العلاقات بين دول المجلس وإيران والاعتبارات الأمنية والدفاعية
::cck::3123::/cck::
::introtext::
تميزت العلاقات بين الدول على جانبي الخليج العربي بتاريخ طويل من التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك والمواجهات إزاء المسائل الخلافية، وكان للقوى الأوروبية خلال الحقبة الاستعمارية تأثير كبير في هذه العلاقات. وفي الفترة الأخيرة أصبح كل اللاعبين دولا مستقلة. وفي ضوء هذا الاستقلال أقامت دول مجلس التعاون وإيران علاقات متبادلة تستند إلى المصالح القومية لكل دولة، سواء كانت متسقة ثنائياً أم لا. ومن حيث الجوهر اعتمدت هذه الدول على المعطيات والأحداث السياسية في تحديد طبيعة العلاقات في الماضي والحاضر من دون بذل أي جهود لتقديم تنازلات أو تصالح مع الطرف الآخر. والسؤال المطروح أمامنا اليوم هو: هل هناك أي احتمال لتعاون متبادل أو عداء متبادل ونحن نتطلع نحو المستقبل؟
::/introtext::
::fulltext::
تميزت العلاقات بين الدول على جانبي الخليج العربي بتاريخ طويل من التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك والمواجهات إزاء المسائل الخلافية، وكان للقوى الأوروبية خلال الحقبة الاستعمارية تأثير كبير في هذه العلاقات. وفي الفترة الأخيرة أصبح كل اللاعبين دولا مستقلة. وفي ضوء هذا الاستقلال أقامت دول مجلس التعاون وإيران علاقات متبادلة تستند إلى المصالح القومية لكل دولة، سواء كانت متسقة ثنائياً أم لا. ومن حيث الجوهر اعتمدت هذه الدول على المعطيات والأحداث السياسية في تحديد طبيعة العلاقات في الماضي والحاضر من دون بذل أي جهود لتقديم تنازلات أو تصالح مع الطرف الآخر. والسؤال المطروح أمامنا اليوم هو: هل هناك أي احتمال لتعاون متبادل أو عداء متبادل ونحن نتطلع نحو المستقبل؟
مجالات المصالح المتبادلة والمتنافرة
دعونا نركز هنا على أربعة مجالات قمت بتحديدها حيث يتصادم كل من التنافر المتبادل والمصالح المتبادلة، بما يمكن أن يحدد مسار مستقبل العلاقات بين دول مجلس التعاون وإيران. وهذه المجالات الأربعة هي السياسات النفطية والفوارق الثقافية، والنزاعات الإقليمية، والعلاقات مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة.
المصالح النفطية
أعضاء مجلس التعاون وإيران دول منتجة للنفط وكلها أعضاء في منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط (أوبك) وتربطها على هذا الأساس معاهدة لتنسيق سياساتها الخاصة بتصدير النفط. وعلاوة على هذا فهناك مصالح متبادلة قوية تجعلها تفعل ذلك. وهذه الدول مجتمعة تملك أكثر من 40 في المائة من المخزون العالمي للنفط، الأمر الذي يعني أنه ليس مستقبل الاقتصاد الدولي الذي يربط بينها فحسب، بل إن مستقبلها مجتمعة يعتمد على التعاون بينها للحفاظ على سوق نفط مستقرة.
وبصرف النظر عن ذلك، ونتيجة لهياكلها الاقتصادية فإنها تحسب زيادة عائداتها النفطية بطرق مختلفة. ولا تتوافر لدول مجلس التعاون موارد طبيعية كثيرة بخلاف النفط والغاز، ولهذا فإنها تعتقد أن من مصلحتها الاقتصادية الحفاظ على مخزوناتها لأطول فترة ممكنة وبما يتناسب مع احتياجاتها للعائدات. وعليه، فهي لا ترغب في أن تقفز أسعار النفط بدرجة كبيرة حتى لا تتشجع الدول المستهلكة الرئيسية على تكثيف الاستثمارات في مصادر بديلة عن الطاقة – استثمارات تهدف للحماية بصرف النظر عن توفر نفط رخيص – ولهذا السبب ظلت دول مجلس التعاون على الدوام تميل إلى الاعتدال في تسعير النفط ويحتمل أن تواصل هذا.
من ناحية أخرى تمتلك إيران مخزونات نفطية أقل من دول مجلس التعاون وقاعدة أكبر من الموارد الطبيعية والبشرية، واقتصاد أكثر تنوعاً. ونتيجة لذلك فهي ترى أن مصلحتها تكمن في الاحتفاظ بمستوى عال من العائدات بقدر المستطاع حتى يتسنى لها تمويل مشروعات التنمية الاقتصادية لإحداث المزيد من التنوع الاقتصادي.
إضافة إلى هذا، فإن الطلب المحلي على الطاقة داخل إيران أكبر بكثير. وفي ضوء تآكل مخزوناتها النفطية، فإنها تعكف على تطوير برنامج لاستخدام الطاقة النووية كبديل عن مصادر الطاقة المحلية، ولهذا البرنامج تداعيات سياسية وأمنية خطيرة، مما يجعل دول مجلس التعاون قلقة إزاء الاستخدام المزدوج لمثل هذا البرنامج الذي يمكن أن يستخدم في حصول إيران على أسلحة نووية، خاصة أنها تمتلك إلى جانب النفط واحدا من أكبر مخزونات الغاز الطبيعي التي يمكن أن تستخدم كمصدر للطاقة البديلة.
المصالح الثقافية
لكل من إيران ودول مجلس التعاون إرث من الثقافة الإسلامية تفتخر به، ويسافر عشرات الآلاف من المسلمين الإيرانيين إلى المملكة العربية السعودية كل عام لأداء مناسك الحج، ويؤدي عدد أكبر العمرة، خاصة خلال شهر رمضان. إضافة إلى ذلك فإن النظم الدستورية لهذه الدول تتبنى الشريعة الإسلامية.
وفي الوقت نفسه، فإن 85 في المائة من سكان دول مجلس التعاون يتبعون المذهب السني، بينما يتبع 90 في المائة من الإيرانيين المذهب الشيعي، واشتعلت وانحسرت التوترات الطائفية بين المذهبين على نحو متقطع منذ أن انقسما على بعضهما البعض طوال فترة التاريخ الإسلامي. وفي سعيه لتصدير أيديولوجية الثورة الإسلامية السياسية خطط النظام الجمهوري في إيران لضرب السيطرة السعودية على الحج في الثمانينات، وكانت العلاقات بين البلدين متوترة، ولكن تجاوز البلدان في فترة لاحقة خلافاتهما وتعايشا في سلام منذ ذلك الوقت، ويجري الآن حوار سني-شيعي، بينما كان العداء المتبادل مسيطرا. وبصرف النظر عن ذلك، فإن الخلافات الطائفية ستظل مصدراً محتملاً رئيسياً للمواجهة وكما كان الحال في العراق، يمكن أن تتفجر مرة أخرى، ما يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لكل دول المنطقة. وعلاوة على ذلك فإن الثقافتين العربية والفارسية تتفاخران بتاريخهما الذي يعود لألف عام انغرست خلالها القيم الإسلامية. وبعيداً عن الخلافات الطائفية هناك دائما احتمالات المواجهات الناشئة عن الفوارق الثقافية الصرفة.
النزاعات الإقليمية
نشأ العديد من النزاعات الإقليمية بين إيران ودول مجلس التعاون، وصدرت أحكام قضائية فيها عبر السنين. ومن زاوية اقتصادية فإن الاتفاق حول خط يفصل بين حدود الجانبين من الخليج العربي كان واحدا من الأمور الضرورية نظراً لأن كل الدول المعنية لها امتيازات في حقول النفط و/أو الغاز البحرية. وبالرغم من وجود مناطق متنازع عليها حتى الآن، كان من الضروري التوصل لاتفاق حول الخط الفاصل بحلول العام 1975، وتقدمت إيران أيضاً بمطالب للبحرين وجزر في الجزء الأسفل من الخليج، (طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبوموسى). وعندما أنهى البريطانيون وضع البحرين تحت حمايتهم، وافقت إيران على التنازل عن مطلبها وصوت البحرينيون للاستقلال في استفتاء العام 1971.
ولا يزال النزاع حول جزيرتي طنب وجزيرة أبوموسى (قضية مهمة لم يتم البت فيها). وبعد أن تنازلت عن مطالبها في البحرين، احتلت إيران الجزر، التي تطالب بها الشارقة ورأس الخيمة. إلا أن الإمارات لم تتنازل عن مطلبها، وكانت الجزر تاريخياً مأهولة و/أو مستخدمة من قبل صيادي السمك المرتبطين قبلياً بالقواسمة في دولة الإمارات العربية المتحدة الذين سبق أن حكموا في جنوب إيران تحت قيصرية شاه إيران.
العلاقات مع الغرب
العلاقات مع العالم الغربي هي أحد مجالات الاحتكاك المحتمل، وكانت دول مجلس التعاون تقيم على الدوام علاقات جيدة مع القوى الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واستضافت بعض دول المجلس قوات أمريكية لمساعدتها في الحفاظ على الأمن من التهديدات الخارجية. ومن الناحية الأخرى ظلت العلاقات الإيرانية – الأمريكية سيئة منذ الثورة الإيرانية، وكان الموقف الرسمي الإيراني من الوجود الأمريكي في الخليج، خاصة الوجود العسكري يرقى إلى درجة الاستعمار الذي يتعين التخلص منه نهائياً.
وبالرغم من هذا التباين الكبير في المواقف إزاء الغرب، فإن دول مجلس التعاون وإيران تمكنت من الحفاظ على علاقات مستقرة مع بعضهما البعض ومن أجل مصالحهما المتبادلة. ومع ذلك يمكن للعداء الأمريكي-الإيراني أن يتسبب في تصدع كبير إذا لم تتم تنحيته جانباً خلال التعامل مع بعضهما البعض. ومن الزاوية الأخرى فإن التفاهم المتبادل الناتج عن خفض التهديدات الخارجية لكل الدول في المنطقة هو الوسيلة المثلى لإنهاء وجود القوات الأجنبية كافة.
بؤر الاحتكاك المحتملة حالياً
يمكن وصف طبيعة العلاقات الحالية بين دول مجلس التعاون وإيران بأنها مستقرة، ويتفهم كل طرف الطرف الآخر، وهذا عامل من عوامل التعاون المتبادل والتعايش، وقامت إيران على نحو خاص بتلطيف سياستها السابقة في تصدير الثورة الإسلامية من خلال الإرهاب ضمن وسائل أخرى، وفيما عدا العراق فإن التوتر الطائفي السني- الشيعي كان في مستوى متدن نسبياً.
وبصرف النظر عن ذلك، هناك العديد من البؤر التي يمكن أن تفجر واحداً أو أكثر من التنافرات التاريخية الذي سبق أن ذكرتها. ولكي نخلص إلى ماهية ومدى تأثير تلك المصالح المتبادلة والتنافرات التي سبق أن حددتها في مستقبل العلاقات، إلى أفضل أو أسوأ، يتعين أن نبدأ بالقضايا الراهنة التي يمكن أن تصبح عنصراً محفزاً للمواجهة. لقد حددت ثلاث قضايا راهنة يمكن أن تكون حافزة لتجدد النزاع والمواجهة، وهي العراق والإرهاب والبرنامج النووي الإيراني. إضافة الى هذا، فإن النزاعات الإقليمية، خاصة النزاعات حول جزيرتي طنب وجزيرة أبوموسى، بالرغم من سباتها حالياً، لا تزال تشكل حافزاً محتملاً إذا حدث نزاع، حيث يمكن ربطها بالتماس مع قضايا مصيرية أخرى، على سبيل المثال.
العراق
يفرض الوضع المتفجر في العراق تهديداً خطيراً لاستقرار المنطقة بأكملها، ويشكل تحدياً لدول مجلس التعاون وإيران ليعملا معا على محاربة انتشار عدم الاستقرار السياسي في العراق وعبر المنطقة، فلقد أصبح الوضع مغرياً لرجال الدين الإيرانيين المتشددين للنظر في التدخل في الشؤون الداخلية للعراق حتى تتسنى زيادة النفوذ الديني والسياسي الإيراني في العراق من خلال تقديم الدعم العسكري والسياسي للطائفة الشيعية. ومن منظور طائفي فإن إشاعة عدم الاستقرار في العراق تحت الاحتلال الذي تقوده أمريكا يمكن أن تقسم العراقيين السنة والشيعة إلى معسكرات متناحرة، مما يؤدي الى نزاع عرقي داخل العراق وإيران وتركيا المجاورتين إذا ضغط الأكراد باتجاه كردستان المستقلة. واضافة إلى هذا، إذا واصل الوضع في العراق التدهور فإن هذا يمكن أن يمزق العراق الموحد الى ثلاث دول منفصلة، الأمر الذي ستنتج عنه زيادة عدم الاستقرار الإقليمي.
الإرهاب الإسلامي
يرتبط بذلك، التهديد المتنامي للإرهاب الإسلامي الذي ينتشر عبر المنطقة ويهدد استقرار دول الخليج كافة، ويوفر عدد متزايد من الشباب المهمشين عبر منطقة الخليج وما يتجاوزها مستودعاً لمجندين محتملين للجماعات الإرهابية المتطرفة، التي أصبحت تركز أكثر على القوى الخارجية، خاصة إسرائيل والولايات المتحدة. ولكن في نهاية الأمر، فإن الإرهاب ليس مشكلة شخص آخر، بل إنه مشكلة الجميع. ويتعين هنا بذل جهد متناسق بين دول مجلس التعاون وإيران، والعمل معاً على تقديم المصلحة المتبادلة في الاستقرار الأمني على عدم التحمل العرقي والقومي والطائفي السابق حتى يتسنى منع عنف الإرهاب من التغلغل في الخليج.
البرنامج النووي الإيراني
بالنسبة لدول مجلس التعاون التي كررت جميعها عدم نيتها في الحصول على أسلحة نووية، فإن البرنامج النووي الإيراني يعد أمراً مرعباً. وادعت إيران أنها تطور البرنامج لأغراض سلمية فقط، إلا أن الادعاءات والادعاءات المضادة من إيران والأوروبيين والأمريكيين والوكالة الدولية للطاقة الذرية أشاعت المخاوف والشكوك حول ما إذا كانت إيران تنوي تطوير البرنامج لأغراض عسكرية وسلمية أيضاً. وإذا كانت تأمل في امتلاك السلاح النووي فإن هذا يمكن أن يمهد لسباق جديد لامتلاك الأسلحة النووية كما سبق أن حدث بين الهند وباكستان، الأمر الذي يعرض المنطقة بأكملها إلى خطر ماحق.
الاستجابة لتحديات التعاون المتواصل
بينما يسهل تحديد التنافرات التي ظل بعضها غير محسوم لفترة طويلة، التي يمكن في وقت ما في المستقبل أن تغلب على المصالح المتبادلة وتدمر التعاون القائم بين دول مجلس التعاون وإيران، فإنه وبالقدر نفسه يحتمل أن نرى كيف يمكن بالعزيمة والصبر والتفاهم تقليص حدة تلك التنافرات إلى الحد الأدنى حتى لا تشكل خطراً على الفوائد المتبادلة للطرفين.
وفيما يتصل بدول مجلس التعاون فإن هناك إجماعاً قوياً على بذل كل الجهود لاستمرار العلاقات الجيدة مع إيران. إن المنطقة شديدة الهشاشة، والمهددات الحالية للاستقرار في غاية الخطورة للنظر في أي اتجاه آخر.
وبالنسبة لإيران، فإن الوقت لايزال مبكراً لمعرفة توجهات الرئيس الجديد محمود أحمدي نجاد، الذي شدد منتقدوه على سجله السابق كمتشدد ثوري، إلا أن له سجلا من اختيار التعاون بدلا من المواجهة خلال حياته العامة أيضاً. ونأمل أن يواصل الرئيس الجديد التأكيد على خلفيته الليبرالية، وأن يرمى خلفه مواقفه المتشددة السابقة وهو يتعامل مع دول مجلس التعاون، حيث إن تشجيع الثقة المتبادلة والتشاور والتعاون هي السبيل الوحيد للحفاظ على منطقة خليج آمنة ومستقرة. وأن المواجهات لن تحقق أي شيء على المدى البعيد سوى تهديد الأمن.
قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) صدق الله العظيم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3123::/cck::
::introtext::
تميزت العلاقات بين الدول على جانبي الخليج العربي بتاريخ طويل من التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك والمواجهات إزاء المسائل الخلافية، وكان للقوى الأوروبية خلال الحقبة الاستعمارية تأثير كبير في هذه العلاقات. وفي الفترة الأخيرة أصبح كل اللاعبين دولا مستقلة. وفي ضوء هذا الاستقلال أقامت دول مجلس التعاون وإيران علاقات متبادلة تستند إلى المصالح القومية لكل دولة، سواء كانت متسقة ثنائياً أم لا. ومن حيث الجوهر اعتمدت هذه الدول على المعطيات والأحداث السياسية في تحديد طبيعة العلاقات في الماضي والحاضر من دون بذل أي جهود لتقديم تنازلات أو تصالح مع الطرف الآخر. والسؤال المطروح أمامنا اليوم هو: هل هناك أي احتمال لتعاون متبادل أو عداء متبادل ونحن نتطلع نحو المستقبل؟
::/introtext::
::fulltext::
تميزت العلاقات بين الدول على جانبي الخليج العربي بتاريخ طويل من التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك والمواجهات إزاء المسائل الخلافية، وكان للقوى الأوروبية خلال الحقبة الاستعمارية تأثير كبير في هذه العلاقات. وفي الفترة الأخيرة أصبح كل اللاعبين دولا مستقلة. وفي ضوء هذا الاستقلال أقامت دول مجلس التعاون وإيران علاقات متبادلة تستند إلى المصالح القومية لكل دولة، سواء كانت متسقة ثنائياً أم لا. ومن حيث الجوهر اعتمدت هذه الدول على المعطيات والأحداث السياسية في تحديد طبيعة العلاقات في الماضي والحاضر من دون بذل أي جهود لتقديم تنازلات أو تصالح مع الطرف الآخر. والسؤال المطروح أمامنا اليوم هو: هل هناك أي احتمال لتعاون متبادل أو عداء متبادل ونحن نتطلع نحو المستقبل؟
مجالات المصالح المتبادلة والمتنافرة
دعونا نركز هنا على أربعة مجالات قمت بتحديدها حيث يتصادم كل من التنافر المتبادل والمصالح المتبادلة، بما يمكن أن يحدد مسار مستقبل العلاقات بين دول مجلس التعاون وإيران. وهذه المجالات الأربعة هي السياسات النفطية والفوارق الثقافية، والنزاعات الإقليمية، والعلاقات مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة.
المصالح النفطية
أعضاء مجلس التعاون وإيران دول منتجة للنفط وكلها أعضاء في منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط (أوبك) وتربطها على هذا الأساس معاهدة لتنسيق سياساتها الخاصة بتصدير النفط. وعلاوة على هذا فهناك مصالح متبادلة قوية تجعلها تفعل ذلك. وهذه الدول مجتمعة تملك أكثر من 40 في المائة من المخزون العالمي للنفط، الأمر الذي يعني أنه ليس مستقبل الاقتصاد الدولي الذي يربط بينها فحسب، بل إن مستقبلها مجتمعة يعتمد على التعاون بينها للحفاظ على سوق نفط مستقرة.
وبصرف النظر عن ذلك، ونتيجة لهياكلها الاقتصادية فإنها تحسب زيادة عائداتها النفطية بطرق مختلفة. ولا تتوافر لدول مجلس التعاون موارد طبيعية كثيرة بخلاف النفط والغاز، ولهذا فإنها تعتقد أن من مصلحتها الاقتصادية الحفاظ على مخزوناتها لأطول فترة ممكنة وبما يتناسب مع احتياجاتها للعائدات. وعليه، فهي لا ترغب في أن تقفز أسعار النفط بدرجة كبيرة حتى لا تتشجع الدول المستهلكة الرئيسية على تكثيف الاستثمارات في مصادر بديلة عن الطاقة – استثمارات تهدف للحماية بصرف النظر عن توفر نفط رخيص – ولهذا السبب ظلت دول مجلس التعاون على الدوام تميل إلى الاعتدال في تسعير النفط ويحتمل أن تواصل هذا.
من ناحية أخرى تمتلك إيران مخزونات نفطية أقل من دول مجلس التعاون وقاعدة أكبر من الموارد الطبيعية والبشرية، واقتصاد أكثر تنوعاً. ونتيجة لذلك فهي ترى أن مصلحتها تكمن في الاحتفاظ بمستوى عال من العائدات بقدر المستطاع حتى يتسنى لها تمويل مشروعات التنمية الاقتصادية لإحداث المزيد من التنوع الاقتصادي.
إضافة إلى هذا، فإن الطلب المحلي على الطاقة داخل إيران أكبر بكثير. وفي ضوء تآكل مخزوناتها النفطية، فإنها تعكف على تطوير برنامج لاستخدام الطاقة النووية كبديل عن مصادر الطاقة المحلية، ولهذا البرنامج تداعيات سياسية وأمنية خطيرة، مما يجعل دول مجلس التعاون قلقة إزاء الاستخدام المزدوج لمثل هذا البرنامج الذي يمكن أن يستخدم في حصول إيران على أسلحة نووية، خاصة أنها تمتلك إلى جانب النفط واحدا من أكبر مخزونات الغاز الطبيعي التي يمكن أن تستخدم كمصدر للطاقة البديلة.
المصالح الثقافية
لكل من إيران ودول مجلس التعاون إرث من الثقافة الإسلامية تفتخر به، ويسافر عشرات الآلاف من المسلمين الإيرانيين إلى المملكة العربية السعودية كل عام لأداء مناسك الحج، ويؤدي عدد أكبر العمرة، خاصة خلال شهر رمضان. إضافة إلى ذلك فإن النظم الدستورية لهذه الدول تتبنى الشريعة الإسلامية.
وفي الوقت نفسه، فإن 85 في المائة من سكان دول مجلس التعاون يتبعون المذهب السني، بينما يتبع 90 في المائة من الإيرانيين المذهب الشيعي، واشتعلت وانحسرت التوترات الطائفية بين المذهبين على نحو متقطع منذ أن انقسما على بعضهما البعض طوال فترة التاريخ الإسلامي. وفي سعيه لتصدير أيديولوجية الثورة الإسلامية السياسية خطط النظام الجمهوري في إيران لضرب السيطرة السعودية على الحج في الثمانينات، وكانت العلاقات بين البلدين متوترة، ولكن تجاوز البلدان في فترة لاحقة خلافاتهما وتعايشا في سلام منذ ذلك الوقت، ويجري الآن حوار سني-شيعي، بينما كان العداء المتبادل مسيطرا. وبصرف النظر عن ذلك، فإن الخلافات الطائفية ستظل مصدراً محتملاً رئيسياً للمواجهة وكما كان الحال في العراق، يمكن أن تتفجر مرة أخرى، ما يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لكل دول المنطقة. وعلاوة على ذلك فإن الثقافتين العربية والفارسية تتفاخران بتاريخهما الذي يعود لألف عام انغرست خلالها القيم الإسلامية. وبعيداً عن الخلافات الطائفية هناك دائما احتمالات المواجهات الناشئة عن الفوارق الثقافية الصرفة.
النزاعات الإقليمية
نشأ العديد من النزاعات الإقليمية بين إيران ودول مجلس التعاون، وصدرت أحكام قضائية فيها عبر السنين. ومن زاوية اقتصادية فإن الاتفاق حول خط يفصل بين حدود الجانبين من الخليج العربي كان واحدا من الأمور الضرورية نظراً لأن كل الدول المعنية لها امتيازات في حقول النفط و/أو الغاز البحرية. وبالرغم من وجود مناطق متنازع عليها حتى الآن، كان من الضروري التوصل لاتفاق حول الخط الفاصل بحلول العام 1975، وتقدمت إيران أيضاً بمطالب للبحرين وجزر في الجزء الأسفل من الخليج، (طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبوموسى). وعندما أنهى البريطانيون وضع البحرين تحت حمايتهم، وافقت إيران على التنازل عن مطلبها وصوت البحرينيون للاستقلال في استفتاء العام 1971.
ولا يزال النزاع حول جزيرتي طنب وجزيرة أبوموسى (قضية مهمة لم يتم البت فيها). وبعد أن تنازلت عن مطالبها في البحرين، احتلت إيران الجزر، التي تطالب بها الشارقة ورأس الخيمة. إلا أن الإمارات لم تتنازل عن مطلبها، وكانت الجزر تاريخياً مأهولة و/أو مستخدمة من قبل صيادي السمك المرتبطين قبلياً بالقواسمة في دولة الإمارات العربية المتحدة الذين سبق أن حكموا في جنوب إيران تحت قيصرية شاه إيران.
العلاقات مع الغرب
العلاقات مع العالم الغربي هي أحد مجالات الاحتكاك المحتمل، وكانت دول مجلس التعاون تقيم على الدوام علاقات جيدة مع القوى الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واستضافت بعض دول المجلس قوات أمريكية لمساعدتها في الحفاظ على الأمن من التهديدات الخارجية. ومن الناحية الأخرى ظلت العلاقات الإيرانية – الأمريكية سيئة منذ الثورة الإيرانية، وكان الموقف الرسمي الإيراني من الوجود الأمريكي في الخليج، خاصة الوجود العسكري يرقى إلى درجة الاستعمار الذي يتعين التخلص منه نهائياً.
وبالرغم من هذا التباين الكبير في المواقف إزاء الغرب، فإن دول مجلس التعاون وإيران تمكنت من الحفاظ على علاقات مستقرة مع بعضهما البعض ومن أجل مصالحهما المتبادلة. ومع ذلك يمكن للعداء الأمريكي-الإيراني أن يتسبب في تصدع كبير إذا لم تتم تنحيته جانباً خلال التعامل مع بعضهما البعض. ومن الزاوية الأخرى فإن التفاهم المتبادل الناتج عن خفض التهديدات الخارجية لكل الدول في المنطقة هو الوسيلة المثلى لإنهاء وجود القوات الأجنبية كافة.
بؤر الاحتكاك المحتملة حالياً
يمكن وصف طبيعة العلاقات الحالية بين دول مجلس التعاون وإيران بأنها مستقرة، ويتفهم كل طرف الطرف الآخر، وهذا عامل من عوامل التعاون المتبادل والتعايش، وقامت إيران على نحو خاص بتلطيف سياستها السابقة في تصدير الثورة الإسلامية من خلال الإرهاب ضمن وسائل أخرى، وفيما عدا العراق فإن التوتر الطائفي السني- الشيعي كان في مستوى متدن نسبياً.
وبصرف النظر عن ذلك، هناك العديد من البؤر التي يمكن أن تفجر واحداً أو أكثر من التنافرات التاريخية الذي سبق أن ذكرتها. ولكي نخلص إلى ماهية ومدى تأثير تلك المصالح المتبادلة والتنافرات التي سبق أن حددتها في مستقبل العلاقات، إلى أفضل أو أسوأ، يتعين أن نبدأ بالقضايا الراهنة التي يمكن أن تصبح عنصراً محفزاً للمواجهة. لقد حددت ثلاث قضايا راهنة يمكن أن تكون حافزة لتجدد النزاع والمواجهة، وهي العراق والإرهاب والبرنامج النووي الإيراني. إضافة الى هذا، فإن النزاعات الإقليمية، خاصة النزاعات حول جزيرتي طنب وجزيرة أبوموسى، بالرغم من سباتها حالياً، لا تزال تشكل حافزاً محتملاً إذا حدث نزاع، حيث يمكن ربطها بالتماس مع قضايا مصيرية أخرى، على سبيل المثال.
العراق
يفرض الوضع المتفجر في العراق تهديداً خطيراً لاستقرار المنطقة بأكملها، ويشكل تحدياً لدول مجلس التعاون وإيران ليعملا معا على محاربة انتشار عدم الاستقرار السياسي في العراق وعبر المنطقة، فلقد أصبح الوضع مغرياً لرجال الدين الإيرانيين المتشددين للنظر في التدخل في الشؤون الداخلية للعراق حتى تتسنى زيادة النفوذ الديني والسياسي الإيراني في العراق من خلال تقديم الدعم العسكري والسياسي للطائفة الشيعية. ومن منظور طائفي فإن إشاعة عدم الاستقرار في العراق تحت الاحتلال الذي تقوده أمريكا يمكن أن تقسم العراقيين السنة والشيعة إلى معسكرات متناحرة، مما يؤدي الى نزاع عرقي داخل العراق وإيران وتركيا المجاورتين إذا ضغط الأكراد باتجاه كردستان المستقلة. واضافة إلى هذا، إذا واصل الوضع في العراق التدهور فإن هذا يمكن أن يمزق العراق الموحد الى ثلاث دول منفصلة، الأمر الذي ستنتج عنه زيادة عدم الاستقرار الإقليمي.
الإرهاب الإسلامي
يرتبط بذلك، التهديد المتنامي للإرهاب الإسلامي الذي ينتشر عبر المنطقة ويهدد استقرار دول الخليج كافة، ويوفر عدد متزايد من الشباب المهمشين عبر منطقة الخليج وما يتجاوزها مستودعاً لمجندين محتملين للجماعات الإرهابية المتطرفة، التي أصبحت تركز أكثر على القوى الخارجية، خاصة إسرائيل والولايات المتحدة. ولكن في نهاية الأمر، فإن الإرهاب ليس مشكلة شخص آخر، بل إنه مشكلة الجميع. ويتعين هنا بذل جهد متناسق بين دول مجلس التعاون وإيران، والعمل معاً على تقديم المصلحة المتبادلة في الاستقرار الأمني على عدم التحمل العرقي والقومي والطائفي السابق حتى يتسنى منع عنف الإرهاب من التغلغل في الخليج.
البرنامج النووي الإيراني
بالنسبة لدول مجلس التعاون التي كررت جميعها عدم نيتها في الحصول على أسلحة نووية، فإن البرنامج النووي الإيراني يعد أمراً مرعباً. وادعت إيران أنها تطور البرنامج لأغراض سلمية فقط، إلا أن الادعاءات والادعاءات المضادة من إيران والأوروبيين والأمريكيين والوكالة الدولية للطاقة الذرية أشاعت المخاوف والشكوك حول ما إذا كانت إيران تنوي تطوير البرنامج لأغراض عسكرية وسلمية أيضاً. وإذا كانت تأمل في امتلاك السلاح النووي فإن هذا يمكن أن يمهد لسباق جديد لامتلاك الأسلحة النووية كما سبق أن حدث بين الهند وباكستان، الأمر الذي يعرض المنطقة بأكملها إلى خطر ماحق.
الاستجابة لتحديات التعاون المتواصل
بينما يسهل تحديد التنافرات التي ظل بعضها غير محسوم لفترة طويلة، التي يمكن في وقت ما في المستقبل أن تغلب على المصالح المتبادلة وتدمر التعاون القائم بين دول مجلس التعاون وإيران، فإنه وبالقدر نفسه يحتمل أن نرى كيف يمكن بالعزيمة والصبر والتفاهم تقليص حدة تلك التنافرات إلى الحد الأدنى حتى لا تشكل خطراً على الفوائد المتبادلة للطرفين.
وفيما يتصل بدول مجلس التعاون فإن هناك إجماعاً قوياً على بذل كل الجهود لاستمرار العلاقات الجيدة مع إيران. إن المنطقة شديدة الهشاشة، والمهددات الحالية للاستقرار في غاية الخطورة للنظر في أي اتجاه آخر.
وبالنسبة لإيران، فإن الوقت لايزال مبكراً لمعرفة توجهات الرئيس الجديد محمود أحمدي نجاد، الذي شدد منتقدوه على سجله السابق كمتشدد ثوري، إلا أن له سجلا من اختيار التعاون بدلا من المواجهة خلال حياته العامة أيضاً. ونأمل أن يواصل الرئيس الجديد التأكيد على خلفيته الليبرالية، وأن يرمى خلفه مواقفه المتشددة السابقة وهو يتعامل مع دول مجلس التعاون، حيث إن تشجيع الثقة المتبادلة والتشاور والتعاون هي السبيل الوحيد للحفاظ على منطقة خليج آمنة ومستقرة. وأن المواجهات لن تحقق أي شيء على المدى البعيد سوى تهديد الأمن.
قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) صدق الله العظيم.
::/fulltext::
::cck::3123::/cck::
