بعد عودة رفسنجاني – نظام الجمهورية الإسلامية .. إلى أين؟
::cck::2690::/cck::
::introtext::
ربما لم يكن السؤال عن مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية مطروحاً بنفس الأهمية والإلحاح بقدر ما بدا عليهما في أعقاب انتهاء انتخابات الدورة التاسعة لرئاسة الجمهورية التي أجريت في يونيو الماضي، فقد أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز كاسح لمرشح الجناح الأصولي من التيار المحافظ (ائتلاف آباد كران) الدكتور محمود أحمدي نجاد على رئيس الجمهورية الأسبق رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وما يطرحه ذلك من مضامين عدة: أولها، استكمال سيطرة المحافظين الجدد (الأصوليون أو التعميريون الجدد) على المؤسسات المنتخبة داخل النظام الإيراني بدءاً من مجالس الشورى المحلية (البلديات)، مروراً بمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وانتهاءً برئاسة الجمهورية. وثانيها، تكريس التوجه اليميني المتشدد في التعاطي مع القضايا الداخلية وخاصة الديمقراطية والحريات العامة، والقضايا الخارجية وعلى رأسها العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية والملف النووي الإيراني، والموقف من الصراع العربي – الإسرائيلي، ومن التطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
::/introtext::
::fulltext::
ربما لم يكن السؤال عن مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية مطروحاً بنفس الأهمية والإلحاح بقدر ما بدا عليهما في أعقاب انتهاء انتخابات الدورة التاسعة لرئاسة الجمهورية التي أجريت في يونيو الماضي، فقد أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز كاسح لمرشح الجناح الأصولي من التيار المحافظ (ائتلاف آباد كران) الدكتور محمود أحمدي نجاد على رئيس الجمهورية الأسبق رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وما يطرحه ذلك من مضامين عدة: أولها، استكمال سيطرة المحافظين الجدد (الأصوليون أو التعميريون الجدد) على المؤسسات المنتخبة داخل النظام الإيراني بدءاً من مجالس الشورى المحلية (البلديات)، مروراً بمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وانتهاءً برئاسة الجمهورية. وثانيها، تكريس التوجه اليميني المتشدد في التعاطي مع القضايا الداخلية وخاصة الديمقراطية والحريات العامة، والقضايا الخارجية وعلى رأسها العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية والملف النووي الإيراني، والموقف من الصراع العربي – الإسرائيلي، ومن التطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
أما ثالثها وأهمها، فيتعلق بمكانة ودور المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي في النظام الإيراني، فمن دون شك كان خامنئي الرابح الأكبر من هذه الانتخابات، حيث أصبح الحاكم الآمر الناهي بلا منازع، وذلك بتولي أحد المقربين منه (أو أحد مريديه) وهو محمود أحمدي نجاد رئاسة الجمهورية وهزيمة رفسنجاني الذي ظل لفترة طويلة يمارس دور الرجل الثاني في النظام الإيراني والمنافس القوي لخامنئي. وربما ذلك يفسر سبب مبادرة خامنئي بحضور مراسم تنصيب الرئيس أحمدي نجاد وتسليمه أوراق اعتماده رئيساً للجمهورية، بدلاً من أن يقوم بهذه المهمة، كما هي العادة، الرئيس المنتهية ولايته أي محمد خاتمي، وهي مبادرة رد عليها أحمدي نجاد بتقبيل يد خامنئي على مرأى ومسمع الجميع.
لكن على غير المتوقع انتهى شهر العسل سريعاً بين علي خامنئي وأحمدي نجاد بعد شهرين تقريباً من تسلمه منصب رئيس الجمهورية، فقد بدا أن ثمة خلافاً بين الطرفين كشفه القرار الذي اتخذه علي خامنئي في بداية أكتوبر الفائت بتكليف مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يرأسه هاشمي رفسنجاني مهمة الإشراف على عمل حكومة أحمدي نجاد ومجلس الشورى الإسلامي، وهو قرار أثار جدلاً شديداً وتساؤلات عدة حول توقيته وأهدافه وتأثيره في توازن القوى الجديد الذي أفرزته نتائج انتخابات الدورة التاسعة لرئاسة الجمهورية. هذه التساؤلات في مجملها تثير التساؤل الأهم ومفاده: نظام الجمهورية الإسلامية .. إلى أين؟
الإجابة عن هذه التساؤلات تفرض بداية ضرورة التعرف إلى تداعيات فوز الأصوليين بانتخابات الرئاسة خصوصاً في ما يتعلق بطبيعة توازن القوى الذي كرسته نتائج الانتخابات، وبهوية القوى السياسية المهيمنة على الساحة الداخلية الإيرانية في الوقت الحالي، وذلك كله يمثل حقائق تحتية لتحليل أسباب عودة رفسنجاني لممارسة دور الرجل الثاني في النظام وتأثيرها في هذا التوازن، ومن ثم استشراف وجهة النظام الإيراني في المرحلة المقبلة.
انتخاب أحمدي نجاد.. صعود جديد للأصوليين
ينتمي أحمدي نجاد (وهو اسم مركب يعني أحمدي النسب ولا يصلح لغوياً إطلاق لفظ (نجاد فقط) إلى تيار اجتماعي تعرض لظروف سياسية واقتصادية قاسية دفعته إلى تبني نهج متشدد في التعاطي مع مختلف القضايا، فهو وليد الطبقة الفقيرة التي تشعر بالتمايز والفوارق الطبقية أمام الطبقة العليا التي ينتمي إليها رجال الدين الذي يجمعون بين السلطة والثروة ويرتبطون بعلاقات قوية مع تجار البازار. وقد انضم أغلب عناصر هذا التيار إلى القوات المسلحة والحرس الثوري وتنظيم حزب الله اليميني المتشدد.
هذا التيار كان بمثابة إحدى الدعائم الأساسية لنظام الجمهورية الإسلامية، وظل لسنوات طويلة في خدمة النظام الإسلامي، وقد مثلت فترة الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988)، أزهى فترات هذا التيار، حيث دعم خلالها نفوذه داخل المؤسسات الاقتصادية والثقافية والعسكرية، إلا أنه سرعان ما تعرض للكثير من القيود خلال فترتي رئاسة هاشمي رفسنجاني (1989-1997)، حيث قام الأخير بتضييق حدة الخناق على هذا التيار في المؤسسات المختلفة، وهو ما كان أحد الأسباب الأساسية في الخلافات العالقة بين الطرفين.
في المقابل اعتبر المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي عناصر هذا التيار أوفياء للثورة يجب أن يمارسوا دورهم، فأصدر تعليماته بتعيينهم حكاماً للمحافظات والأقاليم ورؤساء للبلديات وممثلين له وأئمة جماعة في المساجد. وبدعم مباشر من جانب المرشد، مارس عناصر هذا التيار أنشطة متشددة من قبيل إغلاق الصحف التي تهاجم المرشد، وتضييق الخناق على الصحفيين وأصحاب الرأي. ويأتي على رأس القوى المنتمية لهذا التيار تنظيم (حزب الله) الذي يؤمن بالنظام المنغلق في مجال السياسة والثقافة، ويدافع عن تدخل الدولة في المجال الاقتصادي، ويرفض استيراد القيم الثقافية الغربية والانفتاح الثقافي، ويطالب بضرورة السيطرة على المنتجات الثقافية. كذلك يؤمن هذا التنظيم بنظرية المؤامرة، حيث يرى أن التنوع الثقافي يمثل حيلة من أجل الاختراق، ومن ثم عارض ترجمة المقالات الغربية. والأهم من ذلك أن حزب الله يرى أن الشعب لا دور له في اختيار المرشد الذي، في رؤيته، لا يعتبر مسؤولاً أمام الشعب.
وكان تنظيم حزب الله إحدى القوى الرئيسية التي دعمت أحمدي نجاد في الانتخابات، وشاركت بفعالية في حملته الانتخابية إلى جانب اللجنة التي أنشأت قبل الانتخابات بإشراف أصغر زادة المستشار الأمني للمرشد، وعضوية نجله مجتبي وكل من العميد محمد باقر ذو القدر نائب قائد الحرس الثوري والشيخ تائب الملقب بـ (ميثم) من مسؤولي استخبارات السلطة القضائية، هذه اللجنة انحصرت مهمتها في تشويه صورة هاشمي رفسنجاني لدى الرأي العام، إلى جانب إدارة الحملة الانتخابية لأحمدي نجاد.
ماذا تعني عودة رفسنجاني؟
الفوز الكاسح الذي حققه المحافظون الأصوليون في انتخابات الرئاسة بقدر ما يدعم من قوة ومكانة القيادة الإيرانية وعلى رأسها المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي الذي لم يكن أقوى في أي وقت من الأوقات مما يبدو عليه في الفترة الحالية، بقدر ما يضيق من حرية الحركة وهامش المناورة أمام هذه القيادة، فقد وفر وجود الإصلاحيين في السلطة خلال الأعوام الثمانية الماضية مساحة أكبر من الحركة أمام القيادة على خلفية تباين التوجهات التي تحكم موقف المحافظين والإصلاحيين خصوصاً في حالة اتخاذ موقف يمس المصالح العليا للدولة. أما الآن فإن القرار الذي سوف يتخذه المحافظون الأصوليون سوف يحسب في المقام الأول على المرشد علي خامنئي.
هذا المأزق بدا جلياً في التطورات التي شهدتها أزمة الملف النووي الإيراني، فقد أفرزت السياسة المتشددة التي انتهجتها حكومة أحمدي نجاد في التعاطي مع هذا الملف تأثيرات سلبية عدة أهمها تهيئة الفرصة أمام الولايات المتحدة الأمريكية لاستغلال هذا الموقف المتشدد في إقناع حلفائها الأوروبيين بفرض ضغوط قوية على إيران، وتدعيم المسعى الأمريكي لإحالة الملف النووي الإيراني من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن تمهيداً لفرض عقوبات وحظر شامل على إيران. ونجح الدبلوماسيون الأمريكيون في استغلال اللهجة الحادة التي بدا عليها خطاب الرئيس أحمدي نجاد أمام القمة التي نظمتها الأمم المتحدة في إطار الدورة الستين للجمعية العامة في 15 سبتمبر الماضي لتنفيذ مسعاهم. لذا فإنه خلال الاجتماع الذي عقده مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 24 من سبتمبر الماضي تم التصديق على مشروع القرار الأوروبي الذي تبنته دول الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، وألمانيا)، والذي يدين الأنشطة النووية الإيرانية ويتيح إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي من دون أن يحدد موعداً بعينه. وامتنعت عن التصويت 12 دولة من بينها الصين وروسيا في مقابل 22 دولة صوتت مع القرار الذي عارضته دولة واحدة هي فنزويلا. أضف إلى ذلك أن تشدد الأصوليين في تعاملهم مع أزمة الملف النووي صب في اتجاه توتير العلاقات مع الدول الغربية، ودفع بعض الدول الحليفة لإيران مثل الصين وروسيا، إلى عدم رفض المشروع الأوروبي تحاشياً لإغضاب واشنطن، بل إن الهند وهي إحدى الدول التي لها مصالح اقتصادية كبيرة مع إيران خصوصاً في حالة تنفيذ مشروع نقل الغاز الإيراني إلى الهند عبر باكستان فضلت الموافقة على المشروع ومن ثم المجازفة بهذه المصالح.
هذه التطورات في مجملها أقنعت المرشد الأعلى علي خامنئي بخطورة تركيز السلطة في يد الجناح الأصولي المتشدد من التيار المحافظ، في وقت تبدو فيه الحاجة لانتهاج سياسة مرنة للتعاطي مع أزمة الملف النووي بشكل يحول دون إحالته إلى مجلس الأمن أكثر من ماسة، وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت خامنئي للاستعانة برفسنجاني بتكليفه الإشراف على عمل السلطات التي يسيطر عيها الأصوليون( الحكومة ومجلس الشورى)، خصوصاً أن الأخير معروف بسياسته البراجماتية المرنة في التعاطي مع الخارج بصفة عامة.
وعلى الصعيد الداخلي، فإن قرار خامنئي يهدف في المقام الأول إلى موازنة الخلل الذي نتج عن سيطرة الأصوليين على كل المؤسسات المنتخبة في الدولة، والذي أفرز تداعيات سلبية عدة أهمها (عسكرة) الحكومة والخدمة العامة بسيطرة شخصيات ذات خلفية أمنية وعسكرية فاقدة للخبرة والتجربة السياسية على مراكز صنع القرار، وهو ما صب في النهاية في اتجاه هروب رؤوس الأموال إلى الخارج وارتفاع معدل التضخم وفقدان أسهم البورصة في طهران ثلاثين في المائة من قيمتها. أضف إلى ذلك تصاعد نفوذ وتحركات أنصار حزب الله (وهو منظمة يمينية متطرفة) على الساحة الداخلية الإيرانية، فعقب انتهاء الانتخابات مباشرة أصدر أنصار (حزب الله) بياناً أكدوا فيه بدء عهد جديد من مسؤولياتهم مع انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية، لكن الرد الذي جاء على لسان الدكتور عباس سليمي نمين مدير مكتب دراسات وتدوين التاريخ الإيراني والمقرب من المرشد الأعلى علي خامنئي، على بيان أنصار حزب الله بتأكيده على أنهم (قوة غير ناضجة سياسياً، وقلما تتمتع بقوة وتدبر محكمين على الساحة السياسية) كان مؤشراً على طبيعة التحول في رؤية القيادة الإيرانية لمعادلة توازن القوى فيما بعد الانتخابات.
النقطة الجديرة بالاهتمام في هذا السياق تتصل بالعلاقة بين علي خامنئي وهاشمي رفسنجاني اللذين تجمع بينهما صداقة أكثر من أربعين عاماً، لكن هذه العلاقة اتسمت بالتوتر المكتوم في الآونة الأخيرة والذي وصل ذروته مع إعلان هاشمي رفسنجاني الترشح لانتخابات الرئاسة وهو ما قوبل برفض شديد من جانب خامنئي الذي كان يدرك أن وصول رفسنجاني إلى الرئاسة يمثل خصماً من قوته ونفوذه. ورغم أن خامنئي نجح في مسعاه لإسقاط رفسنجاني في الانتخابات، إلا أن ذلك لم يثن الأخير عن الإصرار على ممارسة دور قوي داخل النظام، لذا فقد قاطع الاجتماعات المعقودة عند المرشد ورفض استقبال محمود أحمدي نجاد، لكن الأهم من ذلك كله هو تلميحه المتكرر إلى إمكانية تشكيل تحالف مع حسين علي منتظري نائب الخميني الذي لعب هاشمي رفسنجاني دوراً كبيراً في عزله من منصبه في عام 1989 تمهيداً لتعيين خامنئي مرشداً أعلى خلفاً للخميني. هذا التحرك يكتسب أهمية خاصة مع الأخذ في الاعتبار تقارب رؤيتي كل من رفسنجاني ومنتظري إزاء قضية (مطلقية) ولاية الفقيه، حيث يدعو منتظري إلى إعادة النظر في مطلقية ولاية الفقيه، فنفي هذه المطلقية، وفقاً لرؤيته، لا يستدعي دليلاً، إذ إن الأصل الأولي يقتضي عدم ولاية أحد على أحد، بل إن إثباتها يستدعي دليلاً قاطعاً ولم يتم العثور على ذلك في الكتاب والسنة ولا في حكم العقل. أما رفسنجاني، وإن كان يؤمن بنظرية ولاية الفقيه كأساس للنظام، إلا أنه يريد إحداث تحولات داخل النظام ليتواكب مع التغيرات التي تحيط بإيران في المنطقة والعالم بشكل يستطيع معه المحافظة على إنجازات الثورة وتفويت الفرصة على القوى المعادية والمتربصة بإيران للقضاء على هذه الإنجازات. لذا فإن التقيد بالثوابت العقائدية والثورية للنظام يبدو في رؤية رفسنجاني عائقاً أمام إحداث تطوير للنظام السياسي.
إن مجمل ما سبق يكشف عن مضمون مهم مفاده أن ثمة تحديات عدة تواجه النظام الإيراني، دفعت المرشد الأعلى علي خامنئي إلى الاستعانة مرة أخرى برفسنجاني بتكليفه مهمة الإشراف على عمل الحكومة والبرلمان، وما يعنيه ذلك من تنازل من جانب المرشد عن بعض صلاحياته لصالح رفسنجاني، وعودة الأخير لممارسة دور الرجل الثاني في النظام الذي بذل خامنئي في السابق جهوداً حثيثة من أجل إلغائه، والسؤال الأجدر في هذا السياق مفاده: هل يكون قرار خامنئي مؤشراً على بداية تفكيره في مسألة (الخلافة السياسية) على خلفية التحديات التي تواجه إيران والتي لا تتحمل أي فراغ في السلطة في حالة تعرض خامنئي لأي عارض يعيقه عن ممارسة دوره، ولإدراكه أن رفسنجاني هو الأجدر بخبرته وحنكته السياسية على تولي أمور الزعامة في المستقبل؟ سؤال سوف تحسم إجابته إلى حد كبير وجهة النظام الإيراني.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2690::/cck::
::introtext::
ربما لم يكن السؤال عن مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية مطروحاً بنفس الأهمية والإلحاح بقدر ما بدا عليهما في أعقاب انتهاء انتخابات الدورة التاسعة لرئاسة الجمهورية التي أجريت في يونيو الماضي، فقد أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز كاسح لمرشح الجناح الأصولي من التيار المحافظ (ائتلاف آباد كران) الدكتور محمود أحمدي نجاد على رئيس الجمهورية الأسبق رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وما يطرحه ذلك من مضامين عدة: أولها، استكمال سيطرة المحافظين الجدد (الأصوليون أو التعميريون الجدد) على المؤسسات المنتخبة داخل النظام الإيراني بدءاً من مجالس الشورى المحلية (البلديات)، مروراً بمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وانتهاءً برئاسة الجمهورية. وثانيها، تكريس التوجه اليميني المتشدد في التعاطي مع القضايا الداخلية وخاصة الديمقراطية والحريات العامة، والقضايا الخارجية وعلى رأسها العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية والملف النووي الإيراني، والموقف من الصراع العربي – الإسرائيلي، ومن التطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
::/introtext::
::fulltext::
ربما لم يكن السؤال عن مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية مطروحاً بنفس الأهمية والإلحاح بقدر ما بدا عليهما في أعقاب انتهاء انتخابات الدورة التاسعة لرئاسة الجمهورية التي أجريت في يونيو الماضي، فقد أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز كاسح لمرشح الجناح الأصولي من التيار المحافظ (ائتلاف آباد كران) الدكتور محمود أحمدي نجاد على رئيس الجمهورية الأسبق رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وما يطرحه ذلك من مضامين عدة: أولها، استكمال سيطرة المحافظين الجدد (الأصوليون أو التعميريون الجدد) على المؤسسات المنتخبة داخل النظام الإيراني بدءاً من مجالس الشورى المحلية (البلديات)، مروراً بمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وانتهاءً برئاسة الجمهورية. وثانيها، تكريس التوجه اليميني المتشدد في التعاطي مع القضايا الداخلية وخاصة الديمقراطية والحريات العامة، والقضايا الخارجية وعلى رأسها العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية والملف النووي الإيراني، والموقف من الصراع العربي – الإسرائيلي، ومن التطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
أما ثالثها وأهمها، فيتعلق بمكانة ودور المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي في النظام الإيراني، فمن دون شك كان خامنئي الرابح الأكبر من هذه الانتخابات، حيث أصبح الحاكم الآمر الناهي بلا منازع، وذلك بتولي أحد المقربين منه (أو أحد مريديه) وهو محمود أحمدي نجاد رئاسة الجمهورية وهزيمة رفسنجاني الذي ظل لفترة طويلة يمارس دور الرجل الثاني في النظام الإيراني والمنافس القوي لخامنئي. وربما ذلك يفسر سبب مبادرة خامنئي بحضور مراسم تنصيب الرئيس أحمدي نجاد وتسليمه أوراق اعتماده رئيساً للجمهورية، بدلاً من أن يقوم بهذه المهمة، كما هي العادة، الرئيس المنتهية ولايته أي محمد خاتمي، وهي مبادرة رد عليها أحمدي نجاد بتقبيل يد خامنئي على مرأى ومسمع الجميع.
لكن على غير المتوقع انتهى شهر العسل سريعاً بين علي خامنئي وأحمدي نجاد بعد شهرين تقريباً من تسلمه منصب رئيس الجمهورية، فقد بدا أن ثمة خلافاً بين الطرفين كشفه القرار الذي اتخذه علي خامنئي في بداية أكتوبر الفائت بتكليف مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يرأسه هاشمي رفسنجاني مهمة الإشراف على عمل حكومة أحمدي نجاد ومجلس الشورى الإسلامي، وهو قرار أثار جدلاً شديداً وتساؤلات عدة حول توقيته وأهدافه وتأثيره في توازن القوى الجديد الذي أفرزته نتائج انتخابات الدورة التاسعة لرئاسة الجمهورية. هذه التساؤلات في مجملها تثير التساؤل الأهم ومفاده: نظام الجمهورية الإسلامية .. إلى أين؟
الإجابة عن هذه التساؤلات تفرض بداية ضرورة التعرف إلى تداعيات فوز الأصوليين بانتخابات الرئاسة خصوصاً في ما يتعلق بطبيعة توازن القوى الذي كرسته نتائج الانتخابات، وبهوية القوى السياسية المهيمنة على الساحة الداخلية الإيرانية في الوقت الحالي، وذلك كله يمثل حقائق تحتية لتحليل أسباب عودة رفسنجاني لممارسة دور الرجل الثاني في النظام وتأثيرها في هذا التوازن، ومن ثم استشراف وجهة النظام الإيراني في المرحلة المقبلة.
انتخاب أحمدي نجاد.. صعود جديد للأصوليين
ينتمي أحمدي نجاد (وهو اسم مركب يعني أحمدي النسب ولا يصلح لغوياً إطلاق لفظ (نجاد فقط) إلى تيار اجتماعي تعرض لظروف سياسية واقتصادية قاسية دفعته إلى تبني نهج متشدد في التعاطي مع مختلف القضايا، فهو وليد الطبقة الفقيرة التي تشعر بالتمايز والفوارق الطبقية أمام الطبقة العليا التي ينتمي إليها رجال الدين الذي يجمعون بين السلطة والثروة ويرتبطون بعلاقات قوية مع تجار البازار. وقد انضم أغلب عناصر هذا التيار إلى القوات المسلحة والحرس الثوري وتنظيم حزب الله اليميني المتشدد.
هذا التيار كان بمثابة إحدى الدعائم الأساسية لنظام الجمهورية الإسلامية، وظل لسنوات طويلة في خدمة النظام الإسلامي، وقد مثلت فترة الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988)، أزهى فترات هذا التيار، حيث دعم خلالها نفوذه داخل المؤسسات الاقتصادية والثقافية والعسكرية، إلا أنه سرعان ما تعرض للكثير من القيود خلال فترتي رئاسة هاشمي رفسنجاني (1989-1997)، حيث قام الأخير بتضييق حدة الخناق على هذا التيار في المؤسسات المختلفة، وهو ما كان أحد الأسباب الأساسية في الخلافات العالقة بين الطرفين.
في المقابل اعتبر المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي عناصر هذا التيار أوفياء للثورة يجب أن يمارسوا دورهم، فأصدر تعليماته بتعيينهم حكاماً للمحافظات والأقاليم ورؤساء للبلديات وممثلين له وأئمة جماعة في المساجد. وبدعم مباشر من جانب المرشد، مارس عناصر هذا التيار أنشطة متشددة من قبيل إغلاق الصحف التي تهاجم المرشد، وتضييق الخناق على الصحفيين وأصحاب الرأي. ويأتي على رأس القوى المنتمية لهذا التيار تنظيم (حزب الله) الذي يؤمن بالنظام المنغلق في مجال السياسة والثقافة، ويدافع عن تدخل الدولة في المجال الاقتصادي، ويرفض استيراد القيم الثقافية الغربية والانفتاح الثقافي، ويطالب بضرورة السيطرة على المنتجات الثقافية. كذلك يؤمن هذا التنظيم بنظرية المؤامرة، حيث يرى أن التنوع الثقافي يمثل حيلة من أجل الاختراق، ومن ثم عارض ترجمة المقالات الغربية. والأهم من ذلك أن حزب الله يرى أن الشعب لا دور له في اختيار المرشد الذي، في رؤيته، لا يعتبر مسؤولاً أمام الشعب.
وكان تنظيم حزب الله إحدى القوى الرئيسية التي دعمت أحمدي نجاد في الانتخابات، وشاركت بفعالية في حملته الانتخابية إلى جانب اللجنة التي أنشأت قبل الانتخابات بإشراف أصغر زادة المستشار الأمني للمرشد، وعضوية نجله مجتبي وكل من العميد محمد باقر ذو القدر نائب قائد الحرس الثوري والشيخ تائب الملقب بـ (ميثم) من مسؤولي استخبارات السلطة القضائية، هذه اللجنة انحصرت مهمتها في تشويه صورة هاشمي رفسنجاني لدى الرأي العام، إلى جانب إدارة الحملة الانتخابية لأحمدي نجاد.
ماذا تعني عودة رفسنجاني؟
الفوز الكاسح الذي حققه المحافظون الأصوليون في انتخابات الرئاسة بقدر ما يدعم من قوة ومكانة القيادة الإيرانية وعلى رأسها المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي الذي لم يكن أقوى في أي وقت من الأوقات مما يبدو عليه في الفترة الحالية، بقدر ما يضيق من حرية الحركة وهامش المناورة أمام هذه القيادة، فقد وفر وجود الإصلاحيين في السلطة خلال الأعوام الثمانية الماضية مساحة أكبر من الحركة أمام القيادة على خلفية تباين التوجهات التي تحكم موقف المحافظين والإصلاحيين خصوصاً في حالة اتخاذ موقف يمس المصالح العليا للدولة. أما الآن فإن القرار الذي سوف يتخذه المحافظون الأصوليون سوف يحسب في المقام الأول على المرشد علي خامنئي.
هذا المأزق بدا جلياً في التطورات التي شهدتها أزمة الملف النووي الإيراني، فقد أفرزت السياسة المتشددة التي انتهجتها حكومة أحمدي نجاد في التعاطي مع هذا الملف تأثيرات سلبية عدة أهمها تهيئة الفرصة أمام الولايات المتحدة الأمريكية لاستغلال هذا الموقف المتشدد في إقناع حلفائها الأوروبيين بفرض ضغوط قوية على إيران، وتدعيم المسعى الأمريكي لإحالة الملف النووي الإيراني من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن تمهيداً لفرض عقوبات وحظر شامل على إيران. ونجح الدبلوماسيون الأمريكيون في استغلال اللهجة الحادة التي بدا عليها خطاب الرئيس أحمدي نجاد أمام القمة التي نظمتها الأمم المتحدة في إطار الدورة الستين للجمعية العامة في 15 سبتمبر الماضي لتنفيذ مسعاهم. لذا فإنه خلال الاجتماع الذي عقده مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 24 من سبتمبر الماضي تم التصديق على مشروع القرار الأوروبي الذي تبنته دول الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، وألمانيا)، والذي يدين الأنشطة النووية الإيرانية ويتيح إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي من دون أن يحدد موعداً بعينه. وامتنعت عن التصويت 12 دولة من بينها الصين وروسيا في مقابل 22 دولة صوتت مع القرار الذي عارضته دولة واحدة هي فنزويلا. أضف إلى ذلك أن تشدد الأصوليين في تعاملهم مع أزمة الملف النووي صب في اتجاه توتير العلاقات مع الدول الغربية، ودفع بعض الدول الحليفة لإيران مثل الصين وروسيا، إلى عدم رفض المشروع الأوروبي تحاشياً لإغضاب واشنطن، بل إن الهند وهي إحدى الدول التي لها مصالح اقتصادية كبيرة مع إيران خصوصاً في حالة تنفيذ مشروع نقل الغاز الإيراني إلى الهند عبر باكستان فضلت الموافقة على المشروع ومن ثم المجازفة بهذه المصالح.
هذه التطورات في مجملها أقنعت المرشد الأعلى علي خامنئي بخطورة تركيز السلطة في يد الجناح الأصولي المتشدد من التيار المحافظ، في وقت تبدو فيه الحاجة لانتهاج سياسة مرنة للتعاطي مع أزمة الملف النووي بشكل يحول دون إحالته إلى مجلس الأمن أكثر من ماسة، وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت خامنئي للاستعانة برفسنجاني بتكليفه الإشراف على عمل السلطات التي يسيطر عيها الأصوليون( الحكومة ومجلس الشورى)، خصوصاً أن الأخير معروف بسياسته البراجماتية المرنة في التعاطي مع الخارج بصفة عامة.
وعلى الصعيد الداخلي، فإن قرار خامنئي يهدف في المقام الأول إلى موازنة الخلل الذي نتج عن سيطرة الأصوليين على كل المؤسسات المنتخبة في الدولة، والذي أفرز تداعيات سلبية عدة أهمها (عسكرة) الحكومة والخدمة العامة بسيطرة شخصيات ذات خلفية أمنية وعسكرية فاقدة للخبرة والتجربة السياسية على مراكز صنع القرار، وهو ما صب في النهاية في اتجاه هروب رؤوس الأموال إلى الخارج وارتفاع معدل التضخم وفقدان أسهم البورصة في طهران ثلاثين في المائة من قيمتها. أضف إلى ذلك تصاعد نفوذ وتحركات أنصار حزب الله (وهو منظمة يمينية متطرفة) على الساحة الداخلية الإيرانية، فعقب انتهاء الانتخابات مباشرة أصدر أنصار (حزب الله) بياناً أكدوا فيه بدء عهد جديد من مسؤولياتهم مع انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية، لكن الرد الذي جاء على لسان الدكتور عباس سليمي نمين مدير مكتب دراسات وتدوين التاريخ الإيراني والمقرب من المرشد الأعلى علي خامنئي، على بيان أنصار حزب الله بتأكيده على أنهم (قوة غير ناضجة سياسياً، وقلما تتمتع بقوة وتدبر محكمين على الساحة السياسية) كان مؤشراً على طبيعة التحول في رؤية القيادة الإيرانية لمعادلة توازن القوى فيما بعد الانتخابات.
النقطة الجديرة بالاهتمام في هذا السياق تتصل بالعلاقة بين علي خامنئي وهاشمي رفسنجاني اللذين تجمع بينهما صداقة أكثر من أربعين عاماً، لكن هذه العلاقة اتسمت بالتوتر المكتوم في الآونة الأخيرة والذي وصل ذروته مع إعلان هاشمي رفسنجاني الترشح لانتخابات الرئاسة وهو ما قوبل برفض شديد من جانب خامنئي الذي كان يدرك أن وصول رفسنجاني إلى الرئاسة يمثل خصماً من قوته ونفوذه. ورغم أن خامنئي نجح في مسعاه لإسقاط رفسنجاني في الانتخابات، إلا أن ذلك لم يثن الأخير عن الإصرار على ممارسة دور قوي داخل النظام، لذا فقد قاطع الاجتماعات المعقودة عند المرشد ورفض استقبال محمود أحمدي نجاد، لكن الأهم من ذلك كله هو تلميحه المتكرر إلى إمكانية تشكيل تحالف مع حسين علي منتظري نائب الخميني الذي لعب هاشمي رفسنجاني دوراً كبيراً في عزله من منصبه في عام 1989 تمهيداً لتعيين خامنئي مرشداً أعلى خلفاً للخميني. هذا التحرك يكتسب أهمية خاصة مع الأخذ في الاعتبار تقارب رؤيتي كل من رفسنجاني ومنتظري إزاء قضية (مطلقية) ولاية الفقيه، حيث يدعو منتظري إلى إعادة النظر في مطلقية ولاية الفقيه، فنفي هذه المطلقية، وفقاً لرؤيته، لا يستدعي دليلاً، إذ إن الأصل الأولي يقتضي عدم ولاية أحد على أحد، بل إن إثباتها يستدعي دليلاً قاطعاً ولم يتم العثور على ذلك في الكتاب والسنة ولا في حكم العقل. أما رفسنجاني، وإن كان يؤمن بنظرية ولاية الفقيه كأساس للنظام، إلا أنه يريد إحداث تحولات داخل النظام ليتواكب مع التغيرات التي تحيط بإيران في المنطقة والعالم بشكل يستطيع معه المحافظة على إنجازات الثورة وتفويت الفرصة على القوى المعادية والمتربصة بإيران للقضاء على هذه الإنجازات. لذا فإن التقيد بالثوابت العقائدية والثورية للنظام يبدو في رؤية رفسنجاني عائقاً أمام إحداث تطوير للنظام السياسي.
إن مجمل ما سبق يكشف عن مضمون مهم مفاده أن ثمة تحديات عدة تواجه النظام الإيراني، دفعت المرشد الأعلى علي خامنئي إلى الاستعانة مرة أخرى برفسنجاني بتكليفه مهمة الإشراف على عمل الحكومة والبرلمان، وما يعنيه ذلك من تنازل من جانب المرشد عن بعض صلاحياته لصالح رفسنجاني، وعودة الأخير لممارسة دور الرجل الثاني في النظام الذي بذل خامنئي في السابق جهوداً حثيثة من أجل إلغائه، والسؤال الأجدر في هذا السياق مفاده: هل يكون قرار خامنئي مؤشراً على بداية تفكيره في مسألة (الخلافة السياسية) على خلفية التحديات التي تواجه إيران والتي لا تتحمل أي فراغ في السلطة في حالة تعرض خامنئي لأي عارض يعيقه عن ممارسة دوره، ولإدراكه أن رفسنجاني هو الأجدر بخبرته وحنكته السياسية على تولي أمور الزعامة في المستقبل؟ سؤال سوف تحسم إجابته إلى حد كبير وجهة النظام الإيراني.
::/fulltext::
::cck::2690::/cck::
