هيكلية الانتقال إلى الطاقة المتجددة في دول مجلس التعاون
::cck::3170::/cck::
::introtext::
الضجة التي رافقت التصريحات العديدة المتعلقة بالمبادرات حول الطاقة المتجددة تجعل من الصعب التركيز على الشروط المطلوبة لترجمة تلك المبادرات إلى تكنولوجيات مستعملة ومتجذرة. إذ إن هذا التركيز أساسي، خاصة في إطار الاقتصادات الناشئة ومن ضمنها تلك التي تعتمد اعتماداً كبيراً على موارد الطاقة التقليدية كمصدر رئيسي للناتج المحلي الإجمالي – وهي دول مجلس التعاون.
::/introtext::
::fulltext::
الضجة التي رافقت التصريحات العديدة المتعلقة بالمبادرات حول الطاقة المتجددة تجعل من الصعب التركيز على الشروط المطلوبة لترجمة تلك المبادرات إلى تكنولوجيات مستعملة ومتجذرة. إذ إن هذا التركيز أساسي، خاصة في إطار الاقتصادات الناشئة ومن ضمنها تلك التي تعتمد اعتماداً كبيراً على موارد الطاقة التقليدية كمصدر رئيسي للناتج المحلي الإجمالي – وهي دول مجلس التعاون.
تسعى الحكومات حول العالم إلى تطوير مصادر الطاقة المتجددة كطريقة لتقليص اعتمادها على المصادر التقليدية للطاقة. فالنضوب التدريجي، والنقص المتكرر وموجات ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري بالإضافة إلى التأثير السلبي لاستخدامه في البيئة تحفز ردوداً اقتصادية وسياسية واجتماعية لتنويع موارد الطاقة وتقليص اعتماد الحكومات على الدول الرائدة في إنتاج النفط والتغلب في النهاية على تحديات التنمية المستدامة المحلية والعالمية.
كل هذه الحقائق تدعو إلى تبني مصادر الطاقة المتجددة، وتدفع باستمرار بالإبداع التكنولوجي الذي يركز على التطوير المحلي والاستخدام الفعّال لها. كما يساعد ذلك الحكومات على وضع استراتيجيات تسخر عملية الانتقال التدريجي لتغيير أسواق الطاقة المحلية (الداخلية)، مُنشئة بذلك صناعات وفرص عمل ومنتجات وعمليات تنظيمية جديدة حول مفهوم الطاقة الطبيعية المحلية (indigenous energy).
وبمراجعة نمو الصناعة الكهربائية الهوائية في أوروبا، تذكر منظمة طاقة الرياح الأوروبية أنه بَدءاً من عام 2008 بلغ مجموع سعة طاقة الرياح العاملة 65933 ميغا واط في الاتحاد الأوروبي والدول المرشحة للانضمام إليه. وتعادل هذه السعة تقريباً 2.6 للسعة الكلية في الولايات المتحدة الأمريكية. وبشكل أعمّ، تشكل موارد الطاقة المتجددة في النرويج ولاتفيا والسويد 45 في المائة و36 في المائة و28 في المائة من كامل مصادر الطاقة المختلفة، على التوالي.
تطبيق تكنولوجيا موارد الطاقة المتجددة في ألمانيا
يُعَدّ تاريخ تطوير موارد الطاقة المتجددة في ألمانيا مفيداً بكافة المقاييس. فقد تم نشر تكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة في ألمانيا منذ عام 1990 وبشكل واسع كنتيجة لسياسات الطاقة المتبناة من قِبَل الحكومة الألمانية والاتحاد الأوروبي. وقد ساعد وضع أهداف ملموسة لنشر هذه التكنولوجيات، بالإضافة إلى محفزات كالمعونات المالية الحكومية لمنتجي الكهرباء المتجددة، على دفع النمو السريع لطاقات الرياح والطاقة الشمسية وبشكل متزايد إلى توسيع دائرة انتشار أجهزة الكتلة الحيوية والخلايا الضوئية. وعلى سبيل المثال، فقد ازدادت القدرة الإنتاجية للمنشآت الهوائية بمعدل يفوق 2000 في المائة منذ عام 1990، والكتلة الحيوية بمعدل يفوق 500 في المائة، أمّا تركيب الخلايا الضوئية الشمسية فقد زاد بمعدل يفوق 15000 في المائة. وقد ارتفعت سعة توليد الكهرباء عن طريق مصادر الطاقة المتجددة بعد تبني قانون تمويل الطاقة المتجددة في ديسمبر 1990، وتزايدت بسرعة أكبر بعد قانون التعرفة الخاص بهذه الطاقة ، الذي تم تطبيقه في إبريل 2000. تلك الإجراءات السياسية هي جزء من استراتيجية ألمانية طويلة المدى لتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة والتأثيرات البيئية الأخرى لاستخدام الطاقة بشكل عام. إذ في عام 2002 وحده، بلغت كمية الانبعاثات التي تم تجنبها باستخدام تكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة لإنتاج الطاقة الكهربائية 36 مليون طن تقريباً أو ما يعادل 10 في المائة من الانبعاثات الكلية لغاز ثنائي أوكسيد الكربون المتعلقة بإنتاج الكهرباء في هذا البلد.
لقد حدث الانتعاش الأضخم لمصادر الطاقة المتجددة في ألمانيا على الرغم من أن الخط الأساسي لعام 1990 لتكنولوجيات موارد الطاقة المتجددة كان منخفضاً، لكن سياسات التركيز على السوق كانت ناجحة في نقل التكنولوجيات الموجودة آنذاك إلى هذا الأخير. وبشكل متزايد، فقد قامت الحكومات في ألمانيا بصرف تركيزها عن برامج البحث الأساسي والتطبيقي منذ أوائل فترة التسعينات إلى تخصيص المزيد من الموارد لبرامج التحفيز على الاستعمال والنشر. هذا المنهج المرتكز على التطبيق والنشر أثمر عن تجذّر تكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة في ألمانيا مع انتشار تجاري لتلك التي كانت موجودة آنذاك ونمو سريع للصناعات المتصلة بها.
وترافق هذا الانتشار المتسارع مع انخفاض حاد في الاستثمار في مجال الأبحاث والتطوير للطاقة من قِبَل الحكومة الألمانية. وفي بعض الحالات، تطلّب تبني سياسات الاستعمال والنشر تنازلات ضمنية كبيرة في تمويل البحث والتطوير للطاقة المتجددة. فعلى سبيل المثال، تجمد تمويل برامج البحث حول طاقة الرياح والطاقة الشمسية أو تراجع قليلاً في بعض الحالات، بينما ازداد تمويل برامج النشر في كِلا المجاليْن بشكل حاد. وبالتحديد، يتناغم التراجع في دعم البحث والتطوير للخلايا الضوئية الشمسية والكتلة العضوية مع الإجراءات السياسية العديدة التي تم تبنّيها للإسراع في اعتماد التكنولوجيات المتاحة.
وعلى الرغم من أن الحكومة الألمانية قامت باستثمار أكثر من 3.5 مليار يورو في مجال البحث والتطوير لمصادر الطاقة المتجددة بين عامي (1990-2005)، إلا أنّ التركيز الأساسي على نشاطات النشر والتطبيق للتكنولوجيا هو عامل النجاح الأساسي في برنامج مصادر الطاقة المتجددة في ألمانيا.
وضع دول مجلس التعاون الخليجي
ما هي الدروس المفيدة بالنسبة إلى دول الخليج التي يمكن تعلمها من الواقع الألماني؟ يمكن البَدء هنا باستكشاف المبادرات الماضية المتعلقة بمصادر الطاقة المتجددة في المنطقة، وخاصة برامج البحث والتطوير التي سبق تنفيذها في المملكة العربية السعودية.
إذ بالإضافة إلى المخاوف المشتركة عالمياً والتي تتعلق بالتزود بالطاقة ، والمخاوف البيئية المتنامية، فإنّ دول مجلس التعاون تواجه مجموعة تحديات خاصة بها. فالجفاف والنمو السكاني والطلب المتزايد على الطاقة والكهرباء تحديداً والاستخدام غير الفعّال للموارد تضع ضغطاً إضافياًً على احتياطي المنطقة من الوقود الأحفوري، وتشكل عبئاً مالياً متزايداً على الحكومات.
وعلى الرغم من كل تلك العوامل، ومع الاهتمام السابق والتمويل الضخم الذي خصِّص لبرامج الأبحاث حول مصادر الطاقة المتجددة منذ السبعينات، فما زال هناك قصور في حسن استغلال هذا المجال اجتماعياً واقتصادياً لما تمتلكه المنطقة من إمكانات لهذه المصادر. وبالفعل، فقد تم التعبير عن الاهتمام بتطوير مصادر الطاقة المتجددة في بعض دول مجلس التعاون منذ منتصف السبعينات، لكن انعدام التأثير لتجربة المنطقة السابقة في هذا المجال على الأسواق يُعَدّ مُربكاً بشكل خاص. مع ذلك، فيمكن أن يساعد هذا الماضي على تقييم الاهتمام – والاستثمارات – الحالية في مجال مصادر الطاقة المتجددة التي عبّرت عنها بعض المؤسسات الخليجية.
لقد تم تطبيق برامج بحثية ومشاريع نموذجية في منطقة الخليج التي قامت بدراسة الإمكانية التنفيذية من الناحية التقنية والاقتصادية لبعض التكنولوجيات. واشتملت معظم تلك البرامج على تعاون دولي مع مؤسسات بحثية وصناعية وأطلقت مزيداً من البحث والتطوير في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا وعدة جامعات أخرى في المملكة العربية السعودية، وفي معهد الكويت للأبحاث العلمية، وفي جامعة البحرين، وتلك فقط بعضها.
وركزت التطبيقات على توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية الموصولة بالشبكة، بالإضافة إلى استخدام لا مركزي خاص بالمناطق النائية، ومراكز تحلية مياه مختلفة المقاييس تُدار بالطاقة الشمسية (حرارية وغيرها)، وأنظمة تبريد وتدفئة بالطاقة الشمسية، والإنتاج الشمسي للهيدروجين كحامل للطاقة. وتم أيضاً بحث تكنولوجيات طاقة الرياح وقد برز استخدام أنظمة إنتاج كهرباء هجينة تعمل على طاقة الرياح والديزل بدلاً من الطاقة المنتجة بالوقود كخيار مشجع للعديد من التطبيقات.
وساعدت برامج تقييم الإشعاع الشمسي وطاقة الرياح مؤسسات دول مجلس التعاون على الحصول على خبرة قيمة في مجالات استعمال الأجهزة والمعايرة وجمع البيانات والرصد والتحليل. وبشكل مشابه، تم إحراز بعض التقدم في استخدام مُعدَّات الطاقة الشمسية من خلال اختبار مدى أهلية الخلايا الضوئية الأولى أو الأطباق الحرارية الشمسية تحت الظروف الجوية المحلية. وأكثر الأمثلة تميزاً هو المدينة الشمسية في الشمال الغربي من الرياض، وبلغت التكلفة الكلية لهذا المشروع 100 مليون دولار.
وكان أحد أهم اهتمامات المملكة العربية السعودية ضمن برنامج التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية أنظمة تحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية، إذ تم بناء منشأة نموذجية في المنطقة الساحلية في ينبع في منتصف الثمانينات لتجريب أول وأكبر محطة تحلية مياه بحر تعمل بالطاقة الشمسية في العالم. واشتركت في هذا المشروع العديد من الشركات الأجنبية، وبلغت التكلفة الكلية لهذا المشروع 45.3 مليون دولار. غير أن هذه المنشأة كانت غير قابلة للاستثمار الرابح أو التطبيق من الناحية الفنية وقد تم إغلاق المنشأة في ينبع عام 1989، ولم تستطع التكنولوجيا المجرَّبة فيه أن تُثبِت نفسها كتقنية تحلية ناجعة وتجارية.
وتظهر التقديرات أنه بين منتصف السبعينات ومنتصف التسعينات، تم استثمار 200 مليون دولار على الأقل في برامج بحث وتطوير دولية مشتركة حول مصادر الطاقة المتجددة في المملكة العربية السعودية. وتلك كانت بشكل رئيسي مشاريع بحث أساسية تم تطبيقها بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا. فهل استطاعت تلك البرامج أن تحدث ترويجاً مشتركاً بين الباحثين والصناعيين السعوديين لأي إبداعات تكنولوجية متعلقة بمصادر الطاقة المتجددة أو أن تخلق بيئة تكنولوجية متينة؟ الجواب لا.
بل على العكس، تلك البرامج ركزت فقط على بحث وتجريب مبادئ علمية جديدة تحتاج في العادة إلى بيئة نظامية موجودة ومزودة بالعلوم والتكنولوجيا والإبداع وسياسات بحثية طويلة المدى للخروج بمنتجات متكيفة مع الحاجات والعوائق المحلية. ومثل تلك البرامج ببساطة كانت – ولا تزال – غير موجودة في المنطقة. ولذلك لا تأتي كمفاجأة أن جهود البحث والتطوير تلك لم تستطع إنتاج أية براءات اختراع أو نتائج علمية رئيسية. قد تكون نشاطات العمليات والصيانة والأداء وفرت مناهج جديدة، أو حلول تصنيعية أو ساعدت على تصميم معدات قابلة للتسويق، لكن تلك الفوائد بقيت محدودة فقط بالمزوِّدين الرئيسين للتكنولوجيا و/أو الصناعات الأجنبية التي قامت بعملية تركيبها أو دمجها، وهذا يبين مدى القصور التكنولوجي لمثل تلك النشاطات في السياق السعودي آنذاك.
وبشكل عام، لم يتم نقل المعرفة العلمية التي تم اكتسابها في بعض المختبرات السعودية – أو في دول مجلس التعاون الأخرى – إلى قطاع الصناعة المحلي. مثل هذا النقل كان من الممكن له أن يخلق مشاركة القطاع الخاص المحلي في التطوير والصناعة واستخدام أجهزة تكنولوجيا الطاقات الهوائية والشمسية. ولسوء الحظ، لم تلعب برامج البحث والتطوير آنفة الذكر أي دور في تسريع نمو مجال مصادر الطاقة المتجددة في المنطقة، ولم تساعد على تأسيس قاعدة تكنولوجية محلية. كما أنها لم تحظ باستمرارية سياسية واقتصادية تؤدي إلى تنفيذ واسع النطاق حتى تكسب هكذا رسوخ في النظام الاجتماعي – التقني، وتأثر في سوق الطاقة المحلي، خالقة بذلك مهارات وفرص عمل جديدة للسكان المحليين. وهكذا لم يتم توطيد تكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة، على الرغم من الاستثمارات والاهتمامات الأولى والإمكانات الجغرافية الضخمة التي تتمتع بها دول مجلس التعاون.
إن غياب الاستراتيجيات الوطنية لتطوير مصادر الطاقة المتجددة يعكس عدم وجود منظور اجتماعي-اقتصادي وراء برامج البحث والتطوير الأولى في الخليج. وهذا ما أضاف إلى العقبات الموجودة حالياً على طريق تطبيق ونشر تكنولوجيات الطاقة المتجددة. وبالفعل إن غياب الأهداف الوطنية والهيكليات القانونية لتعزيز وترويج هذه التكنولوجيات (مواضيع تتعلق بصياغة قوانين وسياسات)، وعدم توافر المعونات المالية أو الاتفاقات لتوليد الكهرباء بالطاقة المتجددة (مواضيع تتعلق بالتعرفة)، وعدم نشر واستخدام المعلومات التي يتم جمعها داخل المختبرات، ضعف الوعي المعرفة ومهارات التسويق المناسبة (مواضيع تتعلق بتكنولوجيا السوق) كلها حواجز حقيقية في وجه الانتقال إلى سوق مصادر الطاقة المتجددة في دول مجلس التعاون.
في السنوات الأخيرة المنصرمة، جددت أسعار الوقود الأحفوري المرتفعة والوعي بمخاطر التغير المناخي الاهتمام العالمي بتكنولوجيات الطاقة المتجددة. لكن كيف لنا أن نضمن أنّ الاهتمام المتجدد لدول الخليج بمصادر الطاقة المتجددة سيُترجم هذه المرة إلى نقل تكنولوجيا حقيقي؟
بالتحديد، تواجه اقتصادات الخليج المزدهرة احتياجات طاقة متزايدة بسبب التعداد السكاني المتزايد وازدياد استهلاك الكهرباء للفرد، ذلك وبالإضافة إلى الحركة الصناعية والحاجة الحيوية للطاقة المستعملة لتحلية المياه، تضع تلك الاحتياجات وتأثيرات النمو والتطور تحديات خطيرة في وجه الاستدامة لموارد دول مجلس التعاون. إذ يعتمد توليد الكهرباء في كل دول مجلس التعاون على النفط والغاز الطبيعي مما يستهلك احتياطي الوقود الأحفوري، ويؤثر في نضوبه كما يساهم في ارتفاع بصمة الكربون لدول مجلس التعاون التي بلغت أعلى معدلاتها عالمياً. ومن الواضح أن نماذج الاستهلاك تلك تحتاج لأن تدرس من قبل الحكومات المحلية من منظور أمن الطاقة، وتوفير القدرة على توليد الطاقة، ودوام التطور الاجتماعي والاقتصادي وتقليل الآثار السلبية على البيئة.
وللتخفيف من حدة التغير المناخي الناجم عن حرق الوقود الأحفوري، ومن أجل استخدام مربح أكثر لذاك الأخير، من الممكن أن يتم السعي وراء موارد بديلة لإنتاج الكهرباء. فالطاقة النووية – كحل ممكن من الناحية التكنولوجية لتوليد الكهرباء – هي أحد منافسي موارد الطاقة المتجددة كمورد بديل للطاقة لتقليل انبعاثات الكربون. لكن ذلك البديل ينطوي على مشكلات معالجة النفايات والسلامة والأمن، وهذه المشكلات غير موجودة في مجال الطاقة المتجددة. بالإضافة إلى ذلك، فإن موارد اليورانيوم محدودة.
وعلى الرغم من ذلك، وكما تم الشرح أعلاه، فإن نشاطات البحث والتطوير المنعزلة لا تمثل الحل الأسرع أو الأنجع اقتصادياً للاستفادة من إمكانات المنطقة في مجال تطوير مصادر الطاقة المتجددة. فالجهود الماضية لبناء تقنيات جديدة متعلقة بالطاقة المتجددة في دول مجلس التعاون لم تُؤتِ ثماراً، حيث إن تلك العملية لم تجذّر في اقتصادات دول مجلس التعاون. وكما تم الحديث عن ذلك بشكل مفصل سابقاً، فإن تبني منهج سياسات التطبيق والنشر، وتخفيض مطول في مصاريف البحث والتطوير، مكّن ألمانيا من الوصول الى مركز الصدارة في مجال الطاقة المتجددة. وبهذا يُفترض أن تطبيق ونشر تكنولوجيات الطاقة المتجددة المتاحة على المدى القصير، بالإضافة إلى التعلم بالممارسة والابتكار الصناعي الناجم عن الاستعمال والتطبيق، تشكل فرصة حقيقية لترسيخ وتجذر الدراية المتعلّقة بالطاقة المتجددة في أي نظام اجتماعي-تقني. ومثل تلك العملية قادرة بالفعل على إحداث تغيير ملموس في سوق الطاقة المحلي.
إن تكاليف موارد الطاقة المتجددة آخذة في التضاؤل بشكل ثابت بسبب تطور العديد من التكنولوجيات، وقد آن الأوان لتخصيص ميزانيات كافية لنشر تلك التكنولوجيات في المنطقة إذا كان القادة يرغبون في تقوية دور مصادر الطاقة المتجددة في مجمل زاد الطاقة فيها. وفي الواقع، من الممكن لأصحاب المصالح المختلفين، كالحكومات والصناعات ومراكز البحث والتطوير والمستهلكين أن يشكلوا شبكة للارتقاء بمستوى تطبيق ونشر موارد الطاقة المتجددة، وجعل تلك العملية فرصة حقيقية لنقل التكنولوجيا إلى المنطقة. ولكي يحصل كل ذلك، يجب على الاستراتيجيات أن تتوخى منهجاً شاملاً وأن تعتبر جوانب الاستخدام، والقوانين، والموارد المالية، والبحث والتطوير والتصنيع مقاييس أساسية لتطوير الطاقة المتجددة في المنطقة. إضافة إلى ذلك، يجب أن تبلور السياسات على مستويات مختلفة من المجتمع وذلك لإقناع الأشخاص والمنظمات بدعم ممارسات اكتساب المعرفة المتعلقة بالطاقة المتجددة وتدريب الأفراد على المهارات الفنية لها، والتأكيد على تكييف التكنولوجيات والمؤهلات لتأمين الحاجات المحلية.
لقد شهدنا مؤخراً تنفيذ بعض المشاريع المتعلقة بالطاقة المتجددة على غاية الأهمية، وذلك من القطاعيْن العام والخاص في الخليج. وبشكل واضح، تقوم بعض مؤسسات دول مجلس التعاون بتمويل أبحاث أساسية تتناول الجيل القادم من التكنولوجيات، بغرض التطبيق لاحقاً، أو الاستثمار في ممارسات تطبيق تكنولوجيات الطاقة المتجددة في أسواق الطاقة الأجنبية. والآمال المعلقة على مثل تلك المشاريع وغيرها مرتفعة بين المستثمرين، والصناعيين، والباحثين والمستخدمين النهائيين. ومع ذلك، وبناءً على ما تقدَّم، يجب على مديري المشاريع أن يفكروا ملياً وأن يطبقوا بعض المفاهيم الأساسية على أنشطتهم المتعلقة بالطاقة المتجددة:
1- هل ترتكز على مبدأ الطاقة الطبيعية المحلية لتطوير الأسواق الداخلية وتأمين احتياجاتها؟
2- هل ترتكز على تطبيق ونشر التكنولوجيات الموجودة حالياً قبل التركيز على البحث والتطوير لتكنولوجيات مستقبلية؟
3- هل هي مصممة لكي يتم دمجها وتجذّرها في الاقتصاد المحلي؟
وقد يساعد على ذلك التفكّر في المقولة التالية لميشال كوت: (يبدو أن اكتساب الأفكار التقنية عمل اجتماعي وفكري وثقافي وتعليمي بشكل أساسي، مع الحفاظ على صلة مباشرة وقوية مع المنتجات الصناعية وأسواقها الاقتصادية. إذ عندما تتوقف الأفكار التقنية – أو أي تكنولوجيا – على البعد التجريدي في مجتمع ما، فإنها ستأخذ دوماً شكل الأشياء والتصاميم والنماذج المستوردة).
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3170::/cck::
::introtext::
الضجة التي رافقت التصريحات العديدة المتعلقة بالمبادرات حول الطاقة المتجددة تجعل من الصعب التركيز على الشروط المطلوبة لترجمة تلك المبادرات إلى تكنولوجيات مستعملة ومتجذرة. إذ إن هذا التركيز أساسي، خاصة في إطار الاقتصادات الناشئة ومن ضمنها تلك التي تعتمد اعتماداً كبيراً على موارد الطاقة التقليدية كمصدر رئيسي للناتج المحلي الإجمالي – وهي دول مجلس التعاون.
::/introtext::
::fulltext::
الضجة التي رافقت التصريحات العديدة المتعلقة بالمبادرات حول الطاقة المتجددة تجعل من الصعب التركيز على الشروط المطلوبة لترجمة تلك المبادرات إلى تكنولوجيات مستعملة ومتجذرة. إذ إن هذا التركيز أساسي، خاصة في إطار الاقتصادات الناشئة ومن ضمنها تلك التي تعتمد اعتماداً كبيراً على موارد الطاقة التقليدية كمصدر رئيسي للناتج المحلي الإجمالي – وهي دول مجلس التعاون.
تسعى الحكومات حول العالم إلى تطوير مصادر الطاقة المتجددة كطريقة لتقليص اعتمادها على المصادر التقليدية للطاقة. فالنضوب التدريجي، والنقص المتكرر وموجات ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري بالإضافة إلى التأثير السلبي لاستخدامه في البيئة تحفز ردوداً اقتصادية وسياسية واجتماعية لتنويع موارد الطاقة وتقليص اعتماد الحكومات على الدول الرائدة في إنتاج النفط والتغلب في النهاية على تحديات التنمية المستدامة المحلية والعالمية.
كل هذه الحقائق تدعو إلى تبني مصادر الطاقة المتجددة، وتدفع باستمرار بالإبداع التكنولوجي الذي يركز على التطوير المحلي والاستخدام الفعّال لها. كما يساعد ذلك الحكومات على وضع استراتيجيات تسخر عملية الانتقال التدريجي لتغيير أسواق الطاقة المحلية (الداخلية)، مُنشئة بذلك صناعات وفرص عمل ومنتجات وعمليات تنظيمية جديدة حول مفهوم الطاقة الطبيعية المحلية (indigenous energy).
وبمراجعة نمو الصناعة الكهربائية الهوائية في أوروبا، تذكر منظمة طاقة الرياح الأوروبية أنه بَدءاً من عام 2008 بلغ مجموع سعة طاقة الرياح العاملة 65933 ميغا واط في الاتحاد الأوروبي والدول المرشحة للانضمام إليه. وتعادل هذه السعة تقريباً 2.6 للسعة الكلية في الولايات المتحدة الأمريكية. وبشكل أعمّ، تشكل موارد الطاقة المتجددة في النرويج ولاتفيا والسويد 45 في المائة و36 في المائة و28 في المائة من كامل مصادر الطاقة المختلفة، على التوالي.
تطبيق تكنولوجيا موارد الطاقة المتجددة في ألمانيا
يُعَدّ تاريخ تطوير موارد الطاقة المتجددة في ألمانيا مفيداً بكافة المقاييس. فقد تم نشر تكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة في ألمانيا منذ عام 1990 وبشكل واسع كنتيجة لسياسات الطاقة المتبناة من قِبَل الحكومة الألمانية والاتحاد الأوروبي. وقد ساعد وضع أهداف ملموسة لنشر هذه التكنولوجيات، بالإضافة إلى محفزات كالمعونات المالية الحكومية لمنتجي الكهرباء المتجددة، على دفع النمو السريع لطاقات الرياح والطاقة الشمسية وبشكل متزايد إلى توسيع دائرة انتشار أجهزة الكتلة الحيوية والخلايا الضوئية. وعلى سبيل المثال، فقد ازدادت القدرة الإنتاجية للمنشآت الهوائية بمعدل يفوق 2000 في المائة منذ عام 1990، والكتلة الحيوية بمعدل يفوق 500 في المائة، أمّا تركيب الخلايا الضوئية الشمسية فقد زاد بمعدل يفوق 15000 في المائة. وقد ارتفعت سعة توليد الكهرباء عن طريق مصادر الطاقة المتجددة بعد تبني قانون تمويل الطاقة المتجددة في ديسمبر 1990، وتزايدت بسرعة أكبر بعد قانون التعرفة الخاص بهذه الطاقة ، الذي تم تطبيقه في إبريل 2000. تلك الإجراءات السياسية هي جزء من استراتيجية ألمانية طويلة المدى لتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة والتأثيرات البيئية الأخرى لاستخدام الطاقة بشكل عام. إذ في عام 2002 وحده، بلغت كمية الانبعاثات التي تم تجنبها باستخدام تكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة لإنتاج الطاقة الكهربائية 36 مليون طن تقريباً أو ما يعادل 10 في المائة من الانبعاثات الكلية لغاز ثنائي أوكسيد الكربون المتعلقة بإنتاج الكهرباء في هذا البلد.
لقد حدث الانتعاش الأضخم لمصادر الطاقة المتجددة في ألمانيا على الرغم من أن الخط الأساسي لعام 1990 لتكنولوجيات موارد الطاقة المتجددة كان منخفضاً، لكن سياسات التركيز على السوق كانت ناجحة في نقل التكنولوجيات الموجودة آنذاك إلى هذا الأخير. وبشكل متزايد، فقد قامت الحكومات في ألمانيا بصرف تركيزها عن برامج البحث الأساسي والتطبيقي منذ أوائل فترة التسعينات إلى تخصيص المزيد من الموارد لبرامج التحفيز على الاستعمال والنشر. هذا المنهج المرتكز على التطبيق والنشر أثمر عن تجذّر تكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة في ألمانيا مع انتشار تجاري لتلك التي كانت موجودة آنذاك ونمو سريع للصناعات المتصلة بها.
وترافق هذا الانتشار المتسارع مع انخفاض حاد في الاستثمار في مجال الأبحاث والتطوير للطاقة من قِبَل الحكومة الألمانية. وفي بعض الحالات، تطلّب تبني سياسات الاستعمال والنشر تنازلات ضمنية كبيرة في تمويل البحث والتطوير للطاقة المتجددة. فعلى سبيل المثال، تجمد تمويل برامج البحث حول طاقة الرياح والطاقة الشمسية أو تراجع قليلاً في بعض الحالات، بينما ازداد تمويل برامج النشر في كِلا المجاليْن بشكل حاد. وبالتحديد، يتناغم التراجع في دعم البحث والتطوير للخلايا الضوئية الشمسية والكتلة العضوية مع الإجراءات السياسية العديدة التي تم تبنّيها للإسراع في اعتماد التكنولوجيات المتاحة.
وعلى الرغم من أن الحكومة الألمانية قامت باستثمار أكثر من 3.5 مليار يورو في مجال البحث والتطوير لمصادر الطاقة المتجددة بين عامي (1990-2005)، إلا أنّ التركيز الأساسي على نشاطات النشر والتطبيق للتكنولوجيا هو عامل النجاح الأساسي في برنامج مصادر الطاقة المتجددة في ألمانيا.
وضع دول مجلس التعاون الخليجي
ما هي الدروس المفيدة بالنسبة إلى دول الخليج التي يمكن تعلمها من الواقع الألماني؟ يمكن البَدء هنا باستكشاف المبادرات الماضية المتعلقة بمصادر الطاقة المتجددة في المنطقة، وخاصة برامج البحث والتطوير التي سبق تنفيذها في المملكة العربية السعودية.
إذ بالإضافة إلى المخاوف المشتركة عالمياً والتي تتعلق بالتزود بالطاقة ، والمخاوف البيئية المتنامية، فإنّ دول مجلس التعاون تواجه مجموعة تحديات خاصة بها. فالجفاف والنمو السكاني والطلب المتزايد على الطاقة والكهرباء تحديداً والاستخدام غير الفعّال للموارد تضع ضغطاً إضافياًً على احتياطي المنطقة من الوقود الأحفوري، وتشكل عبئاً مالياً متزايداً على الحكومات.
وعلى الرغم من كل تلك العوامل، ومع الاهتمام السابق والتمويل الضخم الذي خصِّص لبرامج الأبحاث حول مصادر الطاقة المتجددة منذ السبعينات، فما زال هناك قصور في حسن استغلال هذا المجال اجتماعياً واقتصادياً لما تمتلكه المنطقة من إمكانات لهذه المصادر. وبالفعل، فقد تم التعبير عن الاهتمام بتطوير مصادر الطاقة المتجددة في بعض دول مجلس التعاون منذ منتصف السبعينات، لكن انعدام التأثير لتجربة المنطقة السابقة في هذا المجال على الأسواق يُعَدّ مُربكاً بشكل خاص. مع ذلك، فيمكن أن يساعد هذا الماضي على تقييم الاهتمام – والاستثمارات – الحالية في مجال مصادر الطاقة المتجددة التي عبّرت عنها بعض المؤسسات الخليجية.
لقد تم تطبيق برامج بحثية ومشاريع نموذجية في منطقة الخليج التي قامت بدراسة الإمكانية التنفيذية من الناحية التقنية والاقتصادية لبعض التكنولوجيات. واشتملت معظم تلك البرامج على تعاون دولي مع مؤسسات بحثية وصناعية وأطلقت مزيداً من البحث والتطوير في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا وعدة جامعات أخرى في المملكة العربية السعودية، وفي معهد الكويت للأبحاث العلمية، وفي جامعة البحرين، وتلك فقط بعضها.
وركزت التطبيقات على توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية الموصولة بالشبكة، بالإضافة إلى استخدام لا مركزي خاص بالمناطق النائية، ومراكز تحلية مياه مختلفة المقاييس تُدار بالطاقة الشمسية (حرارية وغيرها)، وأنظمة تبريد وتدفئة بالطاقة الشمسية، والإنتاج الشمسي للهيدروجين كحامل للطاقة. وتم أيضاً بحث تكنولوجيات طاقة الرياح وقد برز استخدام أنظمة إنتاج كهرباء هجينة تعمل على طاقة الرياح والديزل بدلاً من الطاقة المنتجة بالوقود كخيار مشجع للعديد من التطبيقات.
وساعدت برامج تقييم الإشعاع الشمسي وطاقة الرياح مؤسسات دول مجلس التعاون على الحصول على خبرة قيمة في مجالات استعمال الأجهزة والمعايرة وجمع البيانات والرصد والتحليل. وبشكل مشابه، تم إحراز بعض التقدم في استخدام مُعدَّات الطاقة الشمسية من خلال اختبار مدى أهلية الخلايا الضوئية الأولى أو الأطباق الحرارية الشمسية تحت الظروف الجوية المحلية. وأكثر الأمثلة تميزاً هو المدينة الشمسية في الشمال الغربي من الرياض، وبلغت التكلفة الكلية لهذا المشروع 100 مليون دولار.
وكان أحد أهم اهتمامات المملكة العربية السعودية ضمن برنامج التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية أنظمة تحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية، إذ تم بناء منشأة نموذجية في المنطقة الساحلية في ينبع في منتصف الثمانينات لتجريب أول وأكبر محطة تحلية مياه بحر تعمل بالطاقة الشمسية في العالم. واشتركت في هذا المشروع العديد من الشركات الأجنبية، وبلغت التكلفة الكلية لهذا المشروع 45.3 مليون دولار. غير أن هذه المنشأة كانت غير قابلة للاستثمار الرابح أو التطبيق من الناحية الفنية وقد تم إغلاق المنشأة في ينبع عام 1989، ولم تستطع التكنولوجيا المجرَّبة فيه أن تُثبِت نفسها كتقنية تحلية ناجعة وتجارية.
وتظهر التقديرات أنه بين منتصف السبعينات ومنتصف التسعينات، تم استثمار 200 مليون دولار على الأقل في برامج بحث وتطوير دولية مشتركة حول مصادر الطاقة المتجددة في المملكة العربية السعودية. وتلك كانت بشكل رئيسي مشاريع بحث أساسية تم تطبيقها بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا. فهل استطاعت تلك البرامج أن تحدث ترويجاً مشتركاً بين الباحثين والصناعيين السعوديين لأي إبداعات تكنولوجية متعلقة بمصادر الطاقة المتجددة أو أن تخلق بيئة تكنولوجية متينة؟ الجواب لا.
بل على العكس، تلك البرامج ركزت فقط على بحث وتجريب مبادئ علمية جديدة تحتاج في العادة إلى بيئة نظامية موجودة ومزودة بالعلوم والتكنولوجيا والإبداع وسياسات بحثية طويلة المدى للخروج بمنتجات متكيفة مع الحاجات والعوائق المحلية. ومثل تلك البرامج ببساطة كانت – ولا تزال – غير موجودة في المنطقة. ولذلك لا تأتي كمفاجأة أن جهود البحث والتطوير تلك لم تستطع إنتاج أية براءات اختراع أو نتائج علمية رئيسية. قد تكون نشاطات العمليات والصيانة والأداء وفرت مناهج جديدة، أو حلول تصنيعية أو ساعدت على تصميم معدات قابلة للتسويق، لكن تلك الفوائد بقيت محدودة فقط بالمزوِّدين الرئيسين للتكنولوجيا و/أو الصناعات الأجنبية التي قامت بعملية تركيبها أو دمجها، وهذا يبين مدى القصور التكنولوجي لمثل تلك النشاطات في السياق السعودي آنذاك.
وبشكل عام، لم يتم نقل المعرفة العلمية التي تم اكتسابها في بعض المختبرات السعودية – أو في دول مجلس التعاون الأخرى – إلى قطاع الصناعة المحلي. مثل هذا النقل كان من الممكن له أن يخلق مشاركة القطاع الخاص المحلي في التطوير والصناعة واستخدام أجهزة تكنولوجيا الطاقات الهوائية والشمسية. ولسوء الحظ، لم تلعب برامج البحث والتطوير آنفة الذكر أي دور في تسريع نمو مجال مصادر الطاقة المتجددة في المنطقة، ولم تساعد على تأسيس قاعدة تكنولوجية محلية. كما أنها لم تحظ باستمرارية سياسية واقتصادية تؤدي إلى تنفيذ واسع النطاق حتى تكسب هكذا رسوخ في النظام الاجتماعي – التقني، وتأثر في سوق الطاقة المحلي، خالقة بذلك مهارات وفرص عمل جديدة للسكان المحليين. وهكذا لم يتم توطيد تكنولوجيات مصادر الطاقة المتجددة، على الرغم من الاستثمارات والاهتمامات الأولى والإمكانات الجغرافية الضخمة التي تتمتع بها دول مجلس التعاون.
إن غياب الاستراتيجيات الوطنية لتطوير مصادر الطاقة المتجددة يعكس عدم وجود منظور اجتماعي-اقتصادي وراء برامج البحث والتطوير الأولى في الخليج. وهذا ما أضاف إلى العقبات الموجودة حالياً على طريق تطبيق ونشر تكنولوجيات الطاقة المتجددة. وبالفعل إن غياب الأهداف الوطنية والهيكليات القانونية لتعزيز وترويج هذه التكنولوجيات (مواضيع تتعلق بصياغة قوانين وسياسات)، وعدم توافر المعونات المالية أو الاتفاقات لتوليد الكهرباء بالطاقة المتجددة (مواضيع تتعلق بالتعرفة)، وعدم نشر واستخدام المعلومات التي يتم جمعها داخل المختبرات، ضعف الوعي المعرفة ومهارات التسويق المناسبة (مواضيع تتعلق بتكنولوجيا السوق) كلها حواجز حقيقية في وجه الانتقال إلى سوق مصادر الطاقة المتجددة في دول مجلس التعاون.
في السنوات الأخيرة المنصرمة، جددت أسعار الوقود الأحفوري المرتفعة والوعي بمخاطر التغير المناخي الاهتمام العالمي بتكنولوجيات الطاقة المتجددة. لكن كيف لنا أن نضمن أنّ الاهتمام المتجدد لدول الخليج بمصادر الطاقة المتجددة سيُترجم هذه المرة إلى نقل تكنولوجيا حقيقي؟
بالتحديد، تواجه اقتصادات الخليج المزدهرة احتياجات طاقة متزايدة بسبب التعداد السكاني المتزايد وازدياد استهلاك الكهرباء للفرد، ذلك وبالإضافة إلى الحركة الصناعية والحاجة الحيوية للطاقة المستعملة لتحلية المياه، تضع تلك الاحتياجات وتأثيرات النمو والتطور تحديات خطيرة في وجه الاستدامة لموارد دول مجلس التعاون. إذ يعتمد توليد الكهرباء في كل دول مجلس التعاون على النفط والغاز الطبيعي مما يستهلك احتياطي الوقود الأحفوري، ويؤثر في نضوبه كما يساهم في ارتفاع بصمة الكربون لدول مجلس التعاون التي بلغت أعلى معدلاتها عالمياً. ومن الواضح أن نماذج الاستهلاك تلك تحتاج لأن تدرس من قبل الحكومات المحلية من منظور أمن الطاقة، وتوفير القدرة على توليد الطاقة، ودوام التطور الاجتماعي والاقتصادي وتقليل الآثار السلبية على البيئة.
وللتخفيف من حدة التغير المناخي الناجم عن حرق الوقود الأحفوري، ومن أجل استخدام مربح أكثر لذاك الأخير، من الممكن أن يتم السعي وراء موارد بديلة لإنتاج الكهرباء. فالطاقة النووية – كحل ممكن من الناحية التكنولوجية لتوليد الكهرباء – هي أحد منافسي موارد الطاقة المتجددة كمورد بديل للطاقة لتقليل انبعاثات الكربون. لكن ذلك البديل ينطوي على مشكلات معالجة النفايات والسلامة والأمن، وهذه المشكلات غير موجودة في مجال الطاقة المتجددة. بالإضافة إلى ذلك، فإن موارد اليورانيوم محدودة.
وعلى الرغم من ذلك، وكما تم الشرح أعلاه، فإن نشاطات البحث والتطوير المنعزلة لا تمثل الحل الأسرع أو الأنجع اقتصادياً للاستفادة من إمكانات المنطقة في مجال تطوير مصادر الطاقة المتجددة. فالجهود الماضية لبناء تقنيات جديدة متعلقة بالطاقة المتجددة في دول مجلس التعاون لم تُؤتِ ثماراً، حيث إن تلك العملية لم تجذّر في اقتصادات دول مجلس التعاون. وكما تم الحديث عن ذلك بشكل مفصل سابقاً، فإن تبني منهج سياسات التطبيق والنشر، وتخفيض مطول في مصاريف البحث والتطوير، مكّن ألمانيا من الوصول الى مركز الصدارة في مجال الطاقة المتجددة. وبهذا يُفترض أن تطبيق ونشر تكنولوجيات الطاقة المتجددة المتاحة على المدى القصير، بالإضافة إلى التعلم بالممارسة والابتكار الصناعي الناجم عن الاستعمال والتطبيق، تشكل فرصة حقيقية لترسيخ وتجذر الدراية المتعلّقة بالطاقة المتجددة في أي نظام اجتماعي-تقني. ومثل تلك العملية قادرة بالفعل على إحداث تغيير ملموس في سوق الطاقة المحلي.
إن تكاليف موارد الطاقة المتجددة آخذة في التضاؤل بشكل ثابت بسبب تطور العديد من التكنولوجيات، وقد آن الأوان لتخصيص ميزانيات كافية لنشر تلك التكنولوجيات في المنطقة إذا كان القادة يرغبون في تقوية دور مصادر الطاقة المتجددة في مجمل زاد الطاقة فيها. وفي الواقع، من الممكن لأصحاب المصالح المختلفين، كالحكومات والصناعات ومراكز البحث والتطوير والمستهلكين أن يشكلوا شبكة للارتقاء بمستوى تطبيق ونشر موارد الطاقة المتجددة، وجعل تلك العملية فرصة حقيقية لنقل التكنولوجيا إلى المنطقة. ولكي يحصل كل ذلك، يجب على الاستراتيجيات أن تتوخى منهجاً شاملاً وأن تعتبر جوانب الاستخدام، والقوانين، والموارد المالية، والبحث والتطوير والتصنيع مقاييس أساسية لتطوير الطاقة المتجددة في المنطقة. إضافة إلى ذلك، يجب أن تبلور السياسات على مستويات مختلفة من المجتمع وذلك لإقناع الأشخاص والمنظمات بدعم ممارسات اكتساب المعرفة المتعلقة بالطاقة المتجددة وتدريب الأفراد على المهارات الفنية لها، والتأكيد على تكييف التكنولوجيات والمؤهلات لتأمين الحاجات المحلية.
لقد شهدنا مؤخراً تنفيذ بعض المشاريع المتعلقة بالطاقة المتجددة على غاية الأهمية، وذلك من القطاعيْن العام والخاص في الخليج. وبشكل واضح، تقوم بعض مؤسسات دول مجلس التعاون بتمويل أبحاث أساسية تتناول الجيل القادم من التكنولوجيات، بغرض التطبيق لاحقاً، أو الاستثمار في ممارسات تطبيق تكنولوجيات الطاقة المتجددة في أسواق الطاقة الأجنبية. والآمال المعلقة على مثل تلك المشاريع وغيرها مرتفعة بين المستثمرين، والصناعيين، والباحثين والمستخدمين النهائيين. ومع ذلك، وبناءً على ما تقدَّم، يجب على مديري المشاريع أن يفكروا ملياً وأن يطبقوا بعض المفاهيم الأساسية على أنشطتهم المتعلقة بالطاقة المتجددة:
1- هل ترتكز على مبدأ الطاقة الطبيعية المحلية لتطوير الأسواق الداخلية وتأمين احتياجاتها؟
2- هل ترتكز على تطبيق ونشر التكنولوجيات الموجودة حالياً قبل التركيز على البحث والتطوير لتكنولوجيات مستقبلية؟
3- هل هي مصممة لكي يتم دمجها وتجذّرها في الاقتصاد المحلي؟
وقد يساعد على ذلك التفكّر في المقولة التالية لميشال كوت: (يبدو أن اكتساب الأفكار التقنية عمل اجتماعي وفكري وثقافي وتعليمي بشكل أساسي، مع الحفاظ على صلة مباشرة وقوية مع المنتجات الصناعية وأسواقها الاقتصادية. إذ عندما تتوقف الأفكار التقنية – أو أي تكنولوجيا – على البعد التجريدي في مجتمع ما، فإنها ستأخذ دوماً شكل الأشياء والتصاميم والنماذج المستوردة).
::/fulltext::
::cck::3170::/cck::
