العلاقات الأمريكية – الإيرانية. . . الأسوأ لم يأت بعد

::cck::3127::/cck::
::introtext::

(إن اعتلاء نجاد سدة الحكم ربما يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات بين واشنطن وطهران).

هكذا استهلت واحدة من كبريات الصحف الأمريكية المعروفة باتجاهاتها اليمينية وهي (الواشنطن بوست) افتتاحيتها صباح انتخاب عمدة طهران المتشدد محمود أحمدي نجاد رئيساً لإيران. والمؤكد أن العبارة السابقة أوجزت فأبلغت حال العلاقات الأمريكية – الإيرانية المتوترة منذ زمن بعيد والمرشحة للانفجار في الأمد القريب. وبكل تأكيد فإن المسطح المتاح للكتابة عن هذا الشأن يضيق كثيراً عن تفصيل أبعاد تلك العلاقة الجدلية لكننا سنحاول بحال من الأحوال إيجاز الأمر علنا نصيب من أمرنا نجاحاً.

::/introtext::
::fulltext::

(إن اعتلاء نجاد سدة الحكم ربما يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات بين واشنطن وطهران).

هكذا استهلت واحدة من كبريات الصحف الأمريكية المعروفة باتجاهاتها اليمينية وهي (الواشنطن بوست) افتتاحيتها صباح انتخاب عمدة طهران المتشدد محمود أحمدي نجاد رئيساً لإيران. والمؤكد أن العبارة السابقة أوجزت فأبلغت حال العلاقات الأمريكية – الإيرانية المتوترة منذ زمن بعيد والمرشحة للانفجار في الأمد القريب. وبكل تأكيد فإن المسطح المتاح للكتابة عن هذا الشأن يضيق كثيراً عن تفصيل أبعاد تلك العلاقة الجدلية لكننا سنحاول بحال من الأحوال إيجاز الأمر علنا نصيب من أمرنا نجاحاً.

بداية نقول إن الحديث عن المشهد الأمريكي – الإيراني عقب الانتخابات الرئاسية الأخيرة لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيش فيه إيران منذ قيام ثورتها في أواخر السبعينات من القرن الماضي، بل وما قبل الثورة بسنوات طوال التي جاءت كرد فعل للسياسة الأمريكية، فالولايات المتحدة كانت المعين الحقيقي لاسترداد الشاه عرشه عام 1953، ومنذ ذلك الحين ظلت أخلص معاون له، كما اعتمدت على نفطه في الوقت الذي اعتمد الشاه على تسليح جيشه بما يوازي المليار ونصف المليار دولار سنوياً وهو رقم كبير جداً بلغة أرقام تلك الفترة الزمنية.

وعندما أطاحت الثورة التي ألهبها آية الله الخميني بعرش الشاه الذي أصبح منفيا، وإبان إقامته في المكسيك طلب الشاه من أمريكا الحق في المعالجة من السرطان وبرغم تحذير السفارة الأمريكية في إيران من أن السماح بدخول الشاه إلى الولايات المتحدة قد يثير الرغبة في الانتقام فإن الإدارة الأمريكية وبإيعاز من هنري كيسنجر ودافيد روكفلر وبعض رجال الحزب الجمهوري قبلت السماح له بدخول أمريكا.

ولأن العلاقات كانت هشة جدا فقد جرى ما جرى من احتلال للسفارة الأمريكية وأخذ كل أعضائها رهائن وكرد فعل سريع قام الرئيس كارتر بتجميد أموال الإيرانيين في أمريكا وطرد الدبلوماسيين الإيرانيين وهكذا تم قطع العلاقات بين الدولتين. ومنذ ذلك التاريخ أخذت العلاقة بين الطرفين منحى تصادمياً ولو بطريق غير مباشر من خلال دعم نظام الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان للنظام العراقي السابق في حربه ضد إيران لكسر جموحها وإحباط طموحها في منطقة الخليج العربي. إلا أن الآونة الأخيرة تتسارع فيها الأحداث ولا سيما بعدما ذهب الرئيس الإيراني الذي وصف بالاعتدال محمد خاتمي، واعتلى السدة الإيرانية شاب وصفه الإصلاحيون في إيران بأنه يمثل أفضل فرصة لصقور واشنطن لغزو طهران. . كيف ذلك؟ بعد أن تم تنصيب محمود أحمدي نجاد رئيساً رسمياً لإيران هاجم مسؤولون أمريكيون بشدة هذا الزعيم المحافظ وقالوا إن إدارة بوش تشعر بقلق بالغ ومتزايد إزاء المحافظين في إيران الذين يحتكرون رسمياً السلطة. وقد أشار هؤلاء إلى أن نجاد ورفاقه يعتزمون تبني مواقف أكثر تشدداً إزاء ثلاث القضايا قضايا شائكة بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها هي: دعم الجماعات المتطرفة والتدخل في شؤون العراق والطموحات الإيرانية النووية.

وعبر الأشهر القليلة الماضية التي أعقبت انتخاب نجاد شهدت القضايا الثلاث تدهوراً سريعاً ينذر بمواجهة قادة لا ريب فيها. فبداية تصر الولايات المتحدة الأمريكية كما تجلى واضحاً في خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش أمام مؤتمر المؤسسة الوطنية من أجل الديمقراطية على أن إيران تساعد المتطرفين الإسلاميين، وتقدم لهم المأوى، لذا فإنها لا تستحق المزيد من الصبر من ضحايا الإرهاب، أي من الأمريكيين أنفسهم وهي أحدث إشارة تؤكد أن صوت قعقعة السلاح الآتي من بعيد إنما يحمل على اليقين بأن إيران أصبحت في فوهة البركان.

ويعزز هذه الفرضية التي تأتي في إطار التدهور المطلق للعلاقات الأمريكية – الإيرانية الدور الإيراني في العراق كما تراه واشنطن ولا سيما بعد تأكيدات وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أنه تم العثور في العراق على أسلحة جاءت من إيران بشكل لا لبس فيه، ولاحقاً أشارت الاستخبارات الأمريكية إلى أن مصدر هذه الأسلحة هو الحرس الثوري الإيراني، بينما أورد بيان وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون في تصريحاته أن هذه المتفجرات قد تكون أدخلت من الحدود العراقية – الإيرانية عن طريق مجموعات إرهابية تابعة لحزب الله الموالي لإيران أو من قبل فدائيين أو انتحاريين إيرانيين، وأن هذه القنابل مصممة لتدمير الدبابات وتوحي بوجود تعاون جدي وجديد وغير عادي بين الإيرانيين الشيعة والسنة العراقيين.

أما ثالثة الأسافي من وجهة النظر الأمريكية فهي الإصرار الإيراني على استكمال برنامجها النووي الذي تقول عنه طهران إنه لصالح الأغراض السلمية فيما الولايات المتحدة تقود حملة عالمية لإقناع العالم بأن إيران في سباق مع الزمن لتصنيع أسلحة نووية. وقد جاء اتهام الولايات المتحدة منذ أيام قليلة لإيران بأنها تطور صاروخاً يمكن تفجير رأسه الحربي على ارتفاع كبير نسبياً تمهيداً لتزويده بعبوة نووية ليؤكد النوايا الأمريكية تجاه إيران، ورغم أن واشنطن أطلعت عدداً من الدول الأعضاء في مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المعلومات الاستخبارية الجديدة التي حصلت عليها إلا أن بعض الدبلوماسيين الغربيين في فيينا صرحوا بالقول إن تلك الاتهامات لا يمكن تصديقها لأنها لم تقدم أدلة ملموسة ومباشرة على وجود مشروع لصنع رأس نووي.

والمثير في المشهد أنه يأتي بعد انقضاء أقل من أسبوع على إعلان فوز الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأمينها العام الدكتور محمد البرادعي بجائزة نوبل للسلام، ولا يخفى على أحد موقف البرادعي الرسمي تجاه إيران، حيث ينفي أنها تمتلك برنامجاً نووياً وإن كان يقر بأن هناك أسئلة متعددة يتوجب على طهران إعطاء أجوبة عنها.

والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا هل تصل كرة ثلج العلاقات الأمريكية – الإيرانية في تدهورها إلى خط النار والمواجهة العسكرية الشاملة أو الجزئية؟ الإجابة ليست بهذه السهولة، إذ إنه بعدما يقرب من عامين أو يزيد على غزو العراق لاتزال الولايات المتحدة الأمريكية تبدو عاجزة عن تحديد الأسلوب الأمثل للتعامل مع إيران، لكن ذلك لا ينفي أن هناك شيئاً ما على درجة عالية من الخطورة يدبر لهذا البلد وهو ما يمكن أن يستشف بكل سهولة ويسر من تصريحات وتعليقات الإدارة الأمريكية التي صنفته ضمن دول (محور الشر) التي ينبغي مواجهتها، فالرئيس بوش لا يتوقف عن وصف إيران بأنها الدولة الرئيسية الداعمة للإرهاب في العالم، ونائبه ديك تشيني يعتبر أنها على رأس بقع التوتر العالمية، أما كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية فتؤكد أن إيران دولة شمولية وأن رصيدها في مجال حقوق الإنسان يعد منفراً وكريهاً. ولكن الجميع في الوقت نفسه لا يملون الحديث عن آمالهم في أن تستطيع الطرق الدبلوماسية أن تجد حلاً للمشكلات بين البلدين ذلك برغم أن كثيرين يعتبرونها طرقاً ميتة في الأساس.

والحاصل أن الولايات المتحدة في علاقاتها مع إيران تواجه مأزقاً حقيقياً، فدعاة الهجوم العسكري عليها يجابهون بآراء ترى ضرورة إيقاظهم من سباتهم العميق فإيران على حد قول المعترضين على المواجهة العسكرية بلد واسع وشاسع المساحة مما أتاح للحكومة الإيرانية توزيع منشآتها النووية في أرجاء متعددة ومتفرقة في جميع أنحاء البلاد على نحو يزيد من صعوبة ضربها. أضف إلى ذلك أن بعض هذه المنشآت قد تم وضعه في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، وبالتالي فإن قصف مثل هذه المواقع سوف يسفر عن عدد هائل من الضحايا في أوساط المدنيين هذا إلى جانب محاولات الانتقام التي سوف يلجأ إليها ليس الإيرانيون فحسب وإنما جميع الدول والجماعات الإسلامية للنيل من أمن أمريكا والأمريكيين. ولا يمكن وصف اعتقاد صقور البنتاجون بأن هجوماً محدوداً ضد إيران من شأنه أن يعجل بسقوط النظام الديني في البلاد سوى أنه يدخل في إطار الأمنيات لا أكثر.

وفي الحديث عن العلاقات الأمريكية – الإيرانية عقب الانتخابات الرئاسية يتطرق المرء لملفات عدة تؤثر وتتأثر بجدلية هذه العلاقة، ولعل أهمها ملف العقوبات الأمريكية ضد طهران فهل كانت تلك العقوبات كلمة السر في وصول نجاد لرئاسة طهران؟

يذهب بعض المحللين السياسيين المطلعين على الملف الإيراني – الأمريكي إلى أن الولايات المتحدة لعبت دوراً لا ينكر في انتخاب نجاد من منطلق أن الانهيار الاقتصادي الذي تشهده إيران (إذا استثنينا الطفرة الأخيرة بسبب ارتفاع أسعار النفط عالمياً) الذي دفع غالبية الناخبين إلى التصويت لصالح عمدة طهران المتشدد يعود في جانب كبير منه إلى العقوبات التي فرضتها أمريكا على النظام الإيراني على مدار العقدين الماضيين.

والمشكلة الحقيقية أن هذه العقوبات التي ترافقت مع انتهاج سياسات متشددة لعزل واحتواء إيران لم تؤد سوى إلى تقوية شوكة الجناح المتشدد في النظام الإيراني حسبما كشف عن ذلك تقرير أصدره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية مؤخرا. لذا فإن انتصار المرشح المحافظ في الانتخابات الإيرانية ربما لم يفاجئ احداً باستثناء الخبراء في وكالة التجسس الأمريكية فالمرشح المعتدل نسبياً رافسنجاني اعتبر منذ البداية سياسياً ضعيفاً متردداً ويخدم الطليعة الحزبية والاقتصادية القديمة، بينما منافسه نجاد قدم نفسه على أنه مرشح العمال وبطل النضال المعادي لأمريكا وكمحارب من أجل النقاء الشخصي والديني، وكانت دعايته ضد الفساد والتدهور الأخلاقي، ووعد بتجديد أيام الثورة الخمينية.

والأمر قبل الأخير في مسيرة العلاقات الأمريكية – الإيرانية والذي لا يمكن إغفاله بحال من الأحوال هو العلاقات الإسرائيلية – الأمريكية والتي ربما تدفع صقور واشنطن وعلى غير رغبة من حمائمها إن وجدت للمواجهة المسلحة وهو ما يعبر عنه (زئيف شيف) المحلل السياسي الإسرائيلي في صحيفة (هآرتس) العبرية بقوله (إسرائيل مقتنعة استنادا إلى معلومات استخبارية بأن طهران ماضية في مشروعها للسلاح النووي، وعلى هذا الأساس يجب أن تكون الفرضية الأساسية لإسرائيل أن إيران ستحقق في نهاية المطاف نواياها وستزود بسلاح نووي).

وثمة من يعتقد في واشنطن بأن إيران ستواصل مساعيها لامتلاك السلاح النووي إلا أن التصور الاستراتيجي الإسرائيلي اليوم يفيد بأنه لا يتعين التسليم بإمكانية حصول إيران، التي تدعو إلى تدمير الدولة اليهودية، على سلاح نووي. ولعل الكلمات السابقة تشير إلى أن إسرائيل تحاول استباق الخطر من خلال إحباط جهود إيران النووية إما بدفع الولايات المتحدة للمواجهة والاشتباك مع إيران كما حدث في الملف العراقي والأيادي الإسرائيلية فيه كانت ظاهرة للعيان أو القيام بإنهاء مشروع إيران النووي بالوكالة عن الولايات المتحدة وهو ما يعرف عسكريا بالحرب بالوكالة.

لذا فإن نصيحة المراكز البحثية الإسرائيلية وخاصة الاستخبارية منها ترى أنه يتعين أن يشمل الردع الإسرائيلي عدة مستويات واقعية وفي مقدمتها أنه يتعين عليها أن تسعى كي لا تقف وحدها مقابل إيران بل أن تكون جزءاً من منظمة كبيرة، وفي ضوء التطورات النووية في إيران يتعين على إسرائيل أن تضع على رأس أهدافها تحقيق حلف دفاعي مع الولايات المتحدة. وحديث الحلف يؤكد ما نذهب إليه من أن العلاقات الأمريكية – الإيرانية في بعض من أجزائها إنما هي دلالة للتحالف الأمريكي – الإسرائيلي.

وأخيراً نشير إلى قضية الملف الميثولوجي ( الأسطوري) والثيئولوجي ( اللاهوتي) الذي يحكم إدارة الرئيس بوش التي توصف بأنها إدارة يمينية مسيحية متطرفة يحكم من خلالها الفكر المسيحي الراديكالي المخترق عقائدياً ولاهوتياً من قبل اليهودية في الكثير من جزئياته المهمة ويحمل عداوة وبغضاء شديدين للنظام الإسلامي في إيران.
وكما كان الرئيس ريجان ينظر إلى الاتحاد السوفييتي على أنه معسكر الشر فإن بوش يرى في الإسلام الراديكالي الذي تقوده إيران حسب زعمه بؤرة محور الشر وحديثه الأخير عن الإمبراطورية الإسلامية الراديكالية التي تمتد من أسبانيا إلى اندونيسيا يشير إلى مكنونات صدر الرجل تجاه الإسلام والمسلمين عامة وأنظمة الحكم الإسلامي المسيطرة مثل نظام الملالي خاصة، ومن هذا المنطلق فان الاسوا لم يأت بعد والخوف كل الخوف من مجيئه لأنه كفيل بإشعال منطقة الخليج العربي ومن خلفها دول الشرق الأوسط بصورة لا يعلم إلا الله وحده مداها.

وفي ظل رئيس أصولي أمريكي يرى أن الله تعالى (وحاشا لله) يعطيه أوامره مباشرة لضرب العراق وأفغانستان تبقى كل الخيارات متاحة ومباحة وهي خيارات أحلاها مر وأفضلها (أعرج) في خريطة العلاقات الأمريكية – الإيرانية.

عنوان – 1
يفيد التصور الاستراتيجي الإسرائيلي بأنه لا يتعين التسليم بإمكانية حصول إيران على سلاح نووي

عنوان -2
إن اعتلاء نجاد سدة الحكم ربما يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات بين واشنطن وطهران.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3127::/cck::
::introtext::

(إن اعتلاء نجاد سدة الحكم ربما يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات بين واشنطن وطهران).

هكذا استهلت واحدة من كبريات الصحف الأمريكية المعروفة باتجاهاتها اليمينية وهي (الواشنطن بوست) افتتاحيتها صباح انتخاب عمدة طهران المتشدد محمود أحمدي نجاد رئيساً لإيران. والمؤكد أن العبارة السابقة أوجزت فأبلغت حال العلاقات الأمريكية – الإيرانية المتوترة منذ زمن بعيد والمرشحة للانفجار في الأمد القريب. وبكل تأكيد فإن المسطح المتاح للكتابة عن هذا الشأن يضيق كثيراً عن تفصيل أبعاد تلك العلاقة الجدلية لكننا سنحاول بحال من الأحوال إيجاز الأمر علنا نصيب من أمرنا نجاحاً.

::/introtext::
::fulltext::

(إن اعتلاء نجاد سدة الحكم ربما يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات بين واشنطن وطهران).

هكذا استهلت واحدة من كبريات الصحف الأمريكية المعروفة باتجاهاتها اليمينية وهي (الواشنطن بوست) افتتاحيتها صباح انتخاب عمدة طهران المتشدد محمود أحمدي نجاد رئيساً لإيران. والمؤكد أن العبارة السابقة أوجزت فأبلغت حال العلاقات الأمريكية – الإيرانية المتوترة منذ زمن بعيد والمرشحة للانفجار في الأمد القريب. وبكل تأكيد فإن المسطح المتاح للكتابة عن هذا الشأن يضيق كثيراً عن تفصيل أبعاد تلك العلاقة الجدلية لكننا سنحاول بحال من الأحوال إيجاز الأمر علنا نصيب من أمرنا نجاحاً.

بداية نقول إن الحديث عن المشهد الأمريكي – الإيراني عقب الانتخابات الرئاسية الأخيرة لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيش فيه إيران منذ قيام ثورتها في أواخر السبعينات من القرن الماضي، بل وما قبل الثورة بسنوات طوال التي جاءت كرد فعل للسياسة الأمريكية، فالولايات المتحدة كانت المعين الحقيقي لاسترداد الشاه عرشه عام 1953، ومنذ ذلك الحين ظلت أخلص معاون له، كما اعتمدت على نفطه في الوقت الذي اعتمد الشاه على تسليح جيشه بما يوازي المليار ونصف المليار دولار سنوياً وهو رقم كبير جداً بلغة أرقام تلك الفترة الزمنية.

وعندما أطاحت الثورة التي ألهبها آية الله الخميني بعرش الشاه الذي أصبح منفيا، وإبان إقامته في المكسيك طلب الشاه من أمريكا الحق في المعالجة من السرطان وبرغم تحذير السفارة الأمريكية في إيران من أن السماح بدخول الشاه إلى الولايات المتحدة قد يثير الرغبة في الانتقام فإن الإدارة الأمريكية وبإيعاز من هنري كيسنجر ودافيد روكفلر وبعض رجال الحزب الجمهوري قبلت السماح له بدخول أمريكا.

ولأن العلاقات كانت هشة جدا فقد جرى ما جرى من احتلال للسفارة الأمريكية وأخذ كل أعضائها رهائن وكرد فعل سريع قام الرئيس كارتر بتجميد أموال الإيرانيين في أمريكا وطرد الدبلوماسيين الإيرانيين وهكذا تم قطع العلاقات بين الدولتين. ومنذ ذلك التاريخ أخذت العلاقة بين الطرفين منحى تصادمياً ولو بطريق غير مباشر من خلال دعم نظام الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان للنظام العراقي السابق في حربه ضد إيران لكسر جموحها وإحباط طموحها في منطقة الخليج العربي. إلا أن الآونة الأخيرة تتسارع فيها الأحداث ولا سيما بعدما ذهب الرئيس الإيراني الذي وصف بالاعتدال محمد خاتمي، واعتلى السدة الإيرانية شاب وصفه الإصلاحيون في إيران بأنه يمثل أفضل فرصة لصقور واشنطن لغزو طهران. . كيف ذلك؟ بعد أن تم تنصيب محمود أحمدي نجاد رئيساً رسمياً لإيران هاجم مسؤولون أمريكيون بشدة هذا الزعيم المحافظ وقالوا إن إدارة بوش تشعر بقلق بالغ ومتزايد إزاء المحافظين في إيران الذين يحتكرون رسمياً السلطة. وقد أشار هؤلاء إلى أن نجاد ورفاقه يعتزمون تبني مواقف أكثر تشدداً إزاء ثلاث القضايا قضايا شائكة بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها هي: دعم الجماعات المتطرفة والتدخل في شؤون العراق والطموحات الإيرانية النووية.

وعبر الأشهر القليلة الماضية التي أعقبت انتخاب نجاد شهدت القضايا الثلاث تدهوراً سريعاً ينذر بمواجهة قادة لا ريب فيها. فبداية تصر الولايات المتحدة الأمريكية كما تجلى واضحاً في خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش أمام مؤتمر المؤسسة الوطنية من أجل الديمقراطية على أن إيران تساعد المتطرفين الإسلاميين، وتقدم لهم المأوى، لذا فإنها لا تستحق المزيد من الصبر من ضحايا الإرهاب، أي من الأمريكيين أنفسهم وهي أحدث إشارة تؤكد أن صوت قعقعة السلاح الآتي من بعيد إنما يحمل على اليقين بأن إيران أصبحت في فوهة البركان.

ويعزز هذه الفرضية التي تأتي في إطار التدهور المطلق للعلاقات الأمريكية – الإيرانية الدور الإيراني في العراق كما تراه واشنطن ولا سيما بعد تأكيدات وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أنه تم العثور في العراق على أسلحة جاءت من إيران بشكل لا لبس فيه، ولاحقاً أشارت الاستخبارات الأمريكية إلى أن مصدر هذه الأسلحة هو الحرس الثوري الإيراني، بينما أورد بيان وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون في تصريحاته أن هذه المتفجرات قد تكون أدخلت من الحدود العراقية – الإيرانية عن طريق مجموعات إرهابية تابعة لحزب الله الموالي لإيران أو من قبل فدائيين أو انتحاريين إيرانيين، وأن هذه القنابل مصممة لتدمير الدبابات وتوحي بوجود تعاون جدي وجديد وغير عادي بين الإيرانيين الشيعة والسنة العراقيين.

أما ثالثة الأسافي من وجهة النظر الأمريكية فهي الإصرار الإيراني على استكمال برنامجها النووي الذي تقول عنه طهران إنه لصالح الأغراض السلمية فيما الولايات المتحدة تقود حملة عالمية لإقناع العالم بأن إيران في سباق مع الزمن لتصنيع أسلحة نووية. وقد جاء اتهام الولايات المتحدة منذ أيام قليلة لإيران بأنها تطور صاروخاً يمكن تفجير رأسه الحربي على ارتفاع كبير نسبياً تمهيداً لتزويده بعبوة نووية ليؤكد النوايا الأمريكية تجاه إيران، ورغم أن واشنطن أطلعت عدداً من الدول الأعضاء في مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المعلومات الاستخبارية الجديدة التي حصلت عليها إلا أن بعض الدبلوماسيين الغربيين في فيينا صرحوا بالقول إن تلك الاتهامات لا يمكن تصديقها لأنها لم تقدم أدلة ملموسة ومباشرة على وجود مشروع لصنع رأس نووي.

والمثير في المشهد أنه يأتي بعد انقضاء أقل من أسبوع على إعلان فوز الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأمينها العام الدكتور محمد البرادعي بجائزة نوبل للسلام، ولا يخفى على أحد موقف البرادعي الرسمي تجاه إيران، حيث ينفي أنها تمتلك برنامجاً نووياً وإن كان يقر بأن هناك أسئلة متعددة يتوجب على طهران إعطاء أجوبة عنها.

والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا هل تصل كرة ثلج العلاقات الأمريكية – الإيرانية في تدهورها إلى خط النار والمواجهة العسكرية الشاملة أو الجزئية؟ الإجابة ليست بهذه السهولة، إذ إنه بعدما يقرب من عامين أو يزيد على غزو العراق لاتزال الولايات المتحدة الأمريكية تبدو عاجزة عن تحديد الأسلوب الأمثل للتعامل مع إيران، لكن ذلك لا ينفي أن هناك شيئاً ما على درجة عالية من الخطورة يدبر لهذا البلد وهو ما يمكن أن يستشف بكل سهولة ويسر من تصريحات وتعليقات الإدارة الأمريكية التي صنفته ضمن دول (محور الشر) التي ينبغي مواجهتها، فالرئيس بوش لا يتوقف عن وصف إيران بأنها الدولة الرئيسية الداعمة للإرهاب في العالم، ونائبه ديك تشيني يعتبر أنها على رأس بقع التوتر العالمية، أما كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية فتؤكد أن إيران دولة شمولية وأن رصيدها في مجال حقوق الإنسان يعد منفراً وكريهاً. ولكن الجميع في الوقت نفسه لا يملون الحديث عن آمالهم في أن تستطيع الطرق الدبلوماسية أن تجد حلاً للمشكلات بين البلدين ذلك برغم أن كثيرين يعتبرونها طرقاً ميتة في الأساس.

والحاصل أن الولايات المتحدة في علاقاتها مع إيران تواجه مأزقاً حقيقياً، فدعاة الهجوم العسكري عليها يجابهون بآراء ترى ضرورة إيقاظهم من سباتهم العميق فإيران على حد قول المعترضين على المواجهة العسكرية بلد واسع وشاسع المساحة مما أتاح للحكومة الإيرانية توزيع منشآتها النووية في أرجاء متعددة ومتفرقة في جميع أنحاء البلاد على نحو يزيد من صعوبة ضربها. أضف إلى ذلك أن بعض هذه المنشآت قد تم وضعه في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، وبالتالي فإن قصف مثل هذه المواقع سوف يسفر عن عدد هائل من الضحايا في أوساط المدنيين هذا إلى جانب محاولات الانتقام التي سوف يلجأ إليها ليس الإيرانيون فحسب وإنما جميع الدول والجماعات الإسلامية للنيل من أمن أمريكا والأمريكيين. ولا يمكن وصف اعتقاد صقور البنتاجون بأن هجوماً محدوداً ضد إيران من شأنه أن يعجل بسقوط النظام الديني في البلاد سوى أنه يدخل في إطار الأمنيات لا أكثر.

وفي الحديث عن العلاقات الأمريكية – الإيرانية عقب الانتخابات الرئاسية يتطرق المرء لملفات عدة تؤثر وتتأثر بجدلية هذه العلاقة، ولعل أهمها ملف العقوبات الأمريكية ضد طهران فهل كانت تلك العقوبات كلمة السر في وصول نجاد لرئاسة طهران؟

يذهب بعض المحللين السياسيين المطلعين على الملف الإيراني – الأمريكي إلى أن الولايات المتحدة لعبت دوراً لا ينكر في انتخاب نجاد من منطلق أن الانهيار الاقتصادي الذي تشهده إيران (إذا استثنينا الطفرة الأخيرة بسبب ارتفاع أسعار النفط عالمياً) الذي دفع غالبية الناخبين إلى التصويت لصالح عمدة طهران المتشدد يعود في جانب كبير منه إلى العقوبات التي فرضتها أمريكا على النظام الإيراني على مدار العقدين الماضيين.

والمشكلة الحقيقية أن هذه العقوبات التي ترافقت مع انتهاج سياسات متشددة لعزل واحتواء إيران لم تؤد سوى إلى تقوية شوكة الجناح المتشدد في النظام الإيراني حسبما كشف عن ذلك تقرير أصدره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية مؤخرا. لذا فإن انتصار المرشح المحافظ في الانتخابات الإيرانية ربما لم يفاجئ احداً باستثناء الخبراء في وكالة التجسس الأمريكية فالمرشح المعتدل نسبياً رافسنجاني اعتبر منذ البداية سياسياً ضعيفاً متردداً ويخدم الطليعة الحزبية والاقتصادية القديمة، بينما منافسه نجاد قدم نفسه على أنه مرشح العمال وبطل النضال المعادي لأمريكا وكمحارب من أجل النقاء الشخصي والديني، وكانت دعايته ضد الفساد والتدهور الأخلاقي، ووعد بتجديد أيام الثورة الخمينية.

والأمر قبل الأخير في مسيرة العلاقات الأمريكية – الإيرانية والذي لا يمكن إغفاله بحال من الأحوال هو العلاقات الإسرائيلية – الأمريكية والتي ربما تدفع صقور واشنطن وعلى غير رغبة من حمائمها إن وجدت للمواجهة المسلحة وهو ما يعبر عنه (زئيف شيف) المحلل السياسي الإسرائيلي في صحيفة (هآرتس) العبرية بقوله (إسرائيل مقتنعة استنادا إلى معلومات استخبارية بأن طهران ماضية في مشروعها للسلاح النووي، وعلى هذا الأساس يجب أن تكون الفرضية الأساسية لإسرائيل أن إيران ستحقق في نهاية المطاف نواياها وستزود بسلاح نووي).

وثمة من يعتقد في واشنطن بأن إيران ستواصل مساعيها لامتلاك السلاح النووي إلا أن التصور الاستراتيجي الإسرائيلي اليوم يفيد بأنه لا يتعين التسليم بإمكانية حصول إيران، التي تدعو إلى تدمير الدولة اليهودية، على سلاح نووي. ولعل الكلمات السابقة تشير إلى أن إسرائيل تحاول استباق الخطر من خلال إحباط جهود إيران النووية إما بدفع الولايات المتحدة للمواجهة والاشتباك مع إيران كما حدث في الملف العراقي والأيادي الإسرائيلية فيه كانت ظاهرة للعيان أو القيام بإنهاء مشروع إيران النووي بالوكالة عن الولايات المتحدة وهو ما يعرف عسكريا بالحرب بالوكالة.

لذا فإن نصيحة المراكز البحثية الإسرائيلية وخاصة الاستخبارية منها ترى أنه يتعين أن يشمل الردع الإسرائيلي عدة مستويات واقعية وفي مقدمتها أنه يتعين عليها أن تسعى كي لا تقف وحدها مقابل إيران بل أن تكون جزءاً من منظمة كبيرة، وفي ضوء التطورات النووية في إيران يتعين على إسرائيل أن تضع على رأس أهدافها تحقيق حلف دفاعي مع الولايات المتحدة. وحديث الحلف يؤكد ما نذهب إليه من أن العلاقات الأمريكية – الإيرانية في بعض من أجزائها إنما هي دلالة للتحالف الأمريكي – الإسرائيلي.

وأخيراً نشير إلى قضية الملف الميثولوجي ( الأسطوري) والثيئولوجي ( اللاهوتي) الذي يحكم إدارة الرئيس بوش التي توصف بأنها إدارة يمينية مسيحية متطرفة يحكم من خلالها الفكر المسيحي الراديكالي المخترق عقائدياً ولاهوتياً من قبل اليهودية في الكثير من جزئياته المهمة ويحمل عداوة وبغضاء شديدين للنظام الإسلامي في إيران.
وكما كان الرئيس ريجان ينظر إلى الاتحاد السوفييتي على أنه معسكر الشر فإن بوش يرى في الإسلام الراديكالي الذي تقوده إيران حسب زعمه بؤرة محور الشر وحديثه الأخير عن الإمبراطورية الإسلامية الراديكالية التي تمتد من أسبانيا إلى اندونيسيا يشير إلى مكنونات صدر الرجل تجاه الإسلام والمسلمين عامة وأنظمة الحكم الإسلامي المسيطرة مثل نظام الملالي خاصة، ومن هذا المنطلق فان الاسوا لم يأت بعد والخوف كل الخوف من مجيئه لأنه كفيل بإشعال منطقة الخليج العربي ومن خلفها دول الشرق الأوسط بصورة لا يعلم إلا الله وحده مداها.

وفي ظل رئيس أصولي أمريكي يرى أن الله تعالى (وحاشا لله) يعطيه أوامره مباشرة لضرب العراق وأفغانستان تبقى كل الخيارات متاحة ومباحة وهي خيارات أحلاها مر وأفضلها (أعرج) في خريطة العلاقات الأمريكية – الإيرانية.

عنوان – 1
يفيد التصور الاستراتيجي الإسرائيلي بأنه لا يتعين التسليم بإمكانية حصول إيران على سلاح نووي

عنوان -2
إن اعتلاء نجاد سدة الحكم ربما يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات بين واشنطن وطهران.

::/fulltext::
::cck::3127::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *