هل يستغني أوباما عن نفط الخليج؟
::cck::3165::/cck::
::introtext::
مثّلت قضية الطاقة واحدة من أهم القضايا التي احتلت أولوية كبيرة في سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما منذ توليه الحكم في يناير 2009، بل كانت واحدة من أهم القضايا التي شهدت جدلاً كبيراً بين مرشحي انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة.
::/introtext::
::fulltext::
مثّلت قضية الطاقة واحدة من أهم القضايا التي احتلت أولوية كبيرة في سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما منذ توليه الحكم في يناير 2009، بل كانت واحدة من أهم القضايا التي شهدت جدلاً كبيراً بين مرشحي انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة.
أعلن باراك أوباما عن خطة جديدة شاملة لمعالجة مشكلة الطاقة، دارت في معظمها حول استقلال الطاقة الأمريكية والتقليل ومن ثم الاستغناء عن النفط الخارجي من دول منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، وذلك بهدف الوصول إلى (الاستقلال النفطي)، الذي اعتبره أوباما (واحداً من أكبر التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة)، وعبَّر عن مدى إدراكه لخطورة هذا التحدي قائلاً (إنه يشكل تهديداً لأمننا وتفوقنا واقتصادنا).
وعلى الرغم من أنه لم تمر فترة كبيرة على تولي باراك أوباما يمكن في ضوئها الحكم على مدى تطبيق هذه الخطة والالتزام بها، إلا أن ملامح هذه الخطة تثير تساؤلات كثيرة لدى المراقبين بشأن مدى إمكانية أن تستغني الولايات المتحدة بالفعل عن نفط الخليج، كما أنها –أي الخطة- تظل قابلة للتقييم خلال الأمد المنظور لا سيما أنها تتضمن خططاً ذات آماد متوسطة وطويلة المدى تصل إلى عام 2030م.
ومن ثم، يستهدف هذا المقال تقييم مدى واقعية أن تستغني الولايات المتحدة بالفعل في ظل حكم أوباما عن نفط منطقة الخليج، وذلك من خلال ثلاثة عناصر رئيسية، الأول: يتناول موقع نفط الخليج في الاستراتيجية الأمريكية بوجه عام. والثاني: يلقي الضوء على الملامح الرئيسية لخطة باراك أوباما بشأن تحقيق (الاستقلال النفطي). والثالث: يناقش مدى واقعية هذه الخطة من خلال رؤية تقييمية لها.
أولاً: نفط الخليج في الاستراتيجية الأمريكية
ظل ضمان تدفق الإمدادات النفطية بحرية تامة من منطقة الخليج من أهم أسس السياسة الخارجية الأمريكية طوال العقود الخمسة الماضية. وقد أكد كل الرؤساء الأمريكيين منذ الحرب العالمية الثانية حتى الرئيس السابق بوش الابن أن سياسة الولايات المتحدة لن تسمح بأن تقع الموارد النفطية في منطقة الخليج في أيدي قوة معادية لها، وقد شهدت منطقة الخليج عملين عسكريين أمريكيين كبيرين ضد العراق كان دوافعهما دعم هذه السياسة. كما تمت الإطاحة بمحمد مصدق رئيس الوزراء الإيراني عام 1953 لأسباب كان منها خططه لتأميم صناعة النفط الإيرانية. بل إن التزام الشاه محمد رضا بهلوي التام بتدفق النفط الإيراني بحرية تامة شكّل أحد أسس عقيدة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون . كما أن الرئيس جيمي كارتر في آخر خطاب له حول حالة الاتحاد قال (إن أي محاولة تقوم بها قوة للسيطرة على منطقة الخليج سينظر إليها بوصفها اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صد هذا الاعتداء بكل الوسائل الضرورية بما في ذلك القوة العسكرية).
وقد كرّرت إدارة الرئيس رونالد ريغان الشيء ذاته ونشرت قواعد عسكرية في المملكة العربية السعودية. وفي عام 1990 وبعد أن احتل النظام العراقي السابق دولة الكويت، قال وزير الدفاع الأمريكي حينذاك ديك تشيني (إننا هناك في ضوء حقيقة أن جزءاً من العالم يسيطر على إمدادات النفط العالمية، ومن يسيطر على إمدادات النفط يمكنه أن يفرض قبضة خانقة على الاقتصاد الأمريكي). ولو لم تكن هذه الأسباب جزءاً رئيسياً من الأسباب الدافعة إلى احتلال العراق عام 2003، لكانت تلك هي المرة الأولى منذ خمسين عاماً التي لا يصبح فيها تدفق النفط بحرية أمراً محورياً في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج.
ثانياً: ملامح سياسة أوباما بشأن (الاستقلال النفطي)
قامت خطة أوباما بشأن تحقيق ما سماه الاستقلال النفطي على عنصرين رئيسيين، يتمثل أولهما في تأمين كمية كبيرة من النفط والغاز محلياً. ويتمثل ثانيهما في زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة من خلال خطط متوسطة وطويلة الأمد، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:
أ- تأمين كمية أكبر من النفط والغاز محلياً: تقوم خطة أوباما في جانب منها على تأمين كمية من النفط أكبر من التي تستوردها حالياً من الشرق الأوسط وفنزويلا معاً، وذلك خلال عشرة أعوام. ولتحقيق هذا الهدف، تضمنت خطة أوباما آليات عديدة منها: التوسع في منتجات الطاقة محلياً من خلال الحفر في المناطق التي فيها مخزون استراتيجي وغير المستغلة. وتبدأ الخطة بـ 68 مليون فدان في المرحلة الأولى، ويأتي ذلك في إطار التوجه الديمقراطي الذي يرى أن الحفر سيقلل من الاعتماد الأمريكي على الخارج إلى أكثر من الثلث عن طريق مضاعفة الإنتاج الأمريكي من النفط وزيادة إنتاج الغاز الطبيعي بنسبة 75 في المائة.
هذا بالإضافة إلى محاولات لرفع الإنتاج الأمريكي من النفط والغاز بما لا يتطلب فتح المناطق المحمية حالياً، ومن هذه الطرق، مطالبة شركات النفط بتطوير المناطق التي تستأجرها للتنقيب فيها أو تركها لشركات أخرى، ومعالجة بعض أوجه النقص أو العراقيل التي تؤخر التنقيب في بعض المناطق كما في مونتانا ونورث داكوتا (حيث من المقدر وجود 4 مليارات برميل من النقط).
إضافة إلى إعطاء الأولوية لتشييد خطة أنابيب آلاسكا للغاز الطبيعي الذي خُصص له 18 مليار دولار كضمانات قروض وتصل قدرته إلى 4 مليارات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً، وإنتاج المزيد من حقول النفط الموجودة، حيث يعتقد الخبراء أن هناك نحو 85 مليار برميل نفط يمكن الاستفادة بها من الحقول الأمريكية.
ب- تطوير الاعتماد على الطاقة المتجددة: تقوم خطة أوباما في جانب آخر منها على تطوير الاعتماد على الطاقة المتجددة، بحيث تسهم بنسبة 10 في المائة من الكهرباء في الولايات المتحدة بحلول عام 2012 وبنسبة 25 في المائة بحلول 2025م. بالإضافة إلى التوجه نحو الوقود الحيوي بحيث تنتج الولايات المتحدة بحلول عام 2030، 60 مليون جالون من الوقود الحيوي المتقدم كـ (إيثانول السليلوز). وكذلك الاستثمار في السيارات المهجنة برأسمال يقدر بنحو 150 مليار دولار خلال عشرة أعوام، والشراكة مع مصنعي السيارات المحليين من خلال منحهم 4 مليارات دولار على شكل ائتمانات ضريبية وضمانات قروض، كي تكون السيارات الجديدة مرنة الوقود، وذلك بنهاية فترة ولاية أوباما الأولى. بالإضافة إلى جعل المراكز التصنيعية الأمريكية رائدة للتكنولوجيا النظيفة من خلال تأسيس برنامج استثماري اتحادي للمساعدة على تحديث المراكز الصناعية ومساعدة الأمريكيين على تعلم مهارات جديدة لإنتاج (منتجات خضراء).
أما في ما يتعلق بالطاقة النووية، -وفي حين كان منافسه جون ماكين يدعم بناء 45 مفاعلاً جديداً لإنتاج الطاقة بحلول عام 2030م وذلك ضمن خطته لإنتاج مئات المفاعلات الجديدة- فإن أوباما دعم الطاقة النووية، لكنه تحدث عنها بحذر ولم يعلن عن نيته بناء مفاعلات جديدة حتى يتم التوصل إلى حلول بشأن أمن تلك المنشآت وتخزين المخلفات النووية.
ثالثاً: رؤية تقييمية.. مدى واقعية خطة أوباما
تتضمن خطة أوباما عنصرين على قدر كبير من الأهمية لتحقيق ما سماه الاستقلال النفطي من خلال تقديرات وآماد محددة زمنياً، إلا أنها تتضمن في الوقت ذاته طموحات وآمال ربما تساهم على أقصى تقدير –إذا طبقت فعلاً- في تقليل جزء معقول من الاعتماد الأمريكي الخارجي على نفط الخليج، لكنها لن تكون قادرة على إنهاء هذا الاعتماد أو تقليله بشكل ملحوظ. وفي سياق التدليل على ذلك، يمكن الإشارة إلى الملاحظات التالية:
أ- على الرغم من أن نفط دول الخليج يمثل حوالي 5 في المائة من الاستيراد الأمريكي من النفط، إلا نفط الخليج سيظل مصدراً استراتيجياً مستقبلياً للطاقة بالنسبة للولايات المتحدة في ضوء اعتبارين رئيسيين: الأول: إن الولايات المتحدة تعاني من اعتمادها الخارجي بشكل كبير في الحصول على موارد الطاقة من النفط. فحسب إحصائيات إدارة الطاقة الأمريكية والتقرير الإحصائي السنوي لشركة (بريتش بتروليوم)، فإن الولايات المتحدة تعاني فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك تقدر بأكثر من 50 في المائة. والثاني: إن دول الخليج العربية تمتلك أكبر نسبة احتياطيات من النفط في العالم، ويتوقع الخبراء أن تظل منطقة الخليج العربي المصدر الرئيسي للنفط والغاز لعقود مقبلة، حتى إن رئيس المعهد الفرنسي للنفط اوليفييه ابير قال إن النفط العربي سيبقى المصدر الأساسي للطاقة لمدة مائة سنة، وأن النقطة الأخيرة منه ستأتي من الشرق الأوسط، وبالأخص من السعودية. وينطبق الأمر ذاته على الغاز الطبيعي، فحتى أشد المؤيدين لإعطاء الغاز الطبيعي دوراً رئيسياً في تلبية احتياجات الولايات المتحدة من الطاقة، يرون أن هذا الأمر قد يعمل على الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لكنه لن يغير من وضع الولايات المتحدة في ما يتعلق بالطاقة، لأن 70 في المائة من احتياطي الغاز الطبيعي يقع في دول منطقة الخليج أو الشرق الأوسط عموماً.
بل إن بعض الدراسات الأمريكية خلصت إلى أنه من السهل إدراك أن الولايات المتحدة بامتلاكها 2.4 في المائة فقط من الاحتياطي العالمي من النفط (29 مليار برميل) وكونها تشكل 25 في المائة من الاستهلاك العالمي، فلابد لها أن تعتمد على واردات النفط الخارجية بشكل أساسي وخاصة من دول منطقة الخليج. وترى بعض هذه الدراسات أنه حتى مع افتراض أن احتياطي النفط في المكسيك وكندا سيتم تخصيصه للولايات المتحدة، فإنها ستظل تعتمد على واردات النفط من دول هذه المنطقة.
ب- إذا ما انتقلنا إلى المحور الخاص بزيادة إنتاج الولايات المتحدة من النفط عن طريق الحفر والتنقيب – كما جاء في خطة أوباما – فإن الخيارات المتاحة في هذا الصدد تتمثل في: حفر المنطقة الشمالية القطبية، أو منطقة رمال القطران أو استخراج النفط من المياه القريبة من شواطئ المحيطين الأطلنطي والباسفيكي، وهذه الخيارات الثلاثة لا تخلو من عقبات ومشكلات عدة.
فبالنسبة للخيار الأول وهو حفر المنطقة الشمالية القطبية، ترى وكالة معلومات الطاقة الأمريكية أنه بافتراض تم تنفيذ هذا المشروع، فإن الإنتاج سيبدأ بحلول عام 2015 وسيصل إلى ذروته بحيث يكون 780 ألف برميل يومياً بحلول 2024م، وستنخفض طاقة الإنتاجية إلى 650 ألف برميل يومياً بحلول عام 2030م، ومن ثم لن يعني هذا المشروع الكثير بالنسبة لتعزيز الإنتاج الداخلي. أما بالنسبة للخيار الثاني، وهو الدور المحتمل الذي قد تلعبه (رمال القطران)، فتعد مصدراً باهظ الثمن غير نظيف للحصول على النفط، كما تُثار بشأنه انتقادات لاذعة وهجمات قوية من خبراء البيئة. وعلاوة على ذلك، فإنه تحت أفضل التقديرات ليس بمقدور النفط المستخلص من (رمال القطران) أن يعمل أكثر من مجرد تغطية النمو المتوقع في الطلب على النفط على امتداد السنوات العديدة المقبلة، ولن تكون كافية لتغيير وضع الولايات المتحدة بالنسبة للطاقة بما ينقلها إلى مرحلة يقل فيها الاعتماد على النفط الخارجي.
أما بالنسبة للخيار الثالث وهو استخراج النفط من المياه القريبة من شواطئ المحيطين الأطلنطي والباسفيكي، وعلى الرغم من أن الكونغرس الأمريكي وافق في سبتمبر 2008 على مشروع قانون في هذا الشأن بعد أن كان هذا الأمر محظوراً لمدة 26 سنة وفقاً لقانون أُقر في عام 1982. فإن هذا القانون لم ينه الحظر المفروض على كافة المناطق المتوقع استخراج النفط منها بكميات كبيرة مثل الساحل الشرقي لخليج المكسيك، حيث استمر في فرض الحظر على استخراج أنواع معينة من النفط في مناطق تحتوي على 800 مليار برميل ويمكنها أن تنتج أكثر من 40 ضعفاً من النفط الذي يُمكن أن يُستخرج من المناطق المحدودة على الشواطئ المحيطية.
ج- بالنسبة للمحور الخاص بالاعتماد على الطاقة المتجددة، فلا يخلو من عقبات أيضاً، منها أن التشريعات الخاصة بالطاقة في الولايات المتحدة لا تعزز استخدام الوقود البديل بشكل كاف بما يخفض من مستوى الاعتماد على النفط بشكل ملحوظ. بالإضافة إلى عامل التكلفة الذي تؤكد عليه بعض الدراسات الأمريكية. أما بالنسبة لتطوير الإيثانول، فتذهب تلك الدراسات إلى أنه لم يجلب سوى إنفاق مليارات الدولارات من دافعي الضرائب وتسبب في رفع أسعار الغذاء من جانب آخر بسبب زيادة واردات الغذاء الأمريكية بعد قرار زيادة إنتاج الإيثانول إلى نحو 9 مليارات جالون في عام 2008.
د- يضاف إلى ما سبق عامل مهم آخر يتعلق بضغوط الأزمة المالية العالمية، فقد قفز عجز الموازنة الأمريكية إلى 1.4 تريليون دولار في أغسطس 2009، والذي يُتوقع أن يرتفع إلى 9 تريليونات دولار خلال عقد من الزمن، ما يشكل أكثر من مجموع كل حالات العجز السابقة منذ تأسيس الولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك نحو 11.4 تريليون دولار من الدين الوطني، فضلاً عن 55 تريليون دولار من الالتزامات غير الممولة لبرامج مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والطبية، وما يناهز 14 تريليون دولار التزامات أخرى تتعلق بخطط الإنقاذ الاقتصادي التي يتبناها مجلس (بنك) الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، منها 3.7 تريليون دولار تم إنفاقها بالفعل. ومعروف أن المشاريع العملاقة لتطوير طاقة بديلة ستكون أكثر تكلفة بكثير من تكلفة استخراج برميل نفط في الشرق الأوسط، ما يحمل على التساؤل حول قدرة أوباما على تنفيذ مثل الخطط في ظل ضغوط الأزمة المالية المشار إليها.
ونخلص مما سبق، إلى أن أوباما طرح سياسات جريئة للغاية في ما يتعلق بخطته نحو ما سماه استقلال الطاقة الأمريكية، لدرجة أن بعض المراقبين والمحللين الأمريكيين وصفوا هذه السياسات بأنها طموحة أكثر من اللازم، والبعض الآخر رأى أن أوباما وقع في (خطر الإفراط في الوعود التي لا تتواءم مع معطيات الواقع الحالي ولا حتى مع أكثر السيناريوهات المستقبلية تفاؤلاً). وربما تذكرنا وعود أوباما هذه بما قاله الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن في أحد خطاباته عندما وعد بأن إدارته ستعمل خلال عشر سنوات على تطوير مصادر أخرى من النفط في العالم خارج الشرق الأوسط. وهي وعود كررها قبله بعض الرؤساء الديمقراطيين، لكنها لم تلق طريقها إلى التطبيق.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3165::/cck::
::introtext::
مثّلت قضية الطاقة واحدة من أهم القضايا التي احتلت أولوية كبيرة في سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما منذ توليه الحكم في يناير 2009، بل كانت واحدة من أهم القضايا التي شهدت جدلاً كبيراً بين مرشحي انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة.
::/introtext::
::fulltext::
مثّلت قضية الطاقة واحدة من أهم القضايا التي احتلت أولوية كبيرة في سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما منذ توليه الحكم في يناير 2009، بل كانت واحدة من أهم القضايا التي شهدت جدلاً كبيراً بين مرشحي انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة.
أعلن باراك أوباما عن خطة جديدة شاملة لمعالجة مشكلة الطاقة، دارت في معظمها حول استقلال الطاقة الأمريكية والتقليل ومن ثم الاستغناء عن النفط الخارجي من دول منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، وذلك بهدف الوصول إلى (الاستقلال النفطي)، الذي اعتبره أوباما (واحداً من أكبر التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة)، وعبَّر عن مدى إدراكه لخطورة هذا التحدي قائلاً (إنه يشكل تهديداً لأمننا وتفوقنا واقتصادنا).
وعلى الرغم من أنه لم تمر فترة كبيرة على تولي باراك أوباما يمكن في ضوئها الحكم على مدى تطبيق هذه الخطة والالتزام بها، إلا أن ملامح هذه الخطة تثير تساؤلات كثيرة لدى المراقبين بشأن مدى إمكانية أن تستغني الولايات المتحدة بالفعل عن نفط الخليج، كما أنها –أي الخطة- تظل قابلة للتقييم خلال الأمد المنظور لا سيما أنها تتضمن خططاً ذات آماد متوسطة وطويلة المدى تصل إلى عام 2030م.
ومن ثم، يستهدف هذا المقال تقييم مدى واقعية أن تستغني الولايات المتحدة بالفعل في ظل حكم أوباما عن نفط منطقة الخليج، وذلك من خلال ثلاثة عناصر رئيسية، الأول: يتناول موقع نفط الخليج في الاستراتيجية الأمريكية بوجه عام. والثاني: يلقي الضوء على الملامح الرئيسية لخطة باراك أوباما بشأن تحقيق (الاستقلال النفطي). والثالث: يناقش مدى واقعية هذه الخطة من خلال رؤية تقييمية لها.
أولاً: نفط الخليج في الاستراتيجية الأمريكية
ظل ضمان تدفق الإمدادات النفطية بحرية تامة من منطقة الخليج من أهم أسس السياسة الخارجية الأمريكية طوال العقود الخمسة الماضية. وقد أكد كل الرؤساء الأمريكيين منذ الحرب العالمية الثانية حتى الرئيس السابق بوش الابن أن سياسة الولايات المتحدة لن تسمح بأن تقع الموارد النفطية في منطقة الخليج في أيدي قوة معادية لها، وقد شهدت منطقة الخليج عملين عسكريين أمريكيين كبيرين ضد العراق كان دوافعهما دعم هذه السياسة. كما تمت الإطاحة بمحمد مصدق رئيس الوزراء الإيراني عام 1953 لأسباب كان منها خططه لتأميم صناعة النفط الإيرانية. بل إن التزام الشاه محمد رضا بهلوي التام بتدفق النفط الإيراني بحرية تامة شكّل أحد أسس عقيدة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون . كما أن الرئيس جيمي كارتر في آخر خطاب له حول حالة الاتحاد قال (إن أي محاولة تقوم بها قوة للسيطرة على منطقة الخليج سينظر إليها بوصفها اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صد هذا الاعتداء بكل الوسائل الضرورية بما في ذلك القوة العسكرية).
وقد كرّرت إدارة الرئيس رونالد ريغان الشيء ذاته ونشرت قواعد عسكرية في المملكة العربية السعودية. وفي عام 1990 وبعد أن احتل النظام العراقي السابق دولة الكويت، قال وزير الدفاع الأمريكي حينذاك ديك تشيني (إننا هناك في ضوء حقيقة أن جزءاً من العالم يسيطر على إمدادات النفط العالمية، ومن يسيطر على إمدادات النفط يمكنه أن يفرض قبضة خانقة على الاقتصاد الأمريكي). ولو لم تكن هذه الأسباب جزءاً رئيسياً من الأسباب الدافعة إلى احتلال العراق عام 2003، لكانت تلك هي المرة الأولى منذ خمسين عاماً التي لا يصبح فيها تدفق النفط بحرية أمراً محورياً في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج.
ثانياً: ملامح سياسة أوباما بشأن (الاستقلال النفطي)
قامت خطة أوباما بشأن تحقيق ما سماه الاستقلال النفطي على عنصرين رئيسيين، يتمثل أولهما في تأمين كمية كبيرة من النفط والغاز محلياً. ويتمثل ثانيهما في زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة من خلال خطط متوسطة وطويلة الأمد، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:
أ- تأمين كمية أكبر من النفط والغاز محلياً: تقوم خطة أوباما في جانب منها على تأمين كمية من النفط أكبر من التي تستوردها حالياً من الشرق الأوسط وفنزويلا معاً، وذلك خلال عشرة أعوام. ولتحقيق هذا الهدف، تضمنت خطة أوباما آليات عديدة منها: التوسع في منتجات الطاقة محلياً من خلال الحفر في المناطق التي فيها مخزون استراتيجي وغير المستغلة. وتبدأ الخطة بـ 68 مليون فدان في المرحلة الأولى، ويأتي ذلك في إطار التوجه الديمقراطي الذي يرى أن الحفر سيقلل من الاعتماد الأمريكي على الخارج إلى أكثر من الثلث عن طريق مضاعفة الإنتاج الأمريكي من النفط وزيادة إنتاج الغاز الطبيعي بنسبة 75 في المائة.
هذا بالإضافة إلى محاولات لرفع الإنتاج الأمريكي من النفط والغاز بما لا يتطلب فتح المناطق المحمية حالياً، ومن هذه الطرق، مطالبة شركات النفط بتطوير المناطق التي تستأجرها للتنقيب فيها أو تركها لشركات أخرى، ومعالجة بعض أوجه النقص أو العراقيل التي تؤخر التنقيب في بعض المناطق كما في مونتانا ونورث داكوتا (حيث من المقدر وجود 4 مليارات برميل من النقط).
إضافة إلى إعطاء الأولوية لتشييد خطة أنابيب آلاسكا للغاز الطبيعي الذي خُصص له 18 مليار دولار كضمانات قروض وتصل قدرته إلى 4 مليارات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً، وإنتاج المزيد من حقول النفط الموجودة، حيث يعتقد الخبراء أن هناك نحو 85 مليار برميل نفط يمكن الاستفادة بها من الحقول الأمريكية.
ب- تطوير الاعتماد على الطاقة المتجددة: تقوم خطة أوباما في جانب آخر منها على تطوير الاعتماد على الطاقة المتجددة، بحيث تسهم بنسبة 10 في المائة من الكهرباء في الولايات المتحدة بحلول عام 2012 وبنسبة 25 في المائة بحلول 2025م. بالإضافة إلى التوجه نحو الوقود الحيوي بحيث تنتج الولايات المتحدة بحلول عام 2030، 60 مليون جالون من الوقود الحيوي المتقدم كـ (إيثانول السليلوز). وكذلك الاستثمار في السيارات المهجنة برأسمال يقدر بنحو 150 مليار دولار خلال عشرة أعوام، والشراكة مع مصنعي السيارات المحليين من خلال منحهم 4 مليارات دولار على شكل ائتمانات ضريبية وضمانات قروض، كي تكون السيارات الجديدة مرنة الوقود، وذلك بنهاية فترة ولاية أوباما الأولى. بالإضافة إلى جعل المراكز التصنيعية الأمريكية رائدة للتكنولوجيا النظيفة من خلال تأسيس برنامج استثماري اتحادي للمساعدة على تحديث المراكز الصناعية ومساعدة الأمريكيين على تعلم مهارات جديدة لإنتاج (منتجات خضراء).
أما في ما يتعلق بالطاقة النووية، -وفي حين كان منافسه جون ماكين يدعم بناء 45 مفاعلاً جديداً لإنتاج الطاقة بحلول عام 2030م وذلك ضمن خطته لإنتاج مئات المفاعلات الجديدة- فإن أوباما دعم الطاقة النووية، لكنه تحدث عنها بحذر ولم يعلن عن نيته بناء مفاعلات جديدة حتى يتم التوصل إلى حلول بشأن أمن تلك المنشآت وتخزين المخلفات النووية.
ثالثاً: رؤية تقييمية.. مدى واقعية خطة أوباما
تتضمن خطة أوباما عنصرين على قدر كبير من الأهمية لتحقيق ما سماه الاستقلال النفطي من خلال تقديرات وآماد محددة زمنياً، إلا أنها تتضمن في الوقت ذاته طموحات وآمال ربما تساهم على أقصى تقدير –إذا طبقت فعلاً- في تقليل جزء معقول من الاعتماد الأمريكي الخارجي على نفط الخليج، لكنها لن تكون قادرة على إنهاء هذا الاعتماد أو تقليله بشكل ملحوظ. وفي سياق التدليل على ذلك، يمكن الإشارة إلى الملاحظات التالية:
أ- على الرغم من أن نفط دول الخليج يمثل حوالي 5 في المائة من الاستيراد الأمريكي من النفط، إلا نفط الخليج سيظل مصدراً استراتيجياً مستقبلياً للطاقة بالنسبة للولايات المتحدة في ضوء اعتبارين رئيسيين: الأول: إن الولايات المتحدة تعاني من اعتمادها الخارجي بشكل كبير في الحصول على موارد الطاقة من النفط. فحسب إحصائيات إدارة الطاقة الأمريكية والتقرير الإحصائي السنوي لشركة (بريتش بتروليوم)، فإن الولايات المتحدة تعاني فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك تقدر بأكثر من 50 في المائة. والثاني: إن دول الخليج العربية تمتلك أكبر نسبة احتياطيات من النفط في العالم، ويتوقع الخبراء أن تظل منطقة الخليج العربي المصدر الرئيسي للنفط والغاز لعقود مقبلة، حتى إن رئيس المعهد الفرنسي للنفط اوليفييه ابير قال إن النفط العربي سيبقى المصدر الأساسي للطاقة لمدة مائة سنة، وأن النقطة الأخيرة منه ستأتي من الشرق الأوسط، وبالأخص من السعودية. وينطبق الأمر ذاته على الغاز الطبيعي، فحتى أشد المؤيدين لإعطاء الغاز الطبيعي دوراً رئيسياً في تلبية احتياجات الولايات المتحدة من الطاقة، يرون أن هذا الأمر قد يعمل على الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لكنه لن يغير من وضع الولايات المتحدة في ما يتعلق بالطاقة، لأن 70 في المائة من احتياطي الغاز الطبيعي يقع في دول منطقة الخليج أو الشرق الأوسط عموماً.
بل إن بعض الدراسات الأمريكية خلصت إلى أنه من السهل إدراك أن الولايات المتحدة بامتلاكها 2.4 في المائة فقط من الاحتياطي العالمي من النفط (29 مليار برميل) وكونها تشكل 25 في المائة من الاستهلاك العالمي، فلابد لها أن تعتمد على واردات النفط الخارجية بشكل أساسي وخاصة من دول منطقة الخليج. وترى بعض هذه الدراسات أنه حتى مع افتراض أن احتياطي النفط في المكسيك وكندا سيتم تخصيصه للولايات المتحدة، فإنها ستظل تعتمد على واردات النفط من دول هذه المنطقة.
ب- إذا ما انتقلنا إلى المحور الخاص بزيادة إنتاج الولايات المتحدة من النفط عن طريق الحفر والتنقيب – كما جاء في خطة أوباما – فإن الخيارات المتاحة في هذا الصدد تتمثل في: حفر المنطقة الشمالية القطبية، أو منطقة رمال القطران أو استخراج النفط من المياه القريبة من شواطئ المحيطين الأطلنطي والباسفيكي، وهذه الخيارات الثلاثة لا تخلو من عقبات ومشكلات عدة.
فبالنسبة للخيار الأول وهو حفر المنطقة الشمالية القطبية، ترى وكالة معلومات الطاقة الأمريكية أنه بافتراض تم تنفيذ هذا المشروع، فإن الإنتاج سيبدأ بحلول عام 2015 وسيصل إلى ذروته بحيث يكون 780 ألف برميل يومياً بحلول 2024م، وستنخفض طاقة الإنتاجية إلى 650 ألف برميل يومياً بحلول عام 2030م، ومن ثم لن يعني هذا المشروع الكثير بالنسبة لتعزيز الإنتاج الداخلي. أما بالنسبة للخيار الثاني، وهو الدور المحتمل الذي قد تلعبه (رمال القطران)، فتعد مصدراً باهظ الثمن غير نظيف للحصول على النفط، كما تُثار بشأنه انتقادات لاذعة وهجمات قوية من خبراء البيئة. وعلاوة على ذلك، فإنه تحت أفضل التقديرات ليس بمقدور النفط المستخلص من (رمال القطران) أن يعمل أكثر من مجرد تغطية النمو المتوقع في الطلب على النفط على امتداد السنوات العديدة المقبلة، ولن تكون كافية لتغيير وضع الولايات المتحدة بالنسبة للطاقة بما ينقلها إلى مرحلة يقل فيها الاعتماد على النفط الخارجي.
أما بالنسبة للخيار الثالث وهو استخراج النفط من المياه القريبة من شواطئ المحيطين الأطلنطي والباسفيكي، وعلى الرغم من أن الكونغرس الأمريكي وافق في سبتمبر 2008 على مشروع قانون في هذا الشأن بعد أن كان هذا الأمر محظوراً لمدة 26 سنة وفقاً لقانون أُقر في عام 1982. فإن هذا القانون لم ينه الحظر المفروض على كافة المناطق المتوقع استخراج النفط منها بكميات كبيرة مثل الساحل الشرقي لخليج المكسيك، حيث استمر في فرض الحظر على استخراج أنواع معينة من النفط في مناطق تحتوي على 800 مليار برميل ويمكنها أن تنتج أكثر من 40 ضعفاً من النفط الذي يُمكن أن يُستخرج من المناطق المحدودة على الشواطئ المحيطية.
ج- بالنسبة للمحور الخاص بالاعتماد على الطاقة المتجددة، فلا يخلو من عقبات أيضاً، منها أن التشريعات الخاصة بالطاقة في الولايات المتحدة لا تعزز استخدام الوقود البديل بشكل كاف بما يخفض من مستوى الاعتماد على النفط بشكل ملحوظ. بالإضافة إلى عامل التكلفة الذي تؤكد عليه بعض الدراسات الأمريكية. أما بالنسبة لتطوير الإيثانول، فتذهب تلك الدراسات إلى أنه لم يجلب سوى إنفاق مليارات الدولارات من دافعي الضرائب وتسبب في رفع أسعار الغذاء من جانب آخر بسبب زيادة واردات الغذاء الأمريكية بعد قرار زيادة إنتاج الإيثانول إلى نحو 9 مليارات جالون في عام 2008.
د- يضاف إلى ما سبق عامل مهم آخر يتعلق بضغوط الأزمة المالية العالمية، فقد قفز عجز الموازنة الأمريكية إلى 1.4 تريليون دولار في أغسطس 2009، والذي يُتوقع أن يرتفع إلى 9 تريليونات دولار خلال عقد من الزمن، ما يشكل أكثر من مجموع كل حالات العجز السابقة منذ تأسيس الولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك نحو 11.4 تريليون دولار من الدين الوطني، فضلاً عن 55 تريليون دولار من الالتزامات غير الممولة لبرامج مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والطبية، وما يناهز 14 تريليون دولار التزامات أخرى تتعلق بخطط الإنقاذ الاقتصادي التي يتبناها مجلس (بنك) الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، منها 3.7 تريليون دولار تم إنفاقها بالفعل. ومعروف أن المشاريع العملاقة لتطوير طاقة بديلة ستكون أكثر تكلفة بكثير من تكلفة استخراج برميل نفط في الشرق الأوسط، ما يحمل على التساؤل حول قدرة أوباما على تنفيذ مثل الخطط في ظل ضغوط الأزمة المالية المشار إليها.
ونخلص مما سبق، إلى أن أوباما طرح سياسات جريئة للغاية في ما يتعلق بخطته نحو ما سماه استقلال الطاقة الأمريكية، لدرجة أن بعض المراقبين والمحللين الأمريكيين وصفوا هذه السياسات بأنها طموحة أكثر من اللازم، والبعض الآخر رأى أن أوباما وقع في (خطر الإفراط في الوعود التي لا تتواءم مع معطيات الواقع الحالي ولا حتى مع أكثر السيناريوهات المستقبلية تفاؤلاً). وربما تذكرنا وعود أوباما هذه بما قاله الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن في أحد خطاباته عندما وعد بأن إدارته ستعمل خلال عشر سنوات على تطوير مصادر أخرى من النفط في العالم خارج الشرق الأوسط. وهي وعود كررها قبله بعض الرؤساء الديمقراطيين، لكنها لم تلق طريقها إلى التطبيق.
::/fulltext::
::cck::3165::/cck::
