ملف التجنيس البحريني.. التاريخ والتسييس

::cck::3062::/cck::
::introtext::

يبدو أن الدلائل تشير إلى حملة انتخابية ساخنة في البحرين بل ملتهبة، يتزامن ذلك مع تطورات عاصفة يمر بها الخليج العربي في حرب باردة بين واشنطن وطهران تسعى فيها الأخيرة إلى تحقيق تمدد نوعي بناءً على صفقة محتملة بعد التصعيد أو نفوذ في المرحلة الانتقالية المضطربة.

::/introtext::
::fulltext::

يبدو أن الدلائل تشير إلى حملة انتخابية ساخنة في البحرين بل ملتهبة، يتزامن ذلك مع تطورات عاصفة يمر بها الخليج العربي في حرب باردة بين واشنطن وطهران تسعى فيها الأخيرة إلى تحقيق تمدد نوعي بناءً على صفقة محتملة بعد التصعيد أو نفوذ في المرحلة الانتقالية المضطربة.

هناك شعور بانعكاس هذه التطورات على الحالة الوطنية في مملكة البحرين التي جعلت فيها المعارضة الطائفية ملف التجنيس مشروعاً أساسياً لمواجهة الحكومة ولربما كان تلويح أمين عام جمعية الوفاق الشيخ علي سلمان بالمطالبة بتداول السلطة وتبوؤ الوفاق منصب رئيس الوزراء هو استشراف للمرحلة المقبلة ورفع السقف عالياً لإرباك الطرف الرسمي ومواجهته بملف التجنيس خاصة بعد لقاء السفير البريطاني غير المعلن مع حركة الوفاق دون إطلاع أي جهة رسمية إضافة إلى التكتم الشديد على جدول المحادثات.

وقد بدأت الجمعيات الثلاث المندرجة في سياق طائفي محدد (جمعية الوفاق وجمعية العمل وحركة حق) ما أطلقت عليه الحملة الثانية من عريضة معارضة التجنيس مع تصريح مباشر على موقع جمعية الوفاق صدّرت به الصحيفة خطاب الشيخ المشعل (من طاقم المرجع عيسى قاسم) الذي ذكّر بما سماه مواقف الشيخ عيسى قاسم المؤيدة للمشروع الموحّد لبرنامج المعارضة الطائفي في التجنيس، ولعل إشارة الحملة الثانية تلفت الانتباه إلى حملة التوقيع الأولى التي سُلّمت للأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان والتي تزامنت مع حركة النفرة الطائفية في المنطقة التي أشعلها احتلال العراق وما صاحبه من خطاب تصعيد طائفي وتحريك واسع لأحاديث جذور وهوية المنطقة، وهي العريضة التي تضمنت الدعوة إلى وضع البحرين تحت مشروع دولي يعيد الاستفتاء على هويتها القومية. وبالإجمال فإن تلك الحملة فشلت لكن مرحلياً ونسبياً ولا نستطيع مطلقاً أن نستبعد أي إمكانية لاستدعائها من جديد كمفصل يُشار إليه مستقبلاً لتسجيل تشريع تاريخي يربط حلقات البرنامج ببعضها البعض، لكنّها حالياً ستبقى مجمدة ورهينة لأحداث المنطقة الكُبرى واهتزازاتها أو ربطها من جديد من خلال المنظمات الأمريكية والبريطانية التي تجاوبت مع دعوة (حركة حق) قديماً، وخاصة أنّ اللغة التي كان يتحدث بها حسن مشيمع زعيم الحركة كثيراً في وسائل الإعلام الإيرانية خلال تلك الحملة هي ذاتها التي تتردد حالياً وإن تغير المتحدثون.

وسيكون حديثنا هنا موضوعياً نسعى للوقوف فيه عملياً على ما الذي تعنيه مدارات هذا الخطاب ومفاصله الرئيسة وعلاقته بالتاريخ الوجودي للبحرين، مؤكدين على قاعدة مهمة أنّ كُل المواطنين في البحرين والخليج أياً كانت أصولهم القومية ومذاهبهم متحدون في الحقوق والواجبات واحترام شخصياتهم الاعتبارية بمن فيهم من توطن في القُطر وإن كانت أصوله تنتمي إلى قومية فارسية مهاجرة، لكنه انسجم مع الحالة الوطنية ومن الطبيعي أن يرتبط أو يُقدِّر هذا المواطن المحترم كيانياً هوية البحرين القومية العربية التي سنعود للتذكير بحتميتها الجازمة في سياق حديثنا عن الجغرافيا التاريخية لمنطقة الخليج العربي وموقعها من التشكّل الديموغرافي القديم المتحد في المشرق العربي، لكننا الآن سنسجل الأمور كما هي ونربطها فيما بعد بما يشرح المضمون العلمي لهذه الدراسة.

هذا الحديث عن تداخلات وأهداف حملات معارضة التجنيس لا يلغي أحقية المواطنين ذوي الأقدمية واعتراضهم على عشوائية التجنيس المخالف للدستور والتمسّك بالحصول على أولوية مطالبهم التنموية في مناطقهم كمُسلّمة حقوقية واعتبارية سياسية، لكننا هنا نريد فرز الهدف الاستراتيجي من الموقف الطائفي والقومي الآخر المعارض للتجنيس وما هي دلالاته العملية وتأثيراته في الواقع الجغرافي الحسّاس للبحرين ومستقبلها السيادي في ظل الصراع أو الصفقة المتبادلة بين طهران وواشنطن.

وهُنا تبرز لنا حقيقة مهمّة للغاية وإن كانت مسلّمة، لكن يجب أن تُستحضر في مطلع هذا الرصد وهي أن كل المعارضة التي أُشعلت في قضايا التجنيس كانت تستهدف تحديداً الهوية العربية والمذهبية السنية بما فيها ذات الجذور والتاريخ القديم ومن كانت مهاجرة إلى ساحل فارس، كما هو وضع بعض القبائل العربية التي حافظت على سجلها التاريخي، ودخل ضمنها من التحق بهم من سُنة المناطق الإيرانية وإن كانت بنسبة ضئيلة وشملت المعارضة القوية التي تركز على هذه الأصول العرقية والمذهبية المقابلة قبيلة دواسر البديع ذات العمق والتاريخ المقطوع به لهوية البحرين بل حركة الديموغرافيا العربية في منطقة الخليج بما فيها وثيقة تملّكهم لجزيرة (حوار) التي حسمت قضية النزاع القانوني مع قطر في لاهاي لصالح البحرين، حيث كانت المعارضة الطائفية تركّز على استهدافهم والمطالبة بإسقاط الجنسية منهم، وذلك وضح جلياً من خلال عرض وفود المعارضة الطائفية للفيلم الممنتج من قبلهم في مجلس العموم البريطاني والذي ركّز على دواسر البديع خلال المرحلة الأولى من مسيرة المعارضة الطائفية للتجنيس.

الهدف الطائفي الاستراتيجي

مما عرضناه تتبين لنا الخلفية الطائفية الاستراتيجية للبرنامج السياسي المُنظّم لمعارضة التجنيس، وأنه قائم على أساس طائفيٍ ذي مزيج قومي لناحية الشرق بكل وضوح، وإذا أضفنا تشديد هذه المعارضة على تجنيس ذوي الأصول العربية من اليمن والشام ومصر مع أن الأرقام التي عُرضت في حركة التجنيس التاريخية كانت ولا تزال ذات نسبة عالية من الأصول القومية الأخرى وبالذات الفارسية التي تتحد في الانتماء الطائفي مع جمعيات المعارضة من دون أن تُجيب هذه الجمعيات عن موقفها من هذا التجنيس، خاصةً أن بعض النشطاء أنفسهم ينتمون إلى هذه الحقبة التجنيسية، فمن غير المعقول أن يزدوج الموقف في الوقائع نفسها ثم يتغير الحكم، بل تُشعل البلاد تجاه التجنيس ذي الانتماء القومي لهويتها بل لذوي الشرعية التاريخية في الوجود كدواسر البديع في حين تبارك عمليات التجنيس الأخرى.

والغريب أن بعض الردود المرتبكة تحدثت عن أن تلك الهجرات إنما كانت مقيمة في إيران لقرابة المائتي عام ثم عادت للبحرين من دون جدولة ولا إحصائيات ولا وثائق مع الفروق التاريخية غير المنضبطة، في المقابل هناك شاهد مهم موثّق يشير إلى واقع تاريخي ووثائق رسمية لم تعارضها كل الأطراف ذات الشأن وذلك في موقف التمرد وأعمال الشغب التي جرت في عهد الشيخ عيسى بن علي حاكم البحرين الأسبق (1869-1932م) وموقف الشيخ قاسم بن مهزع رئيس القضاء الشرعي في التعامل مع هذه الجماعات الإيرانية في ذلك الوقت (التي جُنست فيما بعد هذا الموقف)، وكان القضاء البحريني رفض عزل هذه الجماعات عن سلطة الدولة الوطنية خلال الانتداب والتي اعتمدنا فيها على تسمية الوثائق البريطانية وليس تعبيرنا الخاص وهو استخدامهم لمصطلح – العجم الشيعة – باعتبارهم مهجّرين من إيران بواسطة سلطات التاج الملكي، وأن كِلا الطرفين سلطات الانتداب وممثلي هذه الجماعات رفضوا الدخول في سلطة الدولة الوطنية وتمسكوا بمرجعية مباشرة للانتداب تعزلها عن بقية السكان المحليين العرب من السنة والشيعة.

إن الإشكال الرئيسي المركزي أن هذه التداعيات والتصعيد بالإضافة إلى توتيرها للاحتقان واستدعائها للطائفية السياسية في دورات مجددة إنما هي ذات رابط واتحاد مباشر عايشته المنطقة في قضية استهداف هويتها القومية من خلال التصريحات الدورية والحشد الإعلامي الإيراني الضخم الذي رعى هذه القضية مع تناغم مباشر مع مطالبة إيران بل اعتبارها البحرين وأراض أخرى في الخليج العربي ضمن أطماعها الاستراتيجية، وقد تصاعدت هذه القضية من خلال تطورات الأوضاع في العراق بعد الاحتلال والشراكة الإيرانية مع واشنطن وما أعقبه من تجنيس ما لا يقل عن مليون ونصف مليون إيراني، جزءٌ منهم كان يعيش في العراق بوثائقه الإيرانية باعتراف تلك الجماعات التي تولت الحكم فيما بعد والجزء الآخر استقدم مع الفوضى العارمة التي عاشها العراق ولا يزال وخاصة تهجير ذوي المناطق التاريخية من العرب وإحلال بعض هذه الجماعات مكانهم. واستعراضي لهذه التقاطعات الاستراتيجية حتى يتضح الموقف من أسباب قلق الحالة السُنية والعربية إجمالاً من دورات تصعيد هذا الخطاب و(طأفنته) باتجاه قومي محدد خارج القومية العربية التي تشكّل هوية البحرين الوجودية.

ويُلاحظ هنا أنّ التجنيس القديم في البحرين لم يتخذ أي إجراءات احتياطية تمنع الحاصلين على الجنسية من تلك الجماعات التي ذكرنا من اتخاذ مسار مطلبي لجهة قوميتهم أو منع حق التصويت أو الترشح مرحلياً أو التفريق بين التجنيس في مراحله التاريخية وحقوقه كما جرى في قطر مؤخراً وهي قضايا تنزع لها بعض الدول لضمان الحفاظ على هويتها القومية، كما حصل في ماليزيا بعد الاستقلال وحين هَجّر الاستعمار إليها أعداداً كبيرة من المواطنين الهنود السيخ ومن الصينيين وسُلخت سنغافورة عن بقية الأرخبيل بعد أن هُمش المالاويين فيها فبادر المالاويون إلى سن تشريعات حماية لقوميتهم وفرضت الجمعية الوطنية التأسيسية لحركة التحرر المالاوية بعد الاستقلال وذلك بعد أن نال المالاويون علمانيين وإسلاميين، حقوقاً دستورية تمنع أي تغيير أو تعد على الهوية القومية وارتباطها الإسلامي منعاً لتكرار سلخ بقية الجزر كما جرى في سنغافورة.

ومن خلال ما تقدم تبرز لنا علاقة الهوية بحراك التجنيس وخطورة الطائفية السياسية لمشروع المعارضة، وأن الحفاظ على الحق الانتمائي للدول مع محيطها القومي وهويتها الوجودية وبالذات هنا في البحرين، وعلاقتها الحتمية مع الامتداد الجغرافي العربي للخليج ديناً وقومية واتحاداً في التاريخ والجغرافيا التاريخية هي مُسلّمة لا يمكن أن تُعوّم كحالة مشاع بالإمكان أن تستقر أو تتغير نحو قومية أخرى وهوية منفصلة أو متحدة مع الجسم الآخر المقابل لعروبة الخليج. ويبقى أن نشرح كيف أن هذا الانتماء الوجودي هو أصل تاريخي قبل أي شيء وليست القضية مذهباً أو ثقافة أو وفولكلوراً.

الهوية المقابلة تعني ارتباطاً بالآخر

من خلال قراءاتي ومطالعاتي للعديد من المواقع وأدبيات الحركة الحزبية والتربوية في البحرين التي ارتبطت مبكراً بفكر مدرسة الثورة الإيرانية كان هناك غياب كبير عن مفاهيم الارتباط بالعمق العربي واستئناس ضخم بحديث طهران مع غياب المعارضة الواضحة لسلسلة التصريحات أو المواقف التي تنطلق من إيران أو من بعض الشخصيات البحرينية التي تتعرض ضمناً أو تصريحاً للهوية الانتمائية للبحرين أو تقترب من الطرح الإيراني في تعريف الخليج، وهذا إشكال مركزي من غير المعقول أن يكون عائماً بهذه الصورة خاصةً مع شدة اضطرابات المنطقة وتداخلات الصراع.

وما يُعزز هذا القلق أنّ معنى العلاقة الوجودية للبحرين بعمقها الخليجي كحالة وحدوية للجغرافيا التاريخية غير مرحب به في هذه الأوساط فيما هناك احتفاء ضخم بالوشائج الثقافية والسياسية الإيرانية التي أضحت تتداخل مع الحالة الاجتماعية ذاتها وتُشعر الطرف الشريك الآخر بأن التطور الزمني بات يفرض قومية الطرف الآخر عملياً على البحرين ليس كقناعة شراكة لكل أبناء الوطن بكل أصولهم ومذاهبهم باتحادهم حقوقياً وسياسياً فضلاً عن التعايش، لكن من خلال البسط التدريجي وممارسة الخطاب الاستعلائي في الأدبيات والمنتديات بقوة تفرض فيه انتماء خارج التاريخ العربي للبحرين وأكثر تواصلاً مع نسيج الجمهورية الإيرانية.

وهنا تبرز قضية مهمة هل هناك جهل بأن مملكة البحرين -دلمون – هي شرق البحرين التاريخية وجزء من البحرين الكبرى التي تضم غرب البحرين الأحساء حالياً السعودية، وبالتالي تندمج مع التشكيل السياسي لهذه الدول التي كانت منذ عهد البعثة النبوية جزءاً من ساحل الخليج العربي والآن هي ضمن دول مجلس التعاون بحراً وبراً لا تفصل بينها حدود طبيعية إنما حدود سياسية، وذلك كله وكما قلنا محسوم تاريخياً لكن ليس له صدى عند تلك القوى، وليس هناك أي حميمة مطلقاً لديهم تلقاء الغرب العربي.

وهنا تتعزز الخطورة مع الحراك وبرنامج النشطاء. ما الوطن الذي يقصدونه؟ ومن خلال التمييز في معارضة التجنيس ومباركة تجنيس آخر من الطبيعي أن تقفز تساؤلات ودوائر شكوك وقلق مع مشروع قائم على الأرض يفاوض الأمريكيين، كما قال الجنرال صفوي القائد السابق للحرس الثوري، على تسليم واشنطن لطهران بهيمنتها على ضفتي الخليج. لذا فلا يمكن أن تُعزل هذه التداعيات عن رسائل الحراك الطائفي في التجنيس وعلاقاته المباشرة بمستقبل خرائط المنطقة التي يوسوس بها البعض وإن لحن في القول إلاّ أن الأحداث باتت توضح الهدف.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3062::/cck::
::introtext::

يبدو أن الدلائل تشير إلى حملة انتخابية ساخنة في البحرين بل ملتهبة، يتزامن ذلك مع تطورات عاصفة يمر بها الخليج العربي في حرب باردة بين واشنطن وطهران تسعى فيها الأخيرة إلى تحقيق تمدد نوعي بناءً على صفقة محتملة بعد التصعيد أو نفوذ في المرحلة الانتقالية المضطربة.

::/introtext::
::fulltext::

يبدو أن الدلائل تشير إلى حملة انتخابية ساخنة في البحرين بل ملتهبة، يتزامن ذلك مع تطورات عاصفة يمر بها الخليج العربي في حرب باردة بين واشنطن وطهران تسعى فيها الأخيرة إلى تحقيق تمدد نوعي بناءً على صفقة محتملة بعد التصعيد أو نفوذ في المرحلة الانتقالية المضطربة.

هناك شعور بانعكاس هذه التطورات على الحالة الوطنية في مملكة البحرين التي جعلت فيها المعارضة الطائفية ملف التجنيس مشروعاً أساسياً لمواجهة الحكومة ولربما كان تلويح أمين عام جمعية الوفاق الشيخ علي سلمان بالمطالبة بتداول السلطة وتبوؤ الوفاق منصب رئيس الوزراء هو استشراف للمرحلة المقبلة ورفع السقف عالياً لإرباك الطرف الرسمي ومواجهته بملف التجنيس خاصة بعد لقاء السفير البريطاني غير المعلن مع حركة الوفاق دون إطلاع أي جهة رسمية إضافة إلى التكتم الشديد على جدول المحادثات.

وقد بدأت الجمعيات الثلاث المندرجة في سياق طائفي محدد (جمعية الوفاق وجمعية العمل وحركة حق) ما أطلقت عليه الحملة الثانية من عريضة معارضة التجنيس مع تصريح مباشر على موقع جمعية الوفاق صدّرت به الصحيفة خطاب الشيخ المشعل (من طاقم المرجع عيسى قاسم) الذي ذكّر بما سماه مواقف الشيخ عيسى قاسم المؤيدة للمشروع الموحّد لبرنامج المعارضة الطائفي في التجنيس، ولعل إشارة الحملة الثانية تلفت الانتباه إلى حملة التوقيع الأولى التي سُلّمت للأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان والتي تزامنت مع حركة النفرة الطائفية في المنطقة التي أشعلها احتلال العراق وما صاحبه من خطاب تصعيد طائفي وتحريك واسع لأحاديث جذور وهوية المنطقة، وهي العريضة التي تضمنت الدعوة إلى وضع البحرين تحت مشروع دولي يعيد الاستفتاء على هويتها القومية. وبالإجمال فإن تلك الحملة فشلت لكن مرحلياً ونسبياً ولا نستطيع مطلقاً أن نستبعد أي إمكانية لاستدعائها من جديد كمفصل يُشار إليه مستقبلاً لتسجيل تشريع تاريخي يربط حلقات البرنامج ببعضها البعض، لكنّها حالياً ستبقى مجمدة ورهينة لأحداث المنطقة الكُبرى واهتزازاتها أو ربطها من جديد من خلال المنظمات الأمريكية والبريطانية التي تجاوبت مع دعوة (حركة حق) قديماً، وخاصة أنّ اللغة التي كان يتحدث بها حسن مشيمع زعيم الحركة كثيراً في وسائل الإعلام الإيرانية خلال تلك الحملة هي ذاتها التي تتردد حالياً وإن تغير المتحدثون.

وسيكون حديثنا هنا موضوعياً نسعى للوقوف فيه عملياً على ما الذي تعنيه مدارات هذا الخطاب ومفاصله الرئيسة وعلاقته بالتاريخ الوجودي للبحرين، مؤكدين على قاعدة مهمة أنّ كُل المواطنين في البحرين والخليج أياً كانت أصولهم القومية ومذاهبهم متحدون في الحقوق والواجبات واحترام شخصياتهم الاعتبارية بمن فيهم من توطن في القُطر وإن كانت أصوله تنتمي إلى قومية فارسية مهاجرة، لكنه انسجم مع الحالة الوطنية ومن الطبيعي أن يرتبط أو يُقدِّر هذا المواطن المحترم كيانياً هوية البحرين القومية العربية التي سنعود للتذكير بحتميتها الجازمة في سياق حديثنا عن الجغرافيا التاريخية لمنطقة الخليج العربي وموقعها من التشكّل الديموغرافي القديم المتحد في المشرق العربي، لكننا الآن سنسجل الأمور كما هي ونربطها فيما بعد بما يشرح المضمون العلمي لهذه الدراسة.

هذا الحديث عن تداخلات وأهداف حملات معارضة التجنيس لا يلغي أحقية المواطنين ذوي الأقدمية واعتراضهم على عشوائية التجنيس المخالف للدستور والتمسّك بالحصول على أولوية مطالبهم التنموية في مناطقهم كمُسلّمة حقوقية واعتبارية سياسية، لكننا هنا نريد فرز الهدف الاستراتيجي من الموقف الطائفي والقومي الآخر المعارض للتجنيس وما هي دلالاته العملية وتأثيراته في الواقع الجغرافي الحسّاس للبحرين ومستقبلها السيادي في ظل الصراع أو الصفقة المتبادلة بين طهران وواشنطن.

وهُنا تبرز لنا حقيقة مهمّة للغاية وإن كانت مسلّمة، لكن يجب أن تُستحضر في مطلع هذا الرصد وهي أن كل المعارضة التي أُشعلت في قضايا التجنيس كانت تستهدف تحديداً الهوية العربية والمذهبية السنية بما فيها ذات الجذور والتاريخ القديم ومن كانت مهاجرة إلى ساحل فارس، كما هو وضع بعض القبائل العربية التي حافظت على سجلها التاريخي، ودخل ضمنها من التحق بهم من سُنة المناطق الإيرانية وإن كانت بنسبة ضئيلة وشملت المعارضة القوية التي تركز على هذه الأصول العرقية والمذهبية المقابلة قبيلة دواسر البديع ذات العمق والتاريخ المقطوع به لهوية البحرين بل حركة الديموغرافيا العربية في منطقة الخليج بما فيها وثيقة تملّكهم لجزيرة (حوار) التي حسمت قضية النزاع القانوني مع قطر في لاهاي لصالح البحرين، حيث كانت المعارضة الطائفية تركّز على استهدافهم والمطالبة بإسقاط الجنسية منهم، وذلك وضح جلياً من خلال عرض وفود المعارضة الطائفية للفيلم الممنتج من قبلهم في مجلس العموم البريطاني والذي ركّز على دواسر البديع خلال المرحلة الأولى من مسيرة المعارضة الطائفية للتجنيس.

الهدف الطائفي الاستراتيجي

مما عرضناه تتبين لنا الخلفية الطائفية الاستراتيجية للبرنامج السياسي المُنظّم لمعارضة التجنيس، وأنه قائم على أساس طائفيٍ ذي مزيج قومي لناحية الشرق بكل وضوح، وإذا أضفنا تشديد هذه المعارضة على تجنيس ذوي الأصول العربية من اليمن والشام ومصر مع أن الأرقام التي عُرضت في حركة التجنيس التاريخية كانت ولا تزال ذات نسبة عالية من الأصول القومية الأخرى وبالذات الفارسية التي تتحد في الانتماء الطائفي مع جمعيات المعارضة من دون أن تُجيب هذه الجمعيات عن موقفها من هذا التجنيس، خاصةً أن بعض النشطاء أنفسهم ينتمون إلى هذه الحقبة التجنيسية، فمن غير المعقول أن يزدوج الموقف في الوقائع نفسها ثم يتغير الحكم، بل تُشعل البلاد تجاه التجنيس ذي الانتماء القومي لهويتها بل لذوي الشرعية التاريخية في الوجود كدواسر البديع في حين تبارك عمليات التجنيس الأخرى.

والغريب أن بعض الردود المرتبكة تحدثت عن أن تلك الهجرات إنما كانت مقيمة في إيران لقرابة المائتي عام ثم عادت للبحرين من دون جدولة ولا إحصائيات ولا وثائق مع الفروق التاريخية غير المنضبطة، في المقابل هناك شاهد مهم موثّق يشير إلى واقع تاريخي ووثائق رسمية لم تعارضها كل الأطراف ذات الشأن وذلك في موقف التمرد وأعمال الشغب التي جرت في عهد الشيخ عيسى بن علي حاكم البحرين الأسبق (1869-1932م) وموقف الشيخ قاسم بن مهزع رئيس القضاء الشرعي في التعامل مع هذه الجماعات الإيرانية في ذلك الوقت (التي جُنست فيما بعد هذا الموقف)، وكان القضاء البحريني رفض عزل هذه الجماعات عن سلطة الدولة الوطنية خلال الانتداب والتي اعتمدنا فيها على تسمية الوثائق البريطانية وليس تعبيرنا الخاص وهو استخدامهم لمصطلح – العجم الشيعة – باعتبارهم مهجّرين من إيران بواسطة سلطات التاج الملكي، وأن كِلا الطرفين سلطات الانتداب وممثلي هذه الجماعات رفضوا الدخول في سلطة الدولة الوطنية وتمسكوا بمرجعية مباشرة للانتداب تعزلها عن بقية السكان المحليين العرب من السنة والشيعة.

إن الإشكال الرئيسي المركزي أن هذه التداعيات والتصعيد بالإضافة إلى توتيرها للاحتقان واستدعائها للطائفية السياسية في دورات مجددة إنما هي ذات رابط واتحاد مباشر عايشته المنطقة في قضية استهداف هويتها القومية من خلال التصريحات الدورية والحشد الإعلامي الإيراني الضخم الذي رعى هذه القضية مع تناغم مباشر مع مطالبة إيران بل اعتبارها البحرين وأراض أخرى في الخليج العربي ضمن أطماعها الاستراتيجية، وقد تصاعدت هذه القضية من خلال تطورات الأوضاع في العراق بعد الاحتلال والشراكة الإيرانية مع واشنطن وما أعقبه من تجنيس ما لا يقل عن مليون ونصف مليون إيراني، جزءٌ منهم كان يعيش في العراق بوثائقه الإيرانية باعتراف تلك الجماعات التي تولت الحكم فيما بعد والجزء الآخر استقدم مع الفوضى العارمة التي عاشها العراق ولا يزال وخاصة تهجير ذوي المناطق التاريخية من العرب وإحلال بعض هذه الجماعات مكانهم. واستعراضي لهذه التقاطعات الاستراتيجية حتى يتضح الموقف من أسباب قلق الحالة السُنية والعربية إجمالاً من دورات تصعيد هذا الخطاب و(طأفنته) باتجاه قومي محدد خارج القومية العربية التي تشكّل هوية البحرين الوجودية.

ويُلاحظ هنا أنّ التجنيس القديم في البحرين لم يتخذ أي إجراءات احتياطية تمنع الحاصلين على الجنسية من تلك الجماعات التي ذكرنا من اتخاذ مسار مطلبي لجهة قوميتهم أو منع حق التصويت أو الترشح مرحلياً أو التفريق بين التجنيس في مراحله التاريخية وحقوقه كما جرى في قطر مؤخراً وهي قضايا تنزع لها بعض الدول لضمان الحفاظ على هويتها القومية، كما حصل في ماليزيا بعد الاستقلال وحين هَجّر الاستعمار إليها أعداداً كبيرة من المواطنين الهنود السيخ ومن الصينيين وسُلخت سنغافورة عن بقية الأرخبيل بعد أن هُمش المالاويين فيها فبادر المالاويون إلى سن تشريعات حماية لقوميتهم وفرضت الجمعية الوطنية التأسيسية لحركة التحرر المالاوية بعد الاستقلال وذلك بعد أن نال المالاويون علمانيين وإسلاميين، حقوقاً دستورية تمنع أي تغيير أو تعد على الهوية القومية وارتباطها الإسلامي منعاً لتكرار سلخ بقية الجزر كما جرى في سنغافورة.

ومن خلال ما تقدم تبرز لنا علاقة الهوية بحراك التجنيس وخطورة الطائفية السياسية لمشروع المعارضة، وأن الحفاظ على الحق الانتمائي للدول مع محيطها القومي وهويتها الوجودية وبالذات هنا في البحرين، وعلاقتها الحتمية مع الامتداد الجغرافي العربي للخليج ديناً وقومية واتحاداً في التاريخ والجغرافيا التاريخية هي مُسلّمة لا يمكن أن تُعوّم كحالة مشاع بالإمكان أن تستقر أو تتغير نحو قومية أخرى وهوية منفصلة أو متحدة مع الجسم الآخر المقابل لعروبة الخليج. ويبقى أن نشرح كيف أن هذا الانتماء الوجودي هو أصل تاريخي قبل أي شيء وليست القضية مذهباً أو ثقافة أو وفولكلوراً.

الهوية المقابلة تعني ارتباطاً بالآخر

من خلال قراءاتي ومطالعاتي للعديد من المواقع وأدبيات الحركة الحزبية والتربوية في البحرين التي ارتبطت مبكراً بفكر مدرسة الثورة الإيرانية كان هناك غياب كبير عن مفاهيم الارتباط بالعمق العربي واستئناس ضخم بحديث طهران مع غياب المعارضة الواضحة لسلسلة التصريحات أو المواقف التي تنطلق من إيران أو من بعض الشخصيات البحرينية التي تتعرض ضمناً أو تصريحاً للهوية الانتمائية للبحرين أو تقترب من الطرح الإيراني في تعريف الخليج، وهذا إشكال مركزي من غير المعقول أن يكون عائماً بهذه الصورة خاصةً مع شدة اضطرابات المنطقة وتداخلات الصراع.

وما يُعزز هذا القلق أنّ معنى العلاقة الوجودية للبحرين بعمقها الخليجي كحالة وحدوية للجغرافيا التاريخية غير مرحب به في هذه الأوساط فيما هناك احتفاء ضخم بالوشائج الثقافية والسياسية الإيرانية التي أضحت تتداخل مع الحالة الاجتماعية ذاتها وتُشعر الطرف الشريك الآخر بأن التطور الزمني بات يفرض قومية الطرف الآخر عملياً على البحرين ليس كقناعة شراكة لكل أبناء الوطن بكل أصولهم ومذاهبهم باتحادهم حقوقياً وسياسياً فضلاً عن التعايش، لكن من خلال البسط التدريجي وممارسة الخطاب الاستعلائي في الأدبيات والمنتديات بقوة تفرض فيه انتماء خارج التاريخ العربي للبحرين وأكثر تواصلاً مع نسيج الجمهورية الإيرانية.

وهنا تبرز قضية مهمة هل هناك جهل بأن مملكة البحرين -دلمون – هي شرق البحرين التاريخية وجزء من البحرين الكبرى التي تضم غرب البحرين الأحساء حالياً السعودية، وبالتالي تندمج مع التشكيل السياسي لهذه الدول التي كانت منذ عهد البعثة النبوية جزءاً من ساحل الخليج العربي والآن هي ضمن دول مجلس التعاون بحراً وبراً لا تفصل بينها حدود طبيعية إنما حدود سياسية، وذلك كله وكما قلنا محسوم تاريخياً لكن ليس له صدى عند تلك القوى، وليس هناك أي حميمة مطلقاً لديهم تلقاء الغرب العربي.

وهنا تتعزز الخطورة مع الحراك وبرنامج النشطاء. ما الوطن الذي يقصدونه؟ ومن خلال التمييز في معارضة التجنيس ومباركة تجنيس آخر من الطبيعي أن تقفز تساؤلات ودوائر شكوك وقلق مع مشروع قائم على الأرض يفاوض الأمريكيين، كما قال الجنرال صفوي القائد السابق للحرس الثوري، على تسليم واشنطن لطهران بهيمنتها على ضفتي الخليج. لذا فلا يمكن أن تُعزل هذه التداعيات عن رسائل الحراك الطائفي في التجنيس وعلاقاته المباشرة بمستقبل خرائط المنطقة التي يوسوس بها البعض وإن لحن في القول إلاّ أن الأحداث باتت توضح الهدف.

::/fulltext::
::cck::3062::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *