حقبة جديدة من ارتفاع أسعار النفط

::cck::3103::/cck::
::introtext::

في 14 يوليو 2006 كانت عقود بيع النفط المستقبلية تُتَداول بمستويات قياسية بلغت 78.40 دولار للبرميل الواحد، ولم تشهد الأسواق مثل هذه الأسعار منذ عام 1981، إذ تجاوز سعر برميل النفط في تلك السنة، بعد حساب حجم التضخم، 86 دولاراً إثر انهيار إنتاج النفط الإيراني عقب الثورة الإسلامية عام 1979.

::/introtext::
::fulltext::

في 14 يوليو 2006 كانت عقود بيع النفط المستقبلية تُتَداول بمستويات قياسية بلغت 78.40 دولار للبرميل الواحد، ولم تشهد الأسواق مثل هذه الأسعار منذ عام 1981، إذ تجاوز سعر برميل النفط في تلك السنة، بعد حساب حجم التضخم، 86 دولاراً إثر انهيار إنتاج النفط الإيراني عقب الثورة الإسلامية عام 1979. والحقيقة أن أسعار النفط الحالية ارتفعت ارتفاعاً مذهلاً بنسبة 660 في المائة عن الأسعار التي كانت قائمة أواخر التسعينات حين كان النفط يباع بـ 10 دولارات للبرميل فقط.
وتشير أرقام مركز الخليج للأبحاث إلى أن سعر سلة أوبك، وهو واحد من أكثر الأسعار أهمية ومغزى بالنسبة إلى دول الخليج، قد سجل متوسطاً قدره 62.31 دولار للبرميل في هذا العام حتى الآن (وبلغ متوسط شهر يوليو 68.94 دولار للبرميل) وهو أعلى سعر يسجل على الإطلاق. وفي هذا السياق ترى مؤسسة غولدمان ساكس (Goldman Sachs) الاستثمارية، التي لفتت الأنظار في العام الماضي حين تنبأت بارتفاع حاد تصل ذروته إلى 105 دولارات للبرميل، أننا نمر الآن بالسنة الثانية من فترة ارتفاع أسعار النفط التي ستمتد خمس سنوات، وأن متوسط الأسعار خلال هذه الفترة لن يقل عن 68 دولاراً للبرميل.
لقد كان صعود الأسعار مؤخراً أشد حدة من القفزات التي شهدتها الأسواق في السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن المنصرم، وإن كانت الأسعار صعدت بتدرج زمني أطول قليلاً هذه المرة. ففي عام 1973 أدت القفزة العالية في أسعار النفط بنسبة 300 في المائة إلى تخطي معدلات التضخم نسبة 12 في المائة في الولايات المتحدة، كما أدت بعد فترة من الزمن إلى مشكلات اقتصادية من مختـلِف الأنواع نتج عنها في نهاية المطاف تباطؤ في الاقتصاد العالمي وهبوط حاد لأسعار النفط. والآن أخذت تثار من جديد مخاوف من حصول تضخم عالمي بعد انقطاع طويل، كما بدأ بعض المعلقين يتساءلون عما إذا كانت فورة أسعار النفط الحالية ستنتهي مثل سابقاتها.
المخاوف الأمنية ومحافظ التغطية
إن الفرق الرئيسي بين الفورة الحالية والفورات السابقة الأقصر أجلاً في أسعار النفط هو أن العامل الرئيسي المسبب للفورة الحالية هو ازدياد الطلب (ولا سيما من جانب الصين والهند) وليس تراجع العرض كما كان في المرات السابقة. فليس هناك مشكلات عرض جوهرية بالمعنى الفعلي للكلمة، كما أن استخدام سلاح النفط أداةً سياسيةً يبدو مجمداً.
لكن ربما من المؤكد أن القفزة القصيرة التي شهدتها أسعار النفط هذا الشهر جاءت نتيجة العدوان الإسرائيلي على لبنان والخشية من احتمال أن يؤدي القتال في المشرق إلى خفض كميات النفط المتدفقة من الخليج. ومع تلاشي هذه المخاوف مؤقتاً تراجعت أسعار النفط قليلاً، لكنّ متوسط شهر سبتمبر بالنسبة إلى كثير من أسواق الخام كان المتوسط الأعلى منذ بداية فورة أسعار النفط الحالية عام 2001.
وثمة مخاوف جيوسياسية جديدة متنوعة وهي بلا ريب ترفع أسعار النفط مثلما أن مستويات المضاربة المتزايدة ترفعها أيضاً. وتظهر محفظة التغطية ازدياد الاهتمام بعقود النفط المستقبلية في الشهور الأخيرة، وكذلك بالسلع الأخرى عموماً.
فعلى سبيل المثال، يهتم مديرو المحافظ الاستثمارية في مجال الطاقة اهتماماً خاصاً بالترويج لارتفاع أسعار النفط، حيث إنهم إذا أوجدوا انطباعاً بأن سعر النفط سيرتفع، فسيؤدي ذلك إلى إقدام المزيد من المستثمرين على الاستثمار في مثل هذه الصناديق. وهذا بدوره يمكّن مديري الصناديق من شراء مزيد من عقود النفط المستقبلية وبذلك يدفعون بالأسعار إلى الارتفاع. وفي هذا السياق يأتي قول فرانك هولمز مؤخراً إنه يعتقد (أن بلوغ سعر البرميل الواحد 100 دولار أمر ممكن جداً)، وهولمز هو مدير صندوق الموارد العالمية التابع للمستثمرين الأمريكيين عالمياً، وهذا الصندوق ـ بالمناسبة ـ نما بنسبة 50 في المائة هذه السنة.
لكنّ هذين العاملين مجتمعين لا يُعتقد أنهما يسهمان بأكثر من 10 إلى 20 دولاراً من السعر الإجمالي. وحتى لو طرحنا (علاوة الضمان) وهامش ربح المضاربين من الأسعار الحالية فإن برميل النفط يبقى بالرغم من ذلك في قمة النطاق السعري الجديد غير الرسمي لمنظمة أوبك وهو 40 – 60 دولاراً للبرميل.
عامل الطلب
إن الطلب الصيني والهندي النهم على النفط وعملية العولمة عموماً يمثلان في رأينا العامل الرئيسي الكامن وراء أسعار النفط الحالية. فقد دخل في السوق العالمية الآن ثلاثة مليارات مستهلك إضافي، يسعى معظمهم للحصول على منازل مزودة بأجهزة وسيارات تستهلك كميات هائلة من الطاقة.
وكذلك فإن عملية العولمة، وهي كلمة لم تكن قد صيغت في سبعينات القرن العشرين، يمكن أيضا أن تساعدنا على فهم العلة من وراء عدم تسبب ارتفاع أسعار النفط هذه المرة في تفاقم التضخم بصورة مباشرة، فقد أدى نقل موقع العمليات التصنيعية إلى الصين وتكليف الهند بوضع الترتيبات الإدارية المتعلقة بالعقود والاتفاقيات إلى إبقاء تكاليف العمالة العالمية منخفضة وبالتالي إبقاء التضخم منخفضاً.
والسؤال الذي بدأ يدور في خلد كثير الآن هو: هل كان الاقتصاد العالمي سيتمكن من مجاراة أسعار النفط الحالية من دون أن يشهد زيادة في التضخم أو ركوداً اقتصادياً أو كليهما؟ الجدير بالذكر أن هذا الاقتصاد لم يستطع مجاراة ارتفاع الأسعار في أوائل الثمانينات، لكن الوضع الاقتصادي اليوم يختلف كثيراً.
فهل الأمر حقاً يختلف هذه المرة؟
قد يقول البعض إن ارتفاع أسعار النفط هذه المرة ليست له علاقة بمخاوف جيوسياسية أو بقيام المضاربين بدفع الأسعار إلى الارتفاع دفعاً متصنَّعاً، وإنما علاقته أكبر بكثير بازدياد الطلب بسرعة تفوق سرعة زيادة العرض.
إن الفرق الجوهري الأكبر بين أسعار اليوم وقفزات الأسعار التي شهدها عقدا السبعينات والثمانينات هو أنها اليوم ناجمة عن الطلب، بينما كان سببها الأساسي في تلك الفترة تراجع العرض. وبما أن زيادات أسعار النفط اليوم ناجمة عن عوامل السوق فإن آثارها الاقتصادية السلبية يرجح أن تكون أقل حدة بكثير مما كانت عليه في المرات الماضية.
وتشير أبحاث البنك السويسري إلى أن آثار النفط على التضخم والاقتصاد اليوم أقل بكثير مما كانت في السبعينات وأوائل الثمانينات. كما تشير هذه الأبحاث أيضاً إلى أن أهمية النفط للاقتصاد العالمي آخذة في التراجع. ففي الاقتصادات الأكثر استهلاكاً للنفط، كالولايات المتحدة واليابان، انخفضت نسبة النفط إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى ما دون النصف على مدى الأعوام الثلاثين الماضية. وهذا يشير إلى أن حدوث أي تراجع وشيك في أسعار النفط أمر مستبعد.
هل هناك من مفاجآت؟
ما من شك في أن أي تغير كبير في أسعار النفط سيترك أثراً بالغاً في اقتصادات دول الخليج العربية التي تسيطر على 45 في المائة من موارد النفط في العالم وتصدّر مجتمعة 15.7 مليون برميل يومياً ( أي ما يقرب من مليار دولار كل يوم).
وإذا لم يكرر التاريخ نفسه ـ بأن يؤدي الارتفاع الحاد في أسعار النفط إلى تحول وجهة الاقتصاد العالمي نحو الهبوط ـ فإن دول الخليج ستكون في وضع تحسدها الدول عليه، إذ إن فائض العوائد المتراكمة من مبيعات النفط يمكن أن يُستخدم ـ بل هو يُستخدم بالفعل ـ لإجراء تحديث شامل في البنى التحتية للمنطقة. والجدير بالذكر في هذا السياق أن السعودية ستشهد فائضاً عام 2006 لا يقل عن 200 مليار دولار. وبعد عامي 2003 و2004 اللذين اتخذت فيهما موقف “المنتظر والمترقب)، تشرع دول الخليج الآن باستثمار عشرات المليارات من الدولارات في قطاعات الصناعات الهيدروكربونية لديها، في عمليات التنقيب في حقول النفط ومرافق التكرير والتصدير معاً.
لكنّ ثمة خطراً يوجد دائماً في مثل هذه الحالات يتمثل باستغلال فائض العوائد لتأجيل الإصلاحات الاقتصادية الضرورية مما يؤدي إلى تراكم التكاليف المتكررة، من قبيل رفع الأجور في القطاع العام من دون الحاجة إلى ذلك على سبيل المثال.
بيد أن رئيس دائرة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي محسن خان يشير إلى أن الجيل الحالي من قادة الخليج يفكرون تفكيراً مختلفاً عن تفكير أسلافهم السابقين ولا ينوون تأجيل الإصلاحات الاقتصادية. وهذه بشرى سارة لأن دول مجلس التعاون شهدت منذ أواسط الثمانينات حتى أواخر التسعينات فترة طويلة من الجمود، وكانت تبدو عاجزة عن دفع عجلة النمو. صحيح أن أسعار النفط كانت منخفضة لكن التكاليف المتكررة التي تراكمت من انتعاشات النفط السابقة لم تكن كذلك.
إن فائض عائدات النفط اليوم يجب استخدامه، إضافة إلى المحافظ الاستثمارية النفطية للتخفيف من (صدمة) إصلاح القطاع العام. ولا شك في أن مثل هذه الخطوات ستخفف من أثر عودة أسعار النفط إلى الهبوط مستقبلاً ـ إن حدثت ـ في نهاية المطاف.
أخيراً نقول إن لا شيء يدوم إلى الأبد، ولا حتى هذه الحالة من أسعار النفط المرتفعة، فإن كان ارتفاع أسعار النفط حالياً ناجماً عن اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما نعتقده، فإن المساعي ستتجه نحو موارد بديلة، كما أن الصناعة ستصبح أكثر كفاءة في ما يتعلق بالطاقة، وستضغط هذه العوامل مع مرور الزمن على الأسعار حتى تتراجع.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3103::/cck::
::introtext::

في 14 يوليو 2006 كانت عقود بيع النفط المستقبلية تُتَداول بمستويات قياسية بلغت 78.40 دولار للبرميل الواحد، ولم تشهد الأسواق مثل هذه الأسعار منذ عام 1981، إذ تجاوز سعر برميل النفط في تلك السنة، بعد حساب حجم التضخم، 86 دولاراً إثر انهيار إنتاج النفط الإيراني عقب الثورة الإسلامية عام 1979.

::/introtext::
::fulltext::

في 14 يوليو 2006 كانت عقود بيع النفط المستقبلية تُتَداول بمستويات قياسية بلغت 78.40 دولار للبرميل الواحد، ولم تشهد الأسواق مثل هذه الأسعار منذ عام 1981، إذ تجاوز سعر برميل النفط في تلك السنة، بعد حساب حجم التضخم، 86 دولاراً إثر انهيار إنتاج النفط الإيراني عقب الثورة الإسلامية عام 1979. والحقيقة أن أسعار النفط الحالية ارتفعت ارتفاعاً مذهلاً بنسبة 660 في المائة عن الأسعار التي كانت قائمة أواخر التسعينات حين كان النفط يباع بـ 10 دولارات للبرميل فقط.
وتشير أرقام مركز الخليج للأبحاث إلى أن سعر سلة أوبك، وهو واحد من أكثر الأسعار أهمية ومغزى بالنسبة إلى دول الخليج، قد سجل متوسطاً قدره 62.31 دولار للبرميل في هذا العام حتى الآن (وبلغ متوسط شهر يوليو 68.94 دولار للبرميل) وهو أعلى سعر يسجل على الإطلاق. وفي هذا السياق ترى مؤسسة غولدمان ساكس (Goldman Sachs) الاستثمارية، التي لفتت الأنظار في العام الماضي حين تنبأت بارتفاع حاد تصل ذروته إلى 105 دولارات للبرميل، أننا نمر الآن بالسنة الثانية من فترة ارتفاع أسعار النفط التي ستمتد خمس سنوات، وأن متوسط الأسعار خلال هذه الفترة لن يقل عن 68 دولاراً للبرميل.
لقد كان صعود الأسعار مؤخراً أشد حدة من القفزات التي شهدتها الأسواق في السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن المنصرم، وإن كانت الأسعار صعدت بتدرج زمني أطول قليلاً هذه المرة. ففي عام 1973 أدت القفزة العالية في أسعار النفط بنسبة 300 في المائة إلى تخطي معدلات التضخم نسبة 12 في المائة في الولايات المتحدة، كما أدت بعد فترة من الزمن إلى مشكلات اقتصادية من مختـلِف الأنواع نتج عنها في نهاية المطاف تباطؤ في الاقتصاد العالمي وهبوط حاد لأسعار النفط. والآن أخذت تثار من جديد مخاوف من حصول تضخم عالمي بعد انقطاع طويل، كما بدأ بعض المعلقين يتساءلون عما إذا كانت فورة أسعار النفط الحالية ستنتهي مثل سابقاتها.
المخاوف الأمنية ومحافظ التغطية
إن الفرق الرئيسي بين الفورة الحالية والفورات السابقة الأقصر أجلاً في أسعار النفط هو أن العامل الرئيسي المسبب للفورة الحالية هو ازدياد الطلب (ولا سيما من جانب الصين والهند) وليس تراجع العرض كما كان في المرات السابقة. فليس هناك مشكلات عرض جوهرية بالمعنى الفعلي للكلمة، كما أن استخدام سلاح النفط أداةً سياسيةً يبدو مجمداً.
لكن ربما من المؤكد أن القفزة القصيرة التي شهدتها أسعار النفط هذا الشهر جاءت نتيجة العدوان الإسرائيلي على لبنان والخشية من احتمال أن يؤدي القتال في المشرق إلى خفض كميات النفط المتدفقة من الخليج. ومع تلاشي هذه المخاوف مؤقتاً تراجعت أسعار النفط قليلاً، لكنّ متوسط شهر سبتمبر بالنسبة إلى كثير من أسواق الخام كان المتوسط الأعلى منذ بداية فورة أسعار النفط الحالية عام 2001.
وثمة مخاوف جيوسياسية جديدة متنوعة وهي بلا ريب ترفع أسعار النفط مثلما أن مستويات المضاربة المتزايدة ترفعها أيضاً. وتظهر محفظة التغطية ازدياد الاهتمام بعقود النفط المستقبلية في الشهور الأخيرة، وكذلك بالسلع الأخرى عموماً.
فعلى سبيل المثال، يهتم مديرو المحافظ الاستثمارية في مجال الطاقة اهتماماً خاصاً بالترويج لارتفاع أسعار النفط، حيث إنهم إذا أوجدوا انطباعاً بأن سعر النفط سيرتفع، فسيؤدي ذلك إلى إقدام المزيد من المستثمرين على الاستثمار في مثل هذه الصناديق. وهذا بدوره يمكّن مديري الصناديق من شراء مزيد من عقود النفط المستقبلية وبذلك يدفعون بالأسعار إلى الارتفاع. وفي هذا السياق يأتي قول فرانك هولمز مؤخراً إنه يعتقد (أن بلوغ سعر البرميل الواحد 100 دولار أمر ممكن جداً)، وهولمز هو مدير صندوق الموارد العالمية التابع للمستثمرين الأمريكيين عالمياً، وهذا الصندوق ـ بالمناسبة ـ نما بنسبة 50 في المائة هذه السنة.
لكنّ هذين العاملين مجتمعين لا يُعتقد أنهما يسهمان بأكثر من 10 إلى 20 دولاراً من السعر الإجمالي. وحتى لو طرحنا (علاوة الضمان) وهامش ربح المضاربين من الأسعار الحالية فإن برميل النفط يبقى بالرغم من ذلك في قمة النطاق السعري الجديد غير الرسمي لمنظمة أوبك وهو 40 – 60 دولاراً للبرميل.
عامل الطلب
إن الطلب الصيني والهندي النهم على النفط وعملية العولمة عموماً يمثلان في رأينا العامل الرئيسي الكامن وراء أسعار النفط الحالية. فقد دخل في السوق العالمية الآن ثلاثة مليارات مستهلك إضافي، يسعى معظمهم للحصول على منازل مزودة بأجهزة وسيارات تستهلك كميات هائلة من الطاقة.
وكذلك فإن عملية العولمة، وهي كلمة لم تكن قد صيغت في سبعينات القرن العشرين، يمكن أيضا أن تساعدنا على فهم العلة من وراء عدم تسبب ارتفاع أسعار النفط هذه المرة في تفاقم التضخم بصورة مباشرة، فقد أدى نقل موقع العمليات التصنيعية إلى الصين وتكليف الهند بوضع الترتيبات الإدارية المتعلقة بالعقود والاتفاقيات إلى إبقاء تكاليف العمالة العالمية منخفضة وبالتالي إبقاء التضخم منخفضاً.
والسؤال الذي بدأ يدور في خلد كثير الآن هو: هل كان الاقتصاد العالمي سيتمكن من مجاراة أسعار النفط الحالية من دون أن يشهد زيادة في التضخم أو ركوداً اقتصادياً أو كليهما؟ الجدير بالذكر أن هذا الاقتصاد لم يستطع مجاراة ارتفاع الأسعار في أوائل الثمانينات، لكن الوضع الاقتصادي اليوم يختلف كثيراً.
فهل الأمر حقاً يختلف هذه المرة؟
قد يقول البعض إن ارتفاع أسعار النفط هذه المرة ليست له علاقة بمخاوف جيوسياسية أو بقيام المضاربين بدفع الأسعار إلى الارتفاع دفعاً متصنَّعاً، وإنما علاقته أكبر بكثير بازدياد الطلب بسرعة تفوق سرعة زيادة العرض.
إن الفرق الجوهري الأكبر بين أسعار اليوم وقفزات الأسعار التي شهدها عقدا السبعينات والثمانينات هو أنها اليوم ناجمة عن الطلب، بينما كان سببها الأساسي في تلك الفترة تراجع العرض. وبما أن زيادات أسعار النفط اليوم ناجمة عن عوامل السوق فإن آثارها الاقتصادية السلبية يرجح أن تكون أقل حدة بكثير مما كانت عليه في المرات الماضية.
وتشير أبحاث البنك السويسري إلى أن آثار النفط على التضخم والاقتصاد اليوم أقل بكثير مما كانت في السبعينات وأوائل الثمانينات. كما تشير هذه الأبحاث أيضاً إلى أن أهمية النفط للاقتصاد العالمي آخذة في التراجع. ففي الاقتصادات الأكثر استهلاكاً للنفط، كالولايات المتحدة واليابان، انخفضت نسبة النفط إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى ما دون النصف على مدى الأعوام الثلاثين الماضية. وهذا يشير إلى أن حدوث أي تراجع وشيك في أسعار النفط أمر مستبعد.
هل هناك من مفاجآت؟
ما من شك في أن أي تغير كبير في أسعار النفط سيترك أثراً بالغاً في اقتصادات دول الخليج العربية التي تسيطر على 45 في المائة من موارد النفط في العالم وتصدّر مجتمعة 15.7 مليون برميل يومياً ( أي ما يقرب من مليار دولار كل يوم).
وإذا لم يكرر التاريخ نفسه ـ بأن يؤدي الارتفاع الحاد في أسعار النفط إلى تحول وجهة الاقتصاد العالمي نحو الهبوط ـ فإن دول الخليج ستكون في وضع تحسدها الدول عليه، إذ إن فائض العوائد المتراكمة من مبيعات النفط يمكن أن يُستخدم ـ بل هو يُستخدم بالفعل ـ لإجراء تحديث شامل في البنى التحتية للمنطقة. والجدير بالذكر في هذا السياق أن السعودية ستشهد فائضاً عام 2006 لا يقل عن 200 مليار دولار. وبعد عامي 2003 و2004 اللذين اتخذت فيهما موقف “المنتظر والمترقب)، تشرع دول الخليج الآن باستثمار عشرات المليارات من الدولارات في قطاعات الصناعات الهيدروكربونية لديها، في عمليات التنقيب في حقول النفط ومرافق التكرير والتصدير معاً.
لكنّ ثمة خطراً يوجد دائماً في مثل هذه الحالات يتمثل باستغلال فائض العوائد لتأجيل الإصلاحات الاقتصادية الضرورية مما يؤدي إلى تراكم التكاليف المتكررة، من قبيل رفع الأجور في القطاع العام من دون الحاجة إلى ذلك على سبيل المثال.
بيد أن رئيس دائرة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي محسن خان يشير إلى أن الجيل الحالي من قادة الخليج يفكرون تفكيراً مختلفاً عن تفكير أسلافهم السابقين ولا ينوون تأجيل الإصلاحات الاقتصادية. وهذه بشرى سارة لأن دول مجلس التعاون شهدت منذ أواسط الثمانينات حتى أواخر التسعينات فترة طويلة من الجمود، وكانت تبدو عاجزة عن دفع عجلة النمو. صحيح أن أسعار النفط كانت منخفضة لكن التكاليف المتكررة التي تراكمت من انتعاشات النفط السابقة لم تكن كذلك.
إن فائض عائدات النفط اليوم يجب استخدامه، إضافة إلى المحافظ الاستثمارية النفطية للتخفيف من (صدمة) إصلاح القطاع العام. ولا شك في أن مثل هذه الخطوات ستخفف من أثر عودة أسعار النفط إلى الهبوط مستقبلاً ـ إن حدثت ـ في نهاية المطاف.
أخيراً نقول إن لا شيء يدوم إلى الأبد، ولا حتى هذه الحالة من أسعار النفط المرتفعة، فإن كان ارتفاع أسعار النفط حالياً ناجماً عن اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما نعتقده، فإن المساعي ستتجه نحو موارد بديلة، كما أن الصناعة ستصبح أكثر كفاءة في ما يتعلق بالطاقة، وستضغط هذه العوامل مع مرور الزمن على الأسعار حتى تتراجع.

::/fulltext::
::cck::3103::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *