سياسات التوطين الخليجية (قراءة نقدية)
::cck::3059::/cck::
::introtext::
منذ ما يقرب من عشرين عاماً، طرحت دول مجلس التعاون الخليجي مجموعة من السياسات البديلة، تهدف إلى إحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية بشكل تدريجي في كل من القطاعين العام والخاص، وأطلقت عليها مسميات عدة تختلف حسب كل دولة، ففي السعودية (السعودة)، والبحرين (البحرنة)، والكويت (التكويت)، والإمارات (الأمرتة) أو(التوطين)، وسلطنة عمان (التعمين)، وقطر (القطرنة) أو (التقطير)، ولضمان نجاح سياسات الإحلال أقرت كل دولة على حدة قوانين وإجراءات عدة، ووضعت الخطط وطرحت البرامج التدريبية والمهنية الشاملة.
::/introtext::
::fulltext::
منذ ما يقرب من عشرين عاماً، طرحت دول مجلس التعاون الخليجي مجموعة من السياسات البديلة، تهدف إلى إحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية بشكل تدريجي في كل من القطاعين العام والخاص، وأطلقت عليها مسميات عدة تختلف حسب كل دولة، ففي السعودية (السعودة)، والبحرين (البحرنة)، والكويت (التكويت)، والإمارات (الأمرتة) أو(التوطين)، وسلطنة عمان (التعمين)، وقطر (القطرنة) أو (التقطير)، ولضمان نجاح سياسات الإحلال أقرت كل دولة على حدة قوانين وإجراءات عدة، ووضعت الخطط وطرحت البرامج التدريبية والمهنية الشاملة.
بذلت المملكة العربية السعودية، جهداً كبيراً لإحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية، فكان إنشاء مجلس القوى العاملة، الذي لعب دوراً كبيراً في صدور قرار مجلس الوزراء رقم (50) لسنة 1995م، ورغم أنه من أهم وأبرز قرارات (السعودة) لاشتماله إلى جانب وضعه قواعد ملزمة لمنشآت القطاع الأهلي بزيادة توظيف العمالة الوطنية على آليات لتنفيذ تلك القواعد، فإنه لم يحقق ما جاء من أجله، إما لعدم الإلمام والفهم الكامل حينها من جانب القطاع الأهلي للقرار من حيث التفاصيل الخاصة بمضامينه وأبعاده، أو توفر الفهم مع غياب الجدية من قبل بعض المنشآت في تطبيق القرار.
كما أصدرت المملكة حزمة من القرارات المتعاقبة لتفعيل سياسة التوطين منها – على سبيل المثال لا الحصر- قرار عام 2001 القاضي بمنع غير السعوديين البالغين من العمر أقل من أربعين عاماً من العمل في محلات الذهب، وأيضاً القرار الصادر في يوليو 2002، الذي يقضي بإحلال العمالة السعودية محل الأيدي العاملة الوافدة في عدد من المهن والوظائف، مثل (مدير إداري، مدير تدريب، وظائف العلاقات العامة، الوظائف الكتابية، مساعد إداري، وغيرها)، والقراءة المتأنية لنتائج هذه القرارات تُفرز أن قرار 2001 حظي بنجاح لا يمكن إنكاره، ولكن ما زال العاملون الفنيون في ورش محلات الذهب معظمهم من الأجانب، أما قرار 2002 لم يحقق نتائجه المرجوة، وذلك لأسباب عدة من أهمها التلاعب والتحايل على القوانين، فهناك مؤسسات تستقدم العمالة على مهن معينة ويتم تشغيلها في مهن أخرى (مسعودة).
يُضاف إلى ما سبق، ما أعلنته وزارة العمل السعودي عام 2004م من أنه تم وقف استقدام عمال لـ 29 مهنة وقصر التوظيف فيها على السعوديين، وأيضاً القانون الصادر في أواخر عام 2005م والذي يتكون من (16) باباً ويقع في (245) مادة، والذي أجاز للمرأة العمل في كل المجالات التي تتفق مع طبيعتها، من دون أن يُحدد هذه المجالات أو تلك التي لا تتفق مع طبيعتها، وأخيراً استراتيجية التوظيف التي أقرها مجلس الوزراء في يوليو 2009م، وتغطي مدى زمنياً مدته 25 عاماً مقسمة إلى ثلاث مراحل على النحو التالي: المدى القصير (ومدته سنتان)، المدى المتوسط (ومدته ثلاث سنوات بعد المدى القصير)، والمدى الطويل (ومدته عشرون سنة بعد المدى المتوسط).
وعلى ما يبدو أن ما اتخذته المملكة العربية السعودية من قرارات وانتهجته من سياسات وبرامج على أعلى مستوى قديماً وحديثاً، لم يُحقق الأهداف المرجوة، بل عكس إخفاقاً ما ترجمته الأرقام والإحصائيات، ففي عام 2004م، رغم مرور مدة زمنية كافية لإنجاح قرارات التوطين التي أُقرت، فإنه وفقاً للبيانات الاقتصادية التي نشرتها مؤسسة النقد السعودي عن نمو القوة العاملة في البلاد لعام 2004م، تبين أن هناك نمواً يحدث للعمالة الوطنية، لكنه على ما يبدو اتسم بالبطء. إذ بلغ عدد العاملين السعوديين الذكور في القطاع العام (463.5) ألف عامل، بنسبة نمو 2.5 في المائة، مقابل (231) ألف عاملة، بنسبة نمو 2.7 في المائة. وهنا يمكن القول إن تفوق نسبة نمو الإناث في القطاع الحكومي مقارنة بالعاملين الذكور خلال هذا العام، يرجع إلى عدة أسباب، أولاً: كثرة مخرجات التعليم من الإناث. ثانياً: التوزيع الديموغرافي للنساء في المملكة. ثالثاً: النساء في المملكة لديهن رغبات كبيرة نحو العمل والمشاركة في النمو الوطني. كما أشار التقرير أيضاً إلى أن عام 2004م شهد انخفاضاً في نسبة العاملين غير السعوديين بالقطاع الحكومي، لكن بنسبة (واحد في المائة) وهي نسبة تكاد تكون ضئيلة، لم يكن متوقعاً حدوثها، مقارنة بالجهد المبذول، وكم القرارات والقوانين التي صدرت.
وفي القطاع الخاص، تُشير إحصائيات مؤسسة النقد السعودي في تقريرها حول القوى العاملة، إلى أنه مع نهايات 2004م بلغ عدد العمالة السعودية في القطاع الخاص حوالي 660 ألف عامل بنسبة زيادة 16.5 في المائة، فيما بلغ عدد العاملات السعوديات في القطاع الخاص 30 ألفاً يمثلون 0.5 في المائة من إجمالي العمالة في القطاع الخاص، وفي المقابل نجد أن التقرير نفسه يُشير إلى أن عدد الذكور غير السعوديين العاملين في القطاع الخاص بلغ 5.2 مليون عامل، وبلغ عدد الأجنبيات العاملات في القطاع الخاص 100 ألف عاملة.
ومع أن المملكة مرّت خلال الفترة من (2004-2008م) بنمو اقتصادي غير مسبوق، حيث ارتفع الناتج الإجمالي بنسب أكثر مما كانت تتوقعه خطة التنمية الثامنة، مما أوجد فرصاً وظيفية أكثر، فإن إحصائيات القوى العاملة التي أصدرتها مصلحة الإحصائيات العامة عام 2008م، بينت أن نسبة تشغيل المواطنين والمواطنات لا تزال دون المتوقع، حيث بلغ عدد المشتغلين من المواطنين والمواطنات حوالي 3.75 مليون في عام 2008م، أي أقل بمليون من توقعات الخطة الثامنة.
ولم يختلف الأمر كثيراً في بقية دول مجلس التعاون الخليجي، فدولة مثل الإمارات العربية المتحدة اتخذت أيضاً فيها الحكومة الاتحادية إجراءات عدة، لتوطين العمالة الوطنية، كان أبرزها إصدار القانون الاتحادي رقم (13) لعام 1996م، والخاص بدخول وإقامة الأجانب في الدولة، وأيضاً الخطة التي تم إقرارها في ديسمبر عام 2002م، واشتملت على برنامج زمني قصير المدى يتم خلاله توطين مختلف الوظائف (الإدارية والاقتصادية والتخصصية كالقانونية والهندسية) بنسب متفاوتة، كما اشتملت الخطة على برنامج زمني متوسط المدى لتوطين الوظائف التعليمية والطبية، بالإضافة إلى إلزام مجلس الوزراء كل الوزارات بوضع خطط فرعية يتم بموجبها تحديد نسبة التوطين السنوية بما يتفق ومدى البرنامجين الزمنيين القصير والمتوسط.
هذا بخلاف، ما وضعته وزارة العمل بدولة الإمارات مؤخراً من قواعد لتنظيم استغناء أرباب العمل في القطاع الخاص عن العمالة الوطنية في ظل تداعيات الأزمة المالية العالمية، وشملت القواعد حظراً على أصحاب العمل بالاستغناء عن العمالة الوطنية، إذا أبقى رب العمل على عمال أجانب للقيام بالخدمات نفسها.
ورغم ما أكدته قراءات المختصين من أن هذه الإجراءات وغيرها، ساعدت على مضاعفة أعداد المواطنين العاملين، فالقطاع العام الإماراتي يوظف (52 في المائة) من الإماراتيين العاملين في البلاد، فإن الفرص المتوفرة في القطاع العام لا تتجاوز 11 في المائة من إجمالي ما يُطرح من فرص العمل في البلاد، كما أن القطاع الخاص لا يضم أكثر من 4 في المائة من العاملين الإماراتيين مع أنه يشكل 89 في المائة من فرص العمل المتاحة، بخلاف أن قوة العمل نمت على صعيد الجنس بين المواطنات ثلاث مرات عما بلغته هذه النسبة من النمو للمواطنين الذكور وبمعدل سنوي 16.7 في المائة مقابل 6.1 في المائة فقط للذكور.
وقد سلكت كل من الكويت وعمان وقطر والبحرين الطريق نفسه الذي اتبعته السعودية والإمارات من اتخاذها بعض الإجراءات والقوانين لتنفيذ عملية الإحلال للعمالة الوطنية، ومن الواضح أن كلاً من القوانين والإجراءات التي اتبعتها هذه الدول اختلفت في نتائجها، ففي الكويت، ووفقاً لتقرير بنك الكويت الوطني حول العمالة الوطنية، تبين أن معدل توظيف الكويتيين في القطاع الخاص تجاوز معدل التوظيف في القطاع العام، مبيناً أن عدد الكويتيين في القطاع الخاص ارتفع إلى ما نسبته 17.8 في المائة من إجمالي القوى العاملة الكويتية، وهي نسبة تعادل ثلاثة أضعاف مستواها في عام 2000م حين تم البدء بالعمل بقانون دعم العمالة الوطنية، وذكر التقرير أن معدل توظيف الكويتيين في القطاع العام نما خلال عام 2008م بنسبة 2.9 في المائة، وهو ما يمثل أبطأ وتيرة له منذ عقد من الزمان. وعن نسبة الإناث في العمل قال التقرير إنها شهدت نمواً ملحوظاً حيث ارتفعت من 35 في المائة في عام 1998 إلى حوالي 43 في المائة في عام 2008 وارتفعت في القطاع الخاص من 27 إلى 47 في المائة.
وتشير الدلائل في سلطنة عمان إلى نجاح الخطوات والإجراءات التي اُتبعت في تنفيذ سياسة (تعمين) الوظائف، فقد رصد الإحصاء السنوي لخصائص الموظفين في وحدات الجهاز الإداري للدولة المدنية من خلال بيان لعدد الموظفين العمانيين بهذه الوحدات مقارنة بعدد الموظفين الوافدين، أن نسبة القوى العاملة الوطنية حتى 30 يونيو 2007م بلغت 85.8 في المائة، وذلك وفقاً لزيادة مطردة في النسبة والعدد منذ بداية التعمين، وهي نسبة مرشحة للنمو في ظل تطبيق خطط (التعمين) المعتمدة.
لكن هذا النجاح الذي حققته سياسة التوطين في سلطنة عمان لا يعدو كونه نجاحاً ضيقاً، لأن السلطنة تختلف كثيراً عن بقية دول مجلس التعاون، من حيث حجم الاستثمارات والمشروعات، وبالتالي استقدام العمالة، فهي تعد من أقل الدول الخليجية استقداماً للعمالة الأجنبية البالغ عددها 630 ألفاً، تشكل ما نسبته 30 في المائة من إجمالي عدد سكان السلطنة.
وبخلاف دولة مثل قطر التي تؤكد باستمرار على أهمية العمالة الأجنبية في النهوض بالبلاد من دون الإضرار بالعمالة الوطنية، فهي تُشجع دائماً العمالة الوطنية على العمل، حيث تُقدم الحكومة القطرية المزيد من البرامج التأهيلية والتدريبية لمواطنيها، ورغم ذلك عكست نتائج مسح القوى العاملة لعام 2008م عزوف المواطنين القطريين عن الأعمال المهنية، حيث سجلت نسبة العاملين في الحرف وما إليها من المهن 29.4 في المائة من حجم القوى العاملة من بينها نسبة1.1 في المائة من القطريين، كما بلغت نسبة مشغلي الآلات والمعدات ومجمعيها 12.9 في المائة من بينها نسبة 1.3 في المائة من القطريين.
وكانت مملكة البحرين قد اتبعت منذ عام 1998م خطة محكمة، تمثلت في برنامج (بحرنة الوظائف)، الذي توج بقرار رقم (7) لعام 1996م لوزير العمل والشؤون الاجتماعية آنذاك، وقد بدأ العمل به في مايو 1998م، وهو الخاص بتحديد نسبة العمالة الوطنية بـ 5 في المائة سنوياً في المؤسسات التي يقل فيها عدد العمالة الوطنية إلى النصف لتصل فيما بعد إلى أكثر من 40 في المائة ثم إلى أكثر من ذلك حتى يتم نجاح البرنامج تماماً، كما قدمت الحكومة البحرينية العديد من البرامج بهدف تحفيز المؤسسات على زيادة العمالة الوطنية داخلها.
وفي الحقيقة أن الأرقام التي صدرت عن مصرف البحرين المركزي، والخاصة بحجم العمالة الوطنية في الربع الأخير عن عام 2008م، كشفت عن بطء ملموس في نمو العمالة الوطنية سواء في القطاع العام أو الخاص، فمجموع العمالة البحرينية بلغ نحو 76 ألفاً في القطاع الخاص بنسبة 19 في المائة من مجموع القوى العاملة في القطاع، ونحو 433 ألفاً في القطاع العام، وفي الربع الأول من عام 2009م كشف نائب الرئيس لشؤون السياسات في هيئة تنظيم سوق العمل بمملكة البحرين أن الزيادة السنوية في توظيف العمالة الوطنية بلغت 9.8 في المائة، واعتبرها آنذاك أعلى نسبة زيادة سنوية منذ بدء الهيئة برصد توظيف العمالة الوطنية، رغم أنه تقابلها في التقرير نفسه زيادة في توظيف العمالة الأجنبية بنسبة 18.8 في المائة.
والواضح أن هناك أسباباً عدة أدت إلى إخفاق سياسات التوطين الخليجية، على رأسها طبيعة السياسات التعليمية والاقتصادية المطبقة في البلدان الخليجية، والتي لا يمكن أن تساهم بأي حال من الأحوال في تأمين شروط التأهيل العلمي الحقيقي لأبنائها ومجتمعاتها كشرط للانخراط بالعمل الميداني، فكان من الأحرى تطوير العملية التعليمية قبل البدء في سياسة التوطين، علاوة على ميل الملتحقين بالتعليم إلى تخصصات معينة، قد لا يحتاج إليها سوق العمل الخليجي، يُضاف إلى ذلك غياب الوعي الثقافي بأهمية العمل، فالفرد الخليجي بطبيعته وتصوراته يعزف عن الانخراط ببعض مجالات العمل، بخاصة المجالات المهنية المتدنية كالفنية والحرفية والخدمية.
ولا يمكن هنا تجاهل أو تناسي أن أغلب هذه القوانين والإجراءات التي اُتخذت بشأن توطين الوظائف عملت على زيادة عمليات التحايل على القوانين، خاصة أن هذه القوانين مملوءة بالثغرات، ففي المملكة العربية السعودية، حسب الدكتور فهد إبراهيم الشثري، يتم فرض سياسات التوطين بالقوة، بمعنى وجوب تحقيق كل شركة نسبة معينة من (السعودة)، من دون الأخذ في الاعتبار الطريقة التي سيستجيب بها أصحاب هذه الشركات لمثل هذه القرارات. علاوة على أن هذه القوانين عملت على زيادة الاهتمام بالتوظيف (الكمي) على حساب التوظيف (النوعي) من حيث أهمية الوظيفة وقيمتها ومكانها في السلم الوظيفي ومستقبلها بهدف تحقيق نسب توطين مناسبة، مما يعد هدراً للكفاءات المواطنة وخفضاً لمعنوياتها وربما دفعها للهجرة.
ومن خلال ما سبق، خاصة أن – لغة الأرقام لا تكذب ولا تتجمل- يتضح أن دول مجلس التعاون الخليجي في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في مشروع سياسات التوطين، لأنه لم يحقق الأهداف التي جاء من أجلها، فأغلب القوانين والإجراءات والبرامج التي نُفذت لم تسفر عن نتائج مُرضية، وبالتالي فإن الأمر لا يتوقف عند سن القوانين أو إصدار القرارات فقط، بل يتطلب إلى جانب القرارات والقوانين والبرامج رؤية جديدة تضع في مقدمة أولوياتها الفرد وكيفية الارتقاء به.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3059::/cck::
::introtext::
منذ ما يقرب من عشرين عاماً، طرحت دول مجلس التعاون الخليجي مجموعة من السياسات البديلة، تهدف إلى إحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية بشكل تدريجي في كل من القطاعين العام والخاص، وأطلقت عليها مسميات عدة تختلف حسب كل دولة، ففي السعودية (السعودة)، والبحرين (البحرنة)، والكويت (التكويت)، والإمارات (الأمرتة) أو(التوطين)، وسلطنة عمان (التعمين)، وقطر (القطرنة) أو (التقطير)، ولضمان نجاح سياسات الإحلال أقرت كل دولة على حدة قوانين وإجراءات عدة، ووضعت الخطط وطرحت البرامج التدريبية والمهنية الشاملة.
::/introtext::
::fulltext::
منذ ما يقرب من عشرين عاماً، طرحت دول مجلس التعاون الخليجي مجموعة من السياسات البديلة، تهدف إلى إحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية بشكل تدريجي في كل من القطاعين العام والخاص، وأطلقت عليها مسميات عدة تختلف حسب كل دولة، ففي السعودية (السعودة)، والبحرين (البحرنة)، والكويت (التكويت)، والإمارات (الأمرتة) أو(التوطين)، وسلطنة عمان (التعمين)، وقطر (القطرنة) أو (التقطير)، ولضمان نجاح سياسات الإحلال أقرت كل دولة على حدة قوانين وإجراءات عدة، ووضعت الخطط وطرحت البرامج التدريبية والمهنية الشاملة.
بذلت المملكة العربية السعودية، جهداً كبيراً لإحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية، فكان إنشاء مجلس القوى العاملة، الذي لعب دوراً كبيراً في صدور قرار مجلس الوزراء رقم (50) لسنة 1995م، ورغم أنه من أهم وأبرز قرارات (السعودة) لاشتماله إلى جانب وضعه قواعد ملزمة لمنشآت القطاع الأهلي بزيادة توظيف العمالة الوطنية على آليات لتنفيذ تلك القواعد، فإنه لم يحقق ما جاء من أجله، إما لعدم الإلمام والفهم الكامل حينها من جانب القطاع الأهلي للقرار من حيث التفاصيل الخاصة بمضامينه وأبعاده، أو توفر الفهم مع غياب الجدية من قبل بعض المنشآت في تطبيق القرار.
كما أصدرت المملكة حزمة من القرارات المتعاقبة لتفعيل سياسة التوطين منها – على سبيل المثال لا الحصر- قرار عام 2001 القاضي بمنع غير السعوديين البالغين من العمر أقل من أربعين عاماً من العمل في محلات الذهب، وأيضاً القرار الصادر في يوليو 2002، الذي يقضي بإحلال العمالة السعودية محل الأيدي العاملة الوافدة في عدد من المهن والوظائف، مثل (مدير إداري، مدير تدريب، وظائف العلاقات العامة، الوظائف الكتابية، مساعد إداري، وغيرها)، والقراءة المتأنية لنتائج هذه القرارات تُفرز أن قرار 2001 حظي بنجاح لا يمكن إنكاره، ولكن ما زال العاملون الفنيون في ورش محلات الذهب معظمهم من الأجانب، أما قرار 2002 لم يحقق نتائجه المرجوة، وذلك لأسباب عدة من أهمها التلاعب والتحايل على القوانين، فهناك مؤسسات تستقدم العمالة على مهن معينة ويتم تشغيلها في مهن أخرى (مسعودة).
يُضاف إلى ما سبق، ما أعلنته وزارة العمل السعودي عام 2004م من أنه تم وقف استقدام عمال لـ 29 مهنة وقصر التوظيف فيها على السعوديين، وأيضاً القانون الصادر في أواخر عام 2005م والذي يتكون من (16) باباً ويقع في (245) مادة، والذي أجاز للمرأة العمل في كل المجالات التي تتفق مع طبيعتها، من دون أن يُحدد هذه المجالات أو تلك التي لا تتفق مع طبيعتها، وأخيراً استراتيجية التوظيف التي أقرها مجلس الوزراء في يوليو 2009م، وتغطي مدى زمنياً مدته 25 عاماً مقسمة إلى ثلاث مراحل على النحو التالي: المدى القصير (ومدته سنتان)، المدى المتوسط (ومدته ثلاث سنوات بعد المدى القصير)، والمدى الطويل (ومدته عشرون سنة بعد المدى المتوسط).
وعلى ما يبدو أن ما اتخذته المملكة العربية السعودية من قرارات وانتهجته من سياسات وبرامج على أعلى مستوى قديماً وحديثاً، لم يُحقق الأهداف المرجوة، بل عكس إخفاقاً ما ترجمته الأرقام والإحصائيات، ففي عام 2004م، رغم مرور مدة زمنية كافية لإنجاح قرارات التوطين التي أُقرت، فإنه وفقاً للبيانات الاقتصادية التي نشرتها مؤسسة النقد السعودي عن نمو القوة العاملة في البلاد لعام 2004م، تبين أن هناك نمواً يحدث للعمالة الوطنية، لكنه على ما يبدو اتسم بالبطء. إذ بلغ عدد العاملين السعوديين الذكور في القطاع العام (463.5) ألف عامل، بنسبة نمو 2.5 في المائة، مقابل (231) ألف عاملة، بنسبة نمو 2.7 في المائة. وهنا يمكن القول إن تفوق نسبة نمو الإناث في القطاع الحكومي مقارنة بالعاملين الذكور خلال هذا العام، يرجع إلى عدة أسباب، أولاً: كثرة مخرجات التعليم من الإناث. ثانياً: التوزيع الديموغرافي للنساء في المملكة. ثالثاً: النساء في المملكة لديهن رغبات كبيرة نحو العمل والمشاركة في النمو الوطني. كما أشار التقرير أيضاً إلى أن عام 2004م شهد انخفاضاً في نسبة العاملين غير السعوديين بالقطاع الحكومي، لكن بنسبة (واحد في المائة) وهي نسبة تكاد تكون ضئيلة، لم يكن متوقعاً حدوثها، مقارنة بالجهد المبذول، وكم القرارات والقوانين التي صدرت.
وفي القطاع الخاص، تُشير إحصائيات مؤسسة النقد السعودي في تقريرها حول القوى العاملة، إلى أنه مع نهايات 2004م بلغ عدد العمالة السعودية في القطاع الخاص حوالي 660 ألف عامل بنسبة زيادة 16.5 في المائة، فيما بلغ عدد العاملات السعوديات في القطاع الخاص 30 ألفاً يمثلون 0.5 في المائة من إجمالي العمالة في القطاع الخاص، وفي المقابل نجد أن التقرير نفسه يُشير إلى أن عدد الذكور غير السعوديين العاملين في القطاع الخاص بلغ 5.2 مليون عامل، وبلغ عدد الأجنبيات العاملات في القطاع الخاص 100 ألف عاملة.
ومع أن المملكة مرّت خلال الفترة من (2004-2008م) بنمو اقتصادي غير مسبوق، حيث ارتفع الناتج الإجمالي بنسب أكثر مما كانت تتوقعه خطة التنمية الثامنة، مما أوجد فرصاً وظيفية أكثر، فإن إحصائيات القوى العاملة التي أصدرتها مصلحة الإحصائيات العامة عام 2008م، بينت أن نسبة تشغيل المواطنين والمواطنات لا تزال دون المتوقع، حيث بلغ عدد المشتغلين من المواطنين والمواطنات حوالي 3.75 مليون في عام 2008م، أي أقل بمليون من توقعات الخطة الثامنة.
ولم يختلف الأمر كثيراً في بقية دول مجلس التعاون الخليجي، فدولة مثل الإمارات العربية المتحدة اتخذت أيضاً فيها الحكومة الاتحادية إجراءات عدة، لتوطين العمالة الوطنية، كان أبرزها إصدار القانون الاتحادي رقم (13) لعام 1996م، والخاص بدخول وإقامة الأجانب في الدولة، وأيضاً الخطة التي تم إقرارها في ديسمبر عام 2002م، واشتملت على برنامج زمني قصير المدى يتم خلاله توطين مختلف الوظائف (الإدارية والاقتصادية والتخصصية كالقانونية والهندسية) بنسب متفاوتة، كما اشتملت الخطة على برنامج زمني متوسط المدى لتوطين الوظائف التعليمية والطبية، بالإضافة إلى إلزام مجلس الوزراء كل الوزارات بوضع خطط فرعية يتم بموجبها تحديد نسبة التوطين السنوية بما يتفق ومدى البرنامجين الزمنيين القصير والمتوسط.
هذا بخلاف، ما وضعته وزارة العمل بدولة الإمارات مؤخراً من قواعد لتنظيم استغناء أرباب العمل في القطاع الخاص عن العمالة الوطنية في ظل تداعيات الأزمة المالية العالمية، وشملت القواعد حظراً على أصحاب العمل بالاستغناء عن العمالة الوطنية، إذا أبقى رب العمل على عمال أجانب للقيام بالخدمات نفسها.
ورغم ما أكدته قراءات المختصين من أن هذه الإجراءات وغيرها، ساعدت على مضاعفة أعداد المواطنين العاملين، فالقطاع العام الإماراتي يوظف (52 في المائة) من الإماراتيين العاملين في البلاد، فإن الفرص المتوفرة في القطاع العام لا تتجاوز 11 في المائة من إجمالي ما يُطرح من فرص العمل في البلاد، كما أن القطاع الخاص لا يضم أكثر من 4 في المائة من العاملين الإماراتيين مع أنه يشكل 89 في المائة من فرص العمل المتاحة، بخلاف أن قوة العمل نمت على صعيد الجنس بين المواطنات ثلاث مرات عما بلغته هذه النسبة من النمو للمواطنين الذكور وبمعدل سنوي 16.7 في المائة مقابل 6.1 في المائة فقط للذكور.
وقد سلكت كل من الكويت وعمان وقطر والبحرين الطريق نفسه الذي اتبعته السعودية والإمارات من اتخاذها بعض الإجراءات والقوانين لتنفيذ عملية الإحلال للعمالة الوطنية، ومن الواضح أن كلاً من القوانين والإجراءات التي اتبعتها هذه الدول اختلفت في نتائجها، ففي الكويت، ووفقاً لتقرير بنك الكويت الوطني حول العمالة الوطنية، تبين أن معدل توظيف الكويتيين في القطاع الخاص تجاوز معدل التوظيف في القطاع العام، مبيناً أن عدد الكويتيين في القطاع الخاص ارتفع إلى ما نسبته 17.8 في المائة من إجمالي القوى العاملة الكويتية، وهي نسبة تعادل ثلاثة أضعاف مستواها في عام 2000م حين تم البدء بالعمل بقانون دعم العمالة الوطنية، وذكر التقرير أن معدل توظيف الكويتيين في القطاع العام نما خلال عام 2008م بنسبة 2.9 في المائة، وهو ما يمثل أبطأ وتيرة له منذ عقد من الزمان. وعن نسبة الإناث في العمل قال التقرير إنها شهدت نمواً ملحوظاً حيث ارتفعت من 35 في المائة في عام 1998 إلى حوالي 43 في المائة في عام 2008 وارتفعت في القطاع الخاص من 27 إلى 47 في المائة.
وتشير الدلائل في سلطنة عمان إلى نجاح الخطوات والإجراءات التي اُتبعت في تنفيذ سياسة (تعمين) الوظائف، فقد رصد الإحصاء السنوي لخصائص الموظفين في وحدات الجهاز الإداري للدولة المدنية من خلال بيان لعدد الموظفين العمانيين بهذه الوحدات مقارنة بعدد الموظفين الوافدين، أن نسبة القوى العاملة الوطنية حتى 30 يونيو 2007م بلغت 85.8 في المائة، وذلك وفقاً لزيادة مطردة في النسبة والعدد منذ بداية التعمين، وهي نسبة مرشحة للنمو في ظل تطبيق خطط (التعمين) المعتمدة.
لكن هذا النجاح الذي حققته سياسة التوطين في سلطنة عمان لا يعدو كونه نجاحاً ضيقاً، لأن السلطنة تختلف كثيراً عن بقية دول مجلس التعاون، من حيث حجم الاستثمارات والمشروعات، وبالتالي استقدام العمالة، فهي تعد من أقل الدول الخليجية استقداماً للعمالة الأجنبية البالغ عددها 630 ألفاً، تشكل ما نسبته 30 في المائة من إجمالي عدد سكان السلطنة.
وبخلاف دولة مثل قطر التي تؤكد باستمرار على أهمية العمالة الأجنبية في النهوض بالبلاد من دون الإضرار بالعمالة الوطنية، فهي تُشجع دائماً العمالة الوطنية على العمل، حيث تُقدم الحكومة القطرية المزيد من البرامج التأهيلية والتدريبية لمواطنيها، ورغم ذلك عكست نتائج مسح القوى العاملة لعام 2008م عزوف المواطنين القطريين عن الأعمال المهنية، حيث سجلت نسبة العاملين في الحرف وما إليها من المهن 29.4 في المائة من حجم القوى العاملة من بينها نسبة1.1 في المائة من القطريين، كما بلغت نسبة مشغلي الآلات والمعدات ومجمعيها 12.9 في المائة من بينها نسبة 1.3 في المائة من القطريين.
وكانت مملكة البحرين قد اتبعت منذ عام 1998م خطة محكمة، تمثلت في برنامج (بحرنة الوظائف)، الذي توج بقرار رقم (7) لعام 1996م لوزير العمل والشؤون الاجتماعية آنذاك، وقد بدأ العمل به في مايو 1998م، وهو الخاص بتحديد نسبة العمالة الوطنية بـ 5 في المائة سنوياً في المؤسسات التي يقل فيها عدد العمالة الوطنية إلى النصف لتصل فيما بعد إلى أكثر من 40 في المائة ثم إلى أكثر من ذلك حتى يتم نجاح البرنامج تماماً، كما قدمت الحكومة البحرينية العديد من البرامج بهدف تحفيز المؤسسات على زيادة العمالة الوطنية داخلها.
وفي الحقيقة أن الأرقام التي صدرت عن مصرف البحرين المركزي، والخاصة بحجم العمالة الوطنية في الربع الأخير عن عام 2008م، كشفت عن بطء ملموس في نمو العمالة الوطنية سواء في القطاع العام أو الخاص، فمجموع العمالة البحرينية بلغ نحو 76 ألفاً في القطاع الخاص بنسبة 19 في المائة من مجموع القوى العاملة في القطاع، ونحو 433 ألفاً في القطاع العام، وفي الربع الأول من عام 2009م كشف نائب الرئيس لشؤون السياسات في هيئة تنظيم سوق العمل بمملكة البحرين أن الزيادة السنوية في توظيف العمالة الوطنية بلغت 9.8 في المائة، واعتبرها آنذاك أعلى نسبة زيادة سنوية منذ بدء الهيئة برصد توظيف العمالة الوطنية، رغم أنه تقابلها في التقرير نفسه زيادة في توظيف العمالة الأجنبية بنسبة 18.8 في المائة.
والواضح أن هناك أسباباً عدة أدت إلى إخفاق سياسات التوطين الخليجية، على رأسها طبيعة السياسات التعليمية والاقتصادية المطبقة في البلدان الخليجية، والتي لا يمكن أن تساهم بأي حال من الأحوال في تأمين شروط التأهيل العلمي الحقيقي لأبنائها ومجتمعاتها كشرط للانخراط بالعمل الميداني، فكان من الأحرى تطوير العملية التعليمية قبل البدء في سياسة التوطين، علاوة على ميل الملتحقين بالتعليم إلى تخصصات معينة، قد لا يحتاج إليها سوق العمل الخليجي، يُضاف إلى ذلك غياب الوعي الثقافي بأهمية العمل، فالفرد الخليجي بطبيعته وتصوراته يعزف عن الانخراط ببعض مجالات العمل، بخاصة المجالات المهنية المتدنية كالفنية والحرفية والخدمية.
ولا يمكن هنا تجاهل أو تناسي أن أغلب هذه القوانين والإجراءات التي اُتخذت بشأن توطين الوظائف عملت على زيادة عمليات التحايل على القوانين، خاصة أن هذه القوانين مملوءة بالثغرات، ففي المملكة العربية السعودية، حسب الدكتور فهد إبراهيم الشثري، يتم فرض سياسات التوطين بالقوة، بمعنى وجوب تحقيق كل شركة نسبة معينة من (السعودة)، من دون الأخذ في الاعتبار الطريقة التي سيستجيب بها أصحاب هذه الشركات لمثل هذه القرارات. علاوة على أن هذه القوانين عملت على زيادة الاهتمام بالتوظيف (الكمي) على حساب التوظيف (النوعي) من حيث أهمية الوظيفة وقيمتها ومكانها في السلم الوظيفي ومستقبلها بهدف تحقيق نسب توطين مناسبة، مما يعد هدراً للكفاءات المواطنة وخفضاً لمعنوياتها وربما دفعها للهجرة.
ومن خلال ما سبق، خاصة أن – لغة الأرقام لا تكذب ولا تتجمل- يتضح أن دول مجلس التعاون الخليجي في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في مشروع سياسات التوطين، لأنه لم يحقق الأهداف التي جاء من أجلها، فأغلب القوانين والإجراءات والبرامج التي نُفذت لم تسفر عن نتائج مُرضية، وبالتالي فإن الأمر لا يتوقف عند سن القوانين أو إصدار القرارات فقط، بل يتطلب إلى جانب القرارات والقوانين والبرامج رؤية جديدة تضع في مقدمة أولوياتها الفرد وكيفية الارتقاء به.
::/fulltext::
::cck::3059::/cck::
