفط ‏وارتفاع معدلات الإنتاج حالياً قد غطيا على النجاحات المتواضعة لسياسات التنويع حتى الآن. ‏فعلى سبيل المثال تم إنشاء المجلس الاقتصادي في البحرين وسلطة الاستثمار العامة في ‏السعودية خصيصاً لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وقد يكون من الطرق المبتكرة في ‏التنويع الاقتصادي شراء أصول أجنبية، فقد اشترت الإمارات مؤخراً نسبة 10% من الأسهم في ‏شركة فولكسفاغن الألمانية المصنعة للسيارات، وبالمقابل ستقوم الشركة بإنشاء مصنع ‏تجميع في أبوظبي، وتدرس شراء المكونات التي يتم إنتاجها في دول المجلس. ‏

ومن جهة ثانية سيكون لدى دول المجلس في المستقبل المنظور ميزة نسبية في صناعات ‏التكرير والتسويق البتروكيماوية وفي الصناعات التي تحتاج إلى مستوى عالٍ من التزويد ‏بالطاقة مثل إنتاج الألمنيوم. وبداية يجب توجيه جهود التوزيع نحو مثل هذه الصناعات، لكن لأن ‏هذه الصناعات تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة ولا توجد الكثير من فرص العمل، فإنه لا يمكنها ‏وحدها جبه التحديات الاقتصادية التي تواجهها دول المجلس حالياً. ولذلك حالما يتم استثمار ‏واستغلال الميزات النسبية التي تتمتع بها دول المجلس، لا بد من القيام بجهود مركّزة لإيجاد ‏فرص عمل في القطاع الخدمي. ولنا في البحرين وإمارة دبي مثالان بارزان على ذلك، وليس ‏من قبيل المصادفة أن كلتيهما لا تملك إلا احتياطيات محدودة من النفط. ‏

وتعتبر الجهود التكاملية لدول المجلس عنصراً محورياً في عملية التنويع عن طريق إقامة سوق ‏واحدة، كما أن العمل باتجاه عملة واحدة ينبغي أن يعزز التجارة غير النفطية، ويجذب مستويات ‏أعلى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل إجمالي. وفي هذا السياق يبين الأمين العام ‏لمجلس التعاون عبد الرحمن العطية أن الاتحاد الجمركي لدول المجلس أدى منذ إنشائه عام ‏‏2003 إلى زيادة التجارة البينية في المنطقة بنسبة 19.5% على ما كانت عليه عام 2002. ‏

ولا بد أن يمثل الركود الاقتصادي الذي ساد دول المجلس في عقد التسعينات تذكيراً بأن ارتفاع ‏أسعار النفط ليس بالأمر المضمون. ولذلك فإن الدفع قدماً الآن بخطط وسياسات التنويع ‏الاقتصادي الجريئة ـ في وقت ترتفع فيه العائدات والفوائض الحكومية ـ يمكن أن يخفض فعلاً من ‏وقع انخفاض أسعار النفط مستقبلاً، والتعامل مع مشكلات البطالة المستقبلية قبل أن ‏تستفحل. فالآن هو الوقت المناسب لإجراء الإصلاحات البنيوية والتنظيمية اللازمة لتنويع ‏القاعدة الاقتصادية للمنطقة. أما الركون وعدم القيام بشيء في هذا الشأن فقد يعرضُ للخطر ‏كلَّ مراحل النمو والإنجازات الكبيرة التي شهدتها المنطقة على مدى السنوات القليلة الماضية. ‏

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3025::/cck::
::introtext::

بلغت عائدات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة من النفط 190 مليار دولار أمريكي عام ‏‏2004، أي بزيادة قدرها 40 في المائة عن عام 2003، ومن المتوقع بحسب التوقعات أن تكون ‏الزيادة في العائدات عام 2005 أكبر من ذلك أيضاً. حيث بلغ متوسط سعر برميل نفط غربي ‏تكساس 42 دولاراً أمريكياً عام 2004، مرتفعاً من 31 دولاراً للبرميل عام 2003، بالمقارنة مع ‏متوسط سعره خلال التسعينات حيث كان 20 دولاراً للبرميل. وقد اتسم ذلك العقد بركود النمو ‏الاقتصادي وبمحاولات لتنويع البنى الاقتصادية لتقليل الاعتماد على النفط. ويمثل الارتفاع الكبير ‏في أسعار النفط حالياً فرصة مثالية لدول مجلس التعاون الخليجي لتفعيل وتمويل طائفة من ‏إجراءات التنوع الاقتصادي. لكن عندما يكون سعر النفط مرتفعاً يكون هناك اتجاه لتأخير الإصلاح ‏والحفاظ على الوضع الراهن.‏

 

::/introtext::
::fulltext::

بلغت عائدات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة من النفط 190 مليار دولار أمريكي عام ‏‏2004، أي بزيادة قدرها 40 في المائة عن عام 2003، ومن المتوقع بحسب التوقعات أن تكون ‏الزيادة في العائدات عام 2005 أكبر من ذلك أيضاً. حيث بلغ متوسط سعر برميل نفط غربي ‏تكساس 42 دولاراً أمريكياً عام 2004، مرتفعاً من 31 دولاراً للبرميل عام 2003، بالمقارنة مع ‏متوسط سعره خلال التسعينات حيث كان 20 دولاراً للبرميل. وقد اتسم ذلك العقد بركود النمو ‏الاقتصادي وبمحاولات لتنويع البنى الاقتصادية لتقليل الاعتماد على النفط. ويمثل الارتفاع الكبير ‏في أسعار النفط حالياً فرصة مثالية لدول مجلس التعاون الخليجي لتفعيل وتمويل طائفة من ‏إجراءات التنوع الاقتصادي. لكن عندما يكون سعر النفط مرتفعاً يكون هناك اتجاه لتأخير الإصلاح ‏والحفاظ على الوضع الراهن.‏

ومن الجدير بالذكر أن قطاع النفط يمثل المصدر الأكبر بلا منازع من إجمالي الناتج المحلي لدول ‏المجلس جميعها، وقد بقي الوضع على هذا الحال سنين عدة (انظر الشكل 1: النفط والغاز ‏كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي). والمفارقة أن انتعاش أسعار النفط قد أدى إلى صرف ‏الأنظار عن جهود التنويع الاقتصادي الأخيرة. ففي السنة الماضية ارتفعت نسبة النفط من ‏الصادرات الإجمالية في كل دول المجلس باستثناء دولة واحدة، ارتفاعاً فعلياً بالمقارنة مع عام ‏‏1994 (انظر الشكل 2: النفط والغاز كنسبة مئوية من إجمالي الصادرات).‏

وإذا استثنينا الإمارات، التي تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة، وحققت نجاحاً مميزاً في تنويع ‏اقتصادها، يبدو لنا جلياً وجود ترابط بين العمر المتوقع لاحتياطيات النفط في بلد ما ودرجة التنوع ‏الاقتصادي فيه. فالبحرين تمتلك أدنى الاحتياطيات على الإطلاق، حيث لا يتوقع لها، وفق ‏مستويات الإنتاج الحالية، أن تدوم أكثر من بضع سنوات أخرى. وفي الوقت نفسه تعتبر البحرين ‏الدولة الأكثر ليبرالية وتنوعاً اقتصادياً، كما تصنف بأنها الأكثر حرية بين دول المجلس في سجل ‏الحرية الاقتصادية لدى مؤسسة التراث. وتأتي الإمارات في المرتبة الثانية من حيث انخفاض ‏احتياطياتها، وقد بدأت حكومتها خصخصة بعض القطاعات المملوكة للدولة، ووضع تشريعات ‏تسمح للأجانب بتملك بعض الشركات بنسبة 100 في المائة، وتستثمر مبالغ كبيرة في قطاع ‏السياحة. وتهدف المبادرة الحكومية المسماة (رؤية 2020) إلى تنويع الاقتصاد تنويعاً كلياً بعيداً ‏عن النفط بحلول عام 2020.

وعلى الجانب المقابل، هناك الكويت وقطر اللتان تمتلكان ‏احتياطيات ضخمة من النفط والغاز وعدداً صغيراً نسبياً من
السكان، ولذلك فإن تنويع الاقتصاد ‏بالنسبة لهما ليس على الدرجة نفسها من الإلحاح والحدة، كما أن المساهمة التي يمثلها ‏النفط والغاز من إجمالي ناتجيهما المحليين هي العليا في المنطقة، حيث تبلغ 46.6 في ‏المائة و62.2 في المائة على التوالي. إن هذا الترابط يبين أن التنويع قابل للتحقيق اقتصادياً، ‏لكنه يتطلب إصراراً سياسياً حازماً أيضاً.‏

أما في السعودية فالمشكلة ليست مشكلة إمدادات آخذة في النضوب، فهي تمتلك 25 في ‏المائة من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، إضافة إلى تمتعها ببعض أدنى تكاليف ‏الاستخراج والوصول إلى السوق في أي مكان في العالم، وإنما تتمثل المشكلة في التزايد ‏السريع لعدد السكان، حيث يعتبر معدل النمو السكاني فيها من أعلى معدلات النمو في ‏العالم، بالإضافة إلى مستويات البطالة الآخذة بالارتفاع. وصناعة النفط صناعة تستلزم استثمار ‏مبالغ طائلة لا يمكن أن تستوعب أكثر من نسبة صغيرة من الشباب السعودي الذي يدخل ‏سوق العمل سنوياً. ومنذ بدأ الازدهار الحالي في أسعار النفط، عملت السعودية على ‏الاستثمار بقوة في أعمال التكرير والتسويق. ففي (رابغ) على سبيل المثال، يجري تطوير ‏مشروع تكرير وتسويق ضخم تقدر قيمته بنحو 4 مليارات دولار أمريكي، وستقوم هذه المصفاة ‏المتكاملة والمجمع البتروكيماوي الضخم بإنتاج منتجات مكررة وبتروكيماويات ذات مستوى رفيع، ‏ونال هذا المشروع اهتمام شركة أجنبية هي سوميتومو اليابانية التي ستشارك بالعمل فيه ‏مع شركة أرامكو السعودية. ولا بد أن مشاريع مثل مصفاة رابغ ستوفر على المدى الطويل ‏مزيداً من الأعمال ذات المهارات الرفيعة للمواطنين السعوديين وتدفع الاقتصاد نحو تصدير ‏مشتقات بترولية ذات (قيمة مضافة). ‏

ومع ذلك، وبعد سنوات، بل في بعض الحالات بعد عقود من الإعلان عن سياسات التنويع ‏الاقتصادي، لا تزال معظم دول المجلس تتكل اتكالاً شديداً على عائدات النفط (انظر الشكل 3: ‏النفط والغاز كنسبة مئوية من إجمالي العائدات الحكومية)‏ وبغض النظر عن كون احتياطيات المنطقة من النفط والغاز ـ باعتبارهما سلعتين محدودتين لا ‏تتجددان ـ ستستنفد في نهاية المطاف، فهناك مشكلات كثيرة على المدى القصير تتعلق ‏بالاعتماد على النفط، فأسعار النفط متقلبة بطبيعتها، وباعتبار أن الدخل الحكومي ـ المحرك ‏الاقتصادي الرئيسي ـ يعتمد اعتماداً كبيراً عليها فإن المنطقة معرضة بشدة لفترات ازدهار ‏وأزمات اقتصادية وتذبذبات دورية كبيرة. ويسبب هذا الوضع بشكل خاص مصاعب تتعلق ‏ بالتزامات الإنفاق المالي وتخطيط الاقتصاد والموازنات. ومن المشكلات الأخرى أن قطاع النفط ‏والغاز قطاع ذو رأسمال كثيف، وهو بذلك لا يولد إلا القليل من فرص العمل التي تعتبر دول ‏المجلس في أمس الحاجة إليها، حيث إن أعمار ما يقرب من 40 في المائة من السكان تحت ‏سن 15 ومشكلة البطالة آخذة في التزايد، إضافة إلى مشكلة أخرى ترتبط بتصدير النفط تعرف ‏باسم (المرض الهولندي)، حيث إن استيراد البضائع المصنعة يكون في الأغلب أرخص من ‏إنتاجها محلياً في دول المجلس، مما يعني أن المنتجات المتنوعة، إذا تم تصنيعها محلياً، ‏ستكون غير قادرة على المنافسة، وبالتالي فإن إمكانية توفير فرص العمل في القطاع الصناعي ‏محدودة. ‏

ومع هذا فثمة مؤشرات على أن جهوداً جادة تُبذل الآن للتنويع بعيداً عن الاعتماد على النفط، ‏ولا سيما الاتكال على عائدات تصدير النفط الخام. ولا بد من التذكير بأن انتعاش أسعار النفط ‏وارتفاع معدلات الإنتاج حالياً قد غطيا على النجاحات المتواضعة لسياسات التنويع حتى الآن. ‏فعلى سبيل المثال تم إنشاء المجلس الاقتصادي في البحرين وسلطة الاستثمار العامة في ‏السعودية خصيصاً لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وقد يكون من الطرق المبتكرة في ‏التنويع الاقتصادي شراء أصول أجنبية، فقد اشترت الإمارات مؤخراً نسبة 10% من الأسهم في ‏شركة فولكسفاغن الألمانية المصنعة للسيارات، وبالمقابل ستقوم الشركة بإنشاء مصنع ‏تجميع في أبوظبي، وتدرس شراء المكونات التي يتم إنتاجها في دول المجلس. ‏

ومن جهة ثانية سيكون لدى دول المجلس في المستقبل المنظور ميزة نسبية في صناعات ‏التكرير والتسويق البتروكيماوية وفي الصناعات التي تحتاج إلى مستوى عالٍ من التزويد ‏بالطاقة مثل إنتاج الألمنيوم. وبداية يجب توجيه جهود التوزيع نحو مثل هذه الصناعات، لكن لأن ‏هذه الصناعات تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة ولا توجد الكثير من فرص العمل، فإنه لا يمكنها ‏وحدها جبه التحديات الاقتصادية التي تواجهها دول المجلس حالياً. ولذلك حالما يتم استثمار ‏واستغلال الميزات النسبية التي تتمتع بها دول المجلس، لا بد من القيام بجهود مركّزة لإيجاد ‏فرص عمل في القطاع الخدمي. ولنا في البحرين وإمارة دبي مثالان بارزان على ذلك، وليس ‏من قبيل المصادفة أن كلتيهما لا تملك إلا احتياطيات محدودة من النفط. ‏

وتعتبر الجهود التكاملية لدول المجلس عنصراً محورياً في عملية التنويع عن طريق إقامة سوق ‏واحدة، كما أن العمل باتجاه عملة واحدة ينبغي أن يعزز التجارة غير النفطية، ويجذب مستويات ‏أعلى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل إجمالي. وفي هذا السياق يبين الأمين العام ‏لمجلس التعاون عبد الرحمن العطية أن الاتحاد الجمركي لدول المجلس أدى منذ إنشائه عام ‏‏2003 إلى زيادة التجارة البينية في المنطقة بنسبة 19.5% على ما كانت عليه عام 2002. ‏

ولا بد أن يمثل الركود الاقتصادي الذي ساد دول المجلس في عقد التسعينات تذكيراً بأن ارتفاع ‏أسعار النفط ليس بالأمر المضمون. ولذلك فإن الدفع قدماً الآن بخطط وسياسات التنويع ‏الاقتصادي الجريئة ـ في وقت ترتفع فيه العائدات والفوائض الحكومية ـ يمكن أن يخفض فعلاً من ‏وقع انخفاض أسعار النفط مستقبلاً، والتعامل مع مشكلات البطالة المستقبلية قبل أن ‏تستفحل. فالآن هو الوقت المناسب لإجراء الإصلاحات البنيوية والتنظيمية اللازمة لتنويع ‏القاعدة الاقتصادية للمنطقة. أما الركون وعدم القيام بشيء في هذا الشأن فقد يعرضُ للخطر ‏كلَّ مراحل النمو والإنجازات الكبيرة التي شهدتها المنطقة على مدى السنوات القليلة الماضية. ‏

::/fulltext::
::cck::3025::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *