حرب صعدة السابعة.. حرب بناء اقتصادي

::cck::3064::/cck::
::introtext::

بإعلان الرئيس اليمني علي عبدالله صالح في الثاني عشر من فبراير 2010 وقف العمليات العسكرية في محافظة صعدة، أُسدِل الستار عن الفصل السادس من الحرب بين المتمردين الحوثيين والدولة، إيذاناً بانتهاء القتال الذي دام أكثر من ستة أشهر وراح ضحيته المئات من اليمنيين، وأتى على الشجر والحجر، فهل ستسطع شمس السلام أخيراً في مدينة عرفت بمدينة السلام، أم أن دويّ المدافع وأزيز الطائرات وهدير الدبابات ستعود مجدداً لتأكل الأخضر واليابس، وتجعل الأمل رماداً؟

::/introtext::
::fulltext::

بإعلان الرئيس اليمني علي عبدالله صالح في الثاني عشر من فبراير 2010 وقف العمليات العسكرية في محافظة صعدة، أُسدِل الستار عن الفصل السادس من الحرب بين المتمردين الحوثيين والدولة، إيذاناً بانتهاء القتال الذي دام أكثر من ستة أشهر وراح ضحيته المئات من اليمنيين، وأتى على الشجر والحجر، فهل ستسطع شمس السلام أخيراً في مدينة عرفت بمدينة السلام، أم أن دويّ المدافع وأزيز الطائرات وهدير الدبابات ستعود مجدداً لتأكل الأخضر واليابس، وتجعل الأمل رماداً؟

لقد كانت حرب صعدة السادسة في حقيقة الأمر مقدمة لمرحلة جديدة بدأت ملامحها تلوح في الأفق، وتبشر بأن اليمن واقتصاده الهشّ قد دخلا مرحلة حرجة وسيظلان يعانيان من مضاعفاتها لسنوات عديدة مقبلة، الأمر الذي قد يحتاج إلى معجزة تساهم في تعافيهما (البلد واقتصاده معاً) ولو بنسبة بسيطة. فالثابت أن الحروب الداخلية تعتبر من أسوأ أنواع الحروب، لأن المحصلة النهائية لها خسارة عامة يتكبّدها جميع أفراد الشعب من دون استثناء، ويدفع البلد ثمن فاتورتها من رصيد استقراره وأمنه ومقدراته الاقتصادية والتنموية، وتكون على حساب ازدهاره ورخائه وتقدمه. ومن هنا، فإن ساحة المعركة الحقيقية التي تحدد النصر أو الهزيمة في مثل هذه الحروب ليست الجغرافيا فقط وإنما الاقتصاد أيضاً.

ومن المعروف، في هذا الإطار، أن اليمن يعد من أفقر الدول العربية، والبلد الوحيد في المنطقة ذا الدخل المتدني، حيث بلغ معدل الفقر فيه ما نسبته 35 في المائة، ويعاني الاقتصاد اليمني من اختلالات بنيوية وهيكلية عميقة، وليست هناك مؤشرات ومعالم واضحة نستطيع من خلالها قراءة آثار الأزمات التي يمر بها اليمن بصورة تحليلية سليمة نتيجة لضعف مصادر المعلومات وتضاربها، ناهيك عن عدم الشفافية التي نتجت، بصورة أساسية، عن الفساد الذي استشرى في كثير من مفاصل الدولة ومؤسساتها وأجهزتها.

وتجدر الإشارة إلى أن اليمن يعاني من أزمة اقتصادية خانقة حتى قبل حدوث الأزمة المالية العالمية الأخيرة بسنوات عدة، نتيجة سلسلة متوالية من الحروب والأزمات السياسية والأمنية التي مرّت بها البلاد ولا تزال، كالنزعة الانفصالية في بعض مناطق الجنوب، والقرصنة الصومالية قبالة شواطئ اليمن، فضلاً عن تحدي الإرهاب وتمرد بعض القبائل على شرعية الدولة ومحاولة الالتفاف عليها وتجاوز سلطتها؛ فكل هذه الأزمات وغيرها تجد لها مناخاً مواتياً للبقاء وتزداد زخماً وعنفواناً في ظل أزمة اليمن الاقتصادية طويلة الأمد، وهو ما ينعكس بدوره على أداء الاقتصاد اليمني الهش في الأصل مما زاد من هشاشته وقابليته للانهيار الفعلي، في حال لم يتم إنقاذه بشكل عاجل.

ولا جدال في أن سلسلة الحروب المتعاقبة في محافظة صعدة أسهمت بشكل فعّال في تآكل الاقتصاد الوطني، وهو الأمر الذي أصبح يؤرق كل اليمنيين مما ستؤول إليه هذه الحروب. فمنذ بداية الصراع الذي نشب بين الحوثيين والدولة في عام 2004، واليمن يتجرع الويلات من فصول حرب ما تفتأ تنتهي إحدى جولاتها حتى تبدأ جولة جديدة هي أشد وطأة وأكثر سعيراً. وعلى الرغم من أن الجولة السادسة قد انتهت بعد أن أعلن زعيم التمرد والقائد الميداني عبدالملك الحوثي موافقته على الالتزام بالنقاط الست التي طالبت بها الدولة وآلية تنفيذها، إلا أنه كان هناك توجس من أن هذه الحرب قد تطول أكثر وربما تستمر لسنوات، خاصةً أن الدولة هذه المرة أبدت تصميماً على إنهاء التمرد بشكل تام، والشاهد على ذلك ما جاء في خطاب للرئيس علي عبدالله صالح ألقاه بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لثورة 26 سبتمبر، إذ شدد على (أن الدولة لن تتراجع عن التصدي الحازم لهذه الفتنة حتى يتم إخمادها، حتى لو استمرت المعركة خمس أو ست سنوات). وحملت كلمة الرئيس في ثناياها احتمالين، يقودنا أولهما إلى الفهم بأن للمتمردين الحوثيين قوة عسكرية لا يستهان بها قد تمكنهم من خوض الحرب لسنوات عدة مقبلة. أما الاحتمال الثاني فيحمل في طياته أن هذه الحرب ليست عادية، بل هي حرب شرسة لم يستطع الجيش معها القضاء على تمرد الحوثي خلال فترة قصيرة. ومما يؤكد ما قاله الرئيس صالح تصريحات مصدر عسكري مسؤول في ذلك الوقت، (بأن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد). لكن ما جعل هذه الحرب تخمد نيرانها وتعكس توقعات رئيس الدولة وكبار قادة الجيش، هو دخول المملكة العربية السعودية كطرف في هذه الحرب، وهذا ما أنهك الحوثيين، بالإضافة إلى إدراكهم بأن تدويل هذه القضية ليس في مصلحتهم لذا لجأوا للخضوع للنقاط الست والالتزام بتنفيذها، لكن في تقديري الشخصي أن الحرب العسكرية لم تضع أوزارها بعد، وأن نيران صعدة لم تخمد نهائياً ولا تزال النار تتأجج وتستعر تحت الرماد وقد تنفجر في أي لحظة، وذلك نتيجة للخروقات التي اعتدناها من قبل المتمردين الحوثيين، والخوف من استغلال المتمردين لهذه الفترة واعتبارها فترة تضميد للجراح والاستعداد لجولة سابعة قد تكون أشد ضراوة وعنفاً، خاصة بعد أن اكتسب المتمردين الحوثيين خبرة إضافية من حربهم الأخيرة ضد الجيش من جانب والقوات السعودية في الجانب الآخر. وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها البلاد جراء هذه الحرب، فإن تلك الخسائر لا تمثل سوى بداية لمعركة حقيقية وسلسلة خسائر وتداعيات سلبية قد تبشر بالفعل بتضعضع اقتصادي شامل.

وإذا ما سلمنا بأن الاقتصاد والنمو الاقتصادي هما المحركان الرئيسيان للقوة السياسية والعسكرية لأي بلد من البلدان، فإنه يجب علينا أولاً أن نفهم ما يجري من حولنا من منظور اقتصادي، فاقتصاد اليمن أصلاً منهك، وكان النفط بمثابة أنبوبة الأوكسجين التي تجعله على قيد الحياة في ظروف شبه مستقرة، إلا أن تراجع أسعار النفط قد (أصاب الاقتصاد اليمني في مقتل) نظراً لما تمثله العائدات النفطية من أهمية اقتصادية ومالية كبرى؛ فنسبة عائدات النفط في موارد الموازنة تقدر بـ 95 في المائة من مجمل عوائد التصدير و75 في المائة من إيرادات الموازنة، ويمثل تناقص إنتاج النفط وخطر تقلبات السوق الدولية بفعل الأزمة المالية العالمية، تحدياً مزدوجاً بالنسبة لاقتصاد البلاد. فخلال السنوات الأخيرة تراجع الإنتاج النفطي بنسبة تتراوح بين 6 في المائة و8 في المائة سنوياً، وتقلص مستوى الإنتاج من 420 ألف برميل يومياً عام 2006 إلى 380 ألف برميل عام 2008، وتراوح تراجع إنتاجه العام الفائت ما بين (280 – 300) ألف برميل في اليوم الواحد، وفي الوقت الذي انهارت فيه الأسعار بشكل كبير بدت مخاطره تلوح منذ مطلع العام الحالي، حيث زادت الحكومة من أسعار الوقود بنسبة 14 في المائة بداية العام الحالي لترفع من كاهلها ملياري دولار من الدعم للديزل، وهو ما حصله اليمن من صادراته النفطية في عام 2009. والمؤكد أن تراجع إنتاج النفط وتقلص عوائده بالتالي، سيؤدي إلى زيادة حجم الضغوط المتوقعة على الموازنة العامة ويجعلها عرضة لعجز مالي غير مسبوق بعد أن حققت فائضاً نتيجة للارتفاع النسبي والمتصاعد في أسعار النفط خلال السنوات الثماني الماضية.

وعلى الرغم من دخول اليمن نادي الدول المصدرة للغاز بدءاً من أواخر العام الماضي 2009، فإن صادراته للغاز لا تكفي لتغطية الانخفاض الحاد في مخزونات النفط في الوقت الذي يعيش ما يقرب من 40 في المائة من سكانه على أقل من دولارين يومياً. ومن المتوقع أن يتضاعف عدد السكان الذي يبلغ حالياً 23 مليوناً خلال عشر سنوات، مما يضيف عبئاً جديداً على كاهل الميزانية في المدى القريب. وحسب معهد كارنيغي للسلام الدولي (فإن زيادة المساعدات إلى اليمن، وليس فقط الدعم الأمني المتزايد ستساعد على منع انهيار الدولة إلى جانب موازنة الخيارات الاقتصادية الصعبة التي يجب اتخاذها في اليمن بينما يستعد إلى الانتقال إلى (اقتصاد ما بعد النفط)). فالنفط اليمني سينضب حتماً حتى لو تضاربت آراء المراقبين حول سنة النضوب. ففي عام 2006 تنبأت الخبيرة الدولية في البنك الدولي، إيمان عقداوي، بأن النفط اليمني سينضب في عام 2011، في حين توقعت الحكومة اليمنية أنه سينفد في عام 2014م، وهناك أيضاً توقعات بنفاده في 2018 أو 2019.

ويذكر البنك الدولي أنه بحلول عام 2017م لن تكسب الحكومة اليمنية أي دخل من النفط، لذا يجب على الحكومة أن تستعد لمواجهة مرحلة ما بعد النفط، لاسيما أن هذه التحديات التي تواجهها الحكومة اليمنية أصبحت لا تهدد الاستقرار المحلي وحسب، بل أيضاً الاستقرار الإقليمي والدولي في آن واحد، وإذا ما تركت دون حلول ناجعة، فإن تداعياتها السالبة ستصيب دول المنطقة ككل. وقد أدركت الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ذلك، لذا فإنها أعلنت سعيها لمد يد العون لليمن من أجل حفظ أمنه واستقراره، وكذلك من أجل ضمان مصالحها في المنطقة بشكل أساسي. فالولايات المتحدة تنظر لليمن كشريك استراتيجي في مكافحة الإرهاب، حتى إن اشتكت أحياناً من ضعف فاعليته نتيجة لضعف منظومته الأمنية، ومع ذلك فإن واشنطن تحاول أن تجعل من اليمن شريكاً فعالاً حتى لا يتحول إلى (صومال ثانية) ومصدر للإرهاب. ومن شأن ذلك – كما يعتقد الساسة الأمريكيون – أن يشكل تهديداً للملاحة في البحر الأحمر من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تزايد المخاطر والنزاعات في اليمن من شأنه أن يؤثر سلباً في الاستقرار في المملكة العربية السعودية، وهو ما سينعكس سلباً على أمن إمدادات النفط إلى أوروبا والولايات المتحدة. والحال أن التأثير في إمدادات النفط إلى أوروبا والولايات المتحدة هو كل ما يهمّ المجتمع الغربي، ويجعله ينظم المؤتمرات تلو المؤتمرات من أجل اليمن والحفاظ على أمنه واستقراره. ويمثل طلب إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما زيادة المساعدات الأمريكية لليمن بأكثر من الضعف للسنة المالية 2010 لتصل إلى أكثر من 50 مليون دولار جزءاً من الهمّ الأمريكي للحفاظ على مصالح واشنطن في المنطقة، وهذه المساعدة تستثني التمويل العسكري والأمني، حيث سيقفز التمويل العسكري والأمني الأمريكي هذا العام 2010 إلى أكثر من 150 مليون دولار مخصصة لمكافحة الإرهاب والقرصنة البحرية ودعم حرس الحدود.

وهكذا فإن المصالح مشتركة بين المنظومة الغربية واليمن، وبالتالي فإن على الحكومة اليمنية استغلال هذه المساعدات بأكفأ صورة من أجل المصلحة العامة، خصوصاً أن المشكلات الاقتصادية لليمن قد تفاقمت مؤخراً؛ فبالإضافة إلى نضوب الموارد الطبيعية، فإن السياسة النقدية تعاني هي الأخرى من تضخم يبلغ نحو 10 في المائة سنوياً، الأمر الذي يؤثر في سعر صرف الريال اليمني. والواضح أن مسلسل تدهور سعر الصرف للريال لا يزال متواصلاً، حيث وصل سعر الصرف نهاية العام المنصرم إلى 200 ريال للدولار، ووصل بداية العام الحالي إلى 223 ريال للدولار الواحد. وقد ساهم تآكل القيمة الشرائية للريال بشكل فعّال في تدهور المستوى المعيشي للناس نتيجة للانخفاض الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن الوضع النقدي أصبح مصدر قلق للمستثمرين والمستوردين، وقد أحدث ارتباكاً واضحاً في السوق المحلية؛ فالبنك المركزي اليمني يقوم باستمرار بمحاولات يائسة لدعم الريال بعمليات شراء في السوق المفتوحة، كما أن السياسة المالية تعاني من ضمور في القاعدة الضريبية مما أدى بدوره إلى عجز سنوي في الميزانية يفوق 5 في المائة، والعجز السنوي في الميزانية سيتضاعف مما سيؤثر في اقتصاد البلد بشكل مباشر وجلي، وهذا ما أكده الرئيس علي عبدالله صالح في خطابه المشار إليه سلفاً، إذ أشار إلى أنه تم رصد 10 مليارات ريال في الموازنة السابقة بعد نهاية حرب صعدة الخامسة لمعالجة آثار الحرب، وأنه الآن (سوف تزداد بالعشرات وتتضاعف).

والرئيس لم يكن مخطئاً في ذلك، ففي ظل الحروب يحدث تشوه كبير في تخصيص الموارد، وغالباً ما يحصل هذا التشويه بعيداً عن العملية الإنتاجية تحت مسمى الحفاظ على الأمن، وتنشأ كذلك مشكلة عدم الشفافية في التعامل مع الموارد المالية والاقتصادية، وفي بعض الدول التي تكون فيها حروب ينتفي الفاصل بين العام والخاص لأن المسألة كلها تكون في اتجاه اقتصاد الحرب الذي لا يعتبر فرعاً مستقلاً من فروع علم الاقتصاد، لكنه أسلوب في تحليل الأنشطة العسكرية والمساعدة على معالجتها وإدارتها من منظور اقتصادي، والذي – لأسباب معروفة ومنطقية – يقتضي أن توجه كل الموارد لإيقاف الحرب باعتبارها أولوية قصوى، لأن وقفها يعني بالضرورة إعادة الاستقرار السياسي، وإعادة الاستقرار السياسي يسمح بحل ما تبقى من قضايا، لكن عندما يطول أمد الحرب يصبح التشويه في تخصيص الموارد أكبر، وهذا ما نخشاه. فالصراع في صعدة، والذي أصبح يديم نفسه وأدى إلى نشوء اقتصاد الحرب، يجعلنا أكثر خوفاً من أن نفقد القدرة على الموازنة بين إدارة اقتصاد الحرب وتحقيق التنمية. فالإحصائيات الرسمية تشير إلى أن اليمن خسر ملياراً وثلاثمائة وخمسين مليون دولار جراء التمرد في صعدة، وأكثر من سبعمائة وخمسين مليون دولار جراء الحراك والتوترات الأمنية في بعض المحافظات الجنوبية والشرقية. وهذه الأرقام المخيفة بالنسبة لموازنة اليمن المتواضعة والمتآكلة باطراد، تجعل المواطن البسيط تجحظ عيناه نتيجة ما حققته الحرب في الشمال والحراك في الجنوب من خسائر أدت إلى حرمانه من الرفاهية الاجتماعية التي هي في الأصل هدف الاقتصاد والتنمية الاقتصادية. وفي هذا السياق، اعتبر مسؤول في الصليب الأحمر الدولي أن حرب صعدة (موجهة في الأساس ضد الخزينة العامة، وضد التغذية والتنمية في اليمن).

إذاً فإن التكلفة البشرية والاقتصادية جراء الصراع في صعدة باهظة جداً، والأخطر من ذلك من وجهه نظري هي (الفترة الرمادية) التي تعيشها بعض محافظات الجنوب، فهي خليط من حالة (اللا حرب) وحالة (اللا سلم)، وتعتبر هذه الفترة الرمادية اقتصادياً من أسوأ ما يمكن أن يصيب الاقتصاد وتؤثر سلباً فيه، لأنها لا تسمح باتخاذ القرارات الحاسمة والضرورية اقتصادياً. زد على ذلك أن الفترة المقبلة ستكون – طبقاً لتحذيرات بعض كبار رجالات الدولة – سوداوية للبلاد بشكل عام، فعلى سبيل المثال حذر المستشار السياسي لرئيس الجمهورية عبدالكريم الإرياني من أن العام الحالي (سيكون عام مجاعة في اليمن). وبالطبع لا يمكن التعليق على ذلك، فالإرياني معروف بنظرته المستقبلية الثاقبة لما يجري وما سوف يجري في المستقبل القريب.

باختصار، فإن الحكومة اليمنية أمام مرحلة صعبة أو ما يمكن أن نطلق عليه (حرباً سابعة) يجب خوضها لإعمار ما خلفته الحروب الست الماضية، في حالة افتراض عدم نشوب حرب عسكرية سابعة. وتشير التقديرات إلى أن صعدة تحتاج إلى أربعة مليارات دولار لإعادة الإعمار. والمشكلة هنا لا تكمن في التمويل فقط، بل أيضاً في آلية تنظيم وإدارة هذه الأموال التي سوف تخصص لإعادة الإعمار والنهوض بالاقتصاد الوطني، لا سيما أن الحكومة اعترفت بجوانب القصور في تنفيذ ورسم المشاريع الفعلية والتنموية على الرغم من توافر التمويل الدولي لها منذ مؤتمر لندن عام 2006، حيث لم يستفد اليمن إلا من عُشر ما خصص له من حجم التمويل الدولي. وفي ضوء ذلك، ينبغي على الحكومة أن تتلافى هذا القصور سريعاً، وتبدأ بالاستفادة من دروس التعثّر السابقة والتحرك بشكل عاجل ومدروس للاستفادة من مؤتمر الرياض الأخير ومخرجاته ومن أية معونات محتملة مقبلة، والاستعداد من ثمّ لشن حرب اقتصادية ليس لإعمار صعدة فقط، بل أيضاً لإعادة إعمار الاقتصاد اليمني برمته، وذلك من خلال وضع خطط واقعية تلبي تطلعات واحتياجات الناس بكل فئاتهم وشرائحهم الاجتماعية، وبحيث تخرج هذه الخطط إلى النور ولا تظل حبيسة أدراج المكاتب.

فاليمن اليوم يحتاج إلى إرادة قوية وصلبة لتجاوز أزماته السياسية والأمنية والاقتصادية، ولن يكون ذلك من دون ربط الحل الاقتصادي بالحل السياسي، (فالسياسة والاقتصاد توأمان لا ينفصلان أبداً) حسب مقولة العالم الاقتصادي الشهير چون ماينارد كينز. فلا يمكن وضع أية خطط استراتيجية للنهوض بالبلد إلا في ظل استقرار سياسي، ولن يمكن تحقيق أي نوع من أنواع الشفافية في إدارة الموارد الاقتصادية من دون استقرار سياسي كذلك، ولن يحصل هذا الاستقرار السياسي من دون تحقيق الاصطفاف الوطني الذي دعا إليه الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، والذي سوف يحقق لليمن استقراراً سياسياً وأمنياً سيقودان بدورهما إلى نمو اقتصادي مُستدام.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3064::/cck::
::introtext::

بإعلان الرئيس اليمني علي عبدالله صالح في الثاني عشر من فبراير 2010 وقف العمليات العسكرية في محافظة صعدة، أُسدِل الستار عن الفصل السادس من الحرب بين المتمردين الحوثيين والدولة، إيذاناً بانتهاء القتال الذي دام أكثر من ستة أشهر وراح ضحيته المئات من اليمنيين، وأتى على الشجر والحجر، فهل ستسطع شمس السلام أخيراً في مدينة عرفت بمدينة السلام، أم أن دويّ المدافع وأزيز الطائرات وهدير الدبابات ستعود مجدداً لتأكل الأخضر واليابس، وتجعل الأمل رماداً؟

::/introtext::
::fulltext::

بإعلان الرئيس اليمني علي عبدالله صالح في الثاني عشر من فبراير 2010 وقف العمليات العسكرية في محافظة صعدة، أُسدِل الستار عن الفصل السادس من الحرب بين المتمردين الحوثيين والدولة، إيذاناً بانتهاء القتال الذي دام أكثر من ستة أشهر وراح ضحيته المئات من اليمنيين، وأتى على الشجر والحجر، فهل ستسطع شمس السلام أخيراً في مدينة عرفت بمدينة السلام، أم أن دويّ المدافع وأزيز الطائرات وهدير الدبابات ستعود مجدداً لتأكل الأخضر واليابس، وتجعل الأمل رماداً؟

لقد كانت حرب صعدة السادسة في حقيقة الأمر مقدمة لمرحلة جديدة بدأت ملامحها تلوح في الأفق، وتبشر بأن اليمن واقتصاده الهشّ قد دخلا مرحلة حرجة وسيظلان يعانيان من مضاعفاتها لسنوات عديدة مقبلة، الأمر الذي قد يحتاج إلى معجزة تساهم في تعافيهما (البلد واقتصاده معاً) ولو بنسبة بسيطة. فالثابت أن الحروب الداخلية تعتبر من أسوأ أنواع الحروب، لأن المحصلة النهائية لها خسارة عامة يتكبّدها جميع أفراد الشعب من دون استثناء، ويدفع البلد ثمن فاتورتها من رصيد استقراره وأمنه ومقدراته الاقتصادية والتنموية، وتكون على حساب ازدهاره ورخائه وتقدمه. ومن هنا، فإن ساحة المعركة الحقيقية التي تحدد النصر أو الهزيمة في مثل هذه الحروب ليست الجغرافيا فقط وإنما الاقتصاد أيضاً.

ومن المعروف، في هذا الإطار، أن اليمن يعد من أفقر الدول العربية، والبلد الوحيد في المنطقة ذا الدخل المتدني، حيث بلغ معدل الفقر فيه ما نسبته 35 في المائة، ويعاني الاقتصاد اليمني من اختلالات بنيوية وهيكلية عميقة، وليست هناك مؤشرات ومعالم واضحة نستطيع من خلالها قراءة آثار الأزمات التي يمر بها اليمن بصورة تحليلية سليمة نتيجة لضعف مصادر المعلومات وتضاربها، ناهيك عن عدم الشفافية التي نتجت، بصورة أساسية، عن الفساد الذي استشرى في كثير من مفاصل الدولة ومؤسساتها وأجهزتها.

وتجدر الإشارة إلى أن اليمن يعاني من أزمة اقتصادية خانقة حتى قبل حدوث الأزمة المالية العالمية الأخيرة بسنوات عدة، نتيجة سلسلة متوالية من الحروب والأزمات السياسية والأمنية التي مرّت بها البلاد ولا تزال، كالنزعة الانفصالية في بعض مناطق الجنوب، والقرصنة الصومالية قبالة شواطئ اليمن، فضلاً عن تحدي الإرهاب وتمرد بعض القبائل على شرعية الدولة ومحاولة الالتفاف عليها وتجاوز سلطتها؛ فكل هذه الأزمات وغيرها تجد لها مناخاً مواتياً للبقاء وتزداد زخماً وعنفواناً في ظل أزمة اليمن الاقتصادية طويلة الأمد، وهو ما ينعكس بدوره على أداء الاقتصاد اليمني الهش في الأصل مما زاد من هشاشته وقابليته للانهيار الفعلي، في حال لم يتم إنقاذه بشكل عاجل.

ولا جدال في أن سلسلة الحروب المتعاقبة في محافظة صعدة أسهمت بشكل فعّال في تآكل الاقتصاد الوطني، وهو الأمر الذي أصبح يؤرق كل اليمنيين مما ستؤول إليه هذه الحروب. فمنذ بداية الصراع الذي نشب بين الحوثيين والدولة في عام 2004، واليمن يتجرع الويلات من فصول حرب ما تفتأ تنتهي إحدى جولاتها حتى تبدأ جولة جديدة هي أشد وطأة وأكثر سعيراً. وعلى الرغم من أن الجولة السادسة قد انتهت بعد أن أعلن زعيم التمرد والقائد الميداني عبدالملك الحوثي موافقته على الالتزام بالنقاط الست التي طالبت بها الدولة وآلية تنفيذها، إلا أنه كان هناك توجس من أن هذه الحرب قد تطول أكثر وربما تستمر لسنوات، خاصةً أن الدولة هذه المرة أبدت تصميماً على إنهاء التمرد بشكل تام، والشاهد على ذلك ما جاء في خطاب للرئيس علي عبدالله صالح ألقاه بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لثورة 26 سبتمبر، إذ شدد على (أن الدولة لن تتراجع عن التصدي الحازم لهذه الفتنة حتى يتم إخمادها، حتى لو استمرت المعركة خمس أو ست سنوات). وحملت كلمة الرئيس في ثناياها احتمالين، يقودنا أولهما إلى الفهم بأن للمتمردين الحوثيين قوة عسكرية لا يستهان بها قد تمكنهم من خوض الحرب لسنوات عدة مقبلة. أما الاحتمال الثاني فيحمل في طياته أن هذه الحرب ليست عادية، بل هي حرب شرسة لم يستطع الجيش معها القضاء على تمرد الحوثي خلال فترة قصيرة. ومما يؤكد ما قاله الرئيس صالح تصريحات مصدر عسكري مسؤول في ذلك الوقت، (بأن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد). لكن ما جعل هذه الحرب تخمد نيرانها وتعكس توقعات رئيس الدولة وكبار قادة الجيش، هو دخول المملكة العربية السعودية كطرف في هذه الحرب، وهذا ما أنهك الحوثيين، بالإضافة إلى إدراكهم بأن تدويل هذه القضية ليس في مصلحتهم لذا لجأوا للخضوع للنقاط الست والالتزام بتنفيذها، لكن في تقديري الشخصي أن الحرب العسكرية لم تضع أوزارها بعد، وأن نيران صعدة لم تخمد نهائياً ولا تزال النار تتأجج وتستعر تحت الرماد وقد تنفجر في أي لحظة، وذلك نتيجة للخروقات التي اعتدناها من قبل المتمردين الحوثيين، والخوف من استغلال المتمردين لهذه الفترة واعتبارها فترة تضميد للجراح والاستعداد لجولة سابعة قد تكون أشد ضراوة وعنفاً، خاصة بعد أن اكتسب المتمردين الحوثيين خبرة إضافية من حربهم الأخيرة ضد الجيش من جانب والقوات السعودية في الجانب الآخر. وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها البلاد جراء هذه الحرب، فإن تلك الخسائر لا تمثل سوى بداية لمعركة حقيقية وسلسلة خسائر وتداعيات سلبية قد تبشر بالفعل بتضعضع اقتصادي شامل.

وإذا ما سلمنا بأن الاقتصاد والنمو الاقتصادي هما المحركان الرئيسيان للقوة السياسية والعسكرية لأي بلد من البلدان، فإنه يجب علينا أولاً أن نفهم ما يجري من حولنا من منظور اقتصادي، فاقتصاد اليمن أصلاً منهك، وكان النفط بمثابة أنبوبة الأوكسجين التي تجعله على قيد الحياة في ظروف شبه مستقرة، إلا أن تراجع أسعار النفط قد (أصاب الاقتصاد اليمني في مقتل) نظراً لما تمثله العائدات النفطية من أهمية اقتصادية ومالية كبرى؛ فنسبة عائدات النفط في موارد الموازنة تقدر بـ 95 في المائة من مجمل عوائد التصدير و75 في المائة من إيرادات الموازنة، ويمثل تناقص إنتاج النفط وخطر تقلبات السوق الدولية بفعل الأزمة المالية العالمية، تحدياً مزدوجاً بالنسبة لاقتصاد البلاد. فخلال السنوات الأخيرة تراجع الإنتاج النفطي بنسبة تتراوح بين 6 في المائة و8 في المائة سنوياً، وتقلص مستوى الإنتاج من 420 ألف برميل يومياً عام 2006 إلى 380 ألف برميل عام 2008، وتراوح تراجع إنتاجه العام الفائت ما بين (280 – 300) ألف برميل في اليوم الواحد، وفي الوقت الذي انهارت فيه الأسعار بشكل كبير بدت مخاطره تلوح منذ مطلع العام الحالي، حيث زادت الحكومة من أسعار الوقود بنسبة 14 في المائة بداية العام الحالي لترفع من كاهلها ملياري دولار من الدعم للديزل، وهو ما حصله اليمن من صادراته النفطية في عام 2009. والمؤكد أن تراجع إنتاج النفط وتقلص عوائده بالتالي، سيؤدي إلى زيادة حجم الضغوط المتوقعة على الموازنة العامة ويجعلها عرضة لعجز مالي غير مسبوق بعد أن حققت فائضاً نتيجة للارتفاع النسبي والمتصاعد في أسعار النفط خلال السنوات الثماني الماضية.

وعلى الرغم من دخول اليمن نادي الدول المصدرة للغاز بدءاً من أواخر العام الماضي 2009، فإن صادراته للغاز لا تكفي لتغطية الانخفاض الحاد في مخزونات النفط في الوقت الذي يعيش ما يقرب من 40 في المائة من سكانه على أقل من دولارين يومياً. ومن المتوقع أن يتضاعف عدد السكان الذي يبلغ حالياً 23 مليوناً خلال عشر سنوات، مما يضيف عبئاً جديداً على كاهل الميزانية في المدى القريب. وحسب معهد كارنيغي للسلام الدولي (فإن زيادة المساعدات إلى اليمن، وليس فقط الدعم الأمني المتزايد ستساعد على منع انهيار الدولة إلى جانب موازنة الخيارات الاقتصادية الصعبة التي يجب اتخاذها في اليمن بينما يستعد إلى الانتقال إلى (اقتصاد ما بعد النفط)). فالنفط اليمني سينضب حتماً حتى لو تضاربت آراء المراقبين حول سنة النضوب. ففي عام 2006 تنبأت الخبيرة الدولية في البنك الدولي، إيمان عقداوي، بأن النفط اليمني سينضب في عام 2011، في حين توقعت الحكومة اليمنية أنه سينفد في عام 2014م، وهناك أيضاً توقعات بنفاده في 2018 أو 2019.

ويذكر البنك الدولي أنه بحلول عام 2017م لن تكسب الحكومة اليمنية أي دخل من النفط، لذا يجب على الحكومة أن تستعد لمواجهة مرحلة ما بعد النفط، لاسيما أن هذه التحديات التي تواجهها الحكومة اليمنية أصبحت لا تهدد الاستقرار المحلي وحسب، بل أيضاً الاستقرار الإقليمي والدولي في آن واحد، وإذا ما تركت دون حلول ناجعة، فإن تداعياتها السالبة ستصيب دول المنطقة ككل. وقد أدركت الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ذلك، لذا فإنها أعلنت سعيها لمد يد العون لليمن من أجل حفظ أمنه واستقراره، وكذلك من أجل ضمان مصالحها في المنطقة بشكل أساسي. فالولايات المتحدة تنظر لليمن كشريك استراتيجي في مكافحة الإرهاب، حتى إن اشتكت أحياناً من ضعف فاعليته نتيجة لضعف منظومته الأمنية، ومع ذلك فإن واشنطن تحاول أن تجعل من اليمن شريكاً فعالاً حتى لا يتحول إلى (صومال ثانية) ومصدر للإرهاب. ومن شأن ذلك – كما يعتقد الساسة الأمريكيون – أن يشكل تهديداً للملاحة في البحر الأحمر من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تزايد المخاطر والنزاعات في اليمن من شأنه أن يؤثر سلباً في الاستقرار في المملكة العربية السعودية، وهو ما سينعكس سلباً على أمن إمدادات النفط إلى أوروبا والولايات المتحدة. والحال أن التأثير في إمدادات النفط إلى أوروبا والولايات المتحدة هو كل ما يهمّ المجتمع الغربي، ويجعله ينظم المؤتمرات تلو المؤتمرات من أجل اليمن والحفاظ على أمنه واستقراره. ويمثل طلب إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما زيادة المساعدات الأمريكية لليمن بأكثر من الضعف للسنة المالية 2010 لتصل إلى أكثر من 50 مليون دولار جزءاً من الهمّ الأمريكي للحفاظ على مصالح واشنطن في المنطقة، وهذه المساعدة تستثني التمويل العسكري والأمني، حيث سيقفز التمويل العسكري والأمني الأمريكي هذا العام 2010 إلى أكثر من 150 مليون دولار مخصصة لمكافحة الإرهاب والقرصنة البحرية ودعم حرس الحدود.

وهكذا فإن المصالح مشتركة بين المنظومة الغربية واليمن، وبالتالي فإن على الحكومة اليمنية استغلال هذه المساعدات بأكفأ صورة من أجل المصلحة العامة، خصوصاً أن المشكلات الاقتصادية لليمن قد تفاقمت مؤخراً؛ فبالإضافة إلى نضوب الموارد الطبيعية، فإن السياسة النقدية تعاني هي الأخرى من تضخم يبلغ نحو 10 في المائة سنوياً، الأمر الذي يؤثر في سعر صرف الريال اليمني. والواضح أن مسلسل تدهور سعر الصرف للريال لا يزال متواصلاً، حيث وصل سعر الصرف نهاية العام المنصرم إلى 200 ريال للدولار، ووصل بداية العام الحالي إلى 223 ريال للدولار الواحد. وقد ساهم تآكل القيمة الشرائية للريال بشكل فعّال في تدهور المستوى المعيشي للناس نتيجة للانخفاض الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن الوضع النقدي أصبح مصدر قلق للمستثمرين والمستوردين، وقد أحدث ارتباكاً واضحاً في السوق المحلية؛ فالبنك المركزي اليمني يقوم باستمرار بمحاولات يائسة لدعم الريال بعمليات شراء في السوق المفتوحة، كما أن السياسة المالية تعاني من ضمور في القاعدة الضريبية مما أدى بدوره إلى عجز سنوي في الميزانية يفوق 5 في المائة، والعجز السنوي في الميزانية سيتضاعف مما سيؤثر في اقتصاد البلد بشكل مباشر وجلي، وهذا ما أكده الرئيس علي عبدالله صالح في خطابه المشار إليه سلفاً، إذ أشار إلى أنه تم رصد 10 مليارات ريال في الموازنة السابقة بعد نهاية حرب صعدة الخامسة لمعالجة آثار الحرب، وأنه الآن (سوف تزداد بالعشرات وتتضاعف).

والرئيس لم يكن مخطئاً في ذلك، ففي ظل الحروب يحدث تشوه كبير في تخصيص الموارد، وغالباً ما يحصل هذا التشويه بعيداً عن العملية الإنتاجية تحت مسمى الحفاظ على الأمن، وتنشأ كذلك مشكلة عدم الشفافية في التعامل مع الموارد المالية والاقتصادية، وفي بعض الدول التي تكون فيها حروب ينتفي الفاصل بين العام والخاص لأن المسألة كلها تكون في اتجاه اقتصاد الحرب الذي لا يعتبر فرعاً مستقلاً من فروع علم الاقتصاد، لكنه أسلوب في تحليل الأنشطة العسكرية والمساعدة على معالجتها وإدارتها من منظور اقتصادي، والذي – لأسباب معروفة ومنطقية – يقتضي أن توجه كل الموارد لإيقاف الحرب باعتبارها أولوية قصوى، لأن وقفها يعني بالضرورة إعادة الاستقرار السياسي، وإعادة الاستقرار السياسي يسمح بحل ما تبقى من قضايا، لكن عندما يطول أمد الحرب يصبح التشويه في تخصيص الموارد أكبر، وهذا ما نخشاه. فالصراع في صعدة، والذي أصبح يديم نفسه وأدى إلى نشوء اقتصاد الحرب، يجعلنا أكثر خوفاً من أن نفقد القدرة على الموازنة بين إدارة اقتصاد الحرب وتحقيق التنمية. فالإحصائيات الرسمية تشير إلى أن اليمن خسر ملياراً وثلاثمائة وخمسين مليون دولار جراء التمرد في صعدة، وأكثر من سبعمائة وخمسين مليون دولار جراء الحراك والتوترات الأمنية في بعض المحافظات الجنوبية والشرقية. وهذه الأرقام المخيفة بالنسبة لموازنة اليمن المتواضعة والمتآكلة باطراد، تجعل المواطن البسيط تجحظ عيناه نتيجة ما حققته الحرب في الشمال والحراك في الجنوب من خسائر أدت إلى حرمانه من الرفاهية الاجتماعية التي هي في الأصل هدف الاقتصاد والتنمية الاقتصادية. وفي هذا السياق، اعتبر مسؤول في الصليب الأحمر الدولي أن حرب صعدة (موجهة في الأساس ضد الخزينة العامة، وضد التغذية والتنمية في اليمن).

إذاً فإن التكلفة البشرية والاقتصادية جراء الصراع في صعدة باهظة جداً، والأخطر من ذلك من وجهه نظري هي (الفترة الرمادية) التي تعيشها بعض محافظات الجنوب، فهي خليط من حالة (اللا حرب) وحالة (اللا سلم)، وتعتبر هذه الفترة الرمادية اقتصادياً من أسوأ ما يمكن أن يصيب الاقتصاد وتؤثر سلباً فيه، لأنها لا تسمح باتخاذ القرارات الحاسمة والضرورية اقتصادياً. زد على ذلك أن الفترة المقبلة ستكون – طبقاً لتحذيرات بعض كبار رجالات الدولة – سوداوية للبلاد بشكل عام، فعلى سبيل المثال حذر المستشار السياسي لرئيس الجمهورية عبدالكريم الإرياني من أن العام الحالي (سيكون عام مجاعة في اليمن). وبالطبع لا يمكن التعليق على ذلك، فالإرياني معروف بنظرته المستقبلية الثاقبة لما يجري وما سوف يجري في المستقبل القريب.

باختصار، فإن الحكومة اليمنية أمام مرحلة صعبة أو ما يمكن أن نطلق عليه (حرباً سابعة) يجب خوضها لإعمار ما خلفته الحروب الست الماضية، في حالة افتراض عدم نشوب حرب عسكرية سابعة. وتشير التقديرات إلى أن صعدة تحتاج إلى أربعة مليارات دولار لإعادة الإعمار. والمشكلة هنا لا تكمن في التمويل فقط، بل أيضاً في آلية تنظيم وإدارة هذه الأموال التي سوف تخصص لإعادة الإعمار والنهوض بالاقتصاد الوطني، لا سيما أن الحكومة اعترفت بجوانب القصور في تنفيذ ورسم المشاريع الفعلية والتنموية على الرغم من توافر التمويل الدولي لها منذ مؤتمر لندن عام 2006، حيث لم يستفد اليمن إلا من عُشر ما خصص له من حجم التمويل الدولي. وفي ضوء ذلك، ينبغي على الحكومة أن تتلافى هذا القصور سريعاً، وتبدأ بالاستفادة من دروس التعثّر السابقة والتحرك بشكل عاجل ومدروس للاستفادة من مؤتمر الرياض الأخير ومخرجاته ومن أية معونات محتملة مقبلة، والاستعداد من ثمّ لشن حرب اقتصادية ليس لإعمار صعدة فقط، بل أيضاً لإعادة إعمار الاقتصاد اليمني برمته، وذلك من خلال وضع خطط واقعية تلبي تطلعات واحتياجات الناس بكل فئاتهم وشرائحهم الاجتماعية، وبحيث تخرج هذه الخطط إلى النور ولا تظل حبيسة أدراج المكاتب.

فاليمن اليوم يحتاج إلى إرادة قوية وصلبة لتجاوز أزماته السياسية والأمنية والاقتصادية، ولن يكون ذلك من دون ربط الحل الاقتصادي بالحل السياسي، (فالسياسة والاقتصاد توأمان لا ينفصلان أبداً) حسب مقولة العالم الاقتصادي الشهير چون ماينارد كينز. فلا يمكن وضع أية خطط استراتيجية للنهوض بالبلد إلا في ظل استقرار سياسي، ولن يمكن تحقيق أي نوع من أنواع الشفافية في إدارة الموارد الاقتصادية من دون استقرار سياسي كذلك، ولن يحصل هذا الاستقرار السياسي من دون تحقيق الاصطفاف الوطني الذي دعا إليه الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، والذي سوف يحقق لليمن استقراراً سياسياً وأمنياً سيقودان بدورهما إلى نمو اقتصادي مُستدام.

::/fulltext::
::cck::3064::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *