محددات فهم العلاقات التركية-الإسرائيلية

::cck::3087::/cck::
::introtext::

غالباً ما تخضع العلاقات التركية- الإسرائيلية لمقاربات عاطفية لدى الكثير من الأوساط العربية، فتأتي مغالية في التصورات وغير واقعية في الغالب، سواءً في حالة الوفاق بين تل أبيب وأنقرة، كما كان عليه الأمر قبل استلام حزب العدالة الحكم في تركيا، أو في حالة التوتر أو عدم الانسجام كما هو عليه الأمر في هذه المرحلة.

::/introtext::
::fulltext::

غالباً ما تخضع العلاقات التركية- الإسرائيلية لمقاربات عاطفية لدى الكثير من الأوساط العربية، فتأتي مغالية في التصورات وغير واقعية في الغالب، سواءً في حالة الوفاق بين تل أبيب وأنقرة، كما كان عليه الأمر قبل استلام حزب العدالة الحكم في تركيا، أو في حالة التوتر أو عدم الانسجام كما هو عليه الأمر في هذه المرحلة.
من هذا المنطلق، يأتي هذا المقال ليشرح القواعد الأساسية التي بنيت عليها العلاقة بين كل من أنقرة وتل أبيب، في محاولة لرسم صورة واقعية موضوعية تفسر طبيعة التحول الذي طرأ على العلاقة بين الطرفين بعد استلام حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا، والعوامل التي أسهمت في هذا التحول مع الإضاءة على مبادئ السياسة الخارجية التركية المستجدة أو ما يعرف باسم (مبادئ أوغلو) التي لعبت دوراً في تغيير قواعد اللعبة، وسببت التباين الحالي بين رؤى أنقرة ورؤى تل أبيب لمنطقة الشرق الأوسط وطبيعة ودور كل منهما فيها.
البعد التاريخي للعلاقة الثنائية التركية-الإسرائيلية
بعد انقضاء أقل من عام على إعلان قيام الكيان الإسرائيلي اعترفت تركيا بإسرائيل، فكانت بذلك أول دولة إسلامية تعترف بهذا الكيان العام 1949. وعلى الرغم من ذلك، فإن التمثيل الدبلوماسي بين الطرفين تأخر حتى العام 1950، وكان لهذه الخطوة وقعها في السياسة الإسرائيلية التي اعتبرتها مكسباً استراتيجياً يصب في خدمة عدد من الأهداف البعيدة المدى، ومنها:
1- اختراق الدائرة الإسلامية وتعزيز شرعية إسرائيل الإقليمية والدولية، ما يعني إمكانية أن تكون هذه العلاقة نموذجاً للعلاقة مع العديد من الدول الإسلامية الخائفة أو المترددة سواءً بسبب العامل الديني الذي يمنعها من ذلك أو بسبب عوامل نفسية أو شعبية أخرى.
2- تثبيت الخطة الجيوبوليتيكية الإسرائيلية لـ (بن غوريون)، القاضية بمحاصرة العالم العربي، وتعرف باسم (نظرية التخوم) أو (التحالف المحيط) أو (سياسة شد الأطراف). وتقوم هذه النظرية على محاصرة العمق العربي بحزام معاد من الدول (الأقليات) مثل إيران وتركيا وأثيوبيا والهند لتقويض القومية العربية وتأمين التواصل مع المحيط الجيوبوليتيكي الخارجي لإسرائيل وتوجيه الضغط باتجاه الدول العربية.
وعلى الرغم من البداية المبكرة للعلاقات الثنائية، إلا أنها لم تكتسب الزخم المطلوب والذروة المتوقعة إلا في التسعينات من القرن الماضي، ذلك بأن هذه الفترة شهدت مشاركة الطرفين التحديات نفسها والهواجس الأمنية والأولويات الجيوبوليتيكية، الأمر الذي جعل عدداً من الملفات المشتركة قاعدة ترتكز عليها العلاقات الثنائية، نذكر منها على سبيل المثال:
أولاً: العدو المشترك
شكلت سوريا في تلك المرحلة عدواً مشتركاً لكل من إسرائيل وتركيا، خاصة أن الأخيرة كانت تعاني مشكلات معها في ما يتعلق بدعم دمشق للمتمردين الأكراد، مشكلة لواء الاسكندرون، مشكلة المياه، مشكلات حدودية وعدد من المشكلات ذات الطابع الأمني والتي تشكل أولوية قصوى لدى الطبقة العسكرية العلمانية الأتاتوركية والتي كانت تحكم تركيا آنذاك.
ثانياً: محاربة (التطرف الإسلامي)
كما كان معلوماً، فإن الطبقة الأتاتوركية العسكرية المسيطرة على الحياة السياسية في تركيا تعتبر الإسلاميين أو أي رمز قد ينتسب إليهم من قريب أو بعيد خطراً يهدد النظام ويجب مكافحته والقضاء عليه. فيما ترى إسرائيل من جانبها النموذج العلماني التركي عاملاً معززاً للترويج لنظريتها عن محاربة (التطرف الإسلامي) في المنطقة، ولذلك كانت تنظر بارتياح وتشجيع للمبادرة التركية والنموذج التركي للتعاطي مع الإسلاميين.
ثالثاً: التهديد الوجودي
كانت النخبة التركية ترى في القضية الكردية تهديداً وجودياً للدولة القومية الموحدة. ولذلك لم يتم الاعتراف بالهوية الكردية، وأطلق على الأكراد لقب (أتراك الجبل)، وتم قمعهم وحرمانهم من حقوقهم والتضييق عليهم ومحاربة رموزهم. في المقابل، كانت إسرائيل تنظر إلى الفلسطينيين بالعين نفسها، وقد تبرع الإسرائيليون في تلك المرحلة بنقل ونشر (خبرتهم) و(تجربتهم) و(وسائلهم) المستخدمة في القمع والحصار ومحاربة من يسمونهم (الإرهابيين) وحرب المدن إلى العسكريين الأتراك، كما إلى غيرهم من المهتمين في العالم.
رابعاً: التكامل الاقتصادي
اعتقد الأتراك أن العلاقة مع إسرائيل قد تساعد على تسهيل تدفق الاستثمارات التي يحتاجون إليها بشدة في مختلف المجالات، وأن من شأن هذه العلاقة تسهيل التعاون المشترك في المشاريع الضخمة الزراعية والصناعية، لا سيما أن فرص التكامل الاقتصادي بين الطرفين تعد عالية. في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تنظر إلى تركيا على أنها تشكل بوابة لتحصين أمن الطاقة لديها والأمن المائي عبر الاستعانة بثروات أنقرة المائية ضمن مشاريع وصفقات مشتركة، وأيضاً عبر موقع تركيا الذي باستطاعته أن يؤمن تدفق النفط والغاز من آسيا الوسطى أو روسيا أو إيران أو غيرها من الدول لإسرائيل.
أهمية تركيا في المنظور الاستراتيجي لإسرائيل
ومع مرور الزمن، تعمق هذا الدور وارتفعت معه أهمية تركيا الاستراتيجية بالنسبة لإسرائيل لتأخذ أبعاداً وأشكالاً مختلفة منها:
أولاً: من الناحية السياسية
تشكل تركيا نموذجاً للدولة الإسلامية العلمانية البراغماتية وهو ما يترك ارتياحاً عند الإسرائيليين حول إمكانية أن يتم نسج علاقات تحالف وصداقة مماثلة مع دول إسلامية أخرى، خاصة أن تركيا دولة ذات ثقل سياسي وثقافي واقتصادي وجيوبوليتيكي في عدد من الفضاءات الإقليمية، في آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان والشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
كما يمكن لتركيا أن تلعب دور الجسر و/أو الوسيط بين إسرائيل وعدد من الدول الأخرى التي لها ملفات عالقة. فقد سبق لتركيا على سبيل المثال أن استضافت مرات عديدة في فترات سابقة لقاءات سرية إسرائيلية-إيرانية، وكذلك قامت بترتيب مفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل وسوريا وتدخلت في تسليم رسائل متبادلة بين (حماس) وإسرائيل.
ثانياً: من الناحية الاقتصادية
تمثل تركيا سوقاً استهلاكية كبيرة ويستطيع اقتصادها أن يعمل كمتنفس إقليمي للاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني شبه عزلة إقليمية، ويعتمد بشكل أساسي على علاقته مع أوروبا وأمريكا، خاصة أن التبادل التجاري بين البلدين يعد جزءاً من شبكة اقتصادية واستثمارية أوسع، وهو قد سجل خلال العام 2008 رقماً قياسياً بلغ حجمه حوالي 3.3 مليار دولار بواقع 1.9 مليار دولار كصادرات تركية لتتحول أنقرة إلى الشريك التجاري رقم 8 لإسرائيل.
كما تم التركيز على العديد من المشاريع التي يمكن الاستفادة فيها من مقومات تركيا الاقتصادية التي تجعل التكامل الاقتصادي مع إسرائيل أمراً مغرياً جداً. واستقطب القطاع السياحي التركي حوالي نصف مليون إسرائيلي العام 2008، أي ما يشكل نسبة (7- 8 في المائة) من مجموع سكان إسرائيل وهو أمر ليس بالسهل تحقيقه على الإطلاق ما لم تكن العلاقات جيدة إن لم نقل ممتازة بين الطرفين.
ثالثاً: من الناحية العسكرية
تعتبر تركيا الدولة الإقليمية الوحيدة والتي تمتلك علاقات عسكرية رسمية مع تل أبيب، ولطالما شكلت تركيا عنصراً مهماً في السياسة الأمنية الإسرائيلية على المستوى الإقليمي. إذ عقد الطرفان في التسعينات من القرن الماضي أكثر من 20 اتفاقاً عسكرياً أساسياً، يوفر أحدها على سبيل المثال الفرصة لإسرائيل سنوياً باستخدام الأجواء التركية للقيام بتدريبات عسكرية وطلعات جوية وهو أمر في غاية الأهمية لتل أبيب نظراً لمحدودية مجالها الجوي من جهة ولقرب تركيا من مواقع ذات قيمة استراتيجية لتل أبيب مثل إيران والعراق وآسيا الوسطى.
واستفادت إسرائيل عبر هذه الاتفاقات من جعل أنقرة سوقاً ضخمة لمنتجاتها من الأسلحة والمعدات العسكرية. إذ بلغت على سبيل المثال قيمة الصادرات الإسرائيلية من السلاح العام 2009 حوالي 6.7 مليار دولار مقابل حوالي 6.3 مليار دولار في 2008، وهو العام الذي استوعبت فيه تركيا حوالي نصف الصادرات الإسرائيلية من السلاح وفقاً لتقرير مجموعة جينز العسكرية.
تراجع أهمية إسرائيل بالنسبة للسياسة التركية
على الجانب الآخر من الصورة، أوجد مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا العام 2002 ومن ثم تعزيز سلطته في كافة المواقع السياسية الأساسية والرئيسية في الدولة، واقعاً جديداً لا سيما مع وضع سياسة أحمد داوود أوغلو موضع التنفيذ، الأمر الذي أعطى للاعب التركي في المنطقة نقلة نوعية، وسمح لتركيا بصعود إقليمي تفاعلي (Interactive) غير صدامي.
وحفلت هذه الفترة بالعديد من المتغيرات التي طرأت على العلاقات التركية-الإسرائيلية والتي جعلت من الأخيرة (تل أبيب) أقل أهمية في الحسبة الكلية الاستراتيجية للأتراك، ومنها:
1- فقدان العدو المشترك: مع تطور العلاقات التركية-السورية بشكل دراماتيكي إيجابي وسريع، لم تعد أنقرة تنظر إلى دمشق كعدو يتطلب التعامل معه إنشاء علاقات أمنية قوية مع تل أبيب، وفقدت إسرائيل بالتالي ورقة العدو المشترك الذي كانت تركيا تسعى إلى الإحاطة به عبر تحالف قوي معها.
2- تجميد عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي: إذ أدت هذه السياسة عملياً إلى التخلي عن الفرضية القائلة بأن التقرب من إسرائيل من شأنه أن يفتح البوابة الأوروبية أمام الانضمام التركي، أو أن يزيد من الضغط الأمريكي على الأوروبيين على الأقل في هذا المجال. ولذلك فقد أصبحت الورقة الإسرائيلية غير ذات معنى أو جدوى في هذا الإطار.
3- انخفاض القيمة التكنولوجية للأسلحة الإسرائيلية: لقد تبين للعسكريين الأتراك أن بعض الصفقات العسكرية مع إسرائيل كان دون مستوى الشروط الموضوعة أو المواصفات المتوقعة، وأن عدداً من الأسلحة التي تم شراؤها تعاني خللاً خاصة في ما يتعلق بصفقة طائرات الاستطلاع السابقة. ومع تحسن الوضع الاقتصادي المحلي أصبح باستطاعة أنقرة الاستعاضة عن واردات الأسلحة الإسرائيلية والبحث عن موردين آخرين وإن كلفها ذلك المزيد من المال.
4- تحولات القضية الكردية: كانت المتطلبات الأمنية التركية تجاه الأكراد تقتضي أن تكون علاقات أنقرة الأمنية والاستخباراتية مع تل أبيب قوية، نظراً لقدرة الأخيرة على المساعدة في هذا الملف بشكل فاعل، لا سيما إذا ما علمنا أن العديد من المعلومات تقاطعت حول دور مفترض لتل أبيب في القبض على المتمرد الكردي الأول (عبدالله أوجلان) في عملية كوموندوز في العام 1999 وتسليمه إلى السلطات التركية. لكن انفتاح تركيا اليوم على أكراد الداخل، وعلى أكراد الخارج عبر جيرانها الذين يشاركونها الحساسية الكردية، والتواصل المباشر مع أكراد العراق، أفقدا العامل الإسرائيلي دوره وأهميته.
أبعاد الأزمات السياسية والدبلوماسية الثنائية المستجدة
أدت سياسة تركيا الخارجية الجديدة القائمة على المبادئ الخمسة إلى أن تصبح على مسافة واحدة من الجميع، إذ لم يعد هناك من مبرر لانحيازها إلى إسرائيل خاصة بعدما فقدت الأخيرة أهميتها الاستراتيجية بعد الانفتاح التركي الكبير على كل دول المنطقة.
وسعت أنقرة من خلال هذا الانفتاح إلى لعب دور الوسيط من موقع النزيه العادل لإنجاز السلام أو أقله تحقيق الاستقرار المنشود في المنطقة، وهو الهدف الأول لسياسة تركيا الخارجية والذي يسمح لها بالصعود الإقليمي وتحقيق مصالحها العليا.
وحققت هذه السياسة نجاحات كبيرة في تهيئة المناخ الملائم للتفاوض غير المباشر بين إسرائيل وسوريا، الأمر الذي عجز عنه الأمريكيون والأوروبيون، وهو ما رفع من القيمة الإقليمية والدولية لتركيا. لكن حرب غزة في يناير 2009 قلبت الموازين وشكلت الأزمة الجدية الأولى في العلاقة مع إسرائيل تلتها تداعيات أدت إلى تجميد تركيا صفقات التسليح مع إسرائيل، ومن ثم رفض مشاركة تل أبيب في مناورات عسكرية، ومن ثم اندلاع الأزمة الدبلوماسية مؤخراً في يناير 2010 والتي انتهت باعتذار الإسرائيليين عن إهانة السفير التركي في تل أبيب.
ولا شك في أن هذه الأزمات لم تأت من فراغ، وإنما تعود إلى إدراك إسرائيل لتراجع أهميتها في الميزان التركي، الأمر الذي سبب لديها حساسية تجاه التحركات الإقليمية لأنقرة. وعلى الرغم من أن تحركات تركيا تفيد إسرائيل بقدر ما تفيد الأنظمة العربية من زاوية أن الصعود التركي أخذ يقلص من حصة إيران في النفوذ الإقليمي من جهة، ويوفر الأوراق الضاغطة لتحقيق الاستقرار الإقليمي من جهة أخرى، إلا أن الإسرائيليين بالإضافة إلى الحساسية التي اعترتهم تجاه دور أنقرة المستجد، شعروا في مرحلة ما بأنهم مستهدفون على الأقل من ناحية (السياسة الشعبوية) لأردوغان والهجوم المتتالي على السياسات الإسرائيلية، وانتقاد تصرفات تل أبيب غير المقبولة دولياً.
ولا شك في أن لموقف أنقرة دوافع عديدة في هذا السياق منها:
1- إعطاء المصداقية للمبادئ الخمسة التي تقوم عليها سياستها الخارجية (الأمن للجميع، الانفتاح على الجميع، تعزيز الترابط الاقتصادي، التعايش السلمي بين الثقافات، وتصفير النزاعات)، ولا سيما مبدأ (الأمن للجميع) حيث شعرت أنقرة بأنها تعرضت لطعنة في الظهر عندما قامت إسرائيل بإشعال حرب غزة في الوقت الذي كان فيه الوسيط التركي قاب قوسين أو أدنى من تحقيق نقلة نوعية على صعيد التفاوض الإسرائيلي-السوري بجعلها مفاوضات مباشرة، وهو الأمر الذي سبب حرجاً وغضباً للحكومة التركية.
2- كسب تأييد شعبي على الصعيد الداخلي لحسابات داخلية في مواجهة أكثر من طرف، وعلى الصعيد الخارجي أيضاً بهدف تعزيز موقع تركيا الفاعل في أعين الشعوب. ولا شك في أن مهاجمة السياسة الإسرائيلية في هذا الإطار تعد سياسة رابحة.
3- الضغط باتجاه تحقيق الاستقرار والسلام الإقليمي. فتركيا تؤيد بشدة حل الدولتين الذي يؤدي إلى إرساء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للعيش وعاصمتها القدس الشرقية، وهي تعلم أن موقف إسرائيل المتعنت يحول دون التفاوض على تحقيق هذا الحل، ولذلك فإن الهجوم على السياسة الإسرائيلية المتعنتة قد يدفعها إلى التراجع أو يضع عليها ضغوطاً حقيقية على الأقل لمراجعة موقفها.
4- إن مهاجمة السياسة الإسرائيلية أو انتقادها لا يرتب تكاليف باهظة الآن على أي صعيد نظراً لموقع تركيا الذي تحصن بعلاقات مع الأنظمة والشعوب في المحيط الإقليمي من جهة، ولأن إسرائيل بحاجة إلى تركيا أكثر من حاجة الأخيرة إلى الأولى من جهة أخرى. كما أن أنقرة تحاول أن تقول لتل أبيب إن مصلحة إسرائيل تكمن في تغيير سياساتها والتوجه نحو المفاوضات والسلام وليس استخدام القوة والعنف.
مستقبل العلاقات التركية- الإسرائيلية
تعي بعض الأوساط الإسرائيلية هذه المتطلبات التركية السابقة الذكر بالنسبة للسياسة الداخلية، لكنهم يطالبون بعقلنة الخطاب التركي تجاه تل أبيب وألا يتحول هذا الخطاب إلى سياسة عدائية. والحقيقة أن التحرك التركي إلى الآن على الأقل مدروس ولا يبغي عداء إسرائيل، بقدر ما يريد تحقيق الأهداف المذكورة أعلاه. ولا يشكل انتقاد إسرائيل في هذا الإطار هدفاً بحد ذاته وإنما وسيلة تخدم أجندة السياسة الخارجية.
وعلى الرغم من تدني القيمة الاستراتيجية لإسرائيل في ميزان العلاقات الثنائية (لأنقرة- تل أبيب)، إلا أننا يجب ألا نفهم خطأً أنه لم يعد لإسرائيل أي أهمية بالنسبة للأتراك. فسياسة تركيا الخارجية كما سبق وتطرقنا إليها تفترض أن تكون علاقات تركيا مع كل دول المنطقة جيدة بما فيها إسرائيل. كما أن دور تركيا كوسيط يحتاج إلى أن تكون على صلة بجميع الفاعلين في المنطقة، ولا شك في أن هدفها تحقيق الاستقرار الإقليمي يفترض أن يكون هناك تواصل مع إسرائيل لضمان تحقيق هذا الهدف.
واستناداً إلى هذه المبادئ والاستراتيجية التركية، فإننا نستطيع أن نستنتج أن العلاقات التركية-الإسرائيلية ستبقى قائمة في مختلف الظروف. قد تتحسن أحياناً وقد تسوء أحياناً أخرى، لكن الحاجة الثنائية متبادلة.
فتركيا لا يمكنها أن تقطع علاقاتها بإسرائيل، لأنها تكون بذلك نسفت مبادئها التي قام صعودها الإقليمي عليها من جهة، ولأن دورها سيتغير في حينه، وقد يتحول إلى نسخة إيرانية محسنة بحيث يفقد ميزته واستثنائيته التي خولت أنقرة أن تلعب دوراً مميزاً وفريداً وغير شاغر في الشرق الأوسط. في المقابل، لا يمكن لتركيا أن تسكت على تجاوزات إسرائيل مع استمرار العلاقة معها لأنها ستكون بذلك نسخة عن الأنظمة العربية وتفقد أيضاً ميزتها، إضافة إلى أنه بإمكان إسرائيل دوماً التخريب على دور تركيا لو أرادت ذلك أو تصعيب مهمتها على الأقل.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3087::/cck::
::introtext::

غالباً ما تخضع العلاقات التركية- الإسرائيلية لمقاربات عاطفية لدى الكثير من الأوساط العربية، فتأتي مغالية في التصورات وغير واقعية في الغالب، سواءً في حالة الوفاق بين تل أبيب وأنقرة، كما كان عليه الأمر قبل استلام حزب العدالة الحكم في تركيا، أو في حالة التوتر أو عدم الانسجام كما هو عليه الأمر في هذه المرحلة.

::/introtext::
::fulltext::

غالباً ما تخضع العلاقات التركية- الإسرائيلية لمقاربات عاطفية لدى الكثير من الأوساط العربية، فتأتي مغالية في التصورات وغير واقعية في الغالب، سواءً في حالة الوفاق بين تل أبيب وأنقرة، كما كان عليه الأمر قبل استلام حزب العدالة الحكم في تركيا، أو في حالة التوتر أو عدم الانسجام كما هو عليه الأمر في هذه المرحلة.
من هذا المنطلق، يأتي هذا المقال ليشرح القواعد الأساسية التي بنيت عليها العلاقة بين كل من أنقرة وتل أبيب، في محاولة لرسم صورة واقعية موضوعية تفسر طبيعة التحول الذي طرأ على العلاقة بين الطرفين بعد استلام حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا، والعوامل التي أسهمت في هذا التحول مع الإضاءة على مبادئ السياسة الخارجية التركية المستجدة أو ما يعرف باسم (مبادئ أوغلو) التي لعبت دوراً في تغيير قواعد اللعبة، وسببت التباين الحالي بين رؤى أنقرة ورؤى تل أبيب لمنطقة الشرق الأوسط وطبيعة ودور كل منهما فيها.
البعد التاريخي للعلاقة الثنائية التركية-الإسرائيلية
بعد انقضاء أقل من عام على إعلان قيام الكيان الإسرائيلي اعترفت تركيا بإسرائيل، فكانت بذلك أول دولة إسلامية تعترف بهذا الكيان العام 1949. وعلى الرغم من ذلك، فإن التمثيل الدبلوماسي بين الطرفين تأخر حتى العام 1950، وكان لهذه الخطوة وقعها في السياسة الإسرائيلية التي اعتبرتها مكسباً استراتيجياً يصب في خدمة عدد من الأهداف البعيدة المدى، ومنها:
1- اختراق الدائرة الإسلامية وتعزيز شرعية إسرائيل الإقليمية والدولية، ما يعني إمكانية أن تكون هذه العلاقة نموذجاً للعلاقة مع العديد من الدول الإسلامية الخائفة أو المترددة سواءً بسبب العامل الديني الذي يمنعها من ذلك أو بسبب عوامل نفسية أو شعبية أخرى.
2- تثبيت الخطة الجيوبوليتيكية الإسرائيلية لـ (بن غوريون)، القاضية بمحاصرة العالم العربي، وتعرف باسم (نظرية التخوم) أو (التحالف المحيط) أو (سياسة شد الأطراف). وتقوم هذه النظرية على محاصرة العمق العربي بحزام معاد من الدول (الأقليات) مثل إيران وتركيا وأثيوبيا والهند لتقويض القومية العربية وتأمين التواصل مع المحيط الجيوبوليتيكي الخارجي لإسرائيل وتوجيه الضغط باتجاه الدول العربية.
وعلى الرغم من البداية المبكرة للعلاقات الثنائية، إلا أنها لم تكتسب الزخم المطلوب والذروة المتوقعة إلا في التسعينات من القرن الماضي، ذلك بأن هذه الفترة شهدت مشاركة الطرفين التحديات نفسها والهواجس الأمنية والأولويات الجيوبوليتيكية، الأمر الذي جعل عدداً من الملفات المشتركة قاعدة ترتكز عليها العلاقات الثنائية، نذكر منها على سبيل المثال:
أولاً: العدو المشترك
شكلت سوريا في تلك المرحلة عدواً مشتركاً لكل من إسرائيل وتركيا، خاصة أن الأخيرة كانت تعاني مشكلات معها في ما يتعلق بدعم دمشق للمتمردين الأكراد، مشكلة لواء الاسكندرون، مشكلة المياه، مشكلات حدودية وعدد من المشكلات ذات الطابع الأمني والتي تشكل أولوية قصوى لدى الطبقة العسكرية العلمانية الأتاتوركية والتي كانت تحكم تركيا آنذاك.
ثانياً: محاربة (التطرف الإسلامي)
كما كان معلوماً، فإن الطبقة الأتاتوركية العسكرية المسيطرة على الحياة السياسية في تركيا تعتبر الإسلاميين أو أي رمز قد ينتسب إليهم من قريب أو بعيد خطراً يهدد النظام ويجب مكافحته والقضاء عليه. فيما ترى إسرائيل من جانبها النموذج العلماني التركي عاملاً معززاً للترويج لنظريتها عن محاربة (التطرف الإسلامي) في المنطقة، ولذلك كانت تنظر بارتياح وتشجيع للمبادرة التركية والنموذج التركي للتعاطي مع الإسلاميين.
ثالثاً: التهديد الوجودي
كانت النخبة التركية ترى في القضية الكردية تهديداً وجودياً للدولة القومية الموحدة. ولذلك لم يتم الاعتراف بالهوية الكردية، وأطلق على الأكراد لقب (أتراك الجبل)، وتم قمعهم وحرمانهم من حقوقهم والتضييق عليهم ومحاربة رموزهم. في المقابل، كانت إسرائيل تنظر إلى الفلسطينيين بالعين نفسها، وقد تبرع الإسرائيليون في تلك المرحلة بنقل ونشر (خبرتهم) و(تجربتهم) و(وسائلهم) المستخدمة في القمع والحصار ومحاربة من يسمونهم (الإرهابيين) وحرب المدن إلى العسكريين الأتراك، كما إلى غيرهم من المهتمين في العالم.
رابعاً: التكامل الاقتصادي
اعتقد الأتراك أن العلاقة مع إسرائيل قد تساعد على تسهيل تدفق الاستثمارات التي يحتاجون إليها بشدة في مختلف المجالات، وأن من شأن هذه العلاقة تسهيل التعاون المشترك في المشاريع الضخمة الزراعية والصناعية، لا سيما أن فرص التكامل الاقتصادي بين الطرفين تعد عالية. في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تنظر إلى تركيا على أنها تشكل بوابة لتحصين أمن الطاقة لديها والأمن المائي عبر الاستعانة بثروات أنقرة المائية ضمن مشاريع وصفقات مشتركة، وأيضاً عبر موقع تركيا الذي باستطاعته أن يؤمن تدفق النفط والغاز من آسيا الوسطى أو روسيا أو إيران أو غيرها من الدول لإسرائيل.
أهمية تركيا في المنظور الاستراتيجي لإسرائيل
ومع مرور الزمن، تعمق هذا الدور وارتفعت معه أهمية تركيا الاستراتيجية بالنسبة لإسرائيل لتأخذ أبعاداً وأشكالاً مختلفة منها:
أولاً: من الناحية السياسية
تشكل تركيا نموذجاً للدولة الإسلامية العلمانية البراغماتية وهو ما يترك ارتياحاً عند الإسرائيليين حول إمكانية أن يتم نسج علاقات تحالف وصداقة مماثلة مع دول إسلامية أخرى، خاصة أن تركيا دولة ذات ثقل سياسي وثقافي واقتصادي وجيوبوليتيكي في عدد من الفضاءات الإقليمية، في آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان والشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
كما يمكن لتركيا أن تلعب دور الجسر و/أو الوسيط بين إسرائيل وعدد من الدول الأخرى التي لها ملفات عالقة. فقد سبق لتركيا على سبيل المثال أن استضافت مرات عديدة في فترات سابقة لقاءات سرية إسرائيلية-إيرانية، وكذلك قامت بترتيب مفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل وسوريا وتدخلت في تسليم رسائل متبادلة بين (حماس) وإسرائيل.
ثانياً: من الناحية الاقتصادية
تمثل تركيا سوقاً استهلاكية كبيرة ويستطيع اقتصادها أن يعمل كمتنفس إقليمي للاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني شبه عزلة إقليمية، ويعتمد بشكل أساسي على علاقته مع أوروبا وأمريكا، خاصة أن التبادل التجاري بين البلدين يعد جزءاً من شبكة اقتصادية واستثمارية أوسع، وهو قد سجل خلال العام 2008 رقماً قياسياً بلغ حجمه حوالي 3.3 مليار دولار بواقع 1.9 مليار دولار كصادرات تركية لتتحول أنقرة إلى الشريك التجاري رقم 8 لإسرائيل.
كما تم التركيز على العديد من المشاريع التي يمكن الاستفادة فيها من مقومات تركيا الاقتصادية التي تجعل التكامل الاقتصادي مع إسرائيل أمراً مغرياً جداً. واستقطب القطاع السياحي التركي حوالي نصف مليون إسرائيلي العام 2008، أي ما يشكل نسبة (7- 8 في المائة) من مجموع سكان إسرائيل وهو أمر ليس بالسهل تحقيقه على الإطلاق ما لم تكن العلاقات جيدة إن لم نقل ممتازة بين الطرفين.
ثالثاً: من الناحية العسكرية
تعتبر تركيا الدولة الإقليمية الوحيدة والتي تمتلك علاقات عسكرية رسمية مع تل أبيب، ولطالما شكلت تركيا عنصراً مهماً في السياسة الأمنية الإسرائيلية على المستوى الإقليمي. إذ عقد الطرفان في التسعينات من القرن الماضي أكثر من 20 اتفاقاً عسكرياً أساسياً، يوفر أحدها على سبيل المثال الفرصة لإسرائيل سنوياً باستخدام الأجواء التركية للقيام بتدريبات عسكرية وطلعات جوية وهو أمر في غاية الأهمية لتل أبيب نظراً لمحدودية مجالها الجوي من جهة ولقرب تركيا من مواقع ذات قيمة استراتيجية لتل أبيب مثل إيران والعراق وآسيا الوسطى.
واستفادت إسرائيل عبر هذه الاتفاقات من جعل أنقرة سوقاً ضخمة لمنتجاتها من الأسلحة والمعدات العسكرية. إذ بلغت على سبيل المثال قيمة الصادرات الإسرائيلية من السلاح العام 2009 حوالي 6.7 مليار دولار مقابل حوالي 6.3 مليار دولار في 2008، وهو العام الذي استوعبت فيه تركيا حوالي نصف الصادرات الإسرائيلية من السلاح وفقاً لتقرير مجموعة جينز العسكرية.
تراجع أهمية إسرائيل بالنسبة للسياسة التركية
على الجانب الآخر من الصورة، أوجد مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا العام 2002 ومن ثم تعزيز سلطته في كافة المواقع السياسية الأساسية والرئيسية في الدولة، واقعاً جديداً لا سيما مع وضع سياسة أحمد داوود أوغلو موضع التنفيذ، الأمر الذي أعطى للاعب التركي في المنطقة نقلة نوعية، وسمح لتركيا بصعود إقليمي تفاعلي (Interactive) غير صدامي.
وحفلت هذه الفترة بالعديد من المتغيرات التي طرأت على العلاقات التركية-الإسرائيلية والتي جعلت من الأخيرة (تل أبيب) أقل أهمية في الحسبة الكلية الاستراتيجية للأتراك، ومنها:
1- فقدان العدو المشترك: مع تطور العلاقات التركية-السورية بشكل دراماتيكي إيجابي وسريع، لم تعد أنقرة تنظر إلى دمشق كعدو يتطلب التعامل معه إنشاء علاقات أمنية قوية مع تل أبيب، وفقدت إسرائيل بالتالي ورقة العدو المشترك الذي كانت تركيا تسعى إلى الإحاطة به عبر تحالف قوي معها.
2- تجميد عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي: إذ أدت هذه السياسة عملياً إلى التخلي عن الفرضية القائلة بأن التقرب من إسرائيل من شأنه أن يفتح البوابة الأوروبية أمام الانضمام التركي، أو أن يزيد من الضغط الأمريكي على الأوروبيين على الأقل في هذا المجال. ولذلك فقد أصبحت الورقة الإسرائيلية غير ذات معنى أو جدوى في هذا الإطار.
3- انخفاض القيمة التكنولوجية للأسلحة الإسرائيلية: لقد تبين للعسكريين الأتراك أن بعض الصفقات العسكرية مع إسرائيل كان دون مستوى الشروط الموضوعة أو المواصفات المتوقعة، وأن عدداً من الأسلحة التي تم شراؤها تعاني خللاً خاصة في ما يتعلق بصفقة طائرات الاستطلاع السابقة. ومع تحسن الوضع الاقتصادي المحلي أصبح باستطاعة أنقرة الاستعاضة عن واردات الأسلحة الإسرائيلية والبحث عن موردين آخرين وإن كلفها ذلك المزيد من المال.
4- تحولات القضية الكردية: كانت المتطلبات الأمنية التركية تجاه الأكراد تقتضي أن تكون علاقات أنقرة الأمنية والاستخباراتية مع تل أبيب قوية، نظراً لقدرة الأخيرة على المساعدة في هذا الملف بشكل فاعل، لا سيما إذا ما علمنا أن العديد من المعلومات تقاطعت حول دور مفترض لتل أبيب في القبض على المتمرد الكردي الأول (عبدالله أوجلان) في عملية كوموندوز في العام 1999 وتسليمه إلى السلطات التركية. لكن انفتاح تركيا اليوم على أكراد الداخل، وعلى أكراد الخارج عبر جيرانها الذين يشاركونها الحساسية الكردية، والتواصل المباشر مع أكراد العراق، أفقدا العامل الإسرائيلي دوره وأهميته.
أبعاد الأزمات السياسية والدبلوماسية الثنائية المستجدة
أدت سياسة تركيا الخارجية الجديدة القائمة على المبادئ الخمسة إلى أن تصبح على مسافة واحدة من الجميع، إذ لم يعد هناك من مبرر لانحيازها إلى إسرائيل خاصة بعدما فقدت الأخيرة أهميتها الاستراتيجية بعد الانفتاح التركي الكبير على كل دول المنطقة.
وسعت أنقرة من خلال هذا الانفتاح إلى لعب دور الوسيط من موقع النزيه العادل لإنجاز السلام أو أقله تحقيق الاستقرار المنشود في المنطقة، وهو الهدف الأول لسياسة تركيا الخارجية والذي يسمح لها بالصعود الإقليمي وتحقيق مصالحها العليا.
وحققت هذه السياسة نجاحات كبيرة في تهيئة المناخ الملائم للتفاوض غير المباشر بين إسرائيل وسوريا، الأمر الذي عجز عنه الأمريكيون والأوروبيون، وهو ما رفع من القيمة الإقليمية والدولية لتركيا. لكن حرب غزة في يناير 2009 قلبت الموازين وشكلت الأزمة الجدية الأولى في العلاقة مع إسرائيل تلتها تداعيات أدت إلى تجميد تركيا صفقات التسليح مع إسرائيل، ومن ثم رفض مشاركة تل أبيب في مناورات عسكرية، ومن ثم اندلاع الأزمة الدبلوماسية مؤخراً في يناير 2010 والتي انتهت باعتذار الإسرائيليين عن إهانة السفير التركي في تل أبيب.
ولا شك في أن هذه الأزمات لم تأت من فراغ، وإنما تعود إلى إدراك إسرائيل لتراجع أهميتها في الميزان التركي، الأمر الذي سبب لديها حساسية تجاه التحركات الإقليمية لأنقرة. وعلى الرغم من أن تحركات تركيا تفيد إسرائيل بقدر ما تفيد الأنظمة العربية من زاوية أن الصعود التركي أخذ يقلص من حصة إيران في النفوذ الإقليمي من جهة، ويوفر الأوراق الضاغطة لتحقيق الاستقرار الإقليمي من جهة أخرى، إلا أن الإسرائيليين بالإضافة إلى الحساسية التي اعترتهم تجاه دور أنقرة المستجد، شعروا في مرحلة ما بأنهم مستهدفون على الأقل من ناحية (السياسة الشعبوية) لأردوغان والهجوم المتتالي على السياسات الإسرائيلية، وانتقاد تصرفات تل أبيب غير المقبولة دولياً.
ولا شك في أن لموقف أنقرة دوافع عديدة في هذا السياق منها:
1- إعطاء المصداقية للمبادئ الخمسة التي تقوم عليها سياستها الخارجية (الأمن للجميع، الانفتاح على الجميع، تعزيز الترابط الاقتصادي، التعايش السلمي بين الثقافات، وتصفير النزاعات)، ولا سيما مبدأ (الأمن للجميع) حيث شعرت أنقرة بأنها تعرضت لطعنة في الظهر عندما قامت إسرائيل بإشعال حرب غزة في الوقت الذي كان فيه الوسيط التركي قاب قوسين أو أدنى من تحقيق نقلة نوعية على صعيد التفاوض الإسرائيلي-السوري بجعلها مفاوضات مباشرة، وهو الأمر الذي سبب حرجاً وغضباً للحكومة التركية.
2- كسب تأييد شعبي على الصعيد الداخلي لحسابات داخلية في مواجهة أكثر من طرف، وعلى الصعيد الخارجي أيضاً بهدف تعزيز موقع تركيا الفاعل في أعين الشعوب. ولا شك في أن مهاجمة السياسة الإسرائيلية في هذا الإطار تعد سياسة رابحة.
3- الضغط باتجاه تحقيق الاستقرار والسلام الإقليمي. فتركيا تؤيد بشدة حل الدولتين الذي يؤدي إلى إرساء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للعيش وعاصمتها القدس الشرقية، وهي تعلم أن موقف إسرائيل المتعنت يحول دون التفاوض على تحقيق هذا الحل، ولذلك فإن الهجوم على السياسة الإسرائيلية المتعنتة قد يدفعها إلى التراجع أو يضع عليها ضغوطاً حقيقية على الأقل لمراجعة موقفها.
4- إن مهاجمة السياسة الإسرائيلية أو انتقادها لا يرتب تكاليف باهظة الآن على أي صعيد نظراً لموقع تركيا الذي تحصن بعلاقات مع الأنظمة والشعوب في المحيط الإقليمي من جهة، ولأن إسرائيل بحاجة إلى تركيا أكثر من حاجة الأخيرة إلى الأولى من جهة أخرى. كما أن أنقرة تحاول أن تقول لتل أبيب إن مصلحة إسرائيل تكمن في تغيير سياساتها والتوجه نحو المفاوضات والسلام وليس استخدام القوة والعنف.
مستقبل العلاقات التركية- الإسرائيلية
تعي بعض الأوساط الإسرائيلية هذه المتطلبات التركية السابقة الذكر بالنسبة للسياسة الداخلية، لكنهم يطالبون بعقلنة الخطاب التركي تجاه تل أبيب وألا يتحول هذا الخطاب إلى سياسة عدائية. والحقيقة أن التحرك التركي إلى الآن على الأقل مدروس ولا يبغي عداء إسرائيل، بقدر ما يريد تحقيق الأهداف المذكورة أعلاه. ولا يشكل انتقاد إسرائيل في هذا الإطار هدفاً بحد ذاته وإنما وسيلة تخدم أجندة السياسة الخارجية.
وعلى الرغم من تدني القيمة الاستراتيجية لإسرائيل في ميزان العلاقات الثنائية (لأنقرة- تل أبيب)، إلا أننا يجب ألا نفهم خطأً أنه لم يعد لإسرائيل أي أهمية بالنسبة للأتراك. فسياسة تركيا الخارجية كما سبق وتطرقنا إليها تفترض أن تكون علاقات تركيا مع كل دول المنطقة جيدة بما فيها إسرائيل. كما أن دور تركيا كوسيط يحتاج إلى أن تكون على صلة بجميع الفاعلين في المنطقة، ولا شك في أن هدفها تحقيق الاستقرار الإقليمي يفترض أن يكون هناك تواصل مع إسرائيل لضمان تحقيق هذا الهدف.
واستناداً إلى هذه المبادئ والاستراتيجية التركية، فإننا نستطيع أن نستنتج أن العلاقات التركية-الإسرائيلية ستبقى قائمة في مختلف الظروف. قد تتحسن أحياناً وقد تسوء أحياناً أخرى، لكن الحاجة الثنائية متبادلة.
فتركيا لا يمكنها أن تقطع علاقاتها بإسرائيل، لأنها تكون بذلك نسفت مبادئها التي قام صعودها الإقليمي عليها من جهة، ولأن دورها سيتغير في حينه، وقد يتحول إلى نسخة إيرانية محسنة بحيث يفقد ميزته واستثنائيته التي خولت أنقرة أن تلعب دوراً مميزاً وفريداً وغير شاغر في الشرق الأوسط. في المقابل، لا يمكن لتركيا أن تسكت على تجاوزات إسرائيل مع استمرار العلاقة معها لأنها ستكون بذلك نسخة عن الأنظمة العربية وتفقد أيضاً ميزتها، إضافة إلى أنه بإمكان إسرائيل دوماً التخريب على دور تركيا لو أرادت ذلك أو تصعيب مهمتها على الأقل.

::/fulltext::
::cck::3087::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *