سلاح النفط الخليجي بين فاعلية 1973 وقيود 2006
::cck::3102::/cck::
::introtext::
كان لنجاح سلاح النفط في حرب أكتوبر 1973 أثره الفعال في إدارة المعركة مع إسرائيل من ناحية، و تعظيم قدرات العرب التفاوضية من ناحية ثانية، ومنذ ذلك التاريخ ومع كل أزمة عربية – إسرائيلية أو أزمة عربية – أمريكية، يثور الحديث عن النفط، وإمكانيات استخدامه كسلاح في المواجهة
::/introtext::
::fulltext::
كان لنجاح سلاح النفط في حرب أكتوبر 1973 أثره الفعال في إدارة المعركة مع إسرائيل من ناحية، و تعظيم قدرات العرب التفاوضية من ناحية ثانية، ومنذ ذلك التاريخ ومع كل أزمة عربية – إسرائيلية أو أزمة عربية – أمريكية، يثور الحديث عن النفط، وإمكانيات استخدامه كسلاح في المواجهة. حدث ذلك لدى اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000 عندما تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ويتكرر ذلك الآن من خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ الثاني عشر من يوليو 2006، حيث طالب العديد من الأصوات بضرورة استخدام النفط كسلاح سياسي في الضغط على الولايات المتحدة والدول الغربية لإجبار إسرائيل على وقف اعتداءاتها على الشعب اللبناني.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل هناك إمكانية لتوظيف النفط الخليجي كسلاح سياسي في الأزمة الراهنة وذلك على غرار ما حدث عام 1973؟ وهل لدى الدول الخليجية المنتجة للنفط الحرية المطلقة في ذلك أم أن هناك قيوداً تحول دون ذلك ؟ وما هي طبيعتها؟ وهل استخدام هذا السلاح سيحدث الأثر المرجو منه؟ أم أنه سيؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالقضايا العربية أكثر مما تنفعها؟
في حرب السادس من أكتوبر عام 1973 نجح سلاح النفط الخليجي في توفير دعم كبير لكل من مصر وسوريا في حربهما ضد إسرائيل، بعد أن اتفقت دول الخليج على تخفيض إنتاج النفط وصادراته بنسبة 5 في المائة، وذلك خلال اجتماع وزراء النفط العرب بالكويت في أكتوبر 1973 لمدة 6 أشهر. وليس هذا فحسب بل قامت في خطوة مهمة أخرى بفرض حظر على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة لانحيازها لإسرائيل بالإضافة إلى هولندا التي كانت شديدة التأييد والحماس لإسرائيل بعدما ارتفعت نسبة الخفض إلى 25 في المائة؛ ما شكل مفاجأة غير متوقعة للعالم كله أسفرت عن ارتفاع أسعار النفط من 4 دولارات قبل عام 1973 إلى أكثر من 11 دولاراً للبرميل في بداية عام 1974، الأمر الذي أصاب الاقتصاد الأمريكي واقتصادات الدول الصناعية بنكسة شديدة نتيجة لاعتمادها على النفط بصورة رئيسية كمصدر للطاقة، فضلاً عن إحداث خسائر شديدة في الميزانية وارتفاع معدلات التضخم ومن ثم تعميق الكساد الاقتصادي .
لقد توافرت العديد من الظروف الموضوعية التي جعلت من استخدام سلاح النفط في حرب أكتوبر 1973 فاعلاً وناجحاً، في مقدمتها تمتع الدول العربية، وخصوصاً الخليجية، باحتياطيات نفطية ضخمة ومؤكدة سهلة الاكتشاف ومنخفضة التكاليف مقارنة بأية منطقة أخرى في العالم آنذاك، حيث قدر حجم الاحتياطيات النفطية العربية بحوالي 645 مليار برميل، أي ما يعادل 62.1 في المائة من الاحتياطي العالمي البالغ أكثر من تريليون برميل، وتكفي هذه الاحتياطيات لمدة تزيد على 85 سنة إذا ما استمر الإنتاج على مستوياته الراهنة نفسها، مقارنة بـ 10 سنوات فقط في أمريكا و 7 سنوات في بحر الشمال و 21 سنة في روسيا، وهو معدل مرتفع عند مقارنته بدول ومناطق أخرى مثل فنزويلا وحوض بحر قزوين وغيرهما.
لكن هذه الظروف التي جعلت من استخدام النفط سلاحاً سياسياً فعالاً في دعم مصر وسوريا في حرب أكتوبر 1973 تغيرت، ولم تعد كما كانت، فثمة مستجدات حدثت على الخريطة النفطية العالمية، سواء من حيث المنتجين أو المستهلكين، فضلاً عن طبيعة تغير الظروف الدولية الراهنة في ظل السيطرة الأمريكية على النظام الدولي وإدارة أزماته بشكل منفرد، ومن ثم لم يعد ممكناً توظيف سلاح النفط في الوقت الراهن، وفي الضغط على الولايات المتحدة والدول الغربية المؤيدة لها.
وبات استخدام النفط كورقة ضغط سياسية على غرار ما حدث عام 1973 مسألة صعبة وغير مجدية اقتصادياً، وذلك لكون سلبياتها في الوقت الراهن أكثر بكثير من إيجابياتها لاسيما في ضوء تغير الظروف وتبدل المعطيات السياسية والاقتصادية والأمنية على الساحتين الإقليمية والدولية بين عامي 1973 و 2006، والتي مثلت بدورها قيوداً على فاعلية استخدام سلاح النفط في المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، وأهمها:
1- القيود الاقتصادية: فالنفط هو شريان الحياة الاقتصادية بالنسبة للدول الخليجية؛ ومن ثم فإن فقدان العائدات النفطية نتيجة لحظر أو خفض الصادرات قضية ترفضها معظم الدول الخليجية، وقد أكد ذلك بوضوح وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل يوم 3/8/2006 حين قال (إن السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم تعتقد أنه يجب عدم استخدام النفط كسلاح لأنه الشريان الاقتصادي الرئيسي للدول العربية). وحين سئل عما إذا كان يجب استخدام سلاح النفط إذا تصاعدت الحرب الدائرة بين إسرائيل ولبنان فقال: (إنه يجب عدم الخلط بين المسألتين لأن النفط يمثل إحدى القدرات الاقتصادية التي تحتاج إليها الدول للوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها).
وتبدو دلالة ما سبق إذا ما تم الأخذ في الاعتبار الأهمية المحورية للقطاع النفطي في الاقتصادات الخليجية، فهو يعد بمثابة القطاع القائد والمحرك لبقية قطاعات الاقتصاد، حيث تبلغ مساهمته نحو 90 في المائة من إجمالي قيمة الصادرات الخليجية، ونحو 75 في المائة من الإيرادات العامة الخليجية وحوالي 30-40 في المائة من إجمالي الناتج الخليجي.
ومن ثم، فإن أي تراجع تشهده تلك العائدات من شأنه إحداث زيادة في العجوزات المالية لهذه الدول ونقصاً في مواردها من النقد الأجنبي اللازمة لاستيراد مستلزماتها من السلع والخدمات ما قد يدفعها إلى الوقوع في فخ الاستدانة الخارجية أو تحمل عبء أكبر من المديونية، ناهيك عن تضرر مشاريعها الاجتماعية والتعليمية والصحية وإنجازاتها في مجال البنية الأساسية والتي حققتها خلال الحقبة النفطية، وهي الأمور التي لم تكن ذات أهمية قبل عام 1973، حيث لم يكن النفط قد تشعب في شتى مناحي الحياة ولم تكن أسعاره تتجاوز 4 دولارات آنذاك؛ كما أنها لا تستقيم إطلاقاً مع توجهات الدول الخليجية نحو التنمية والإصلاح الاقتصادي للحاق بركب الدول المتقدمة. كما أن هذه الدول استثمرت خلال الثلاثين عاماً الأخيرة أموالاً في إقامة معامل تكرير في أمريكا وأوروبا، وبالتالي فإن أي قطع للإمدادات النفطية ـ على حسب تأكيد وزيري النفط السعودي والقطري على هامش المؤتمر العربي للطاقة في 12/5/2002 ـ يعني إغلاق هذه المعامل وتحمل الدول الخليجية خسائر فادحة تؤثر في خطط التنمية فيها.
2- القيود السياسية: إن حظر النفط عن الأسواق الأمريكية والدولية لن تقابله الإدارة الأمريكية بالرضوخ والاستجداء، لاسيما في ضوء انهيار التوازنات الدولية منذ بداية التسعينات من القرن العشرين وانفراد أمريكا بالسيطرة على النظام العالمي، واتباعها سياسة أكثر تطرفاً وعدائية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فواشنطن قد تحرك المجتمع الدولي كله، وتدفعه إلى معاداة الدول الخليجية بدعوى أن الأخيرة تتحكم وتحتكر السوق النفطية، وتضر بالأداء الاقتصادي العالمي، وتسعى إلى إدخاله في دوامة الركود، ما قد يخولها بالحرية المطلقة لمواجهة هذا التصرف الذي يمكن أن تعتبره (نوعاً من الإرهاب) تستدعي محاربته خاصة مع اختلاط المفاهيم في العالم بعد أحداث 11 سبتمبر أو قد يعطي ذلك الدول الغربية مبرراً لتجميد الأموال لديها بالخارج بحجة (محاربة الإرهاب). كما يمكن للولايات المتحدة أن تفرض عقوبات اقتصادية على الدول التي تتخذ قرار الحظر، فقد سبق أن استصدرت تشريعاً من الكونجرس في 22/3/2002 بأغلبية 372 صوتاً يقضي بفرض عقوبات على دول (أوبك) التي ترفض زيادة الإنتاج.
بل إن هناك من يرى أن قطع مصادر الطاقة عن الدول الصناعية، والتي تدخل في شتى اهتمامات المواطن العادي، كوسيلة للضغط السياسي، قد لا يخدم القضايا العربية في الأوقات الراهنة، بل على العكس قد يولد مزيداً من الأحقاد من المواطنين الغربيين تجاه الدول العربية، ومن ثم، فإن استخدام النفط كسلاح سياسي ينطوي على مخاطرة حقيقية؛ لأن النفط عامل مؤثر وفاعل بالنسبة للمجتمع الدولي، ولا ينبغي ربطه بقضية محددة، وستكون لقرار إيقاف صادرات النفط في حال اتخاذه آثار مدمرة بالنسبة للمجتمع الدولي، وبالتالي فإنه سوف يمثل عقاباً جماعياً يشمل أغلبية أعضاء الأسرة الدولية ممن ليست لهم صلة مباشرة في الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط، كما أن عقاباً شاملاً من مثل هذا النوع سوف يحول المجتمع الدولي بأسره إلى عدو بالنسبة للعرب والمسلمين، وسوف يفتقد هؤلاء بالتالي التعاطف الدولي تجاه قضاياهم.
كما تحمل فكرة استخدام سلاح النفط مخاطرة أن يختزل الرد العربي على سلوكيات إسرائيل العدوانية إلى توظيف عنصر واحد فقط من بين عناصر القوة المتاحة لدى العرب والمسلمين، وأن يقتصر تحميل عبء تنفيذ هذا الرد على الدول الخليجية بحكم أنها تحتفظ بالنصيب الأكبر من الاحتياطي النفطي العالمي، الأمر الذي يفتقد العدالة والفاعلية في اقتسام تكاليف المواجهة مع إسرائيل من قبل الولايات المتحدة.
3- القيود النابعة من منظمة أوبك : حيث تتبنى المنظمة رأياً مفاده ضرورة تحييد النفط وعزله عن الصراعات السياسية، وهو ما أكد عليه أمينها العام الدكتور (علي رودريجيز) في 4/4/2002 حين تعالت بعض الأصوات لاستخدام النفط كسلاح سياسي لدعم انتفاضة الأقصى، بقوله (إن أوبك لا تؤيد، ولا تريد استخدام النفط سلاحاً سياسياً في الصراع الدائر في الشرق الأوسط”، ويعكس هذا موقف المنظمة الهادف إلى ضمان استقرار العرض النفطي والحفاظ على أسعار النفط في السوق العالمية.
فضلاً عن أن منظمة أوبك هي منظمة اقتصادية في الأساس تعمل على تنسيق السياسات الإنتاجية بين الدول المصدرة للنفط بما يحقق الاستقرار في السوق النفطية، وهي ليست منظمة سياسية وليس من حقها تبني وجهات نظر سياسية معينة تؤثر في السلعة الأهم بالنسبة للاقتصاد العالمي، كما أنها تضم في عضويتها دولاً غير عربية وهي: فنزويلا ونيجيريا وإندونيسيا بالإضافة إلى إيران، وهي تعتمد على النفط بصورة رئيسية في مواجهة تحدياتها الاقتصادية ما يعني أن توافر الإجماع على حظر أو تخفيض الإنتاج النفطي بصورة شديدة سيكون مسألة غير مضمونة.وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق والسيطرة على نفطه، ظهر اتجاه داخل بعض الأوساط الأمريكية يدعو إلى تفكيك أوبك أو تحييد دورها، ويتوقع العديد من المحللين أن الولايات المتحدة ستسعى إلى انسحاب العراق من منظمة أوبك؛ لأنه غير المتوقع في حال وجود نظام عراقي على علاقة قوية ومتينة مع الولايات المتحدة التزامه بالحصص الإنتاجية للمنظمة، وسيرفع من سقف إنتاجه عن المملكة العربية السعودية التي يتراوح إنتاجها ما بين 8-9 ملايين برميل يومياً، ومن غير المحتمل أيضاً تعاون الحكومة العراقية مع أوبك في ضوء الاتهامات الأمريكية المستمرة للأخيرة باحتكار السوق النفطية والإضرار بمصالح الدول المستهلكة، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار بدرجة كبيرة، الأمر الذي قد ينهي معه أي قدرة للمنظمة على السيطرة على السوق النفطية أو التحكم بمساراتها وهذا قد يترتب عليه فقدان دول المجلس لحرية القرار، إذ إن السيطرة على النفط العراقي قد تتيح للولايات المتحدة امتلاك ورقة ضغط جديدة ليس على دول مجلس التعاون فحسب، بل على كل الدول المنتجة للنفط في العالم، وذلك بطرح البترول العراقي في الأسواق بعد التحكم بكمياته وسعره.
4- الضغوط التي تمارسها الوكالة الدولية للطاقة والتي تعبر عن مصالح المستهلكين في مواجهة منظمة أوبك، ونجحت الوكالة التي تضم 25 دولة صناعية – إلى حد كبير- في تحقيق جانب من أهم أهدافها وهو التخلي بصورة تدريجية عن النفط الخليجي، حتى لا يتكرر ما حدث عام 1973، من خلال عملها على إيجاد بدائل جغرافية ونوعية لمصادر الطاقة بتطوير الإنتاج النفطي واستيراد النفط من مناطق أخرى خارج منطقة الشرق الأوسط فضلاً عن تغذية مخزوناتها الاستراتيجية بشكل أصبحت معه مسألة قطع الإمدادات النفطية الخليجية عن الاقتصادات الغربية لا تمثل خطورة شديدة عليها كما كان عليه الوضع عام 1973، حتى إن وزير الطاقة القطري عبد الله بن حمد العطية قال مبرراً صعوبة استخدام سلاح النفط: (إن سوق النفط أصبحت سوق مشترين لا بائعين).
5- ظهور مناطق إنتاج جديدة تنافس النفط الخليجي، فلم تعد الدول الخليجية والعربية المنتجة للنفط هي اللاعب الوحيد في السوق، حيث تراجعت حصتها من السوق النفطية الدولية من 70 في المائة عام 1973 إلى حوالي 26.3 في المائة (20 مليون برميل يومياً) من إجمالي الطلب العالمي على النفط البالغ عام 2004 نحو 76 مليون برميل يومياً، ويتراوح إنتاج منظمة أوبك في العام 2006 ما بين 35 ـ 40 في المائة من مجمل الإنتاج النفطي العالمي، وذلك نتيجة لبروز منتجين جدد للنفط خارج منطقة الشرق الأوسط يمكنهم تعويض جانب من نقص النفط الخليجي والعربي بل وزيادة حصتهم في السوق
وهذا يعني أنه قد تحل دول أخرى محل الدول العربية والإسلامية كسوق مصدرة للنفط؛ فقائمة منتجي سوق النفط تتصدرها الآن دول، مثل: حوض بحر قزوين الذي يحتوي – وفقاً لتقديرات متحفظة – على 70 مليار برميل من البترول، وهو أحد أكبر الاحتياطيات خارج الشرق الأوسط، وفنزويلا في مقدمة دول العالم الغربي بما تملكه من 77 مليار برميل كاحتياطي، بالإضافة لدول بحر الشمال ودخول دول جديدة في الإنتاج كدول غرب إفريقيا مثل أنجولا التي اكتشفت بها احتياطيات هائلة أخيراً.
وفي ظل هذه القيود، فإن استخدام سلاح النفط الخليجي في الضغط على الولايات المتحدة لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ يوليو 2006 يبدو مسألة صعبة وغير مجدية في الوقت ذاته، حيث يتطلب تضحيات كبيرة من جانب الدول الخليجية قد تدخلها في مصادمات مع واشنطن، ناهيك عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تتعرض لها.
ولكن ذلك لا يعني نفاد كافة الأسلحة التي تمتلكها الدول الخليجية و العربية والكفيلة بإحداث تعديلات إيجابية في المواقف السياسية الأمريكية والغربية من العدوان الإسرائيلي على لبنان، خصوصاً أن تلويح البعض بضرورة استخدام (قوة الردع النفطية) ليس هدفاً في حد ذاته، بقدر ما هو وسيلة (مؤثرة) يمكن الاستعاضة عنها بوسائل أخرى طالما بقي الهدف واحداً، ومن أهم تلك الوسائل سلاح المقاطعة الاقتصادية العربية، حيث يمتلك العرب العديد من الأوراق الاقتصادية القادرة على تهديد المصالح الاقتصادية الأمريكية، إن لم يكن على المستوى الدولي، فعلى المستوى الإقليمي، وذلك بالنظر إلى مصالحها المتعددة في منطقة الشرق الأوسط، وذلك من خلال تفعيل المقاطعة (الشعبية) للمنتجات الأمريكية والإسرائيلية ومنتجات أية دولة تؤيد إسرائيل، وهو ما سيكون تأثيره كبيراً في بعض الوحدات الاقتصادية الأمريكية وخصوصاً في مجال السلع الاستهلاكية ومطاعم الوجبات السريعة، لاسيما أن السوق العربية تعد أكثر أهمية للولايات المتحدة من السوق الإسرائيلية، كما أن مقاطعة السلع الترفيهية والكمالية والمشروبات الغازية والتبغ ومنتجاته وغيرها من السلع التي تنتجها الشركات الأمريكية، هي في مصلحة الاقتصادات العربية من خلال إعطاء الأولوية للبدائل الوطنية والعربية مما يفيد الخطوات العربية الهادفة إلى تحقيق الإصلاح الاقتصادي ودعم الميزان التجاري وميزان المدفوعات العربي، فضلاً عن تدعيم إقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى من خلال رفع نسبة التجارة العربية البينية التي لا تزيد في أحسن أحوالها على 10 في المائة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3102::/cck::
::introtext::
كان لنجاح سلاح النفط في حرب أكتوبر 1973 أثره الفعال في إدارة المعركة مع إسرائيل من ناحية، و تعظيم قدرات العرب التفاوضية من ناحية ثانية، ومنذ ذلك التاريخ ومع كل أزمة عربية – إسرائيلية أو أزمة عربية – أمريكية، يثور الحديث عن النفط، وإمكانيات استخدامه كسلاح في المواجهة
::/introtext::
::fulltext::
كان لنجاح سلاح النفط في حرب أكتوبر 1973 أثره الفعال في إدارة المعركة مع إسرائيل من ناحية، و تعظيم قدرات العرب التفاوضية من ناحية ثانية، ومنذ ذلك التاريخ ومع كل أزمة عربية – إسرائيلية أو أزمة عربية – أمريكية، يثور الحديث عن النفط، وإمكانيات استخدامه كسلاح في المواجهة. حدث ذلك لدى اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000 عندما تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ويتكرر ذلك الآن من خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ الثاني عشر من يوليو 2006، حيث طالب العديد من الأصوات بضرورة استخدام النفط كسلاح سياسي في الضغط على الولايات المتحدة والدول الغربية لإجبار إسرائيل على وقف اعتداءاتها على الشعب اللبناني.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل هناك إمكانية لتوظيف النفط الخليجي كسلاح سياسي في الأزمة الراهنة وذلك على غرار ما حدث عام 1973؟ وهل لدى الدول الخليجية المنتجة للنفط الحرية المطلقة في ذلك أم أن هناك قيوداً تحول دون ذلك ؟ وما هي طبيعتها؟ وهل استخدام هذا السلاح سيحدث الأثر المرجو منه؟ أم أنه سيؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالقضايا العربية أكثر مما تنفعها؟
في حرب السادس من أكتوبر عام 1973 نجح سلاح النفط الخليجي في توفير دعم كبير لكل من مصر وسوريا في حربهما ضد إسرائيل، بعد أن اتفقت دول الخليج على تخفيض إنتاج النفط وصادراته بنسبة 5 في المائة، وذلك خلال اجتماع وزراء النفط العرب بالكويت في أكتوبر 1973 لمدة 6 أشهر. وليس هذا فحسب بل قامت في خطوة مهمة أخرى بفرض حظر على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة لانحيازها لإسرائيل بالإضافة إلى هولندا التي كانت شديدة التأييد والحماس لإسرائيل بعدما ارتفعت نسبة الخفض إلى 25 في المائة؛ ما شكل مفاجأة غير متوقعة للعالم كله أسفرت عن ارتفاع أسعار النفط من 4 دولارات قبل عام 1973 إلى أكثر من 11 دولاراً للبرميل في بداية عام 1974، الأمر الذي أصاب الاقتصاد الأمريكي واقتصادات الدول الصناعية بنكسة شديدة نتيجة لاعتمادها على النفط بصورة رئيسية كمصدر للطاقة، فضلاً عن إحداث خسائر شديدة في الميزانية وارتفاع معدلات التضخم ومن ثم تعميق الكساد الاقتصادي .
لقد توافرت العديد من الظروف الموضوعية التي جعلت من استخدام سلاح النفط في حرب أكتوبر 1973 فاعلاً وناجحاً، في مقدمتها تمتع الدول العربية، وخصوصاً الخليجية، باحتياطيات نفطية ضخمة ومؤكدة سهلة الاكتشاف ومنخفضة التكاليف مقارنة بأية منطقة أخرى في العالم آنذاك، حيث قدر حجم الاحتياطيات النفطية العربية بحوالي 645 مليار برميل، أي ما يعادل 62.1 في المائة من الاحتياطي العالمي البالغ أكثر من تريليون برميل، وتكفي هذه الاحتياطيات لمدة تزيد على 85 سنة إذا ما استمر الإنتاج على مستوياته الراهنة نفسها، مقارنة بـ 10 سنوات فقط في أمريكا و 7 سنوات في بحر الشمال و 21 سنة في روسيا، وهو معدل مرتفع عند مقارنته بدول ومناطق أخرى مثل فنزويلا وحوض بحر قزوين وغيرهما.
لكن هذه الظروف التي جعلت من استخدام النفط سلاحاً سياسياً فعالاً في دعم مصر وسوريا في حرب أكتوبر 1973 تغيرت، ولم تعد كما كانت، فثمة مستجدات حدثت على الخريطة النفطية العالمية، سواء من حيث المنتجين أو المستهلكين، فضلاً عن طبيعة تغير الظروف الدولية الراهنة في ظل السيطرة الأمريكية على النظام الدولي وإدارة أزماته بشكل منفرد، ومن ثم لم يعد ممكناً توظيف سلاح النفط في الوقت الراهن، وفي الضغط على الولايات المتحدة والدول الغربية المؤيدة لها.
وبات استخدام النفط كورقة ضغط سياسية على غرار ما حدث عام 1973 مسألة صعبة وغير مجدية اقتصادياً، وذلك لكون سلبياتها في الوقت الراهن أكثر بكثير من إيجابياتها لاسيما في ضوء تغير الظروف وتبدل المعطيات السياسية والاقتصادية والأمنية على الساحتين الإقليمية والدولية بين عامي 1973 و 2006، والتي مثلت بدورها قيوداً على فاعلية استخدام سلاح النفط في المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، وأهمها:
1- القيود الاقتصادية: فالنفط هو شريان الحياة الاقتصادية بالنسبة للدول الخليجية؛ ومن ثم فإن فقدان العائدات النفطية نتيجة لحظر أو خفض الصادرات قضية ترفضها معظم الدول الخليجية، وقد أكد ذلك بوضوح وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل يوم 3/8/2006 حين قال (إن السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم تعتقد أنه يجب عدم استخدام النفط كسلاح لأنه الشريان الاقتصادي الرئيسي للدول العربية). وحين سئل عما إذا كان يجب استخدام سلاح النفط إذا تصاعدت الحرب الدائرة بين إسرائيل ولبنان فقال: (إنه يجب عدم الخلط بين المسألتين لأن النفط يمثل إحدى القدرات الاقتصادية التي تحتاج إليها الدول للوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها).
وتبدو دلالة ما سبق إذا ما تم الأخذ في الاعتبار الأهمية المحورية للقطاع النفطي في الاقتصادات الخليجية، فهو يعد بمثابة القطاع القائد والمحرك لبقية قطاعات الاقتصاد، حيث تبلغ مساهمته نحو 90 في المائة من إجمالي قيمة الصادرات الخليجية، ونحو 75 في المائة من الإيرادات العامة الخليجية وحوالي 30-40 في المائة من إجمالي الناتج الخليجي.
ومن ثم، فإن أي تراجع تشهده تلك العائدات من شأنه إحداث زيادة في العجوزات المالية لهذه الدول ونقصاً في مواردها من النقد الأجنبي اللازمة لاستيراد مستلزماتها من السلع والخدمات ما قد يدفعها إلى الوقوع في فخ الاستدانة الخارجية أو تحمل عبء أكبر من المديونية، ناهيك عن تضرر مشاريعها الاجتماعية والتعليمية والصحية وإنجازاتها في مجال البنية الأساسية والتي حققتها خلال الحقبة النفطية، وهي الأمور التي لم تكن ذات أهمية قبل عام 1973، حيث لم يكن النفط قد تشعب في شتى مناحي الحياة ولم تكن أسعاره تتجاوز 4 دولارات آنذاك؛ كما أنها لا تستقيم إطلاقاً مع توجهات الدول الخليجية نحو التنمية والإصلاح الاقتصادي للحاق بركب الدول المتقدمة. كما أن هذه الدول استثمرت خلال الثلاثين عاماً الأخيرة أموالاً في إقامة معامل تكرير في أمريكا وأوروبا، وبالتالي فإن أي قطع للإمدادات النفطية ـ على حسب تأكيد وزيري النفط السعودي والقطري على هامش المؤتمر العربي للطاقة في 12/5/2002 ـ يعني إغلاق هذه المعامل وتحمل الدول الخليجية خسائر فادحة تؤثر في خطط التنمية فيها.
2- القيود السياسية: إن حظر النفط عن الأسواق الأمريكية والدولية لن تقابله الإدارة الأمريكية بالرضوخ والاستجداء، لاسيما في ضوء انهيار التوازنات الدولية منذ بداية التسعينات من القرن العشرين وانفراد أمريكا بالسيطرة على النظام العالمي، واتباعها سياسة أكثر تطرفاً وعدائية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فواشنطن قد تحرك المجتمع الدولي كله، وتدفعه إلى معاداة الدول الخليجية بدعوى أن الأخيرة تتحكم وتحتكر السوق النفطية، وتضر بالأداء الاقتصادي العالمي، وتسعى إلى إدخاله في دوامة الركود، ما قد يخولها بالحرية المطلقة لمواجهة هذا التصرف الذي يمكن أن تعتبره (نوعاً من الإرهاب) تستدعي محاربته خاصة مع اختلاط المفاهيم في العالم بعد أحداث 11 سبتمبر أو قد يعطي ذلك الدول الغربية مبرراً لتجميد الأموال لديها بالخارج بحجة (محاربة الإرهاب). كما يمكن للولايات المتحدة أن تفرض عقوبات اقتصادية على الدول التي تتخذ قرار الحظر، فقد سبق أن استصدرت تشريعاً من الكونجرس في 22/3/2002 بأغلبية 372 صوتاً يقضي بفرض عقوبات على دول (أوبك) التي ترفض زيادة الإنتاج.
بل إن هناك من يرى أن قطع مصادر الطاقة عن الدول الصناعية، والتي تدخل في شتى اهتمامات المواطن العادي، كوسيلة للضغط السياسي، قد لا يخدم القضايا العربية في الأوقات الراهنة، بل على العكس قد يولد مزيداً من الأحقاد من المواطنين الغربيين تجاه الدول العربية، ومن ثم، فإن استخدام النفط كسلاح سياسي ينطوي على مخاطرة حقيقية؛ لأن النفط عامل مؤثر وفاعل بالنسبة للمجتمع الدولي، ولا ينبغي ربطه بقضية محددة، وستكون لقرار إيقاف صادرات النفط في حال اتخاذه آثار مدمرة بالنسبة للمجتمع الدولي، وبالتالي فإنه سوف يمثل عقاباً جماعياً يشمل أغلبية أعضاء الأسرة الدولية ممن ليست لهم صلة مباشرة في الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط، كما أن عقاباً شاملاً من مثل هذا النوع سوف يحول المجتمع الدولي بأسره إلى عدو بالنسبة للعرب والمسلمين، وسوف يفتقد هؤلاء بالتالي التعاطف الدولي تجاه قضاياهم.
كما تحمل فكرة استخدام سلاح النفط مخاطرة أن يختزل الرد العربي على سلوكيات إسرائيل العدوانية إلى توظيف عنصر واحد فقط من بين عناصر القوة المتاحة لدى العرب والمسلمين، وأن يقتصر تحميل عبء تنفيذ هذا الرد على الدول الخليجية بحكم أنها تحتفظ بالنصيب الأكبر من الاحتياطي النفطي العالمي، الأمر الذي يفتقد العدالة والفاعلية في اقتسام تكاليف المواجهة مع إسرائيل من قبل الولايات المتحدة.
3- القيود النابعة من منظمة أوبك : حيث تتبنى المنظمة رأياً مفاده ضرورة تحييد النفط وعزله عن الصراعات السياسية، وهو ما أكد عليه أمينها العام الدكتور (علي رودريجيز) في 4/4/2002 حين تعالت بعض الأصوات لاستخدام النفط كسلاح سياسي لدعم انتفاضة الأقصى، بقوله (إن أوبك لا تؤيد، ولا تريد استخدام النفط سلاحاً سياسياً في الصراع الدائر في الشرق الأوسط”، ويعكس هذا موقف المنظمة الهادف إلى ضمان استقرار العرض النفطي والحفاظ على أسعار النفط في السوق العالمية.
فضلاً عن أن منظمة أوبك هي منظمة اقتصادية في الأساس تعمل على تنسيق السياسات الإنتاجية بين الدول المصدرة للنفط بما يحقق الاستقرار في السوق النفطية، وهي ليست منظمة سياسية وليس من حقها تبني وجهات نظر سياسية معينة تؤثر في السلعة الأهم بالنسبة للاقتصاد العالمي، كما أنها تضم في عضويتها دولاً غير عربية وهي: فنزويلا ونيجيريا وإندونيسيا بالإضافة إلى إيران، وهي تعتمد على النفط بصورة رئيسية في مواجهة تحدياتها الاقتصادية ما يعني أن توافر الإجماع على حظر أو تخفيض الإنتاج النفطي بصورة شديدة سيكون مسألة غير مضمونة.وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق والسيطرة على نفطه، ظهر اتجاه داخل بعض الأوساط الأمريكية يدعو إلى تفكيك أوبك أو تحييد دورها، ويتوقع العديد من المحللين أن الولايات المتحدة ستسعى إلى انسحاب العراق من منظمة أوبك؛ لأنه غير المتوقع في حال وجود نظام عراقي على علاقة قوية ومتينة مع الولايات المتحدة التزامه بالحصص الإنتاجية للمنظمة، وسيرفع من سقف إنتاجه عن المملكة العربية السعودية التي يتراوح إنتاجها ما بين 8-9 ملايين برميل يومياً، ومن غير المحتمل أيضاً تعاون الحكومة العراقية مع أوبك في ضوء الاتهامات الأمريكية المستمرة للأخيرة باحتكار السوق النفطية والإضرار بمصالح الدول المستهلكة، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار بدرجة كبيرة، الأمر الذي قد ينهي معه أي قدرة للمنظمة على السيطرة على السوق النفطية أو التحكم بمساراتها وهذا قد يترتب عليه فقدان دول المجلس لحرية القرار، إذ إن السيطرة على النفط العراقي قد تتيح للولايات المتحدة امتلاك ورقة ضغط جديدة ليس على دول مجلس التعاون فحسب، بل على كل الدول المنتجة للنفط في العالم، وذلك بطرح البترول العراقي في الأسواق بعد التحكم بكمياته وسعره.
4- الضغوط التي تمارسها الوكالة الدولية للطاقة والتي تعبر عن مصالح المستهلكين في مواجهة منظمة أوبك، ونجحت الوكالة التي تضم 25 دولة صناعية – إلى حد كبير- في تحقيق جانب من أهم أهدافها وهو التخلي بصورة تدريجية عن النفط الخليجي، حتى لا يتكرر ما حدث عام 1973، من خلال عملها على إيجاد بدائل جغرافية ونوعية لمصادر الطاقة بتطوير الإنتاج النفطي واستيراد النفط من مناطق أخرى خارج منطقة الشرق الأوسط فضلاً عن تغذية مخزوناتها الاستراتيجية بشكل أصبحت معه مسألة قطع الإمدادات النفطية الخليجية عن الاقتصادات الغربية لا تمثل خطورة شديدة عليها كما كان عليه الوضع عام 1973، حتى إن وزير الطاقة القطري عبد الله بن حمد العطية قال مبرراً صعوبة استخدام سلاح النفط: (إن سوق النفط أصبحت سوق مشترين لا بائعين).
5- ظهور مناطق إنتاج جديدة تنافس النفط الخليجي، فلم تعد الدول الخليجية والعربية المنتجة للنفط هي اللاعب الوحيد في السوق، حيث تراجعت حصتها من السوق النفطية الدولية من 70 في المائة عام 1973 إلى حوالي 26.3 في المائة (20 مليون برميل يومياً) من إجمالي الطلب العالمي على النفط البالغ عام 2004 نحو 76 مليون برميل يومياً، ويتراوح إنتاج منظمة أوبك في العام 2006 ما بين 35 ـ 40 في المائة من مجمل الإنتاج النفطي العالمي، وذلك نتيجة لبروز منتجين جدد للنفط خارج منطقة الشرق الأوسط يمكنهم تعويض جانب من نقص النفط الخليجي والعربي بل وزيادة حصتهم في السوق
وهذا يعني أنه قد تحل دول أخرى محل الدول العربية والإسلامية كسوق مصدرة للنفط؛ فقائمة منتجي سوق النفط تتصدرها الآن دول، مثل: حوض بحر قزوين الذي يحتوي – وفقاً لتقديرات متحفظة – على 70 مليار برميل من البترول، وهو أحد أكبر الاحتياطيات خارج الشرق الأوسط، وفنزويلا في مقدمة دول العالم الغربي بما تملكه من 77 مليار برميل كاحتياطي، بالإضافة لدول بحر الشمال ودخول دول جديدة في الإنتاج كدول غرب إفريقيا مثل أنجولا التي اكتشفت بها احتياطيات هائلة أخيراً.
وفي ظل هذه القيود، فإن استخدام سلاح النفط الخليجي في الضغط على الولايات المتحدة لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ يوليو 2006 يبدو مسألة صعبة وغير مجدية في الوقت ذاته، حيث يتطلب تضحيات كبيرة من جانب الدول الخليجية قد تدخلها في مصادمات مع واشنطن، ناهيك عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تتعرض لها.
ولكن ذلك لا يعني نفاد كافة الأسلحة التي تمتلكها الدول الخليجية و العربية والكفيلة بإحداث تعديلات إيجابية في المواقف السياسية الأمريكية والغربية من العدوان الإسرائيلي على لبنان، خصوصاً أن تلويح البعض بضرورة استخدام (قوة الردع النفطية) ليس هدفاً في حد ذاته، بقدر ما هو وسيلة (مؤثرة) يمكن الاستعاضة عنها بوسائل أخرى طالما بقي الهدف واحداً، ومن أهم تلك الوسائل سلاح المقاطعة الاقتصادية العربية، حيث يمتلك العرب العديد من الأوراق الاقتصادية القادرة على تهديد المصالح الاقتصادية الأمريكية، إن لم يكن على المستوى الدولي، فعلى المستوى الإقليمي، وذلك بالنظر إلى مصالحها المتعددة في منطقة الشرق الأوسط، وذلك من خلال تفعيل المقاطعة (الشعبية) للمنتجات الأمريكية والإسرائيلية ومنتجات أية دولة تؤيد إسرائيل، وهو ما سيكون تأثيره كبيراً في بعض الوحدات الاقتصادية الأمريكية وخصوصاً في مجال السلع الاستهلاكية ومطاعم الوجبات السريعة، لاسيما أن السوق العربية تعد أكثر أهمية للولايات المتحدة من السوق الإسرائيلية، كما أن مقاطعة السلع الترفيهية والكمالية والمشروبات الغازية والتبغ ومنتجاته وغيرها من السلع التي تنتجها الشركات الأمريكية، هي في مصلحة الاقتصادات العربية من خلال إعطاء الأولوية للبدائل الوطنية والعربية مما يفيد الخطوات العربية الهادفة إلى تحقيق الإصلاح الاقتصادي ودعم الميزان التجاري وميزان المدفوعات العربي، فضلاً عن تدعيم إقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى من خلال رفع نسبة التجارة العربية البينية التي لا تزيد في أحسن أحوالها على 10 في المائة.
::/fulltext::
::cck::3102::/cck::
