ارتفاع أسعار النفط بين العلم ونظرية المؤامرة
::cck::3029::/cck::
::introtext::
يتحدد سعر النفط، مثل أي سلعة أو خدمة تباع وتشترى بظروف العرض والطلب عليها، وعندما تتساوى قوى الطلب مع الشراء يحصل التوازن، ويتحدد سعر السوق، وهذا المقص العجيب الجامع في كل طرف من أطرافه قوة على جانب ما، وأخرى مناقضة لها على الجانب الآخر، هي ما يسميه الاقتصاديون بآلية السوق والسوق لا يكون في حالة توازن إلا في حالات نادرة، بل ان التوازن هو حالة سريعة قلقة، وإذا كان السعر أقل من توقعات المشترين، حصلت بينهم مزايدة لاقتناء المزيد منها، فيرتفع سعرها باتجاه سعر التوازن. أما إذا كان السعر فوق ما يشتهيه المشترون، وحصلت مناقصة بين البائعين، فيقللون السعر باتجاه سعر التوازن.
::/introtext::
::fulltext::
يتحدد سعر النفط، مثل أي سلعة أو خدمة تباع وتشترى بظروف العرض والطلب عليها، وعندما تتساوى قوى الطلب مع الشراء يحصل التوازن، ويتحدد سعر السوق، وهذا المقص العجيب الجامع في كل طرف من أطرافه قوة على جانب ما، وأخرى مناقضة لها على الجانب الآخر، هي ما يسميه الاقتصاديون بآلية السوق والسوق لا يكون في حالة توازن إلا في حالات نادرة، بل ان التوازن هو حالة سريعة قلقة، وإذا كان السعر أقل من توقعات المشترين، حصلت بينهم مزايدة لاقتناء المزيد منها، فيرتفع سعرها باتجاه سعر التوازن. أما إذا كان السعر فوق ما يشتهيه المشترون، وحصلت مناقصة بين البائعين، فيقللون السعر باتجاه سعر التوازن.
ولكن ماذا نفعل اذا لم يبق جانبا العرض والطلب مكانهما، وحصل تغيير في هيكل المقص؟ والنقطة المثيرة هنا نظرياً وفي الواقع التطبيقي، أن سعر السلعة، مثل النفط، قد يرتفع، ولكن الطلب عليه يزداد، وهذا ما حصل في الآونة الأخيرة، فمنذ الربع الأخير من عام 2004 وأسعار النفط في ارتفاع مستمر لم يعكره إلا بعض التصحيحات في السوق، أو بعض الأنباء عن قيام الـ (أوبك) منظمة الأقطار المصدرة للنفط) بزيادة إنتاجها إلى حدود تجسر الفجوة بين العرض والطلب، فينخفض السعر ثانية ولفترة محدودة، ثم يعاود ارتفاعه المعهود.
ولقد تضافرت مجموعة من الأسباب والعوامل على جانبي العرض والطلب، فحركت جانب الطلب نحو الأعلى، بينما بقي جانب العرض متصلباً نسبياً وغير قادر على التجاوب السريع مع الارتفاع الجنوني في الطلب. وهكذا بقيت الفجوة بين الجانبين لصالح الطلب، مما يعني ارتفاعاً مستمراً في الأسعار، فوجود فجوة بين جانبي السوق لصالح الطلب سيولد تنافساً ومزايدة بين المشترين الراغبين في هذه السلعة.
ولقد تبين أن مرونة العرض في النفط متدنية، وذلك لأسباب تاريخية وإنتاجية، أدت إلى عدم قدرة الدول المنتجة والمصدرة لهذه المادة على زيادة المعروض منها بنسب وكميات تتوازى مع مثيلاتها في جانب الطلب. وكذلك، تبين أن هيكل الطلب نفسه قد تغير وتبدل، فلم يعد محصوراً على دول معينة مهيمنة عليه مثل الولايات المتحدة وغرب أوروبا، بل هنالك لاعبون كبار جدد في الهند والصين، واللتين ينمو كل منهما بنسب تفوق الـ 6 في المائة سنوياً، ويرتفع الطلب على الطاقة فيهما بنسب تفوق تلك النسب حالياً، وسوف ترتفع إلى نسب أعلى في المستقبل. ومع أن التغيير الهيكلي في الطلب لم يكن كبيراً، فلا تزال الولايات المتحدة وفقاً لإحصائيات عام 2004 هي اللاعب الأكبر. والولايات المتحدة لديها مخزون من النفط الخام يساوي 2 في المائة فقط من المخزون العالمي، ولكنها تنتج ما نسبته 8 في المائة من مجموع الإنتاج العالمي، وتستهلك حوالي 25 في المائة من مجموع الاستهلاك العالمي الذي يأتي ثلثاه من الدول الأخرى. أما الصين، فإنها استوردت في السنوات الخمس المنتهية بعام 2004 ميلادية حوالي 400 مليون طن أتى نصفها من الدول العربية، والباقي من دول أخرى مثل إيران، وروسيا ووسط آسيا وجنوبها ولكن استيراد الصين وصل حوالي 120 مليون طن في العام الأخير.
وإذا كان معدل استهلاك الفرد الأمريكي يقارب حوالي 67 برميل نفط مكافئ في العام، فإن معدل استهلاك الفرد الصيني يقل عن 12 برميلاً، وفي الهند حوالي 9 فقط. ولو ارتفع الاستهلاك النفطي بمقدار برميل واحد لكل فرد في هاتين الدولتين في العام، فإن الزيادة المتوقعة في الطلب في كلا البلدين ستبلغ حوالي 2.2 بليون برميل سنوياً، بافتراض أن الطلب على الطاقة سينحصر في النفط الخام، وليس الغاز أو الفحم الحجري أو مصادر الطاقة البديلة الأخرى. ولذلك، فإن هيكل الطلب قد تغير، وسوف يزداد هذا التغير في أمرين: تغير مصادر الطلب لصالح الدول النامية والمجاورة للوطن العربي، وكذلك تغير نسب الاستهلاك القطاعي، حيث يشكل النقل الجزء الأكبر، تليه الكهرباء والاستهلاك المدني، ثم الصناعة، والتجارة في نهاية المطاف، وقد يبقى هذا الترتيب على حاله، ولكن التغيير سيحصل في الأوزان النسبية لهذه القطاعات. وعليه فإن أسباب الارتفاع في أسعار النفط تبقى ضمن دائرة التحليل التقليدي للعرض والطلب.
أسباب الارتفاع
يعزو المحللون أسباب ارتفاع أسعار النفط وحصول الفجوة بين العرض والطلب إلى ثلاثة أسباب رئيسية هي: القلاقل والحروب التي حصلت في مناطق إنتاج النفط، واقتراب الوصول إلى قمة الإنتاج، المضاربة والنزاع الدولي خاصة بين كبار اللاعبين في العالم. ومن الملاحظ أن هناك نسبة إجماع بين المحللين على أن منظمة أوبك لم يعد لها دور فاعل في التأثير على أسعار النفط الخام صعوداً أوهبوطاً. ودعونا نستعرض هذه الأسباب واحداً تلو الآخر
أولاً: القلاقل والحروب في مناطق إنتاج النفط
يساوي مجموع الطلب العالمي على النفط مجموع الطلب الفردي لكل دول العالم. وهذا أمر بسيط وواضح. ولكن أهمية هذه البديهية تبرز عندما نتذكر أن الطلب الكلي العالمي قد يتأثر كله برمته نتيجة التغير في ظروف الطلب لدولة واحدة أو مجموعة من الدول. وحيث إن الطلب الأمريكي على النفط يشكل ربع الطلب العالمي الإجمالي، فإن التغير في ظروفه أو الكميات المعروضة منه سيحدث اضطراباً وتياراً كهربائياً في جميع مناطق الدنيا. وهذا ما حصل، فالولايات المتحدة تستورد ثلثي حاجاتها النفطية من ثلاث دول رئيسية، هي فنزويلا والمكسيك ونيجيريا. وإذا نظرنا إلى خريطة المشكلات السياسية التي حصلت عام 2004، وهو العام الذي شهد القفزات الكبيرة في أسعار النفط لرأينا أن هذه المناطق الثلاث شهدت حالات من الفوضى والاضطرابات، وأن حالة الفوضى التي حصلت لم تتوقف كلية بعد، بل هنالك احتمالات بعودة انفجارها بوتائر أشد وأقوى.
ففي نهاية عام 2002 وطيلة عام 2003 شهدت فنزويلا مظاهرات ضخمة من المعارضة التي كانت تنادي بالإطاحة بالرئيس هوغو شافيز، الذي تعتبره الولايات المتحدة اشتراكياً وصديقاً للرئيس الكوبي فيدل كاسترو. وقد أدت هذه الإضرابات من قبل العمال في صناعة استخراج النفط، والمسيرات الاحتجاجية من المعارضة الفنزويلية إلى توتير الإنتاج النفطي وإنقاصه، مما أثر بشكل كبير في حجم الصادرات الفنزويلية إلى الولايات المتحدة وغيرها خلال عام 2004، لأن استعادة الطاقة الإنتاجية إلى المستويات المعهودة، وإعادة تحريك المنصات النفطية في (ماراكايبو) كانت تتطلب وقتاً طويلاً بعد فترة تقطع وتوقف امتدت لعام ونصف العام تقريباً. ووفقاً لمجلة (فيرجن أفيرز) أو قضايا دولية، فإن عددها عن شهري سبتمبر وأكتوبر لعام 2004 يؤكد أن المسؤولين الأمريكيين لم يقدروا في غمرة انشغالهم بالترتيب لاحتلال العراق، مدى الأثر الذي ستحدثه اضطرابات فنزويلا على تدفق النفط منها.
أما الإشكال الثاني فهو أن قلاقل مشابهة لتلك التي حصلت في فنزويلا قد تكررت في نيجيريا، ففي شهر سبتمبر من عام 2004 قام قوة التطوعيين لشعب دلتا نهر النيجر بإصدار تهديدات بمهاجمة آبار النفط في تلك المنطقة من نيجيريا.
وقامت شركة (شل) في اليوم التالي بسحب عدد من العمال غير الاساسيين التابعين لها في تلك المنطقة الغنية بالنفط، واستمرت القلاقل والتهديدات من قبل تلك المجموعات المناهضة للحكومة بين مد وجزر نهاية العام حين قام القرويون هنالك باحتلال المراكز النفطية التابعة لشركتي (شل) و(شيفرون تكساكو)، مما أدى إلى انخفاض النفط بمقدار 90 ألف برميل يومياً.
ولا ننسى بعد ذلك المشكلات الكبيرة في منطقة الشرق الأوسط، فقد أدى احتلال العراق إلى إنقاص إنتاج العراق إلى حدود المليون برميل في اليوم الواحد طيلة عام 2004، وفوق ذلك بقليل خلال عام 2005. وكذلك، فإن مكافحة الإرهاب في الدول النفطية الأخرى، وبخاصة المملكة العربية السعودية أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، إلى إحداث بلبلة وقلق كبيرين في أسواق السلع وبخاصة النفط.
وقد أدت كل هذه الأحداث جميعاً إلى دفع الطلب على النفط إلى 82 مليون برميل يومياً، أو ما يساوي 30 بليون برميل سنوياً. وهذا الطلب قد ساوى في عام 2004 بين المنتج من النفط والمطلوب منه، مما أبقى قدرة إنتاجية إضافية واحتياطية تداني الصفر.
ووسط هذه الأجواء، نرى أن القلاقل السياسية أدت إلى رفع الطلب الاحترازي على النفط وتصعيد حمى المضاربة من ناحية، وإلى تراجع الإنتاج العالمي بشكل إجمالي. أما تحديداً، فقد أصابت القلاقل بشكل مباشر مصادر تزويد السوق الأمريكية بالذات، مما دفعها للبحث عن مصادر بديلة، فاستفادت الشركات النفطية من هذه الفرصة المتاحة، وأدت إلى رفع أسعار النفط داخل تلك السوق. ولكن عَدواها، بفضل التلاحم بين مكونات الطلب الجغرافية، أدت إلى رفع الأسعار على سلعة النفط الخام الاستراتيجية في باقي أسواق العالم، والتي كانت ظروف العرض فيها جاهزة للاستجابة بسرعة خارقة.
ثانياً: النمو الاقتصادي في الدول الآهلة بالسكان
عندما تحقق دولة مثل الصين نمواً اقتصادياً متواصلاً لقرابة عقدين من الزمن، وبمعدل يقارب الـ 8 في المائة سنوياً، فإن اقتصاد تلك الدولة سيشهد تحولاً ملموساً في قدراته الإنتاجية ورغباته الاستهلاكية. وبعد انقضاء سنوات الثورة الثقافية في الصين، وانتهاء مرحلة السنوات العجاف، أقبل الصينيون بنهم كبير على العمل والبناء، ومن ثم الاستهلاك. وقد رأينا تحسناً في أنماط الاستهلاك السريع كالطعام واللباس، ثم انتقلت العدوى إلى الإقبال على شراء السلع والاحتياجات الاستهلاكية الدائمة مثل الثلاجات والسيارات والأثاث. وبعدها تولدت الرغبة في توفير السكن للملايين من سكان المدن، والنازحين الجدد إليها من الأرياف والأماكن النائية. وقد ولدت هذه الأنماط الاستهلاكية المواكبة للنمو الاقتصادي طلباً متزايداً للطاقة، وقد أدى انفتاح الصين على العالم إلى استثمار قدرتها الإنتاجية التنافسية، ورغبتها في تحسين تلك الإنتاجية لتكون أكثر فاعلية في أسواق التصدير إلى طلب المزيد من الآلات العاملة بالطاقة الكهربائية. وبذلك تضافر الطلبان الإنتاجي والاستهلاكي نحو تصعيد الطلب السنوي على الطاقة بنسب أعلى من نسب النمو الاقتصادي نفسه.
ولكن الصورة تطورت منذ عام 2003 لتحدث ثورة إنشائية وعمرانية في الصين أدت إلى زيادة الطلب بشكل كبير وملحوظ على مادتي الاسمنت والحديد ومواد البناء الأخرى التي يعتمد إنتاجها كلها بشكل مكثف على الطاقة، وتشكل السعرات الحرارية المطلوبة لإنتاج هذه المواد وتشغيل الأفران حوالي 4 في المائة من التكلفة النهائية لها. لذلك، زاد الطلب المشتق على النفط بفعل زيادة الطلب على المواد التي تستخدمها في إنتاجها استخداماً مكثفاً. لذلك زاد الطلب الصيني عام 2003 و 2004، زيادات كبيرة للنفط. وهكذا وجدت الصين نفسها تواجه استنزافاً في مواردها الاحتياطية من العملات الأجنبية، فسعت الصين بكل قوة من أجل تأمين مصادر بديلة لها عبر إعادة تطبيع علاقاتها مع جارتها وحليفتها السابقة روسيا، والسعي لبناء خطوط أنابيب عبر منغوليا إلى جمهوريات آسيا الوسطى وبخاصة كازاخستان، وشراء امتيازات للتنقيب عن النفط في آسيا وإفريقيا.
ويحصل أمر مشابه في الهند، ولكن بحيثيات وظروف مختلفة. فالهند حسب خطاب رئيس وزرائها مانوهان سينغ أمام الكونغرس الأمريكي يوم 19/7 من هذا العام، قد شهدت نمواً اقتصادياً قدره 6 في المائة سنوياً خلال العقد الأخير، وتحتاج إلى زيادته إلى 8 في المائة حتى تتمكن من وضع برنامج فعال لمحاربة الفقر. وهذه معدلات نمو متميزة في دولة نامية تعاني من مشكلات اجتماعية وسياسية وأمنية كبيرة. ولكن للنمو أيضاً متطلبات في مجال الطاقة. وحسب خطاب رئيس الوزراء المذكور أعلاه، فإن الهند ترى أن خلاصها من الفقر، وتحسين مستوى معيشة مواطنيها، يتطلبان توسعاً هائلاً في توليد الطاقة الكهربائية، التي تأمل أن تحققها جزئياً عن طريق الاستخدام السلمي للمفاعلات الذرية، وبموافقة ومشاركة الولايات المتحدة.
وتشكل كل من الهند والصين حوالي ثلث سكان العالم. وأي زيادة كما أسلفنا- ولو بمقدار برميل واحد لكل مواطن في العالم فيها، ستؤدي إلى زيادة في الطلب على النفط وبمقدار (2.2) بليون برميل سنوياً، أو ما يساوي 7.3 في المائة من مجموع الطلب العالمي عام 2004.
وهكذا، سيبدأ التغير في هيكل الطلب بعيداً عن الدول الصناعية التقليدية، والتوجه التدريجي نحو دول جديدة. وبهذا تتجدد الفرصة للدخول في حروب تجارية قوية بين الولايات المتحدة والصين خاصة، لكن الاستنتاج الأساسي هنا هو أن دخول الهند والصين بقوة إلى جانب الطلب على الطاقة قد رفع الأسعار في المدى القصير، وسوف يكون له أثر كبير في تنويع مصادر الطاقة على المديين المتوسط والطويل.
ثالثاً: طبيعة الإنتاج النفطي
هنالك فئة من المتدينين في الغرب، والتي تؤمن أننا نقترب تدريجياً من (الانفجار الكبير)، أو الساعة إذا جاز استخدام التعبير في هذا المجال. ويرون في نضوب مصادر النفط والارتفاع الكبير في الطلب عليه، تهديداً للحضارة الغربية والانسانية، بل وإنهاء لها.
وقد وقعت مثل هذه التخرصات والأقاويل بعدما نشر الاقتصادي البريطاني (جون مالتوس) مقالته الشهيرة في مطلع القرن التاسع عشر عن الانفجار السكاني مقابل العجز والتراجع النسبي في الإنتاج الغذائي، ولكن بعض الفرضيات التي يتبناها أهل الشؤم هذه الأيام تقوم على العالم: (م.كنغ هوبرت) الذي يفترض أن إنتاج النفط في حقل أو بلد أو العالم بأسره يسير وفق منحنى يشبه الجرس، إلا أنه شديد الميلان في الهبوط. ولذلك، وبناء على دراسات (هوبرت) الإحصائية في مجال انتاج النفط، فإن البئر الجديدة قادرة على زيادة إنتاجها إلى أن تصل إلى القمة أو الذروة، وبعدها تبدأ فاعلية هذه البئر والقدرة على زيادة إنتاجها تتراجع. بمعنى آخر، فإن إنتاج النفط بعد الذروة يصبح أكثر تكلفة وتباطؤاً في الاستجابة.
ويدور نقاش مطول بين الاقتصاديين وخبراء النفط حول الوقت الذي سيصل فيه الإنتاج العالمي من النفط إلى تلك الذروة، مما سيعني أن الارتفاع المستمر في الطلب على النفط لن تكون له استجابة في جانب العرض. وقد ذهب بعض الخبراء على القول بأن العالم قد وصل إلى تلك النقطة، وآخر يتوقع أننا سوف نصلها عام 2006 (العالم بختيار من إيران)، وآخر يقول إنها لن تحصل قبل عام 2015. وقد كتب عضو الكونغرس الأمريكي (روسكو بارتليت) تقريراً في شهر يناير من هذا العام استخدم فيه نظرية (هوبرت) ليحذر من المخاطر التي تحيق بالولايات المتحدة من هذا التطور، خاصة أن إنتاج الولايات المتحدة نفسها قد تجاوز مرحلة الذروة، ودخل مرحلة التراجع الكبير.
أما الباحث الأمريكي جيمس ل. وليامز فنشر عام 2005 بعنوان (تاريخ أسعار النفط وتحليلها) أن معدل سعر برميل النفط الخام في الولايات المتحدة بأسعار عام 2004 خلال الفترة 1947 – 2004 قد كان 20.94 دولار، بينما بلغ 22.86 دولار بالنسبة لباقي العالم، ولكن هذا السعر ارتفع بشكل واضح منذ عام 2000 وحتى الآن. وإذا صحت هذه الاحصائيات فإن سعر النفط الخام على المدى الطويل السابق كان متدنياً، وأما التوقعات خلال العقود المقبلة بأنه سيرتفع كثيراً، من دون أن يحدد تلك الارتفاعات. ولكنه يؤكد نقطة مهمة، وهي أن سياسة تسعير المحروقات التي انتهجتها الولايات المتحدة أدت إلى رفع الأسعار بمقدار 3-4 دولارات للبرميل الواحد، ولو أن حكومة الولايات المتحدة سمحت للأسعار بالتعويم وفق آلية السوق، فإن معدل سعر البرميل الخام خلال الفترة (1947-2004 )، كان سيهبط إلى 17.18 دولار.
وتؤكد هذه الأرقام أعلاه الحقيقة أن سعر النفط لم يرتفع كثيراً في العالم بالقياس إلى أسعار كثير من المواد، وذلك لأن الطلب كان يرتفع بنسب معقولة يستطيع الانتاج المتزايد مواجهتها. أما من الآن فصاعداً، فإن عصر النفط الرخيص قد انتهى.
رابعاً: انخفاض سعر الدولار ونظرية المؤامرة
الولايات المتحدة الأمريكية تصدر العملة الرئيسية في العالم، وتتحدد قيمة تلك العملة بالسمعة الاقتصادية التي تتمتع بها تلك الدولة. وفاق حجم الدولارات والأرصدة بالدولار، والمتداولة في العالم، حجم الدولارات المتداولة داخل الولايات المتحدة نفسها. وقامت معظم دول العالم بتثبيت أسعار عملاتها بالدولار، وبخاصة الدول المنتجة للنفط، والصين كذلك. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لسعر البرميل الواحد من النفط الخام لا تساوي فقط عدد الدولارات النقدية المدفوعة لشراء ذلك البرميل، بل وعلى القدرة الشرائية للدولار في الأسواق العالمية. ومن هنا تكونت علاقة بين سعر تبادل أو سعر صرف الدولار وسعر البرميل من النفط الخام. وهي علاقة عكسية، بمعنى أنه إذا انخفض سعر تبادل الدولار (أو قوته الشرائية)، مال سعر النفط إلى الارتفاع.
وقد شهدنا تراجعاً واضحاً في سعر الدولار مقابل العملات الرئيسية الدولية في الآونة الأخيرة، ونجاحه بعد عام 2000، أي منذ استلام الرئيس جورج بوش الابن تقاليد الرئاسة في الولايات المتحدة. ويعود السبب إلى أن سياساته الاقتصادية قد أحدثت خللاً كبيراً في الميزان الأساسي للولايات المتحدة مع باقي دول العالم، حيث اتسع العجز ليصل إلى أكثر من 600 بليون دولار عام 2004، واتسع كذلك العجز في الموازنة العامة إلى أكثر من 500 بليون دولار في العام نفسه، علماً أن الرئيس السابق بيل كلينتون قد ترك وفراً في الموازنة العامة الأمريكية قدر له أن يصل في مجموعه إلى 1100 بليون دولار خلال الفترة (2001-2010).
وكلما واجهت الولايات المتحدة هذين العجزين عانت سمعتها الاقتصادية، وتراجع مركزها النسبي في الاقتصاد الدولي، وسارع المضاربون والخائفون على أرصدتهم إلى المتاجرة ضد الدولار، أو المراهنة على تراجعه. وحتى لو لم يكن مقدراً له أن يتراجع، فإنه بفعل المضاربة القائمة على التوقعات السلبية سيتراجع فعلاً تحقيقاً للمقولة بأن هذه نبوءة محققة لذاتها. ولذلك تراجع سعر الدولار تدريجياً خاصة أن البنك الاحتياطي الفيدرالي وحتى منتصف عام 2003 كان يرفض فكرة رفع أسعار الفوائد بسبب غياب التضخم، وحفظاً على الزخم الإنفاقي في السوق الأمريكي.
ولكن، وبعد ارتفاع أسعار النفط، فإن الدول المنافسة للولايات المتحدة بدأت تخسر بعضاً من أسواقها ومن ميزاتها النسبية لصالح الولايات المتحدة، مما أدى إلى تحرك (رقاص) الساعة إلى الناحية الأمريكية، وهكذا بدأ يرتفع سعر الدولار مقابل العملات الثانية الرئيسية مثل اليورو والين.
ولكن ارتفاع سعر الدولار لم يؤد إلى انخفاض سعر البرميل، وذلك لأن الانتقال في منحنى الطلب نحو مستويات أعلى بفعل النمو العالمي واستقرار منحنى العرض في مكان قد أبقى الأسعار في حالة ارتفاع. وهكذا، يمكننا الاستنتاج بأن التحسن في سعر الدولار قد أدى إلى تجنب ارتفاعات أكبر في أسعار النفط الخام.
وبالرغم من كل ذلك فإن الصين حافظت على نموها الاقتصادي وعلى الفائض الكبير في ميزانها التجاري، وتسعى الولايات المتحدة من أجل الضغط على الصين لرفع سعر عملتها حيال الدولار، ولكن الصين ترفض ذلك، وأقصى ما يمكن أن تقبل به هو توسيع هامش التذبذب في سعر عملتها حيال الدولار إلى 3 في المائةعلى جانبي سعر التعادل. وقد أدى هذا الاحتمال إلى غضب بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي، وهدد اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ بتقديم مشروع قانون إلى الكونغرس يهدد برفع التعرفة الجمركية على المستوردات من الصين بنسبة 27في المائة ويذكر في هذا الإطار أن اثنين من أعضاء الكونغرس قد هددا أيضاً بسن قانون يجيز مقاضاة دول (الأوبك) بسبب تقاعسها حسب المزاعم عن زيادة انتاجها بهدف تخفيض أسعار النفط.
وأمام هذه الحقائق، هل يعيد التاريخ نفسه. هنالك من يقول إن أمريكا هي التي دفعت أسعار النفط في السبعينات إلى الصعود الكبير لإيذاء منافسيها التجاريين بعدما رفضوا التعاون معها في دعم الدولار مما أدى إلى تخفيضه مرتين متتاليتين عامي 1971 و 1972 من دون أن يحصل تحسن في الاقتصاد الأمريكي إبان استعار الحرب الفيتنامية خلال حقبة الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون؟ هل يفعل الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن في فترته الثانية ما فعله نيكسون لمواجهة الصين وأوروبا إبان استعار الحرب في العراق وأفغانستان؟ إن المصادفات التاريخية، والتحليلات القائمة على نظرية المؤامرة تتعرض للنقد والسخرية إبان الحدث، ولكنها عادة تكتسب مصداقية أكبر في المنظور التاريخي. وبمعنى آخر، هل سيتذكر المؤرخون ما حصل خلال مطلع الألفية الثالثة من تطور في أسعار النفط ليقولوا إنها كانت متوافرة مثلما نقول إن ارتفاعه في السبعينات من القرن الماضي كان مؤامرة كذلك؟ الله أعلم
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3029::/cck::
::introtext::
يتحدد سعر النفط، مثل أي سلعة أو خدمة تباع وتشترى بظروف العرض والطلب عليها، وعندما تتساوى قوى الطلب مع الشراء يحصل التوازن، ويتحدد سعر السوق، وهذا المقص العجيب الجامع في كل طرف من أطرافه قوة على جانب ما، وأخرى مناقضة لها على الجانب الآخر، هي ما يسميه الاقتصاديون بآلية السوق والسوق لا يكون في حالة توازن إلا في حالات نادرة، بل ان التوازن هو حالة سريعة قلقة، وإذا كان السعر أقل من توقعات المشترين، حصلت بينهم مزايدة لاقتناء المزيد منها، فيرتفع سعرها باتجاه سعر التوازن. أما إذا كان السعر فوق ما يشتهيه المشترون، وحصلت مناقصة بين البائعين، فيقللون السعر باتجاه سعر التوازن.
::/introtext::
::fulltext::
يتحدد سعر النفط، مثل أي سلعة أو خدمة تباع وتشترى بظروف العرض والطلب عليها، وعندما تتساوى قوى الطلب مع الشراء يحصل التوازن، ويتحدد سعر السوق، وهذا المقص العجيب الجامع في كل طرف من أطرافه قوة على جانب ما، وأخرى مناقضة لها على الجانب الآخر، هي ما يسميه الاقتصاديون بآلية السوق والسوق لا يكون في حالة توازن إلا في حالات نادرة، بل ان التوازن هو حالة سريعة قلقة، وإذا كان السعر أقل من توقعات المشترين، حصلت بينهم مزايدة لاقتناء المزيد منها، فيرتفع سعرها باتجاه سعر التوازن. أما إذا كان السعر فوق ما يشتهيه المشترون، وحصلت مناقصة بين البائعين، فيقللون السعر باتجاه سعر التوازن.
ولكن ماذا نفعل اذا لم يبق جانبا العرض والطلب مكانهما، وحصل تغيير في هيكل المقص؟ والنقطة المثيرة هنا نظرياً وفي الواقع التطبيقي، أن سعر السلعة، مثل النفط، قد يرتفع، ولكن الطلب عليه يزداد، وهذا ما حصل في الآونة الأخيرة، فمنذ الربع الأخير من عام 2004 وأسعار النفط في ارتفاع مستمر لم يعكره إلا بعض التصحيحات في السوق، أو بعض الأنباء عن قيام الـ (أوبك) منظمة الأقطار المصدرة للنفط) بزيادة إنتاجها إلى حدود تجسر الفجوة بين العرض والطلب، فينخفض السعر ثانية ولفترة محدودة، ثم يعاود ارتفاعه المعهود.
ولقد تضافرت مجموعة من الأسباب والعوامل على جانبي العرض والطلب، فحركت جانب الطلب نحو الأعلى، بينما بقي جانب العرض متصلباً نسبياً وغير قادر على التجاوب السريع مع الارتفاع الجنوني في الطلب. وهكذا بقيت الفجوة بين الجانبين لصالح الطلب، مما يعني ارتفاعاً مستمراً في الأسعار، فوجود فجوة بين جانبي السوق لصالح الطلب سيولد تنافساً ومزايدة بين المشترين الراغبين في هذه السلعة.
ولقد تبين أن مرونة العرض في النفط متدنية، وذلك لأسباب تاريخية وإنتاجية، أدت إلى عدم قدرة الدول المنتجة والمصدرة لهذه المادة على زيادة المعروض منها بنسب وكميات تتوازى مع مثيلاتها في جانب الطلب. وكذلك، تبين أن هيكل الطلب نفسه قد تغير وتبدل، فلم يعد محصوراً على دول معينة مهيمنة عليه مثل الولايات المتحدة وغرب أوروبا، بل هنالك لاعبون كبار جدد في الهند والصين، واللتين ينمو كل منهما بنسب تفوق الـ 6 في المائة سنوياً، ويرتفع الطلب على الطاقة فيهما بنسب تفوق تلك النسب حالياً، وسوف ترتفع إلى نسب أعلى في المستقبل. ومع أن التغيير الهيكلي في الطلب لم يكن كبيراً، فلا تزال الولايات المتحدة وفقاً لإحصائيات عام 2004 هي اللاعب الأكبر. والولايات المتحدة لديها مخزون من النفط الخام يساوي 2 في المائة فقط من المخزون العالمي، ولكنها تنتج ما نسبته 8 في المائة من مجموع الإنتاج العالمي، وتستهلك حوالي 25 في المائة من مجموع الاستهلاك العالمي الذي يأتي ثلثاه من الدول الأخرى. أما الصين، فإنها استوردت في السنوات الخمس المنتهية بعام 2004 ميلادية حوالي 400 مليون طن أتى نصفها من الدول العربية، والباقي من دول أخرى مثل إيران، وروسيا ووسط آسيا وجنوبها ولكن استيراد الصين وصل حوالي 120 مليون طن في العام الأخير.
وإذا كان معدل استهلاك الفرد الأمريكي يقارب حوالي 67 برميل نفط مكافئ في العام، فإن معدل استهلاك الفرد الصيني يقل عن 12 برميلاً، وفي الهند حوالي 9 فقط. ولو ارتفع الاستهلاك النفطي بمقدار برميل واحد لكل فرد في هاتين الدولتين في العام، فإن الزيادة المتوقعة في الطلب في كلا البلدين ستبلغ حوالي 2.2 بليون برميل سنوياً، بافتراض أن الطلب على الطاقة سينحصر في النفط الخام، وليس الغاز أو الفحم الحجري أو مصادر الطاقة البديلة الأخرى. ولذلك، فإن هيكل الطلب قد تغير، وسوف يزداد هذا التغير في أمرين: تغير مصادر الطلب لصالح الدول النامية والمجاورة للوطن العربي، وكذلك تغير نسب الاستهلاك القطاعي، حيث يشكل النقل الجزء الأكبر، تليه الكهرباء والاستهلاك المدني، ثم الصناعة، والتجارة في نهاية المطاف، وقد يبقى هذا الترتيب على حاله، ولكن التغيير سيحصل في الأوزان النسبية لهذه القطاعات. وعليه فإن أسباب الارتفاع في أسعار النفط تبقى ضمن دائرة التحليل التقليدي للعرض والطلب.
أسباب الارتفاع
يعزو المحللون أسباب ارتفاع أسعار النفط وحصول الفجوة بين العرض والطلب إلى ثلاثة أسباب رئيسية هي: القلاقل والحروب التي حصلت في مناطق إنتاج النفط، واقتراب الوصول إلى قمة الإنتاج، المضاربة والنزاع الدولي خاصة بين كبار اللاعبين في العالم. ومن الملاحظ أن هناك نسبة إجماع بين المحللين على أن منظمة أوبك لم يعد لها دور فاعل في التأثير على أسعار النفط الخام صعوداً أوهبوطاً. ودعونا نستعرض هذه الأسباب واحداً تلو الآخر
أولاً: القلاقل والحروب في مناطق إنتاج النفط
يساوي مجموع الطلب العالمي على النفط مجموع الطلب الفردي لكل دول العالم. وهذا أمر بسيط وواضح. ولكن أهمية هذه البديهية تبرز عندما نتذكر أن الطلب الكلي العالمي قد يتأثر كله برمته نتيجة التغير في ظروف الطلب لدولة واحدة أو مجموعة من الدول. وحيث إن الطلب الأمريكي على النفط يشكل ربع الطلب العالمي الإجمالي، فإن التغير في ظروفه أو الكميات المعروضة منه سيحدث اضطراباً وتياراً كهربائياً في جميع مناطق الدنيا. وهذا ما حصل، فالولايات المتحدة تستورد ثلثي حاجاتها النفطية من ثلاث دول رئيسية، هي فنزويلا والمكسيك ونيجيريا. وإذا نظرنا إلى خريطة المشكلات السياسية التي حصلت عام 2004، وهو العام الذي شهد القفزات الكبيرة في أسعار النفط لرأينا أن هذه المناطق الثلاث شهدت حالات من الفوضى والاضطرابات، وأن حالة الفوضى التي حصلت لم تتوقف كلية بعد، بل هنالك احتمالات بعودة انفجارها بوتائر أشد وأقوى.
ففي نهاية عام 2002 وطيلة عام 2003 شهدت فنزويلا مظاهرات ضخمة من المعارضة التي كانت تنادي بالإطاحة بالرئيس هوغو شافيز، الذي تعتبره الولايات المتحدة اشتراكياً وصديقاً للرئيس الكوبي فيدل كاسترو. وقد أدت هذه الإضرابات من قبل العمال في صناعة استخراج النفط، والمسيرات الاحتجاجية من المعارضة الفنزويلية إلى توتير الإنتاج النفطي وإنقاصه، مما أثر بشكل كبير في حجم الصادرات الفنزويلية إلى الولايات المتحدة وغيرها خلال عام 2004، لأن استعادة الطاقة الإنتاجية إلى المستويات المعهودة، وإعادة تحريك المنصات النفطية في (ماراكايبو) كانت تتطلب وقتاً طويلاً بعد فترة تقطع وتوقف امتدت لعام ونصف العام تقريباً. ووفقاً لمجلة (فيرجن أفيرز) أو قضايا دولية، فإن عددها عن شهري سبتمبر وأكتوبر لعام 2004 يؤكد أن المسؤولين الأمريكيين لم يقدروا في غمرة انشغالهم بالترتيب لاحتلال العراق، مدى الأثر الذي ستحدثه اضطرابات فنزويلا على تدفق النفط منها.
أما الإشكال الثاني فهو أن قلاقل مشابهة لتلك التي حصلت في فنزويلا قد تكررت في نيجيريا، ففي شهر سبتمبر من عام 2004 قام قوة التطوعيين لشعب دلتا نهر النيجر بإصدار تهديدات بمهاجمة آبار النفط في تلك المنطقة من نيجيريا.
وقامت شركة (شل) في اليوم التالي بسحب عدد من العمال غير الاساسيين التابعين لها في تلك المنطقة الغنية بالنفط، واستمرت القلاقل والتهديدات من قبل تلك المجموعات المناهضة للحكومة بين مد وجزر نهاية العام حين قام القرويون هنالك باحتلال المراكز النفطية التابعة لشركتي (شل) و(شيفرون تكساكو)، مما أدى إلى انخفاض النفط بمقدار 90 ألف برميل يومياً.
ولا ننسى بعد ذلك المشكلات الكبيرة في منطقة الشرق الأوسط، فقد أدى احتلال العراق إلى إنقاص إنتاج العراق إلى حدود المليون برميل في اليوم الواحد طيلة عام 2004، وفوق ذلك بقليل خلال عام 2005. وكذلك، فإن مكافحة الإرهاب في الدول النفطية الأخرى، وبخاصة المملكة العربية السعودية أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، إلى إحداث بلبلة وقلق كبيرين في أسواق السلع وبخاصة النفط.
وقد أدت كل هذه الأحداث جميعاً إلى دفع الطلب على النفط إلى 82 مليون برميل يومياً، أو ما يساوي 30 بليون برميل سنوياً. وهذا الطلب قد ساوى في عام 2004 بين المنتج من النفط والمطلوب منه، مما أبقى قدرة إنتاجية إضافية واحتياطية تداني الصفر.
ووسط هذه الأجواء، نرى أن القلاقل السياسية أدت إلى رفع الطلب الاحترازي على النفط وتصعيد حمى المضاربة من ناحية، وإلى تراجع الإنتاج العالمي بشكل إجمالي. أما تحديداً، فقد أصابت القلاقل بشكل مباشر مصادر تزويد السوق الأمريكية بالذات، مما دفعها للبحث عن مصادر بديلة، فاستفادت الشركات النفطية من هذه الفرصة المتاحة، وأدت إلى رفع أسعار النفط داخل تلك السوق. ولكن عَدواها، بفضل التلاحم بين مكونات الطلب الجغرافية، أدت إلى رفع الأسعار على سلعة النفط الخام الاستراتيجية في باقي أسواق العالم، والتي كانت ظروف العرض فيها جاهزة للاستجابة بسرعة خارقة.
ثانياً: النمو الاقتصادي في الدول الآهلة بالسكان
عندما تحقق دولة مثل الصين نمواً اقتصادياً متواصلاً لقرابة عقدين من الزمن، وبمعدل يقارب الـ 8 في المائة سنوياً، فإن اقتصاد تلك الدولة سيشهد تحولاً ملموساً في قدراته الإنتاجية ورغباته الاستهلاكية. وبعد انقضاء سنوات الثورة الثقافية في الصين، وانتهاء مرحلة السنوات العجاف، أقبل الصينيون بنهم كبير على العمل والبناء، ومن ثم الاستهلاك. وقد رأينا تحسناً في أنماط الاستهلاك السريع كالطعام واللباس، ثم انتقلت العدوى إلى الإقبال على شراء السلع والاحتياجات الاستهلاكية الدائمة مثل الثلاجات والسيارات والأثاث. وبعدها تولدت الرغبة في توفير السكن للملايين من سكان المدن، والنازحين الجدد إليها من الأرياف والأماكن النائية. وقد ولدت هذه الأنماط الاستهلاكية المواكبة للنمو الاقتصادي طلباً متزايداً للطاقة، وقد أدى انفتاح الصين على العالم إلى استثمار قدرتها الإنتاجية التنافسية، ورغبتها في تحسين تلك الإنتاجية لتكون أكثر فاعلية في أسواق التصدير إلى طلب المزيد من الآلات العاملة بالطاقة الكهربائية. وبذلك تضافر الطلبان الإنتاجي والاستهلاكي نحو تصعيد الطلب السنوي على الطاقة بنسب أعلى من نسب النمو الاقتصادي نفسه.
ولكن الصورة تطورت منذ عام 2003 لتحدث ثورة إنشائية وعمرانية في الصين أدت إلى زيادة الطلب بشكل كبير وملحوظ على مادتي الاسمنت والحديد ومواد البناء الأخرى التي يعتمد إنتاجها كلها بشكل مكثف على الطاقة، وتشكل السعرات الحرارية المطلوبة لإنتاج هذه المواد وتشغيل الأفران حوالي 4 في المائة من التكلفة النهائية لها. لذلك، زاد الطلب المشتق على النفط بفعل زيادة الطلب على المواد التي تستخدمها في إنتاجها استخداماً مكثفاً. لذلك زاد الطلب الصيني عام 2003 و 2004، زيادات كبيرة للنفط. وهكذا وجدت الصين نفسها تواجه استنزافاً في مواردها الاحتياطية من العملات الأجنبية، فسعت الصين بكل قوة من أجل تأمين مصادر بديلة لها عبر إعادة تطبيع علاقاتها مع جارتها وحليفتها السابقة روسيا، والسعي لبناء خطوط أنابيب عبر منغوليا إلى جمهوريات آسيا الوسطى وبخاصة كازاخستان، وشراء امتيازات للتنقيب عن النفط في آسيا وإفريقيا.
ويحصل أمر مشابه في الهند، ولكن بحيثيات وظروف مختلفة. فالهند حسب خطاب رئيس وزرائها مانوهان سينغ أمام الكونغرس الأمريكي يوم 19/7 من هذا العام، قد شهدت نمواً اقتصادياً قدره 6 في المائة سنوياً خلال العقد الأخير، وتحتاج إلى زيادته إلى 8 في المائة حتى تتمكن من وضع برنامج فعال لمحاربة الفقر. وهذه معدلات نمو متميزة في دولة نامية تعاني من مشكلات اجتماعية وسياسية وأمنية كبيرة. ولكن للنمو أيضاً متطلبات في مجال الطاقة. وحسب خطاب رئيس الوزراء المذكور أعلاه، فإن الهند ترى أن خلاصها من الفقر، وتحسين مستوى معيشة مواطنيها، يتطلبان توسعاً هائلاً في توليد الطاقة الكهربائية، التي تأمل أن تحققها جزئياً عن طريق الاستخدام السلمي للمفاعلات الذرية، وبموافقة ومشاركة الولايات المتحدة.
وتشكل كل من الهند والصين حوالي ثلث سكان العالم. وأي زيادة كما أسلفنا- ولو بمقدار برميل واحد لكل مواطن في العالم فيها، ستؤدي إلى زيادة في الطلب على النفط وبمقدار (2.2) بليون برميل سنوياً، أو ما يساوي 7.3 في المائة من مجموع الطلب العالمي عام 2004.
وهكذا، سيبدأ التغير في هيكل الطلب بعيداً عن الدول الصناعية التقليدية، والتوجه التدريجي نحو دول جديدة. وبهذا تتجدد الفرصة للدخول في حروب تجارية قوية بين الولايات المتحدة والصين خاصة، لكن الاستنتاج الأساسي هنا هو أن دخول الهند والصين بقوة إلى جانب الطلب على الطاقة قد رفع الأسعار في المدى القصير، وسوف يكون له أثر كبير في تنويع مصادر الطاقة على المديين المتوسط والطويل.
ثالثاً: طبيعة الإنتاج النفطي
هنالك فئة من المتدينين في الغرب، والتي تؤمن أننا نقترب تدريجياً من (الانفجار الكبير)، أو الساعة إذا جاز استخدام التعبير في هذا المجال. ويرون في نضوب مصادر النفط والارتفاع الكبير في الطلب عليه، تهديداً للحضارة الغربية والانسانية، بل وإنهاء لها.
وقد وقعت مثل هذه التخرصات والأقاويل بعدما نشر الاقتصادي البريطاني (جون مالتوس) مقالته الشهيرة في مطلع القرن التاسع عشر عن الانفجار السكاني مقابل العجز والتراجع النسبي في الإنتاج الغذائي، ولكن بعض الفرضيات التي يتبناها أهل الشؤم هذه الأيام تقوم على العالم: (م.كنغ هوبرت) الذي يفترض أن إنتاج النفط في حقل أو بلد أو العالم بأسره يسير وفق منحنى يشبه الجرس، إلا أنه شديد الميلان في الهبوط. ولذلك، وبناء على دراسات (هوبرت) الإحصائية في مجال انتاج النفط، فإن البئر الجديدة قادرة على زيادة إنتاجها إلى أن تصل إلى القمة أو الذروة، وبعدها تبدأ فاعلية هذه البئر والقدرة على زيادة إنتاجها تتراجع. بمعنى آخر، فإن إنتاج النفط بعد الذروة يصبح أكثر تكلفة وتباطؤاً في الاستجابة.
ويدور نقاش مطول بين الاقتصاديين وخبراء النفط حول الوقت الذي سيصل فيه الإنتاج العالمي من النفط إلى تلك الذروة، مما سيعني أن الارتفاع المستمر في الطلب على النفط لن تكون له استجابة في جانب العرض. وقد ذهب بعض الخبراء على القول بأن العالم قد وصل إلى تلك النقطة، وآخر يتوقع أننا سوف نصلها عام 2006 (العالم بختيار من إيران)، وآخر يقول إنها لن تحصل قبل عام 2015. وقد كتب عضو الكونغرس الأمريكي (روسكو بارتليت) تقريراً في شهر يناير من هذا العام استخدم فيه نظرية (هوبرت) ليحذر من المخاطر التي تحيق بالولايات المتحدة من هذا التطور، خاصة أن إنتاج الولايات المتحدة نفسها قد تجاوز مرحلة الذروة، ودخل مرحلة التراجع الكبير.
أما الباحث الأمريكي جيمس ل. وليامز فنشر عام 2005 بعنوان (تاريخ أسعار النفط وتحليلها) أن معدل سعر برميل النفط الخام في الولايات المتحدة بأسعار عام 2004 خلال الفترة 1947 – 2004 قد كان 20.94 دولار، بينما بلغ 22.86 دولار بالنسبة لباقي العالم، ولكن هذا السعر ارتفع بشكل واضح منذ عام 2000 وحتى الآن. وإذا صحت هذه الاحصائيات فإن سعر النفط الخام على المدى الطويل السابق كان متدنياً، وأما التوقعات خلال العقود المقبلة بأنه سيرتفع كثيراً، من دون أن يحدد تلك الارتفاعات. ولكنه يؤكد نقطة مهمة، وهي أن سياسة تسعير المحروقات التي انتهجتها الولايات المتحدة أدت إلى رفع الأسعار بمقدار 3-4 دولارات للبرميل الواحد، ولو أن حكومة الولايات المتحدة سمحت للأسعار بالتعويم وفق آلية السوق، فإن معدل سعر البرميل الخام خلال الفترة (1947-2004 )، كان سيهبط إلى 17.18 دولار.
وتؤكد هذه الأرقام أعلاه الحقيقة أن سعر النفط لم يرتفع كثيراً في العالم بالقياس إلى أسعار كثير من المواد، وذلك لأن الطلب كان يرتفع بنسب معقولة يستطيع الانتاج المتزايد مواجهتها. أما من الآن فصاعداً، فإن عصر النفط الرخيص قد انتهى.
رابعاً: انخفاض سعر الدولار ونظرية المؤامرة
الولايات المتحدة الأمريكية تصدر العملة الرئيسية في العالم، وتتحدد قيمة تلك العملة بالسمعة الاقتصادية التي تتمتع بها تلك الدولة. وفاق حجم الدولارات والأرصدة بالدولار، والمتداولة في العالم، حجم الدولارات المتداولة داخل الولايات المتحدة نفسها. وقامت معظم دول العالم بتثبيت أسعار عملاتها بالدولار، وبخاصة الدول المنتجة للنفط، والصين كذلك. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لسعر البرميل الواحد من النفط الخام لا تساوي فقط عدد الدولارات النقدية المدفوعة لشراء ذلك البرميل، بل وعلى القدرة الشرائية للدولار في الأسواق العالمية. ومن هنا تكونت علاقة بين سعر تبادل أو سعر صرف الدولار وسعر البرميل من النفط الخام. وهي علاقة عكسية، بمعنى أنه إذا انخفض سعر تبادل الدولار (أو قوته الشرائية)، مال سعر النفط إلى الارتفاع.
وقد شهدنا تراجعاً واضحاً في سعر الدولار مقابل العملات الرئيسية الدولية في الآونة الأخيرة، ونجاحه بعد عام 2000، أي منذ استلام الرئيس جورج بوش الابن تقاليد الرئاسة في الولايات المتحدة. ويعود السبب إلى أن سياساته الاقتصادية قد أحدثت خللاً كبيراً في الميزان الأساسي للولايات المتحدة مع باقي دول العالم، حيث اتسع العجز ليصل إلى أكثر من 600 بليون دولار عام 2004، واتسع كذلك العجز في الموازنة العامة إلى أكثر من 500 بليون دولار في العام نفسه، علماً أن الرئيس السابق بيل كلينتون قد ترك وفراً في الموازنة العامة الأمريكية قدر له أن يصل في مجموعه إلى 1100 بليون دولار خلال الفترة (2001-2010).
وكلما واجهت الولايات المتحدة هذين العجزين عانت سمعتها الاقتصادية، وتراجع مركزها النسبي في الاقتصاد الدولي، وسارع المضاربون والخائفون على أرصدتهم إلى المتاجرة ضد الدولار، أو المراهنة على تراجعه. وحتى لو لم يكن مقدراً له أن يتراجع، فإنه بفعل المضاربة القائمة على التوقعات السلبية سيتراجع فعلاً تحقيقاً للمقولة بأن هذه نبوءة محققة لذاتها. ولذلك تراجع سعر الدولار تدريجياً خاصة أن البنك الاحتياطي الفيدرالي وحتى منتصف عام 2003 كان يرفض فكرة رفع أسعار الفوائد بسبب غياب التضخم، وحفظاً على الزخم الإنفاقي في السوق الأمريكي.
ولكن، وبعد ارتفاع أسعار النفط، فإن الدول المنافسة للولايات المتحدة بدأت تخسر بعضاً من أسواقها ومن ميزاتها النسبية لصالح الولايات المتحدة، مما أدى إلى تحرك (رقاص) الساعة إلى الناحية الأمريكية، وهكذا بدأ يرتفع سعر الدولار مقابل العملات الثانية الرئيسية مثل اليورو والين.
ولكن ارتفاع سعر الدولار لم يؤد إلى انخفاض سعر البرميل، وذلك لأن الانتقال في منحنى الطلب نحو مستويات أعلى بفعل النمو العالمي واستقرار منحنى العرض في مكان قد أبقى الأسعار في حالة ارتفاع. وهكذا، يمكننا الاستنتاج بأن التحسن في سعر الدولار قد أدى إلى تجنب ارتفاعات أكبر في أسعار النفط الخام.
وبالرغم من كل ذلك فإن الصين حافظت على نموها الاقتصادي وعلى الفائض الكبير في ميزانها التجاري، وتسعى الولايات المتحدة من أجل الضغط على الصين لرفع سعر عملتها حيال الدولار، ولكن الصين ترفض ذلك، وأقصى ما يمكن أن تقبل به هو توسيع هامش التذبذب في سعر عملتها حيال الدولار إلى 3 في المائةعلى جانبي سعر التعادل. وقد أدى هذا الاحتمال إلى غضب بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي، وهدد اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ بتقديم مشروع قانون إلى الكونغرس يهدد برفع التعرفة الجمركية على المستوردات من الصين بنسبة 27في المائة ويذكر في هذا الإطار أن اثنين من أعضاء الكونغرس قد هددا أيضاً بسن قانون يجيز مقاضاة دول (الأوبك) بسبب تقاعسها حسب المزاعم عن زيادة انتاجها بهدف تخفيض أسعار النفط.
وأمام هذه الحقائق، هل يعيد التاريخ نفسه. هنالك من يقول إن أمريكا هي التي دفعت أسعار النفط في السبعينات إلى الصعود الكبير لإيذاء منافسيها التجاريين بعدما رفضوا التعاون معها في دعم الدولار مما أدى إلى تخفيضه مرتين متتاليتين عامي 1971 و 1972 من دون أن يحصل تحسن في الاقتصاد الأمريكي إبان استعار الحرب الفيتنامية خلال حقبة الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون؟ هل يفعل الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن في فترته الثانية ما فعله نيكسون لمواجهة الصين وأوروبا إبان استعار الحرب في العراق وأفغانستان؟ إن المصادفات التاريخية، والتحليلات القائمة على نظرية المؤامرة تتعرض للنقد والسخرية إبان الحدث، ولكنها عادة تكتسب مصداقية أكبر في المنظور التاريخي. وبمعنى آخر، هل سيتذكر المؤرخون ما حصل خلال مطلع الألفية الثالثة من تطور في أسعار النفط ليقولوا إنها كانت متوافرة مثلما نقول إن ارتفاعه في السبعينات من القرن الماضي كان مؤامرة كذلك؟ الله أعلم
::/fulltext::
::cck::3029::/cck::
