أسعار النفط المرتفعة .. (نظرة تحليلية)‏

::cck::3031::/cck::
::introtext::

دأبت أسعار النفط خلال الأشهر القريبة على كسر الأرقام القياسية التاريخية ويظهر منتجو النفط أنهم في حيرة من أمرهم بشأن ما يمكنهم فعله للمساعدة على إعادة تلك الأسعار إلى مستويات أكثر قابلية للاستمرار. وبالطبع فإن الاستجابة المناسبة للمستوى الراهن لأسعار النفط تعتمد على الأسباب الكامنة وراء الزيادات التي حدثت مؤخراً. فهل يجري التحكم بالأسعار جراء ما يفعله المضاربون الوصوليون الذين يؤثرون الصفقات الآجلة؟ وهل أصبح منتجو النفط العالميون عاجزين عن الحصول على ما يكفي من النفط من باطن الأرض لتلبية احتياجات المصافي؟ وهل تتسبب المخاوف غير المنطقية في قيام أصحاب المصافي القلقين برفع سعر النفط لتغطية خسائرهم في حال انقطاع الإمدادات من النفط الخام؟ وهل شركات التكرير العالمي عاجزه عن تحويل كمية كافية من النفط الخام إلى منتجات نحن بحاجة إليها لمواجهة الطلب المتصاعد؟

 

::/introtext::
::fulltext::

دأبت أسعار النفط خلال الأشهر القريبة على كسر الأرقام القياسية التاريخية ويظهر منتجو النفط أنهم في حيرة من أمرهم بشأن ما يمكنهم فعله للمساعدة على إعادة تلك الأسعار إلى مستويات أكثر قابلية للاستمرار. وبالطبع فإن الاستجابة المناسبة للمستوى الراهن لأسعار النفط تعتمد على الأسباب الكامنة وراء الزيادات التي حدثت مؤخراً. فهل يجري التحكم بالأسعار جراء ما يفعله المضاربون الوصوليون الذين يؤثرون الصفقات الآجلة؟ وهل أصبح منتجو النفط العالميون عاجزين عن الحصول على ما يكفي من النفط من باطن الأرض لتلبية احتياجات المصافي؟ وهل تتسبب المخاوف غير المنطقية في قيام أصحاب المصافي القلقين برفع سعر النفط لتغطية خسائرهم في حال انقطاع الإمدادات من النفط الخام؟ وهل شركات التكرير العالمي عاجزه عن تحويل كمية كافية من النفط الخام إلى منتجات نحن بحاجة إليها لمواجهة الطلب المتصاعد؟

لقد أكدت وكالة الطاقة الدولية مؤخراً أن سوق النفط يشهد تفاؤلاً يفتقر للمبررات المنطقية. أما الاتحاد الأوروبي، الذي استخدم عبارة رددتها لاحقاً منظمة أوبك، فقد عزا ارتفاع أسعار النفط في أواخر عام 2004 إلى ((فقاعة مضاربة))، لكن هذه الفقاعة لم تنفجر، بل إنها ظلت تنتفخ خلال النصف الأول من عام 2005. أما نحن فنرى أن ما يسيّر سوق النفط ليس التفاؤل غير المبرم أو المضاربون الوصوليون، بل هو المبادئ الأساسية لعرض النفط وطلبه ومخزوناته.

لنتناول المضاربين أولاً بغية إزالة هؤلاء اللاعبين من ذوي الأدوار الصغيرة من الساحة، حيث تدل الإحصائيات الدقيقة لسلوك مختلف الجماعات المشاركة في الصفقات الآجلة بوضوح كبير على أن المضاربين يتبعون، بدلا من أن يقودوا، التغييرات في أسعار النفط، حيث إن قراراتهم في البيع والشراء تأتي بعد التغييرات التي تطرأ على حركات أسعار النفط، وقد تطيل أمد اتجاه ما للأسعار، ولكن لمدة ليست طويلة، ثم إن المضاربين يحتاجون أيضاً إلى أطراف أخرى للاتجار معهم، فلكل مشتر مضارب يجب أن يكون هناك بائع، وقد يكون هذا مضارب آخر له رأي معاكس في السوق، ولكن من غير المعقول القول إن المضاربين يسيّرون السوق في أي اتجاه معين إذا كانت مواقف مجموعة ما توازنها مواقف مجموعة أخرى. ومن المرجح أن اللاعبين المضاربين سيجدون نظراءهم بين تجار النفط الحريصين، الذين يتعاملون مع العقود الآجلة، فالحريصون يلعبون دوراً كبيراً مثل دور المضاربين.

وتشير ملاحظة الفائدة المفتوحة الصافية في بورصة نايمكس للصفقات الآجلة خلال عام 2004 إلى أنه في حين أن أسعار النفط كانت آخذة في الارتفاع ، فإن كمية النفط التي كان المضاربون يشترونها كانت في حالة من الهبوط الحاد، فقد هبطت كمية النفط المتوفرة في الأسواق في بورصة (نايمكس) لصفقات النفط الآجلة من 82.5 مليون برميل في 9 مارس 2004 إلى أقل من مليون برميل في 16 نوفمبر. وبحلول 14 ديسمبر كان المضاربون قد أصبحوا مجرد بائعين للنفط، على أنه في الفترة ذاتها ارتفع سعر نفط غرب تكساس من 36،80 دولار للبرميل إلى 46.45 دولار للبرميل قبل الهبوط إلى 40.77 دولار للبرميل، وكان صافي مساهمة المضاربين خلال هذه الفترة التي ارتفعت فيها أسعارالنفط هو بيع 100 مليون مليار برميل من عقود النفط الآجلة.

ونحول انتباهنا الآن إلى العوامل الأساسية التي كانت تسيّر سعر النفط خلال العامين الماضيين. لقد كان العامل الأساسي للزيادة المثيرة في سعر النفط هو الارتفاع الهائل وغير المتوقع في الطلب العالمي على النفط، لقد أصبح منتجو النفط من داخل وخارج أوبك يسلمون بوجود طلب يزداد بأقل من مليون برميل يومياً عاماً بعد عام. أما في ما يتعلق بمنتجي النفط من داخل أوبك، الذين تولوا القيام بدور المنتجين القادرين على إحداث تغيير في السوق، فلم يكن الوضع أقل سوءاً. وقد تجاوز إنتاج النفط التصاعدي من خارج أوبك (الذي سيطر عليه الارتفاع الكبير في إنتاج روسيا للنفط) الطلب المتصاعد على النفط في السنوات 2000 و2001 و2002، بينما لم يتم إنقاذ الوضع في عام 2003 إلا من خلال سلسلة من العوامل الخاصة – شتاء طويل وبارد في نصف الكرة الشمالي، والمشكلات التي عانت منها صناعة الطاقة النووية اليابانية والجفاف الصيفي في أوروبا – عززت الطلب على النفط في نصف السنة الأول، بحيث رفعت الطلب المتصاعد في تلك السنة إلى ما فوق العرض المتصاعد من خارج أوبك.

ولم يكن من المتوقع أن تتكرر العوامل الخاصة التي عززت الطلب العالمي على النفط في السنة التالية وعندما تم نشر التنبوءات المفصلة لعام 2004 في أول الأمر في يوليو 2003 كان هناك توافق في الآراء مفاده أن الطلب العالمي على النفط سيزداد بحوالي مليون برميل يومياً. ومع تقدم عام 2004، تمت مراجعة تقديرات الطلب المتصاعد على النفط صعوداً شهراً بعد شهر إلى أن جرى بحلول نهاية العام تقييم بأن الطلب قد ازداد بالفعل بواقع مذهل تمثل بـ 2.7 مليون برميل يومياً – و هو أكبر زيادة منذ أكثر من 30 سنة. وقد مثل بلد واحد – الصين – ثلث هذا الطلب المتصاعد، حيث اجتمع النمو الاقتصادي القوي مع بناء المخزون التجاري وحالات القصور في الكهرباء، الأمر الذي جعل بعض المؤسسات التي تصدر إنتاجها للخارج تشتري مولدات تعمل بالديزل لضمان إمدادات متواصلة من الكهرباء. على أنه لا يمكن أن نعزو قوة نمو الطلب على النفط في 2004 إلى الصين فحسب، رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وبلداناً آسيوية أخرى والشرق الأوسط شهدت نمواً أقوى على طلب النفط، الأمر الذي ساهم في زيادة استثنائية في الاستهلاك العالمي للنفط في عام 2004.

لم يكن للنمو القوي للطلب على النفط أن يؤدي، بحد ذاته، إلى الزيادة المثيرة في أسعار النفط التي شهدها عام 2004، فلا بد لنا من أن ننظر إلى أبعد من ذلك، إلى استجابة جانب العرض لذلك النمو. ففي بداية عام 2004، كنا نتوقع زيادة بواقع 1.5 مليون برميل يومياً في إنتاج الدول من خارج أوبك خلال ذلك العام، وكان من المتوقع أن تأتي أكبر مساهمة من بلدان الاتحاد السوفييتي السابق، مساهمة تحتل فيها روسيا مركز الصدارة، وهي البلدان التي كان يعتقد أنها ستضيف على الأغلب 900 ألف برميل يومياً، وكان من المتوقع أن تضيف إفريقيا 380 ألف برميل أخرى يومياً من النفط الجديد، وأن تزيد أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية الإنتاج بواقع 200 ألف برميل يومياً و 180 ألف برميل يومياً على التوالي، وكان من المتوقع أيضاً أن يستمر إنتاج النفط الأوروبي في الهبوط في عام 2004، حيث إنه سيتراجع بمقدار 70 ألف برميل يومياً مقارنة مع السنة السابقة، وكانت المساهمات الفعلية في العرض المتصاعد للنفط العالمي في 2004 مختلفة نوعاً ما، فقد ازداد بالفعل إنتاج النفط في بلدان الاتحاد السوفييتي سابقاً بواقع 900 ألف برميل يومياً، في حين أن الدول الإفريقية رفعت معدل إنتاجها بمقدار 350 ألف برميل يومياً، وهي كمية قريبة من تلك المتنبأ بها في بداية السنة. غير أنه تبين أن هبوط إنتاج النفط الأوروبي كان حاداً أكثر مما كان متوقعاً حيث تراجع بما يقرب من 250 ألف برميل يومياً، في حين أن إنتاج أمريكا اللاتينية ارتفع فقط بواقع 40 ألف برميل يومياً. ولكن أمريكا الشمالية كانت ربما الأكثر للأمل، فكمية الـ 220 ألف برميل اليومية من العرض الإضافي للنفط تحولت إلى هبوط بواقع 40 ألف برميل يومياً في معدل الإنتاج السنوي، حيث إن إعصار ((إيفان)) اندفع عبر خليج المكسيك ليحرم سوق النفط من حوالي 500 ألف برميل يومياً من الإنتاج القائم وأخيراً بداية العمل في عدد من الحقول الجديدة. وما حصل هو أن إنتاج النفط من قبل خارج دول أوبك ارتفع في عام 2004 إلى أقل بقليل من مليون برميل يومياً أي ما يقارب 40 في المائة دون التوقعات.

وفي ظل هذا الوضع الذي ازداد فيه نمو الطلب بمعدل ضعفين ونصف عما كان متوقعاً وانخفض فيه الإنتاج التصاعدي للبلدان من خارج أوبك بنسبة 40 في المائة عما كان متوقعاً، شهد عام 2004 حدوث طلب إضافي على نفط دول أوبك، لكن هذا النفط الإضافي أبطأ في الوصول إلى السوق، الأمر الذي أجهد نظام توريد النفط بشكل متزايد. ولعله من غير المستغرب أن تتباطأ دول أوبك في الاستجابة إلى الحاجة المتصاعدة للنفط، فهي عانت من انكماش الأسواق خلال ثلاث سنوات متعاقبة، وما زالت تخشى من التسبب في انهيار الأسعار جراء زيادة الإنتاج بأسرع مما ينبغي، كما حدث عام 1998. ونتيجة لذلك، فقد خفضت المنظمة إنتاجها الرسمي المستهدف مرتين خلال شتاء وربيع 2003/2004، رغم أن إنتاج العراق المتصاعد (غير الملزم باتفاقيات الإنتاج) ضمن عدم انخفاض الصادرات.

لقد أدى فشل إمدادات الدول خارج أوبك في تحقيق ما كان متوقعاً منها، بالإضافة إلى تأخير أوبك في تعزيز إنتاجها لتلبية الطلب المتزايد على إنتاجها من النفط، إلى الضغط على مخزونات النفط التجارية التي كانت بالأصل منخفضة نتيجة سياسة أوبك في الإنتاج. وعندما اقتنعت أوبك أخيراً بأن الحاجة لنفطها تفوق كثيراً الإنتاج الفعلي استجاب أعضاؤها، ورفعوا الإنتاج بحوالي مليوني برميل يومياً خلال فترة خمسة شهور، لكن هذا كان أقل مما ينبغي وفي زمن أطول مما ينبغي، ولو أن أوبك بدأت في تعزيز إنتاجها قبل ذلك لارتفعت مخزونات النفط التجارية، موفرة بذلك حماية إزاء ذروة طلب فصل الخريف من المصافي. والذي حدث هو أن التأخير في الشروع برفع معدلات الإنتاج جعل معظم أعضاء أوبك ينتجون بحدود أو قرب حدود طاقتهم القابلة للاستمرار. وبالنظر للمخزونات التجارية المنخفضة والقليل من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية، أصبح السوق حساساً بشكل استثنائي إزاء المخاوف من النقص من جراء الاضطرابات في الإمدادات، أو جراء طلب الشتاء الأعلى من المعتاد. وبما أنه لم يتم تكوين مخزونات من المنتجات المكررة بكميات كافية بزمن يسبق كثيراً الطلب، فقد بدأت الطاقة الإنتاجية في نظام التكرير، لاسيما في الولايات المتحدة، تمارس ضغطا تصاعدياً على أسعار النفط. لكن تلك قصة أخرى، كما يقولون.

::/fulltext::

10026-a15
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3031::/cck::
::introtext::

دأبت أسعار النفط خلال الأشهر القريبة على كسر الأرقام القياسية التاريخية ويظهر منتجو النفط أنهم في حيرة من أمرهم بشأن ما يمكنهم فعله للمساعدة على إعادة تلك الأسعار إلى مستويات أكثر قابلية للاستمرار. وبالطبع فإن الاستجابة المناسبة للمستوى الراهن لأسعار النفط تعتمد على الأسباب الكامنة وراء الزيادات التي حدثت مؤخراً. فهل يجري التحكم بالأسعار جراء ما يفعله المضاربون الوصوليون الذين يؤثرون الصفقات الآجلة؟ وهل أصبح منتجو النفط العالميون عاجزين عن الحصول على ما يكفي من النفط من باطن الأرض لتلبية احتياجات المصافي؟ وهل تتسبب المخاوف غير المنطقية في قيام أصحاب المصافي القلقين برفع سعر النفط لتغطية خسائرهم في حال انقطاع الإمدادات من النفط الخام؟ وهل شركات التكرير العالمي عاجزه عن تحويل كمية كافية من النفط الخام إلى منتجات نحن بحاجة إليها لمواجهة الطلب المتصاعد؟

 

::/introtext::
::fulltext::

دأبت أسعار النفط خلال الأشهر القريبة على كسر الأرقام القياسية التاريخية ويظهر منتجو النفط أنهم في حيرة من أمرهم بشأن ما يمكنهم فعله للمساعدة على إعادة تلك الأسعار إلى مستويات أكثر قابلية للاستمرار. وبالطبع فإن الاستجابة المناسبة للمستوى الراهن لأسعار النفط تعتمد على الأسباب الكامنة وراء الزيادات التي حدثت مؤخراً. فهل يجري التحكم بالأسعار جراء ما يفعله المضاربون الوصوليون الذين يؤثرون الصفقات الآجلة؟ وهل أصبح منتجو النفط العالميون عاجزين عن الحصول على ما يكفي من النفط من باطن الأرض لتلبية احتياجات المصافي؟ وهل تتسبب المخاوف غير المنطقية في قيام أصحاب المصافي القلقين برفع سعر النفط لتغطية خسائرهم في حال انقطاع الإمدادات من النفط الخام؟ وهل شركات التكرير العالمي عاجزه عن تحويل كمية كافية من النفط الخام إلى منتجات نحن بحاجة إليها لمواجهة الطلب المتصاعد؟

لقد أكدت وكالة الطاقة الدولية مؤخراً أن سوق النفط يشهد تفاؤلاً يفتقر للمبررات المنطقية. أما الاتحاد الأوروبي، الذي استخدم عبارة رددتها لاحقاً منظمة أوبك، فقد عزا ارتفاع أسعار النفط في أواخر عام 2004 إلى ((فقاعة مضاربة))، لكن هذه الفقاعة لم تنفجر، بل إنها ظلت تنتفخ خلال النصف الأول من عام 2005. أما نحن فنرى أن ما يسيّر سوق النفط ليس التفاؤل غير المبرم أو المضاربون الوصوليون، بل هو المبادئ الأساسية لعرض النفط وطلبه ومخزوناته.

لنتناول المضاربين أولاً بغية إزالة هؤلاء اللاعبين من ذوي الأدوار الصغيرة من الساحة، حيث تدل الإحصائيات الدقيقة لسلوك مختلف الجماعات المشاركة في الصفقات الآجلة بوضوح كبير على أن المضاربين يتبعون، بدلا من أن يقودوا، التغييرات في أسعار النفط، حيث إن قراراتهم في البيع والشراء تأتي بعد التغييرات التي تطرأ على حركات أسعار النفط، وقد تطيل أمد اتجاه ما للأسعار، ولكن لمدة ليست طويلة، ثم إن المضاربين يحتاجون أيضاً إلى أطراف أخرى للاتجار معهم، فلكل مشتر مضارب يجب أن يكون هناك بائع، وقد يكون هذا مضارب آخر له رأي معاكس في السوق، ولكن من غير المعقول القول إن المضاربين يسيّرون السوق في أي اتجاه معين إذا كانت مواقف مجموعة ما توازنها مواقف مجموعة أخرى. ومن المرجح أن اللاعبين المضاربين سيجدون نظراءهم بين تجار النفط الحريصين، الذين يتعاملون مع العقود الآجلة، فالحريصون يلعبون دوراً كبيراً مثل دور المضاربين.

وتشير ملاحظة الفائدة المفتوحة الصافية في بورصة نايمكس للصفقات الآجلة خلال عام 2004 إلى أنه في حين أن أسعار النفط كانت آخذة في الارتفاع ، فإن كمية النفط التي كان المضاربون يشترونها كانت في حالة من الهبوط الحاد، فقد هبطت كمية النفط المتوفرة في الأسواق في بورصة (نايمكس) لصفقات النفط الآجلة من 82.5 مليون برميل في 9 مارس 2004 إلى أقل من مليون برميل في 16 نوفمبر. وبحلول 14 ديسمبر كان المضاربون قد أصبحوا مجرد بائعين للنفط، على أنه في الفترة ذاتها ارتفع سعر نفط غرب تكساس من 36،80 دولار للبرميل إلى 46.45 دولار للبرميل قبل الهبوط إلى 40.77 دولار للبرميل، وكان صافي مساهمة المضاربين خلال هذه الفترة التي ارتفعت فيها أسعارالنفط هو بيع 100 مليون مليار برميل من عقود النفط الآجلة.

ونحول انتباهنا الآن إلى العوامل الأساسية التي كانت تسيّر سعر النفط خلال العامين الماضيين. لقد كان العامل الأساسي للزيادة المثيرة في سعر النفط هو الارتفاع الهائل وغير المتوقع في الطلب العالمي على النفط، لقد أصبح منتجو النفط من داخل وخارج أوبك يسلمون بوجود طلب يزداد بأقل من مليون برميل يومياً عاماً بعد عام. أما في ما يتعلق بمنتجي النفط من داخل أوبك، الذين تولوا القيام بدور المنتجين القادرين على إحداث تغيير في السوق، فلم يكن الوضع أقل سوءاً. وقد تجاوز إنتاج النفط التصاعدي من خارج أوبك (الذي سيطر عليه الارتفاع الكبير في إنتاج روسيا للنفط) الطلب المتصاعد على النفط في السنوات 2000 و2001 و2002، بينما لم يتم إنقاذ الوضع في عام 2003 إلا من خلال سلسلة من العوامل الخاصة – شتاء طويل وبارد في نصف الكرة الشمالي، والمشكلات التي عانت منها صناعة الطاقة النووية اليابانية والجفاف الصيفي في أوروبا – عززت الطلب على النفط في نصف السنة الأول، بحيث رفعت الطلب المتصاعد في تلك السنة إلى ما فوق العرض المتصاعد من خارج أوبك.

ولم يكن من المتوقع أن تتكرر العوامل الخاصة التي عززت الطلب العالمي على النفط في السنة التالية وعندما تم نشر التنبوءات المفصلة لعام 2004 في أول الأمر في يوليو 2003 كان هناك توافق في الآراء مفاده أن الطلب العالمي على النفط سيزداد بحوالي مليون برميل يومياً. ومع تقدم عام 2004، تمت مراجعة تقديرات الطلب المتصاعد على النفط صعوداً شهراً بعد شهر إلى أن جرى بحلول نهاية العام تقييم بأن الطلب قد ازداد بالفعل بواقع مذهل تمثل بـ 2.7 مليون برميل يومياً – و هو أكبر زيادة منذ أكثر من 30 سنة. وقد مثل بلد واحد – الصين – ثلث هذا الطلب المتصاعد، حيث اجتمع النمو الاقتصادي القوي مع بناء المخزون التجاري وحالات القصور في الكهرباء، الأمر الذي جعل بعض المؤسسات التي تصدر إنتاجها للخارج تشتري مولدات تعمل بالديزل لضمان إمدادات متواصلة من الكهرباء. على أنه لا يمكن أن نعزو قوة نمو الطلب على النفط في 2004 إلى الصين فحسب، رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وبلداناً آسيوية أخرى والشرق الأوسط شهدت نمواً أقوى على طلب النفط، الأمر الذي ساهم في زيادة استثنائية في الاستهلاك العالمي للنفط في عام 2004.

لم يكن للنمو القوي للطلب على النفط أن يؤدي، بحد ذاته، إلى الزيادة المثيرة في أسعار النفط التي شهدها عام 2004، فلا بد لنا من أن ننظر إلى أبعد من ذلك، إلى استجابة جانب العرض لذلك النمو. ففي بداية عام 2004، كنا نتوقع زيادة بواقع 1.5 مليون برميل يومياً في إنتاج الدول من خارج أوبك خلال ذلك العام، وكان من المتوقع أن تأتي أكبر مساهمة من بلدان الاتحاد السوفييتي السابق، مساهمة تحتل فيها روسيا مركز الصدارة، وهي البلدان التي كان يعتقد أنها ستضيف على الأغلب 900 ألف برميل يومياً، وكان من المتوقع أن تضيف إفريقيا 380 ألف برميل أخرى يومياً من النفط الجديد، وأن تزيد أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية الإنتاج بواقع 200 ألف برميل يومياً و 180 ألف برميل يومياً على التوالي، وكان من المتوقع أيضاً أن يستمر إنتاج النفط الأوروبي في الهبوط في عام 2004، حيث إنه سيتراجع بمقدار 70 ألف برميل يومياً مقارنة مع السنة السابقة، وكانت المساهمات الفعلية في العرض المتصاعد للنفط العالمي في 2004 مختلفة نوعاً ما، فقد ازداد بالفعل إنتاج النفط في بلدان الاتحاد السوفييتي سابقاً بواقع 900 ألف برميل يومياً، في حين أن الدول الإفريقية رفعت معدل إنتاجها بمقدار 350 ألف برميل يومياً، وهي كمية قريبة من تلك المتنبأ بها في بداية السنة. غير أنه تبين أن هبوط إنتاج النفط الأوروبي كان حاداً أكثر مما كان متوقعاً حيث تراجع بما يقرب من 250 ألف برميل يومياً، في حين أن إنتاج أمريكا اللاتينية ارتفع فقط بواقع 40 ألف برميل يومياً. ولكن أمريكا الشمالية كانت ربما الأكثر للأمل، فكمية الـ 220 ألف برميل اليومية من العرض الإضافي للنفط تحولت إلى هبوط بواقع 40 ألف برميل يومياً في معدل الإنتاج السنوي، حيث إن إعصار ((إيفان)) اندفع عبر خليج المكسيك ليحرم سوق النفط من حوالي 500 ألف برميل يومياً من الإنتاج القائم وأخيراً بداية العمل في عدد من الحقول الجديدة. وما حصل هو أن إنتاج النفط من قبل خارج دول أوبك ارتفع في عام 2004 إلى أقل بقليل من مليون برميل يومياً أي ما يقارب 40 في المائة دون التوقعات.

وفي ظل هذا الوضع الذي ازداد فيه نمو الطلب بمعدل ضعفين ونصف عما كان متوقعاً وانخفض فيه الإنتاج التصاعدي للبلدان من خارج أوبك بنسبة 40 في المائة عما كان متوقعاً، شهد عام 2004 حدوث طلب إضافي على نفط دول أوبك، لكن هذا النفط الإضافي أبطأ في الوصول إلى السوق، الأمر الذي أجهد نظام توريد النفط بشكل متزايد. ولعله من غير المستغرب أن تتباطأ دول أوبك في الاستجابة إلى الحاجة المتصاعدة للنفط، فهي عانت من انكماش الأسواق خلال ثلاث سنوات متعاقبة، وما زالت تخشى من التسبب في انهيار الأسعار جراء زيادة الإنتاج بأسرع مما ينبغي، كما حدث عام 1998. ونتيجة لذلك، فقد خفضت المنظمة إنتاجها الرسمي المستهدف مرتين خلال شتاء وربيع 2003/2004، رغم أن إنتاج العراق المتصاعد (غير الملزم باتفاقيات الإنتاج) ضمن عدم انخفاض الصادرات.

لقد أدى فشل إمدادات الدول خارج أوبك في تحقيق ما كان متوقعاً منها، بالإضافة إلى تأخير أوبك في تعزيز إنتاجها لتلبية الطلب المتزايد على إنتاجها من النفط، إلى الضغط على مخزونات النفط التجارية التي كانت بالأصل منخفضة نتيجة سياسة أوبك في الإنتاج. وعندما اقتنعت أوبك أخيراً بأن الحاجة لنفطها تفوق كثيراً الإنتاج الفعلي استجاب أعضاؤها، ورفعوا الإنتاج بحوالي مليوني برميل يومياً خلال فترة خمسة شهور، لكن هذا كان أقل مما ينبغي وفي زمن أطول مما ينبغي، ولو أن أوبك بدأت في تعزيز إنتاجها قبل ذلك لارتفعت مخزونات النفط التجارية، موفرة بذلك حماية إزاء ذروة طلب فصل الخريف من المصافي. والذي حدث هو أن التأخير في الشروع برفع معدلات الإنتاج جعل معظم أعضاء أوبك ينتجون بحدود أو قرب حدود طاقتهم القابلة للاستمرار. وبالنظر للمخزونات التجارية المنخفضة والقليل من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية، أصبح السوق حساساً بشكل استثنائي إزاء المخاوف من النقص من جراء الاضطرابات في الإمدادات، أو جراء طلب الشتاء الأعلى من المعتاد. وبما أنه لم يتم تكوين مخزونات من المنتجات المكررة بكميات كافية بزمن يسبق كثيراً الطلب، فقد بدأت الطاقة الإنتاجية في نظام التكرير، لاسيما في الولايات المتحدة، تمارس ضغطا تصاعدياً على أسعار النفط. لكن تلك قصة أخرى، كما يقولون.

::/fulltext::
::cck::3031::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *