الإصلاحات في إيران من الشارع إلى أروقة السلطة

::cck::2689::/cck::
::introtext::

رغم كل ما قيل ويقال عن احتمالات تراجع عملية بناء الدولة الإيرانية العصرية لحساب (الثورة المستمرة)، بعد صعود التيار (الثوري) المتحمس والذي تبلور في ظاهرة أحمدي  نجاد وفريق حكمه الجديد عقب فوزهم بانتخابات الرئاسة الإيرانية الأخيرة، إلا أن العديد من المحللين السياسيين العارفين بسياقات التحول السياسي الإيراني العام يؤكدون أن ما حصل ويحصل ما هو في الواقع إلا محطة من محطات التحول بإيران من النظام الجمهوري الرئاسي (العمودي) إلى إيران (البرلمانية) المتعددة الأفقية الطابع أكثر فأكثر.

::/introtext::
::fulltext::

رغم كل ما قيل ويقال عن احتمالات تراجع عملية بناء الدولة الإيرانية العصرية لحساب (الثورة المستمرة)، بعد صعود التيار (الثوري) المتحمس والذي تبلور في ظاهرة أحمدي  نجاد وفريق حكمه الجديد عقب فوزهم بانتخابات الرئاسة الإيرانية الأخيرة، إلا أن العديد من المحللين السياسيين العارفين بسياقات التحول السياسي الإيراني العام يؤكدون أن ما حصل ويحصل ما هو في الواقع إلا محطة من محطات التحول بإيران من النظام الجمهوري الرئاسي (العمودي) إلى إيران (البرلمانية) المتعددة الأفقية الطابع أكثر فأكثر.

فقد يكون صحيحاً أن مطبخ صناعة القرار الإيراني بات في الظاهر أقرب ما يكون إلى اللون الواحد، إلا أن ما حصل من هزة سياسية من خلال سقوط (أكابر) الطبقة السياسية في الانتخابات وصعود أحد المغمورين ممن سمي من (جنس الناس) بدلاً منهم في إطار ما سمي فيما بعد بـ(النهضة التصحيحية) قد فتح الباب عملياً لسلسلة من التحولات من باب تجديد دماء الطبقة السياسية الحاكمة من جهة وتربك الساكن في الطبقة السياسية التقليدية التي ظلت حاكمة طوال العقدين الماضيين.

نعم ثمة من أشار إلى خطر ظاهرة اللجوء إلى العسكر كطبقة جديدة حاملة لمشروع الدولة الجديدة لكن هؤلاء أنفسهم يقولون بأن هذه العملية نفسها تحمل في داخلها وجهاً إيجابياً من حيث اضطرارها إلى تجديد (جلد) الحكم من خلال الاستعانة بكتل جماهيرية وإن كانت من جنس العسكر لكنها لما كانت قد لجأت إليها من خلال صناديق الاقتراع وليس عبر الانقلابات فإن ذلك بحد ذاته سيعطي بعض الثقة المتناقصة التي كان يعيشها الناس بسبب احتكار السلطات من قبل نخب تقليدية ظلت تتداول الحكم في دائرة ضيقة يصعب الوصول إلى هرمه رجل مغمور من جنس الناس مثل أحمدي نجاد.

ثم إن هذا الأمر بحد ذاته دفع ولأول مرة إلى بروز قراءات متعددة داخل كل جناح ناهيك عن تبلور تعددية واضحة داخل الهرم السلطوي التقليدي نفسه.

فرجل مثل الشيخ مهدي كروبي والذي يعتبر من الجيل المؤسس ومن رجالات الثورة الأوائل يضطر ولأول مرة للخروج على المألوف والمتعارف فيؤسس حزباً (مدنياً) بعد أن يغادر موقعه التقليدي الذي اعتاد عليه كأمين عام لتجمع رجال الدين المناضلين بل ويؤسس لفضائية تلفزيونية خاصة تبث من خارج إيران! مما فتح الباب واسعاً أمام تمدد هيكلية النظام السياسي أفقياً وبعيداً عن نظرة الحزب الواحد والرأي الواحد والأفق الواحد.

وإذا ما أضفنا إلى ذلك التبرم الواضح والنقد اللاذع الذي أخذ يوجهه ركن قوي وصاحب ثقل كبير من رموز الثورة والنظام مثل أكبر هاشمي رفسنجاني إلى بعض الممارسات السياسية الجارية في البلاد وتحذيره من مغبة الوقوع في النمطية وعقلية التحجر الفكري مطالباً بضرورة تشكيل جهة للاعتدال والتنمية، فإن ذلك تم تفسيره من قبل العارفين بسير أحوال النظام السياسي الحاكم بأنه نوع من المراجعة الجدية التي بدأت تتنامى لدى طبقة واسعة من رجالات الدولة والثورة ستنجح مع الأيام في إقناع وجوه وأطياف من المحسوبين على المحافظين للانضمام إلى تيار التجديد والإصلاح أو ما بدأ يسميه البعض بجبهة جديدة للإصلاح والديمقراطية.

وسرعان ما انعكس هذا الأمر بشكل واضح ولافت على أعلى المستويات القيادية وذلك عندما أعلن مرشد الثورة الأعلى عن تفويض بعض سلطاته الدستورية الخاصة بمراقبة أعمال السلطة التنفيذية والإشراف على (نشاطها اليومي) والأسبوعي والشهري والسنوي، إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو المجلس الذي يضم اللجان المتخصصة في الصعد المختلفة، ويحتضن الرموز والخبرات المتراكمة عبر السنوات الطويلة في إطار ما يمكن تسميته بـ (غرفة الأفكار) العامة.

 

وقد فسر المحللون السياسيون هنا هذه الخطوة بأنها التعبير الجديد عن سياسة التمدد الأفقي للنظام من خلال توزيع السلطات على امتداد الأطياف المشاركة في المجتمع المدني، كما في المجتمع الحزبي المتنامي بدلاً من حصرها بيد الجهات التقليدية المتعارف عليها.

أيضاً يمكن التوقف ملياً عند مجموع المؤشرات والعلامات والقرائن التي تفيد بأن النظام يتجه بالإجمال إلى إجراء (مصالحة) ما مع الناس بكتلهم الجماهيرية العريضة وإفساح المجال للحريات الاجتماعية لتأخذ طريقها إلى التبلور والممارسة الحرة حتى إن جاءت غير متناغمة مع قراءات النظام الأساسية، وتحمل كل جديد بصبر وأناة حتى إن جاء خلافاً للرغبات أو الاعتقادات الأيديولوجية المتعارف عليها، لا شيء إلا لأن المطلوب البحث عن طريق ما للوفاق الوطني والإجماع القومي مطلوب بإلحاح لتوظيفه في قيادة البلاد باتجاه كسب المزيد من المواقع المتقدمة للبلاد في المعادلة الدولية وتحمل الضغوط الخارجية المتزايدة على النظام في ملفات أساسية لم يعد بالإمكان التفريط في الإنجازات الحاصلة فيها مثل الطاقة النووية السلمية.

ثمة أمر آخر لوحظ في عملية التحول الجارية في النظام السياسي الإيراني ألا وهو إقدام المحافظين أنفسهم على مجموعة من القرارات الإصلاحية اللافتة في مجال الاقتصاد منها رفع الدعم التقليدي عن البنزين، ولو على مراحل، لكنه القرار الاستراتيجي بنظر الإصلاحيين والذي ظل حبيس الصراعات الحزبية التي كانت تكبح تطبيقه في زمن الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي بينما يجد اليوم طريقه إلى النور على أيدٍ (محافظة) وكذلك الاتجاه في البرلمان كما في الحكومة إلى عدم التدخل في أسعار البضائع في البازار بطريقة (حكومية) أو رسمية تعسفية بل إفساح المجال لحركة البازار الحرة لتحدد الأسعار الواقعية مع إشراف حكومي عام، الأمر الذي دفع ببعض الإصلاحيين إلى رفع شعار (يحيا المحافظون) فيما ذهب آخرون إلى استحضار التجرية الصينية الإصلاحية والإشارة إلى القول الشهير لرجل الصين الإصلاحي الكبير دينغ سياو بينغ الذي قال فيه: (ليس مهماً أن يكون لون القطة أسود أو أبيض، المهم أن تقوم بأكل الفئران) في إشارة إلى أنه ليس من المهم أن يتم إجراء الإصلاحات على أيدي الإصلاحيين أنفسهم أو على أيدي خصومهم المحافظين.

يمكن القول بالإجمال إذاً إن ما ظل شعاراً وأدبيات متناثرة تظهر بين الفينة والأخرى على شكل برامج حزبية وفئوية لأطراف محسوبة على الإصلاح بات أقرب ما يكون إلى التأسيس، كما أصبح ثقافة عامة يصعب الخروج عليها من أية جهة تريد احترام نفسها واحترام الناس لها. وأن هذه الثقافة بدأت تتسرب إلى أروقة وردهات الحكم بكل مستوياته بغض النظر عن الأسماء والرموز التي تتصدر رئاسة تلك المؤسسات. إنه إنجاز بلا شك يحسب للحركة السياسية الإيرانية الوطنية والدينية بشكل عام.

 
 
 

 

 

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2689::/cck::
::introtext::

رغم كل ما قيل ويقال عن احتمالات تراجع عملية بناء الدولة الإيرانية العصرية لحساب (الثورة المستمرة)، بعد صعود التيار (الثوري) المتحمس والذي تبلور في ظاهرة أحمدي  نجاد وفريق حكمه الجديد عقب فوزهم بانتخابات الرئاسة الإيرانية الأخيرة، إلا أن العديد من المحللين السياسيين العارفين بسياقات التحول السياسي الإيراني العام يؤكدون أن ما حصل ويحصل ما هو في الواقع إلا محطة من محطات التحول بإيران من النظام الجمهوري الرئاسي (العمودي) إلى إيران (البرلمانية) المتعددة الأفقية الطابع أكثر فأكثر.

::/introtext::
::fulltext::

رغم كل ما قيل ويقال عن احتمالات تراجع عملية بناء الدولة الإيرانية العصرية لحساب (الثورة المستمرة)، بعد صعود التيار (الثوري) المتحمس والذي تبلور في ظاهرة أحمدي  نجاد وفريق حكمه الجديد عقب فوزهم بانتخابات الرئاسة الإيرانية الأخيرة، إلا أن العديد من المحللين السياسيين العارفين بسياقات التحول السياسي الإيراني العام يؤكدون أن ما حصل ويحصل ما هو في الواقع إلا محطة من محطات التحول بإيران من النظام الجمهوري الرئاسي (العمودي) إلى إيران (البرلمانية) المتعددة الأفقية الطابع أكثر فأكثر.

فقد يكون صحيحاً أن مطبخ صناعة القرار الإيراني بات في الظاهر أقرب ما يكون إلى اللون الواحد، إلا أن ما حصل من هزة سياسية من خلال سقوط (أكابر) الطبقة السياسية في الانتخابات وصعود أحد المغمورين ممن سمي من (جنس الناس) بدلاً منهم في إطار ما سمي فيما بعد بـ(النهضة التصحيحية) قد فتح الباب عملياً لسلسلة من التحولات من باب تجديد دماء الطبقة السياسية الحاكمة من جهة وتربك الساكن في الطبقة السياسية التقليدية التي ظلت حاكمة طوال العقدين الماضيين.

نعم ثمة من أشار إلى خطر ظاهرة اللجوء إلى العسكر كطبقة جديدة حاملة لمشروع الدولة الجديدة لكن هؤلاء أنفسهم يقولون بأن هذه العملية نفسها تحمل في داخلها وجهاً إيجابياً من حيث اضطرارها إلى تجديد (جلد) الحكم من خلال الاستعانة بكتل جماهيرية وإن كانت من جنس العسكر لكنها لما كانت قد لجأت إليها من خلال صناديق الاقتراع وليس عبر الانقلابات فإن ذلك بحد ذاته سيعطي بعض الثقة المتناقصة التي كان يعيشها الناس بسبب احتكار السلطات من قبل نخب تقليدية ظلت تتداول الحكم في دائرة ضيقة يصعب الوصول إلى هرمه رجل مغمور من جنس الناس مثل أحمدي نجاد.

ثم إن هذا الأمر بحد ذاته دفع ولأول مرة إلى بروز قراءات متعددة داخل كل جناح ناهيك عن تبلور تعددية واضحة داخل الهرم السلطوي التقليدي نفسه.

فرجل مثل الشيخ مهدي كروبي والذي يعتبر من الجيل المؤسس ومن رجالات الثورة الأوائل يضطر ولأول مرة للخروج على المألوف والمتعارف فيؤسس حزباً (مدنياً) بعد أن يغادر موقعه التقليدي الذي اعتاد عليه كأمين عام لتجمع رجال الدين المناضلين بل ويؤسس لفضائية تلفزيونية خاصة تبث من خارج إيران! مما فتح الباب واسعاً أمام تمدد هيكلية النظام السياسي أفقياً وبعيداً عن نظرة الحزب الواحد والرأي الواحد والأفق الواحد.

وإذا ما أضفنا إلى ذلك التبرم الواضح والنقد اللاذع الذي أخذ يوجهه ركن قوي وصاحب ثقل كبير من رموز الثورة والنظام مثل أكبر هاشمي رفسنجاني إلى بعض الممارسات السياسية الجارية في البلاد وتحذيره من مغبة الوقوع في النمطية وعقلية التحجر الفكري مطالباً بضرورة تشكيل جهة للاعتدال والتنمية، فإن ذلك تم تفسيره من قبل العارفين بسير أحوال النظام السياسي الحاكم بأنه نوع من المراجعة الجدية التي بدأت تتنامى لدى طبقة واسعة من رجالات الدولة والثورة ستنجح مع الأيام في إقناع وجوه وأطياف من المحسوبين على المحافظين للانضمام إلى تيار التجديد والإصلاح أو ما بدأ يسميه البعض بجبهة جديدة للإصلاح والديمقراطية.

وسرعان ما انعكس هذا الأمر بشكل واضح ولافت على أعلى المستويات القيادية وذلك عندما أعلن مرشد الثورة الأعلى عن تفويض بعض سلطاته الدستورية الخاصة بمراقبة أعمال السلطة التنفيذية والإشراف على (نشاطها اليومي) والأسبوعي والشهري والسنوي، إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو المجلس الذي يضم اللجان المتخصصة في الصعد المختلفة، ويحتضن الرموز والخبرات المتراكمة عبر السنوات الطويلة في إطار ما يمكن تسميته بـ (غرفة الأفكار) العامة.

 

وقد فسر المحللون السياسيون هنا هذه الخطوة بأنها التعبير الجديد عن سياسة التمدد الأفقي للنظام من خلال توزيع السلطات على امتداد الأطياف المشاركة في المجتمع المدني، كما في المجتمع الحزبي المتنامي بدلاً من حصرها بيد الجهات التقليدية المتعارف عليها.

أيضاً يمكن التوقف ملياً عند مجموع المؤشرات والعلامات والقرائن التي تفيد بأن النظام يتجه بالإجمال إلى إجراء (مصالحة) ما مع الناس بكتلهم الجماهيرية العريضة وإفساح المجال للحريات الاجتماعية لتأخذ طريقها إلى التبلور والممارسة الحرة حتى إن جاءت غير متناغمة مع قراءات النظام الأساسية، وتحمل كل جديد بصبر وأناة حتى إن جاء خلافاً للرغبات أو الاعتقادات الأيديولوجية المتعارف عليها، لا شيء إلا لأن المطلوب البحث عن طريق ما للوفاق الوطني والإجماع القومي مطلوب بإلحاح لتوظيفه في قيادة البلاد باتجاه كسب المزيد من المواقع المتقدمة للبلاد في المعادلة الدولية وتحمل الضغوط الخارجية المتزايدة على النظام في ملفات أساسية لم يعد بالإمكان التفريط في الإنجازات الحاصلة فيها مثل الطاقة النووية السلمية.

ثمة أمر آخر لوحظ في عملية التحول الجارية في النظام السياسي الإيراني ألا وهو إقدام المحافظين أنفسهم على مجموعة من القرارات الإصلاحية اللافتة في مجال الاقتصاد منها رفع الدعم التقليدي عن البنزين، ولو على مراحل، لكنه القرار الاستراتيجي بنظر الإصلاحيين والذي ظل حبيس الصراعات الحزبية التي كانت تكبح تطبيقه في زمن الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي بينما يجد اليوم طريقه إلى النور على أيدٍ (محافظة) وكذلك الاتجاه في البرلمان كما في الحكومة إلى عدم التدخل في أسعار البضائع في البازار بطريقة (حكومية) أو رسمية تعسفية بل إفساح المجال لحركة البازار الحرة لتحدد الأسعار الواقعية مع إشراف حكومي عام، الأمر الذي دفع ببعض الإصلاحيين إلى رفع شعار (يحيا المحافظون) فيما ذهب آخرون إلى استحضار التجرية الصينية الإصلاحية والإشارة إلى القول الشهير لرجل الصين الإصلاحي الكبير دينغ سياو بينغ الذي قال فيه: (ليس مهماً أن يكون لون القطة أسود أو أبيض، المهم أن تقوم بأكل الفئران) في إشارة إلى أنه ليس من المهم أن يتم إجراء الإصلاحات على أيدي الإصلاحيين أنفسهم أو على أيدي خصومهم المحافظين.

يمكن القول بالإجمال إذاً إن ما ظل شعاراً وأدبيات متناثرة تظهر بين الفينة والأخرى على شكل برامج حزبية وفئوية لأطراف محسوبة على الإصلاح بات أقرب ما يكون إلى التأسيس، كما أصبح ثقافة عامة يصعب الخروج عليها من أية جهة تريد احترام نفسها واحترام الناس لها. وأن هذه الثقافة بدأت تتسرب إلى أروقة وردهات الحكم بكل مستوياته بغض النظر عن الأسماء والرموز التي تتصدر رئاسة تلك المؤسسات. إنه إنجاز بلا شك يحسب للحركة السياسية الإيرانية الوطنية والدينية بشكل عام.

 
 
 

 

 

 

::/fulltext::
::cck::2689::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *