الحرب الباردة بين الشرق والغرب على أسواق الطاقة
::cck::3104::/cck::
::introtext::
على الرغم من أن أكثر من ثمانين في المائة من النفط العالمي ينتج خارج أراضي البلدان الغربية، إلا أن الغرب ظل مسيطراً على أسواق النفط العالمية و بورصاته منذ اكتشاف النفط وحتى الآن، و زاد من هذه السيطرة سبعة عقود من الحرب الباردة بين الشرق والغرب في ظل صراع المعسكرين الرأسمالي بقيادة واشنطن والشيوعي بقيادة موسكو،
::/introtext::
::fulltext::
على الرغم من أن أكثر من ثمانين في المائة من النفط العالمي ينتج خارج أراضي البلدان الغربية، إلا أن الغرب ظل مسيطراً على أسواق النفط العالمية و بورصاته منذ اكتشاف النفط وحتى الآن، و زاد من هذه السيطرة سبعة عقود من الحرب الباردة بين الشرق والغرب في ظل صراع المعسكرين الرأسمالي بقيادة واشنطن والشيوعي بقيادة موسكو، و في ظل الحصار الاقتصادي الذي فرضه المعسكر الرأسمالي الغربي على بلدان المعسكر الشيوعي و توابعه من الدول ذات التوجه الاشتراكي، والتي حرمت لعقود طويلة من التواجد أو التأثير في أسواق النفط والطاقة العالمية على الرغم من أن إنتاجها من النفط يتعدى العشرين في المائة منه على المستوى العالمي، بينما احتياطيها منه يقترب من 25 في المائة من الاحتياطي العالمي واحتياطيها من الغاز الطبيعي يقترب من 50 في المائة من الاحتياطي العالمي، ورغم هذا لم تستطع هذه الدول التأثير في الأسواق العالمية للطاقة التي احتكرها الغرب طيلة العقود الماضية.
كبار المستهلكين يشاركون
ولكن على ما يبدو أن الأوضاع في الوقت الحالي تتغير و موازين القوى الاقتصادية تتغير في ظل الظروف والمتغيرات التي استجدت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانفتاح روسيا كثاني أكبر منتج ومصدر للنفط بعد المملكة العربية السعودية على الأسواق العالمية، وظهور أقطاب جديدة في الاستهلاك للطاقة مثل الصين والهند وهما دولتان كبيرتان لا تقبلان أن تسير أسواق النفط العالمية رغم إرادتيهما ولا أن تخضعا في الطاقة التي هي شريان النمو والإنتاج للغرب الذي يخشى بدوره صعودهما ويعمل لهما ألف حساب، كما أن الظروف تغيرت أكثر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتغييرات التي حدثت في العلاقات بين واشنطن والعالم الإسلامي والعربي، وخاصة منه الدول المنتجة للنفط مثل السعودية وإيران.
لقد بدا واضحاً في خلال الأعوام الثلاثة الماضية أن هناك أربع دول تسعى بجدية لإحداث تغييرات في موازين قوى الطاقة العالمية، هذه الدول الأربع هي المملكة العربية السعودية وروسيا وإيران والصين، وإن كانت الصين دولة مستهلكة للنفط وليست ضمن منتجيه الكبار مثل الثلاث دول الأخرى، إلا أنه ظهرت في الآونة الأخيرة على الساحة الاقتصادية العالمية دعوة جديدة أطلقتها كل من الصين وروسيا تقول إن من حق كبار مستهلكي الطاقة في العالم أن يشاركوا في توجيه أسعارها في الأسواق العالمية، وهي الدعوة المطروحة من قبل موسكو على قمة الثماني الكبار لعام 2006 التي تستضيفها وترأسها روسيا، وخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية تفرض هيمنتها على الأسواق من منطلق طاقتها الاستهلاكية والتوزيعية في الأسواق وليس من منطلق طاقتها الإنتاجية، والصين حالياً هي ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد أمريكا، ويزيد استهلاكها له سنويا بمعدل 13 في المائة، مما يعني أنها مرشحة في عام 2015 أن تتجاوز الولايات المتحدة في الاستهلاك، ولهذا ترى أن من حقها المشاركة في توجيه الأسواق.
السعودية والتحالف الآسيوي
المراقبون في الغرب وخاصة في واشنطن ينظرون إلى تحركات العملاق الصيني بقلق شديد لا يقل عن قلقهم من تحركات روسيا في أسواق الطاقة العالمية، خاصة أن أزمة ارتفاع أسعار الطاقة في العامين الماضيين زادت بشكل ملحوظ من تقارب روسيا والصين إلى الدرجة التي أصبح الاثنان يصفانها بأنها علاقات استراتيجية، وهو الأمر الذي لم يحدث في زمن الحرب الباردة وهما يتزعمان معا المعسكر الشيوعي، ولكن على ما يبدو أن ما يثير واشنطن والغرب تقارب آخر أكثر غرابة وجدلاً ويثير تساؤلات كثيرة، وهو التقارب السعودي – الصيني الذي بدا واضحاً بعد الزيارتين المتبادلتين لقيادات البلدين في يناير الماضي في بكين وفي أبريل في الرياض، وهما الزيارتان اللتان أثير حولهما و قيل وكتب عنهما الكثير في كل أنحاء العالم، حتى إنه أثيرت حولهما شائعات لم يتأكد بعد مدى صحتها، حيث كتبت وكالة الأنباء الروسية (نوفوستي) يوم 31 مارس الماضي قبل زيارة الزعيم الصيني هوجينتاو للرياض بأيام قليلة تقول إن الرئيس الروسي بوتين استدعى رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفجيني بريماكوف الذي يشغل حالياً منصب رئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية وصاحب فكرة مشروع التحالف الاستراتيجي الثلاثي بين روسيا والصين والهند، التي طرحها بريماكوف عام 1998، وسخر منها الكثيرون في الغرب وحتى داخل روسيا لما بين هذه الدول الثلاث من تباعد وخلافات، ثم عاد الكثيرون يرونها أقرب للحقيقة والواقع بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، و خاصة بعد مساعي روسيا الناجحة لتذويب جليد الخلافات المتراكمة بين بكين ونيودلهي، حيث استدعى بوتين يوم 30 مارس بريماكوف، وأوكل إليه مهمة التنسيق والإشراف (غير الرسمي) على ما يسمى بمشروع (التحالف القاري)، وقالت الوكالة الروسية إن النقاش دار بين بوتين وبريماكوف حول تحالف قاري رباعي وليس ثلاثياً، وإن الدولة المقترح انضمامها للتحالف هي المملكة العربية السعودية، واستطردت الوكالة تقول إن بريماكوف أطلع بوتين على ما لديه من معلومات حول مباحثات جرت بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود والزعيم الصيني هوجينتاو أثناء زيارة الملك عبد الله للصين في يناير الماضي تتناول فكرة التحالف القاري الرباعي، وإن العاهل السعودي أبدى ترحيباً بالفكرة، وإن كانت الوكالة الروسية لم تشر إلى نوعية هذا التحالف ومجالات نشاطه وأهدافه، إلا أن بعض الصحف الروسية تناولت الخبر على أنه من الطبيعي أن يكون تحالفاً اقتصادياً وخاصة في مجال الطاقة، الذي تدور حوله العلاقات السعودية – الصينية بشكل كبير، وكتبت مجلة (روسكي كوريير) الروسية الأسبوعية في عددها في الخامس من أبريل تقول كان من المتوقع أن يكون الطرف الرابع في التحالف إيران وليس السعودية، ولكن على ما يبدو أن فكرة ومشروع هذا التحالف أكبر بكثير من أن تنضم إليه دولة مثل إيران بأوضاعها المضطربة على الساحة الدولية وصدامها الحاد مع الغرب وواشنطن بسبب برنامجها النووي المشكوك في سلميته.
موضوع التحالف القاري الثلاثي أو الرباعي و ما يثيره من جدل لا يهمنا كثيراً هنا، وإنما ذكرناه فقط للإشارة لمدى تغير الظروف والعلاقات والموازين على الساحة الدولية بشكل عام وعلى الساحة الآسيوية بشكل خاص، والذي استوجب بالضرورة تغير التوقعات والتنبوءات حول مسار وتطور العلاقات الدولية إلى الدرجة التي أصبح البعض معها يتصور تحالفاً بين دول لم يكن بينها بالأمس القريب ما يقربها من بعضها بقدر ما كان هناك الكثير الذي يفصل ويباعد بينها، ولكن على ما يبدو أن تحركات الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية في إطار حملتها على ما يسمى الإرهاب جعلت كل شيء كان مستحيلا بالأمس متوقعاً حدوثه اليوم.
بورصة نفط صينية
ما يهمنا في التقارب السعودي – الصيني الذي تحدث عنه الكثيرون نقطة أخرى مهمة لم تلفت انتباه الكثيرين أثناء تبادل زيارات قادة البلدين، وبالتحديد أثناء وجود الزعيم الصيني هوجينتاو في العاصمة السعودية الرياض، حيث صدر إعلان رسمي من وزارة الطاقة الصينية على لسان (تشي شيان) رئيس مركز بحوث الطاقة التابع للوزارة يقول فيه إن الصين قررت إنشاء سوق عالمية للنفط في بكين، وإنها باعتبارها ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم ترى أن السوق العالمية للنفط يجب أن يشارك في توجيهها كبار المستهلكين إلى جانب كبار المنتجين باعتبار أن أي سوق تخضع للعرض والطلب، وترى الصين أن خريطة المنتجين والمستهلكين للنفط تغيرت عما كانت عليه منذ خمسة عشرة عاما مضت، مما يستوجب تغيير الأوضاع في أسواق النفط العالمية بما يضمن يضمن لهذه الأسواق قدرا أكبر من الاستقرار والاستقلالية عن هيمنة بعض الدول والجهات.
بورصة نفط روسية
خبر إعلان الصين عن تأسيس بورصة أو سوق للنفط عالمية على أرضها لم يلفت الانتباه كثيرا عند صدوره، لكنه عاد يطرح نفسه بشدة بعد ذلك بأيام قليلة عندما طرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مبادرته في أول مايو الماضي بإنشاء بورصة عالمية للنفط والغاز في موسكو، وقال بوتين إن البورصة الروسية الجديدة ستتعامل بالعملة الروسية (الروبل) التي أعلن البنك المركزي الروسي عن اقتراب موعد إدخالها أسواق العملات العالمية، وأثارت هذه المبادرة ردود فعل قوية في الدوائر الغربية وخاصة في واشنطن التي فهمت فحواها وأهدافها، حيث كتبت صحيفة (بوليتكوم) الروسية تقول (إن قرار تأسيس بورصة عالمية للنفط والغاز في موسكو سيعطي روسيا كمنتج ومصدر رئيسي للطاقة في العالم الفرصة في توجيه أسعار الطاقة العالمية بما يخدم مصالحها. والقرار بأن تكون العملة الروسية (الروبل) هي عملة التعامل في هذه السوق الجديدة سوف يحقق هدفين كبيرين: الأول هو دعم الروبل الروسي بقوة في أسواق العملات بما يؤهله في القريب العاجل لأن يصبح عملة صعبة رئيسية. والثاني سوف يؤثر بشكل مباشر بالعملة الأمريكية (الدولار) التي تحكم لعقود طويلة في أسواق النفط العالمية)، وكتبت (الفايننشال تايمز) تقول (إن قرار تأسيس بورصة عالمية للنفط والغاز في روسيا تعمل بالعملة الروسية سوف تكون له تأثيرات وتداعيات كبيرة ليس على أسواق الطاقة فقط بل على موازين الاقتصاد العالمي ككل، خاصة أنه ليس معروفا بعد العملة التي ستتعامل بها البورصة الأخرى المزمع إنشاؤها في الصين، وإن كان من المتوقع أن تعمل بالعملة الصينية ( اليوان)، الأمر الذي يعني أن بوادر حربا قادمة ضد الدولار الأمريكي بدأت في الظهور.
بورصة إيرانية
الضربة الثالثة بعد الضربتين الصينية والروسية جاءت بعد أيام قليلة في الأسبوع الأول من مايو الماضي عندما أعلنت طهران عن تسجيل وتأسيس بورصة إيرانية للنفط على أراضيها ستبدأ في العمل قريباً، وقررت الحكومة الإيرانية أن يكون التعامل في هذه البورصة بالعملة الأوروبية (اليورو)، هذا القرار من قبل طهران جعل واشنطن تشك في وجود أطراف أخرى في هذه الموجة الجديدة من الأسواق العالمية للطاقة، وربما تكون أطراف أوروبية أو غيرها تعمل في الخفاء وتستهدف مكانة الولايات المتحدة الأمريكية وعملتها الدولار في الأسواق العالمية، وهكذا تتضح معالم الحرب الاقتصادية الجديدة التي ستنطلق من أسواق الطاقة العالمية الجديدة، وإن كان مجهولا حتى الآن بعض الأطراف الخفية في هذه الحرب، إلا أن بعض التوقعات والمؤشرات في واشنطن تشير إلى المملكة العربية السعودية كطرف مباشر في دعم وإمداد الصين بالنفط، خاصة أن الاتفاقيات المعقودة بين البلدين في هذا المجال خلال الشهور القليلة الماضية، وحجم الاستثمارات المشتركة، وغيرها من الأخبار التي تداولتها وسائل الإعلام حول المشاريع المشتركة بينهما سواء في الصين أو في السعودية يعطي مبررات كثيرة لهذه التوقعات، وخاصة ما دار حول مشروع كبير لإنشاء مخزون استراتيجي للنفط في الصين تشارك فيه الشركتان السعوديتان (سابك) و(أرامكو) والشركة الصينية سينوبك، وقد تم بالفعل توقيع الاتفاق حول هذا المشروع أثناء زيارة الزعيم الصيني هوجينتاو للسعودية في أبريل الماضي وأوصى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بالإسراع في تنفيذه، وهو أيضا المشروع الذي يثير قلقا وجدلا واسعا في واشنطن صاحبة المخزون الاستراتيجي الوحيد للنفط في العالم، هذا كله و المملكة العربية السعودية تؤكد دائما أن تعاونها مع الصين وتوجهاتها في القارة الآسيوية يستهدفان على الإطلاق الولايات المتحدة الأمريكية التي تربطها بالمملكة علاقات متميزة.
إن كل هذا الذي يحدث يشير بشكل واضح إلى معالم حرب باردة جديدة بين الشرق والغرب في أسواق الطاقة العالمية، ويشير أيضاً كما يقول المراقبون إلى أن موازين القوى الاقتصادية العالمية بدأت في التحرك من الغرب إلى الشرق، الأمر الذي سيؤثر بالتبعية في الموازين السياسية والاستراتيجية العالمية، مما يمهد على الأرجح لتشكيل نظام عالمي جديد تلعب فيه التحالفات الآسيوية دوراً مؤثراً وفعالاً بعيداً عن الأيديولوجيات السياسية واستراتيجيات الهيمنة العسكرية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3104::/cck::
::introtext::
على الرغم من أن أكثر من ثمانين في المائة من النفط العالمي ينتج خارج أراضي البلدان الغربية، إلا أن الغرب ظل مسيطراً على أسواق النفط العالمية و بورصاته منذ اكتشاف النفط وحتى الآن، و زاد من هذه السيطرة سبعة عقود من الحرب الباردة بين الشرق والغرب في ظل صراع المعسكرين الرأسمالي بقيادة واشنطن والشيوعي بقيادة موسكو،
::/introtext::
::fulltext::
على الرغم من أن أكثر من ثمانين في المائة من النفط العالمي ينتج خارج أراضي البلدان الغربية، إلا أن الغرب ظل مسيطراً على أسواق النفط العالمية و بورصاته منذ اكتشاف النفط وحتى الآن، و زاد من هذه السيطرة سبعة عقود من الحرب الباردة بين الشرق والغرب في ظل صراع المعسكرين الرأسمالي بقيادة واشنطن والشيوعي بقيادة موسكو، و في ظل الحصار الاقتصادي الذي فرضه المعسكر الرأسمالي الغربي على بلدان المعسكر الشيوعي و توابعه من الدول ذات التوجه الاشتراكي، والتي حرمت لعقود طويلة من التواجد أو التأثير في أسواق النفط والطاقة العالمية على الرغم من أن إنتاجها من النفط يتعدى العشرين في المائة منه على المستوى العالمي، بينما احتياطيها منه يقترب من 25 في المائة من الاحتياطي العالمي واحتياطيها من الغاز الطبيعي يقترب من 50 في المائة من الاحتياطي العالمي، ورغم هذا لم تستطع هذه الدول التأثير في الأسواق العالمية للطاقة التي احتكرها الغرب طيلة العقود الماضية.
كبار المستهلكين يشاركون
ولكن على ما يبدو أن الأوضاع في الوقت الحالي تتغير و موازين القوى الاقتصادية تتغير في ظل الظروف والمتغيرات التي استجدت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانفتاح روسيا كثاني أكبر منتج ومصدر للنفط بعد المملكة العربية السعودية على الأسواق العالمية، وظهور أقطاب جديدة في الاستهلاك للطاقة مثل الصين والهند وهما دولتان كبيرتان لا تقبلان أن تسير أسواق النفط العالمية رغم إرادتيهما ولا أن تخضعا في الطاقة التي هي شريان النمو والإنتاج للغرب الذي يخشى بدوره صعودهما ويعمل لهما ألف حساب، كما أن الظروف تغيرت أكثر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتغييرات التي حدثت في العلاقات بين واشنطن والعالم الإسلامي والعربي، وخاصة منه الدول المنتجة للنفط مثل السعودية وإيران.
لقد بدا واضحاً في خلال الأعوام الثلاثة الماضية أن هناك أربع دول تسعى بجدية لإحداث تغييرات في موازين قوى الطاقة العالمية، هذه الدول الأربع هي المملكة العربية السعودية وروسيا وإيران والصين، وإن كانت الصين دولة مستهلكة للنفط وليست ضمن منتجيه الكبار مثل الثلاث دول الأخرى، إلا أنه ظهرت في الآونة الأخيرة على الساحة الاقتصادية العالمية دعوة جديدة أطلقتها كل من الصين وروسيا تقول إن من حق كبار مستهلكي الطاقة في العالم أن يشاركوا في توجيه أسعارها في الأسواق العالمية، وهي الدعوة المطروحة من قبل موسكو على قمة الثماني الكبار لعام 2006 التي تستضيفها وترأسها روسيا، وخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية تفرض هيمنتها على الأسواق من منطلق طاقتها الاستهلاكية والتوزيعية في الأسواق وليس من منطلق طاقتها الإنتاجية، والصين حالياً هي ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد أمريكا، ويزيد استهلاكها له سنويا بمعدل 13 في المائة، مما يعني أنها مرشحة في عام 2015 أن تتجاوز الولايات المتحدة في الاستهلاك، ولهذا ترى أن من حقها المشاركة في توجيه الأسواق.
السعودية والتحالف الآسيوي
المراقبون في الغرب وخاصة في واشنطن ينظرون إلى تحركات العملاق الصيني بقلق شديد لا يقل عن قلقهم من تحركات روسيا في أسواق الطاقة العالمية، خاصة أن أزمة ارتفاع أسعار الطاقة في العامين الماضيين زادت بشكل ملحوظ من تقارب روسيا والصين إلى الدرجة التي أصبح الاثنان يصفانها بأنها علاقات استراتيجية، وهو الأمر الذي لم يحدث في زمن الحرب الباردة وهما يتزعمان معا المعسكر الشيوعي، ولكن على ما يبدو أن ما يثير واشنطن والغرب تقارب آخر أكثر غرابة وجدلاً ويثير تساؤلات كثيرة، وهو التقارب السعودي – الصيني الذي بدا واضحاً بعد الزيارتين المتبادلتين لقيادات البلدين في يناير الماضي في بكين وفي أبريل في الرياض، وهما الزيارتان اللتان أثير حولهما و قيل وكتب عنهما الكثير في كل أنحاء العالم، حتى إنه أثيرت حولهما شائعات لم يتأكد بعد مدى صحتها، حيث كتبت وكالة الأنباء الروسية (نوفوستي) يوم 31 مارس الماضي قبل زيارة الزعيم الصيني هوجينتاو للرياض بأيام قليلة تقول إن الرئيس الروسي بوتين استدعى رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفجيني بريماكوف الذي يشغل حالياً منصب رئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية وصاحب فكرة مشروع التحالف الاستراتيجي الثلاثي بين روسيا والصين والهند، التي طرحها بريماكوف عام 1998، وسخر منها الكثيرون في الغرب وحتى داخل روسيا لما بين هذه الدول الثلاث من تباعد وخلافات، ثم عاد الكثيرون يرونها أقرب للحقيقة والواقع بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، و خاصة بعد مساعي روسيا الناجحة لتذويب جليد الخلافات المتراكمة بين بكين ونيودلهي، حيث استدعى بوتين يوم 30 مارس بريماكوف، وأوكل إليه مهمة التنسيق والإشراف (غير الرسمي) على ما يسمى بمشروع (التحالف القاري)، وقالت الوكالة الروسية إن النقاش دار بين بوتين وبريماكوف حول تحالف قاري رباعي وليس ثلاثياً، وإن الدولة المقترح انضمامها للتحالف هي المملكة العربية السعودية، واستطردت الوكالة تقول إن بريماكوف أطلع بوتين على ما لديه من معلومات حول مباحثات جرت بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود والزعيم الصيني هوجينتاو أثناء زيارة الملك عبد الله للصين في يناير الماضي تتناول فكرة التحالف القاري الرباعي، وإن العاهل السعودي أبدى ترحيباً بالفكرة، وإن كانت الوكالة الروسية لم تشر إلى نوعية هذا التحالف ومجالات نشاطه وأهدافه، إلا أن بعض الصحف الروسية تناولت الخبر على أنه من الطبيعي أن يكون تحالفاً اقتصادياً وخاصة في مجال الطاقة، الذي تدور حوله العلاقات السعودية – الصينية بشكل كبير، وكتبت مجلة (روسكي كوريير) الروسية الأسبوعية في عددها في الخامس من أبريل تقول كان من المتوقع أن يكون الطرف الرابع في التحالف إيران وليس السعودية، ولكن على ما يبدو أن فكرة ومشروع هذا التحالف أكبر بكثير من أن تنضم إليه دولة مثل إيران بأوضاعها المضطربة على الساحة الدولية وصدامها الحاد مع الغرب وواشنطن بسبب برنامجها النووي المشكوك في سلميته.
موضوع التحالف القاري الثلاثي أو الرباعي و ما يثيره من جدل لا يهمنا كثيراً هنا، وإنما ذكرناه فقط للإشارة لمدى تغير الظروف والعلاقات والموازين على الساحة الدولية بشكل عام وعلى الساحة الآسيوية بشكل خاص، والذي استوجب بالضرورة تغير التوقعات والتنبوءات حول مسار وتطور العلاقات الدولية إلى الدرجة التي أصبح البعض معها يتصور تحالفاً بين دول لم يكن بينها بالأمس القريب ما يقربها من بعضها بقدر ما كان هناك الكثير الذي يفصل ويباعد بينها، ولكن على ما يبدو أن تحركات الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة الدولية في إطار حملتها على ما يسمى الإرهاب جعلت كل شيء كان مستحيلا بالأمس متوقعاً حدوثه اليوم.
بورصة نفط صينية
ما يهمنا في التقارب السعودي – الصيني الذي تحدث عنه الكثيرون نقطة أخرى مهمة لم تلفت انتباه الكثيرين أثناء تبادل زيارات قادة البلدين، وبالتحديد أثناء وجود الزعيم الصيني هوجينتاو في العاصمة السعودية الرياض، حيث صدر إعلان رسمي من وزارة الطاقة الصينية على لسان (تشي شيان) رئيس مركز بحوث الطاقة التابع للوزارة يقول فيه إن الصين قررت إنشاء سوق عالمية للنفط في بكين، وإنها باعتبارها ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم ترى أن السوق العالمية للنفط يجب أن يشارك في توجيهها كبار المستهلكين إلى جانب كبار المنتجين باعتبار أن أي سوق تخضع للعرض والطلب، وترى الصين أن خريطة المنتجين والمستهلكين للنفط تغيرت عما كانت عليه منذ خمسة عشرة عاما مضت، مما يستوجب تغيير الأوضاع في أسواق النفط العالمية بما يضمن يضمن لهذه الأسواق قدرا أكبر من الاستقرار والاستقلالية عن هيمنة بعض الدول والجهات.
بورصة نفط روسية
خبر إعلان الصين عن تأسيس بورصة أو سوق للنفط عالمية على أرضها لم يلفت الانتباه كثيرا عند صدوره، لكنه عاد يطرح نفسه بشدة بعد ذلك بأيام قليلة عندما طرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مبادرته في أول مايو الماضي بإنشاء بورصة عالمية للنفط والغاز في موسكو، وقال بوتين إن البورصة الروسية الجديدة ستتعامل بالعملة الروسية (الروبل) التي أعلن البنك المركزي الروسي عن اقتراب موعد إدخالها أسواق العملات العالمية، وأثارت هذه المبادرة ردود فعل قوية في الدوائر الغربية وخاصة في واشنطن التي فهمت فحواها وأهدافها، حيث كتبت صحيفة (بوليتكوم) الروسية تقول (إن قرار تأسيس بورصة عالمية للنفط والغاز في موسكو سيعطي روسيا كمنتج ومصدر رئيسي للطاقة في العالم الفرصة في توجيه أسعار الطاقة العالمية بما يخدم مصالحها. والقرار بأن تكون العملة الروسية (الروبل) هي عملة التعامل في هذه السوق الجديدة سوف يحقق هدفين كبيرين: الأول هو دعم الروبل الروسي بقوة في أسواق العملات بما يؤهله في القريب العاجل لأن يصبح عملة صعبة رئيسية. والثاني سوف يؤثر بشكل مباشر بالعملة الأمريكية (الدولار) التي تحكم لعقود طويلة في أسواق النفط العالمية)، وكتبت (الفايننشال تايمز) تقول (إن قرار تأسيس بورصة عالمية للنفط والغاز في روسيا تعمل بالعملة الروسية سوف تكون له تأثيرات وتداعيات كبيرة ليس على أسواق الطاقة فقط بل على موازين الاقتصاد العالمي ككل، خاصة أنه ليس معروفا بعد العملة التي ستتعامل بها البورصة الأخرى المزمع إنشاؤها في الصين، وإن كان من المتوقع أن تعمل بالعملة الصينية ( اليوان)، الأمر الذي يعني أن بوادر حربا قادمة ضد الدولار الأمريكي بدأت في الظهور.
بورصة إيرانية
الضربة الثالثة بعد الضربتين الصينية والروسية جاءت بعد أيام قليلة في الأسبوع الأول من مايو الماضي عندما أعلنت طهران عن تسجيل وتأسيس بورصة إيرانية للنفط على أراضيها ستبدأ في العمل قريباً، وقررت الحكومة الإيرانية أن يكون التعامل في هذه البورصة بالعملة الأوروبية (اليورو)، هذا القرار من قبل طهران جعل واشنطن تشك في وجود أطراف أخرى في هذه الموجة الجديدة من الأسواق العالمية للطاقة، وربما تكون أطراف أوروبية أو غيرها تعمل في الخفاء وتستهدف مكانة الولايات المتحدة الأمريكية وعملتها الدولار في الأسواق العالمية، وهكذا تتضح معالم الحرب الاقتصادية الجديدة التي ستنطلق من أسواق الطاقة العالمية الجديدة، وإن كان مجهولا حتى الآن بعض الأطراف الخفية في هذه الحرب، إلا أن بعض التوقعات والمؤشرات في واشنطن تشير إلى المملكة العربية السعودية كطرف مباشر في دعم وإمداد الصين بالنفط، خاصة أن الاتفاقيات المعقودة بين البلدين في هذا المجال خلال الشهور القليلة الماضية، وحجم الاستثمارات المشتركة، وغيرها من الأخبار التي تداولتها وسائل الإعلام حول المشاريع المشتركة بينهما سواء في الصين أو في السعودية يعطي مبررات كثيرة لهذه التوقعات، وخاصة ما دار حول مشروع كبير لإنشاء مخزون استراتيجي للنفط في الصين تشارك فيه الشركتان السعوديتان (سابك) و(أرامكو) والشركة الصينية سينوبك، وقد تم بالفعل توقيع الاتفاق حول هذا المشروع أثناء زيارة الزعيم الصيني هوجينتاو للسعودية في أبريل الماضي وأوصى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بالإسراع في تنفيذه، وهو أيضا المشروع الذي يثير قلقا وجدلا واسعا في واشنطن صاحبة المخزون الاستراتيجي الوحيد للنفط في العالم، هذا كله و المملكة العربية السعودية تؤكد دائما أن تعاونها مع الصين وتوجهاتها في القارة الآسيوية يستهدفان على الإطلاق الولايات المتحدة الأمريكية التي تربطها بالمملكة علاقات متميزة.
إن كل هذا الذي يحدث يشير بشكل واضح إلى معالم حرب باردة جديدة بين الشرق والغرب في أسواق الطاقة العالمية، ويشير أيضاً كما يقول المراقبون إلى أن موازين القوى الاقتصادية العالمية بدأت في التحرك من الغرب إلى الشرق، الأمر الذي سيؤثر بالتبعية في الموازين السياسية والاستراتيجية العالمية، مما يمهد على الأرجح لتشكيل نظام عالمي جديد تلعب فيه التحالفات الآسيوية دوراً مؤثراً وفعالاً بعيداً عن الأيديولوجيات السياسية واستراتيجيات الهيمنة العسكرية.
::/fulltext::
::cck::3104::/cck::
