الولايات المتحدة والبرنامج النووي الإيراني
::cck::3183::/cck::
::introtext::
شهدت الأشهر الأولى من عام 2006 تطورات دراماتيكية في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، أو ذات صلة به: تعثر مفاوضات الجانب الأوروبي حول البرنامج النووي الإيراني، والذي انتهى بإعلان إيران يوم 11 إبريل 2006 بأنها قد نجحت بإكمال دورة تخصيب اليورانيوم، وظهور أكثر من تصريح لمسؤول أمريكي بوجود تدخل إيراني مباشر ومؤثر في الشأن العراقي مما حدا بالولايات المتحدة إلى تكليف سفيرها في العراق بمفاوضة الجانب الإيراني بشكل غير مباشر في منتصف عام 2005، ثم قبولها التفاوض المباشر مع إيران في نهاية مارس 2006 حول الملف العراقي فقط، – حسبما أعلن الطرفان الأمريكي والإيراني – والذي لم يشرع به بشكل رسمي، وقد يكون للطرح التالي أهمية قابلة للمناقشة: إن الولايات المتحدة بحاجة إلى حدث سياسي كبير على الجبهة الإيرانية يحتوي تداعيات الوضع السياسي في العراق، الذي بات محرجاً للإدارة الأمريكية.
::/introtext::
::fulltext::
شهدت الأشهر الأولى من عام 2006 تطورات دراماتيكية في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، أو ذات صلة به: تعثر مفاوضات الجانب الأوروبي حول البرنامج النووي الإيراني، والذي انتهى بإعلان إيران يوم 11 إبريل 2006 بأنها قد نجحت بإكمال دورة تخصيب اليورانيوم، وظهور أكثر من تصريح لمسؤول أمريكي بوجود تدخل إيراني مباشر ومؤثر في الشأن العراقي مما حدا بالولايات المتحدة إلى تكليف سفيرها في العراق بمفاوضة الجانب الإيراني بشكل غير مباشر في منتصف عام 2005، ثم قبولها التفاوض المباشر مع إيران في نهاية مارس 2006 حول الملف العراقي فقط، – حسبما أعلن الطرفان الأمريكي والإيراني – والذي لم يشرع به بشكل رسمي، وقد يكون للطرح التالي أهمية قابلة للمناقشة: إن الولايات المتحدة بحاجة إلى حدث سياسي كبير على الجبهة الإيرانية يحتوي تداعيات الوضع السياسي في العراق، الذي بات محرجاً للإدارة الأمريكية. ثم إن أغلب منشآت البرنامج النووي الإيراني وأهمها على مقربة من دول الخليج العربية أكثر منه على مقربة من المدن الإيرانية الرئيسية، الأمر الذي يجعل هذه القضية تطرح نفسها بشدة في مجرى التفاعلات السياسية الدولية والإقليمية.
ورغم أن مؤشرات التدهور الظاهر حول قضية البرنامج النووي الإيراني قد بدأت عام 2002 عندما أعلنت الإدارة الأمريكية في خطاب حال الاتحاد وعلى لسان رئيسها جورج بوش أن إيران طرف في محور الشر (إضافة إلى العراق وكوريا الشمالية). إلا أن الفترة (2002-2004) شهدت غض الطرف من قبل كلتا القوتين إزاء ذلك وفقاً لحسابات سياسية لاتزال غير منظورة على المستوى التوثيقي، وتحديداً ما يتعلق بالدور الإيراني في تسهيل نجاح الولايات المتحدة واحتلالها لكل من أفغانستان والعراق. وتكاد لم تتطور التفاعلات إلا مع بداية العام 2006. وفي كل الأحوال، وما يهمنا هنا أن الدول الخليجية العربية لن تكون بعيدة عن تفاعلات هذه العلاقة، وذلك للمبررات الآتية:
* تسعى إيران إلى تصوير صراعها المحتمل مع الولايات المتحدة على أنه صراع الولايات المتحدة مع المذهب الشيعي، وأن الشيعة العرب جزء مستهدف في ذلك الصراع.
* الوضع السياسي في العراق عبر النشاط الاستخباري الإيراني والوجود السياسي في وسط وجنوب العراق، وتبعية أغلب القوى السياسية الشيعية لإيران، واتجاه العراق نحو الانفصال أو الابتعاد عن محيطه العربي.
* استعراض القوة عبر المناورات العسكرية في الخليج العربي في مارس 2006 (مناورات الرسول الأعظم)، وإعلان إيران تخصيب اليورانيوم ودخولها النادي النووي.
* الحركة الدبلوماسية الإيرانية (المصحوبة بتهديدات مبطنة) للكويت عبر زيارة رفسنجاني في مستهل إبريل 2006.
* تنسيق الموقف الإيراني مع سوريا، وحزب الله في لبنان في حالة تدهور العلاقة الأمريكية – الإيرانية.
* إذا ما أصبحت إيران قوة نووية فإن العرب سيقعون تحت ضاغطين استراتيجيين واضحين (إيران واسرائيل) فكلاهما لا يكنُّ مودة أو تقديراً للمصالح والوجود العربيين. وهذا ما يدعونا كعرب إلى الاهتمام بهذه العلاقة، استثماراً للإيجابيات ودرءاً لمخاطر ومضاعفات سلبية غير مرغوبة.
وعندما يجري الحديث عن البرنامج النووي الإيراني فإننا بالضرورة سنتحدث عن الولايات المتحدة، وكذلك عن أوروبا. ويرجع ذلك للعلاقة التي تربط أوروبا مع طرفي المشكلة، أي إيران والولايات المتحدة، ونجاح الولايات المتحدة في إدخالها كطرف مفاوض حول البرنامج النووي الإيراني. لقد وضعت قضية هذا البرنامج اختبارين حاسمين أمام الولايات المتحدة، وكذلك أمام أوروبا. أولهما، رغبة الطرفان الاستمرار في دعم أحدهما الآخر إزاء قضايا عالمية مهمة. وثانيهما، عقد العزم على ثني الدول الأخرى سواء بالإقناع أو القسر على امتلاك السلاح النووي ووسائل إيصاله. والاختباران هما في صلب العلاقة الأمريكية – الأوروبية، فالمناقشة التي تتطلبها مرحلة ما بعد السيطرة على العراق هي المتعلقة بكيفية التأكد بشكل ملائم من عدم وجود أسلحة التدمير الشامل، وكيفية نزعها سواء بقسر الأنظمة أو عبر اعتماد أسلوب التفتيش الدولي الفاعل.
وتكاد المسألة حول إيران لا تشبه ما حصل مع العراق، فلا يوجد اتفاق مقبول على اللجوء إلى الخيار العسكري، وهناك رأي فاعل يدعو إلى الاعتماد على وكالة الطاقة الذرية، وغيرها من المؤسسات الدولية.
وفي العموم، فإن موقف الولايات المتحدة إزاء البرنامج النووي الإيراني يتعلق بمدى إبداء إيران التعاون في المجال النووي، ووقف المساعدة التي تقدمها روسيا لها. أما المسالة المهمة لمعظم الأوروبيين فهي المتعلقة بالطموحات النووية الإيرانية، وبدأ تلمس هذه المواقف بشكل واضح منذ أغسطس عام 2002 عندما تم تسريب معلومات عن إنشاء إيران لمفاعلين نوويين متقدمين. والتحقيق الذي جرى بواسطة الوكالة الدولية أظهر أن إيران انتهكت التزاماتها في عدم الانتشار، وتواصل برنامجاً سرياً لإنتاج مواد قابلة للانشطار، ووصلت إلى مراحل متقدمة في مجال التعامل مع المواد النووية مقارنة بالدول الأخرى التي كانت تثار شكوك حول برامجها النووية.
في أكتوبر 2003، تم التعامل مع عدم تعاون إيران في الملف النووي مع الوكالة الدولية بواسطة الإشارة إلى إمكانية إحالة الملف إلى مجلس الأمن، وكان الرد الإيراني عبر عقد اتفاق مع وزراء خارجية فرنسا، وألمانيا وبريطانيا لإجراء تعليق مؤقت في نشاطها النووي والتقيد بالبروتوكول الملحق بعمل الوكالة الدولية والمتعلق بإجراءات التفتيش المسبق والفجائي للمواقع النووية، وتوفير معلومات كاملة عن برنامجها النووي، ووعد الوزراء الأوروبيون بأن القضية لن تذهب إلى مجلس الأمن، وأن تلك الدول ستوفر تكنولوجيا نووية لإيران تستخدم لأغراض مدنية إذا التزمت إيران بتعهداتها.
وعموماً لقد مرت العلاقة بين الأطراف المختلفة في هذه القضية بثلاث مراحل، الأولى بدأت مع الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي جورج بوش عن حالة الاتحاد في مطلع 2002 حين وصف إيران بأنها إحدى أضلع محور الشر، وتم وضع البرنامج النووي الإيراني في مقدمة ما يشكل تهديدا للمصالح الأمريكية. أما المرحلة الثانية فقد بدأت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق 2003، حيث تشددت الولايات المتحدة إزاء هذا البرنامج واعتبرته يشكل تهديداً للأمن الدولي والأمريكي. أما المرحلة الثالثة والتي ما زلنا نعيش مخاضها فقد بدأت مع توقيع إيران على البروتوكول الإضافي لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في نهاية 2003.
وتدهور الموقف منذ أيلول 2003، فالوكالة الدولية أكملت تقريرها الذي يوضح إخلال إيران بتعهداتها في مجال النشاط النووي (في مجال بناء مفاعلات إضافية والاستمرار بإنتاج البلوتونيوم، والمواد الأولية الداخلة في إنتاج الأسلحة النووية وعدم بيان مصادر التلوث باليورانيوم)، ولم يسعف في وقف حالة التدهور ما قامت به إيران في آيار 2004 من تعاون طوعي مع الوكالة الدولية واستعدادها لتعليق برنامجها النووي.
وقد كانت إيران قليلة التحمل للتدقيق الدولي، لذلك دعت الوكالة لإنهاء عملها وإعطاء تقرير إيجابي عن برنامج إيران النووي. ومنذ اجتماع الوكالة في حزيران 2004، هدد القادة الإيرانيون بتقليل التعاون مع الوكالة واستئناف النشاط النووي ما لم يجري الاعتراف بتعاون إيران، ويجري اغلاق هذا الملف. وعلى الرغم من تلك التهديدات، فإن الدول الأوروبية الثلاث الراعية لقضية الملف النووي الإيراني (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) صرحت بأنها تأسف بشدة لعدم تعاون إيران الكامل والتام وأسلوب نشاطها السابق، وطالبت بإكمال نشاطات التحقق والمراقبة، ودعت إيران إلى الاستعجال في حل كافة الإشكاليات المتعلقة بالإجابة عن أسئلة الوكالة.
التعامل مع الملف النووي الإيراني: الوسائل والأساليب
وفي أكتوبر 2004 دعتها أيضاً إلى تحمل التزاماتها لإنهاء الملف الإيراني، وعدم اتخاذ قرار مزاولة نشاطها النووي في مجال التخصيب. ورغم ذلك لم تظهر إيران ردوداً مهمة حول إنهاء تعاونها مع الوكالة أو البدء بنشاطات تخصيب اليورانيوم. إذ إن السلوك الإيراني حرك تلك الدول لمعاودة مساعيها لإقناعها بالاستجابة للدعوات الدولية في تجميد نشاطها النووي. وطرحت مسألة وضع قضية الملف النووي في أجندة التعاون الأوروبي-الإيراني، بموجب صفقة الثلاثية الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) وإيران في 15 نوفمبر 2004: حيث تعلق إيران جميع أنشطة إعادة المعالجة والتخصيب مقابل تعاون نووي واقتصادي بين الاتحاد الأوروبي وبينها. لكن ما لبثت تلك الجهود أن تفاقمت مرة أخرى مع صعود المحافظين في الانتخابات الإيرانية ووصول محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة، وشهدت العلاقة المتبادلة أزمة امتدت من حزيران 2005 إلى آذار 2006 حيث أحال مجلس حكام الوكالة الدولية ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي لتشهد هذه العلاقة أخطر مرحلة: 27 مارس 2006 عندما أمهل مجلس الأمن إيران شهراً واحداً لوقف نشاطها النووي والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإعلان إيران يوم 11 إبريل 2006 نجاحها بتخصيب اليورانيوم بنسبة 3,5 في المائة وهو أدنى مستوى للاستخدام السلمي للطاقة النووية ثم زادت نسبة التخصيب إلى 4،8 في المائة، وفي 27 إبريل عرض الرئيس الإيراني إمكانية تصدير إيران تكنولوجيا نووية إلى الدول الأخرى و28 إبريل 2006 انتهى تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران لم تتعاون خلال المدة الممنوحة من مجلس الأمن، ولا يزال هناك شك كون استخدامها لبرنامجها النووي هو للأغراض المدنية فقط، وأن إيران سرعت بتخصيب اليورانيوم إلى مستويات تسمح بتشغيل مفاعلات الطاقة، وتجاهلت طلب الوكالة ومجلس الأمن وقف التخصيب. وفي 31 مايو 2006 أعلنت الولايات المتحدة على لسان وزيرة خارجيتها عن عرض مفاده:
-التفاوض مع إيران مباشرة بشرط إيقاف إيران لبرنامجها في مجال التخصيب.
-في حالة الموافقة سيقدم المجتمع الدولي دعماً لبرنامج نووي مدني، وستقدم الولايات المتحدة حوافز اقتصادية وثقافية.
-في حالة الرفض ستعمل الولايات المتحدة مع المجتمع الدولي على بلورة عقوبات ضد إيران.
وتلاه في الأول من يونيو 2006 اجتماع فيينا بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا، حيث انتهت إلى تقديم حزمة مطالب وحوافز من هذه القوى إلى طهران، إضافة إلى تهديد بفرض عقوبات ضدها في حالة عدم الاستجابة خلال شهرين من تقديمها، حملها ممثل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا يوم 6 يونيو 2005. وكان الرد الإيراني عليها أن بعض هذه المطالب جدير بالقبول، وبعضها الآخر بحاجة للدراسة، وأخرى بحاجة إلى توضيح أكثر.
إن السلوك الدولي نحو إيران جاء كرد للأهمية التي باتت تعطيها الولايات المتحدة والدول الأوروبية لقضية طموحات إيران النووية، وغيرها من المظاهر التي كان أهمها:
أ-قيام إيران باختبار قدراتها العسكرية ومنها صاروخ (شهاب 2) ذو المدى 2000كم، ومناورات في غرب إيران 2004 وفي الخليج العربي (الرسول الأعظم) 2006، حيث أصبح الخطر الأهم الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة والقابل للقياس هو إيران.
ب-تصرح وزير الدفاع الإيراني الأميرال علي شامخاني في 18 أغسطس 2003: (نحن لن نضع يداً على يد لننتظر ما يفعله الآخرون بنا، بل إن بعض القادة العسكريين في إيران على اقتناع بأن العمليات الوقائية التي يتحدث عنها الأمريكيون ليست حكرا عليهم. إن الوجود العسكري الأمريكي بالقرب منا ليس عامل قوة لأمريكا على حسابنا، بل الصحيح هو عكس ذلك لأن القوات الأمريكية ستصبح رهينة لدينا. وفي كل الأحوال سنتعامل مع أي ضربة لمنشآتنا النووية على أنها ضربة موجهة إلى إيران كلها، وسنرد عليها بكل قوتنا. إن أمريكا ليست وحدها الموجودة في المنطقة. نحن أيضاً موجودون ابتداء من خوست إلى قندهار في أفغانستان، وموجودون في الخليج، وبإمكاننا أن نكون موجودين في العراق. وبالنسبة إلى إسرائيل فنحن لا نشك في كونها كياناً شريراً. كما أنه لن يكون بمقدورها القيام بأي عملية عسكرية من دون ضوء أخضر أمريكي، ولا يمكن الفصل بين الطرفين).
ج-اتفاق معظم الباحثين والدارسين على أن برنامج إيران النووي يهدف لامتلاك أسلحة نووية. وقد صرح جريجوري شولت مندوب الولايات المتحدة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوم 27 إبريل 2006 (بأن التهديد المستتر الذي وجهه أحمدي نجاد بالانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي يثبت أن طهران تريد امتلاك أسلحة نووية. وتابع قائلاً: أعتقد بأن الرسالة الواضحة من هذا التهديد المستتر هي أن برنامجهم ليس برنامجاً سلمياً. إذا كان هذا البرنامج سلمياً فلماذا يهددون بالانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي).
وعلى الرغم من اجتماع فيينا في الأول من يونيو 2006، وما توصل إليه من حزمة مطالب وعروض لإيران، فإنه حتى الآن لا يوجد اتفاق بين القوى الكبرى و/أو دول المنطقة على اعتماد منهج موحد ضد إيران. إن المراوغة الإيرانية ومحاولات التملص والتضليل الكامل حول البرنامج النووي.. وهذا ما يلاحظ في التقارير المرفوعة إلى الوكالة الدولية، كلها تثير شكوكاً عميقة حول أهداف إيران بأنها تهدف من وراء تخصيب اليورانيوم أن تصبح قوة تكنولوجية نووية وربما مالكة للسلاح النووي. الأمريكيون والأوروبيون وصلوا إلى اتفاق على أن إيران، في الحد الأدنى، تسعى لامتلاك تكنولوجيا نووية، ولكنهم يختلفون في مسألة اتخاذ إيران لقرار سياسي بامتلاك السلاح النووي. بمعنى أن هناك اختلافاً حول هل إن إيران تسعى لامتلاك تكنولوجيا نووية فاعلة أم أنها قد اتخذت قراراً بامتلاك سلاح نووي. وهذا التباين يظهر في قضيتين أساسيتين، الأولى، الجدل حول العلاقة بين قدرات إيران النووية واستقرار المنطقة، فامتلاك إيران للسلاح النووي سيؤثر في توازنات المنطقة وهذا أمر غير مقبول أمريكياً. كما أن الأوروبيين لا يحبذون هكذا مشهد، لذلك كرروا معارضتهم القوية لامتلاك إيران السلاح النووي. والثانية، الاعتراف بحق إيران في امتلاك تكنولوجيا نووية، حيث تدرك الولايات المتحدة ودول أوروبا الثلاث أن إيران ستتجه بأقصى ما تستطيع نحو السلاح النووي مع امتلاك قدرة تخصيب اليورانيوم وإنتاج البلوتونيوم. ففي هذه الحالة سيكون باستطاعتها الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار ومن ضمانات عدم انتاج القنبلة النووية، وسيكون وضع القدرات الإيرانية في دائرة تحقق الوكالة ليس بالحل الكافي.
وعلى أي حال، لقد اقتنعت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بأن إيران قد توصلت إلى ضرورة اتخاذ هكذا قرار، واعتمدت في هذا الاستنتاج على: تقارير الوكالة الدولية التي تدين إيران، التضمينات العسكرية للبرنامج النووي، السرية التي تحيط البرنامج النووي، عدم تزويد إيران الوكالة بمعلومات كافية عن برنامجها. وتوصلت تلك الدول إلى رؤية أن إيران تعمل بفاعلية ليس على إنتاج تكنولوجيا نووية لأغراض سلمية فقط، بل إنتاج أسلحة نووية. وهي تعتقد بأن إيران تشرع ببرنامج سري ذا شقين مدني وآخر تحت السيطرة العسكرية، رغم أنها تعلن عن فتح منشآتها النووية. والظاهر أن هذه الدول لم تملك الدليل القاطع على أن إيران تعمل على تصميم والشروع بإنتاج قنابلها النووية، فهي لاتزال واثقة بأن هذا العمل لا يزال في طوره الأول.
ولقد سبق أن اتفقت القوى دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا في اجتماعها في موسكو في 26 إبريل 2006 على خطورة تصريح إيران بتخصيب اليورانيوم، وكرر ذلك في اجتماع فيينا في الأول من يونيو 2006، لكنهم اختلفوا حول طريقة التعامل مع هذا الملف، ولا يتوقع أن يصلوا إلى اتفاق حول الوسائل الأنجع في التعامل مع هذا البرنامج، خصوصا في ظل تباين المصالح الاستراتيجية بين هذه القوى، في علاقاتها المتبادلة، و/أو في علاقاتها مع إيران وتحديدا بالنسبة إلى روسيا والصين. والاحتمالات في هذا الصدد لا تتعدى الاحتمالين الآتيين:
الاحتمال الأول في ظل هكذا اتفاق من المحتمل أن توافق إيران على الكشف عن المواد القابلة للانشطار، وكذلك أي مواد أخرى تحت التشييد. ولتوفر ضمانات كافية ستصدق على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية. وكتعويض لاستجابة إيران يقوم المزودون الرئيسيون: وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا بتوفير الضمانات الكافية لتزويد إيران بالتكنولوجيا النووية للأغراض المدنية على أسس تجارية حالما تبدأ بتنفيذ تعهداتها.
الاحتمال الثاني في حالة رفض إيران الاستجابة للضغوط الأمريكية، أن تلجأ الولايات المتحدة إلى خيار استخدام القوة العسكرية، سواء عبر قرار من مجلس الأمن وفقاً للفصل السابع من الميثاق أو عبر تجاوز مجلس الأمن، كما في حالة العراق عام 2003. ويدعم هذا الاحتمال تصريح الرئيس بوش (عندما سأل عن تخطيط إدارته لضربة نووية محتملة ضد المنشآت النووية الإيرانية) يوم 25 إبريل 2006: (ان كل الاحتمالات على الطاولة).
وهكذا احتمالات تفاعل قضية البرنامج النووي الإيراني واردة. فالقضية النووية قضية سياسية في إيران، مع الخط المتشدد الذي يرى في الولايات المتحدة وأوروبا أنها قوى تحاول منع حصولها على تكنولوجيا نووية متقدمة، فخلال السنتين الأخيرتين تحدث بعض القادة الإيرانيين بشكل صريح عن عدم إمكانية التخلي عن حق تخصيب اليورانيوم أو غيرها من القدرات النووية، وأهم هؤلاء القادة مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي الذي تحدث صراحة عن أن القدرات النووية شيء أساسي لإيران وأن الاعتماد على الآخرين في هذا المضمار غير مضمون، لاعتبارات سياسية عديدة. وهذا الأمر ينطبق على العرضين الروسي (إجراء تخصيب مشترك لليورانيوم بين إيران وروسيا في الأراضي الروسية) والعرض الأوروبي (الذي يقف عند فكرة المقايضة التي ترى حق إيران بامتلاك برنامج نووي، وضمانات حمايته، وضرورة وقف أعمال التخصيب مقابل توفير الدول الأوروبية للتكنولوجيا النووية التي تستخدم للأغراض المدنية غير المكلفة جداً والفعالة)، فالإيرانيون ما زالوا يرون في الاستجابة لذلك تجريداً لقدراتهم على إنتاج مواد انشطارية. ونظرا للاستثمار الكبير في هذا البرنامج طوال عقدين وما تتوقعه إيران من منافع جراء ذلك، فإن الإيرانيين يقاومون بشدة فكرة التخلي عن تلك القدرات.
وفي الوقت الحاضر، الواضح أن إيران لن تتخلى عن خيارها النووي بسهولة. وقد ولّد احتلال الولايات المتحدة للعراق الخشية من أن تكون إيران هي القادمة مادامت القوات العسكرية الأمريكية أصبحت تحيط بإيران. فضلاً عن ذلك، في حالة الموازنة بين المنافع والتكاليف الناجمة عن تفاعلات القضية النووية في مجلس الأمن، فإن فالاستجابات الأولى من المحتمل أن تكون قوية– انتقادات دولية وعقوبات من قبل مجموعة الثماني. وفي المدى البعيد ستتلاشى تلك العقوبات تدريجياً، وذلك لصعوبة احتفاظ الولايات المتحدة بتحالفات دولية، كما أن لإيران أهمية اقتصادية وسياسية عند العديد من الدول. هكذا تصور من الممكن أن يدفع إيران إلى الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار، وسيكون رد فعل دول العالم متبايناً من هذه المسألة، ولا يتوقع القادة الإيرانيون ذلك فحسب، بل، يرون أيضاً أن هناك مكاسب محدودة جراء التخلي عن الخيار النووي. وبشكل خاص، فإن الاحتمال القائم هو أن الولايات المتحدة ستستمر في نهجها العدائي ضد إيران حتى إذا ما أعلنت الأخيرة عن وقف برنامجها النووي. كما يرى الإيرانيون أن احتمالات المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة تبدو ضعيفة في المرحلة الراهنة، وان فرص إيران في تجاوزها متاحة وذلك بفضل إمكانية استخدام توابعها في العراق لمواجهة أي حالة ضغط أمريكية أو تدخل في شؤونها، خاصة في القضية النووية. لكن من الواضح أن إيران لاتزال تتجنب استخدام هذه الورقة لإثارة العنف أو الاضطراب أمام الولايات المتحدة بشكل مباشر.
وهذا ما يفسر كون إيران تلقت الانتقادات بعدم الارتياح لكنها تعاملت معها. فالضغوط لم تكن بالقوة الكافية لتقنع إيران بالتنازل عن طموحاتها النووية، ولا يتوقع أن تتغير العوائق خلال الاعوام الثلاثة المقبلة عما هو قائم الآن حيث يد إيران قوية جداً في العراق، لذلك إيران ترغب في حصول تقدم من خلال لعبة التنازلات والمساومات مع المفتشين، والضغط على الأوروبيين والولايات المتحدة، والتضييق على احتمالات حرمانها من نشاطات التخصيب كلما كان ذلك ممكناً.
الولايات المتحدة وخيار القوة
ونتساءل هنا، ما الذي نتوقعه بخصوص أزمة الملف النووي الإيراني؟ وكيف ستكون العلاقة بين الفاعلين الرئيسيين للولايات المتحدة وإيران؟ وما انعكاسات ذلك على أمن الخليج العربي؟
ينتهي العديد من المراقبين إلى ضعف جدوى الدبلوماسية في التعامل مع إيران، إلا أن الحال ينبئ بموقف آخر. فالكاتب المصري عبد المنعم سعيد ينتهي إلى أن فترة الوفاق في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران هي الأرجح، وأن المسألة موضع الجدل ليس امتلاك التكنولوجيا النووية بل إنتاج إيران كمية كافية من اليورانيوم المخصب تكون كافية للتسلح النووي، ويمكن رصد ذلك من جانبين. فعلى الجانب الأمريكي يلاحظ:
-فشل جماعة المحافظين الجدد في تقرير الأعداء(أفغانستان والعراق)، بقدر فشلها في تقدير الحلفاء (العرب)، بعد أن وقفوا يتفرجون على مأزقهم في المنطقة.
-الولايات المتحدة لا تستطيع فتح جبهة أخرى في إيران في حين لايزال موقفهم محرجاً في العراق.
مع اقتراب موعد الانتخابات في الكونجرس فإن من مصلحة المحافظين الجدد عدم خسارة مقاعدهم، بل الضرورة تقتضي التراجع وإعادة تقييم وليس التوسع والانتشار واستخدام القوة.
أما على الجانب الإيراني، فيلاحظ:
* هدف إيران ليس السلاح النووي، بقدر ما هو تأكيد كونها قوة إقليمية عظمى أمام الغرب، واعتراف الأخير بوضعها ذلك.
* التيار المحافظ في إيران أصبح بلا منافس بعد فشل مشروع الإصلاح الاقتصادي لرفسنجاني ومنهج الانفتاح السياسي لمحمد خاتمي.
* إن المرحلة الراهنة ليست لحظة للمغامرة بمصير البلاد بل هي لحظة لاستخدام الأوراق كلها (العراق، القدرة النووية، النفط، أخطاء الولايات المتحدة) لخدمة الأهداف القومية في بناء المكانة الإيرانية على المستوى الدولي.
وما قد يدفع إلى هذا التحليل، وهو ما انتهى إليه الكاتب المصري حسن نافعة بقوله إن الصفقة في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران هي أمر وارد. فإيران سبق لها في بداية مايو 2003 أن سلمت الولايات المتحدة عبر سفارة سويسرا تصوراتها لما يمكن أن تكون عليه هذه العلاقة، وما هي على استعداد للقيام به من أجل تحسينها. وأهمها أربعة إجراءات:
1-القبول برقابة كاملة على برنامجها النووي السلمي من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتوقيع على كافة البروتوكولات التي تكفل فاعلية هذه الرقابة.
2-الاعتراف بإسرائيل، والوقوف في الموقف نفسه الذي تقفه الدول العربية الراغبة في السلام مع إسرائيل.
3-قطع كل المساعدات المادية والسياسية المقدمة لحركات المقاومة الإسلامية في فلسطين (حماس والجهاد الإسلامي)، والضغط عليها لوقف عملياتها المسلحة.
4-الضغط على حزب الله للتحول إلى حزب سياسي ورفض استمراره كحركة مقاومة، وتذليل العقبات التي تحول دون سيطرة الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل.
ورغم أن الوضع الاستراتيجي اليوم قد تغير عنه عما هو بداية عام 2003، وهذا ما تؤكده كثرة الأوراق التفاوضية التي تملكها إيران، إلا أن الأخيرة تبقى حذرة من مسألتين: الاعتقاد القوي الموجود داخل الإدارة الأمريكية بأن الخيار العسكري قابل للاستخدام في الأزمات الدولية، وربما يكون هو الوحيد في معالجة بعضها. ويساعد على ذلك الفجوة الأيديولوجية بين الإدارة الأمريكية والنظام السياسي في إيران.
وعموماً فإنه لإقناع إيران بالتخلي عن طموحاتها النووية، ينبغي على الولايات المتحدة وأوروبا اعتماد خيار يشجع إيران على التجاوب عند إجراء موازنة بين التكاليف والمنافع. إذ عليهم العمل سوية لدفع إيران إلى الاختيار بين أن تصبح إيران قوة إقليمية كبرى بسلاح نووي أو أن تندمج كعضو فاعل في المجتمع الدولي من دون ذلك السلاح.
وكأية دولة لديها إمكانات، تطمح إيران إلى ممارسة دور إقليمي فاعل. وهي ترغب في امتلاك برنامج وقدرات تكنولوجية نووية متقدمة. ومنذ فترة تحاول إيران الحصول على أكبر قدر من التنازلات في مساوماتها مع أوروبا إزاء برنامجها النووي. وشراء الوقت عبر تطلع النظام في إيران لجني منافع الاندماج الاقتصادي والسياسي مع المجتمع الدولي.
إن لأوروبا وللولايات المتحدة أسباباً مهمة في التوجه صوب إيران، وتكاد حركتهما إزاءها تكون متباينة نسبياً. فالولايات المتحدة أدخلت إيران في دول محور الشر، وجادلت بأنها لم تلتزم بمعاهدة حظر الانتشار النووي، وعارضت كل أشكال التعاون النووي مع إيران، وبضمنه تعاون روسيا في هذا المجال. أما أوروبا فهي قد قدمت المكافأة على العقوبات، ووعدت بتسهيل تجارة التكنولوجيا المتقدمة مع إيران، وبضمنها التكنولوجيا النووية؛ رغم أنها لا تريد إيران نووية في المنطقة، وكذا الحال مع روسيا.
إن الاختلافات في المواقف الأوروبية والأمريكية والروسية تعطي إيران القليل من المرونة، إذ ليس بالضرورة أن تقود تهديدات الولايات المتحدة إلى نتائج فاعلة، والخيار العسكري ليس مضموناً في المرحلة المنظورة، أما بالنسبة إلى الأوروبيين فيبدو أنهم غير موافقين تماماً على متابعة الخيار الأمريكي في اعتماد نظام العقوبات الدولية. والواضح أن أي عرض أوروبي قد يفسر بأنه يحمل مكافآت قليلة إذا لم يرافقها تغير في التوجهات الأمريكية نحو النظام الإيراني- رغم أن الولايات المتحدة أبدت موقفاً أكثر دبلوماسية واستجابة لحلفائها بمبادرة قبول التفاوض المباشر مع إيران نهاية مايو 2006.
وما تقدم لا ينفي أن الدول الأوروبية لديها خطوط حمراء يصعب استمراء إيران تجاهلها: الفشل في الإيقاف الشامل لنشاطات التخصيب، والكشف للوكالة الدولية عن النشاطات النووية السرية أو تقديم معلومات وتسهيلات بشأنها، والفشل في التعاون مع الوكالة في إطار البروتوكول الإضافي. فهي واضحة لإيران، وواضح لها كذلك ما سيترتب على تجاوزها تلك الخطوط، ليس فقط في إطار إيقاف المتصور من المنافع، لكن قد يمس إمكانية العودة إلى حالة التعاون القائمة، وأنه يمكن تضمين قرارات مجلس الأمن استخدام القوة في حالة تجاهل إيران تلك الخطوط. وأن فرنسا وبريطانيا لن تستخدما حق الاعتراض على أي قرار دولي يهدف إلى وضع حد لطموحات إيران، وتحديدا بعد عرض القوى الكبرى لحزمة المطالب والحوافز.
إن الارتقاء بالعلاقة الأمريكية – الإيرانية سيكون في جانب منه رهينة لدوافع إيران في مجال السلاح النووي؛ ففي السابق كان الدافع الأمني الرئيسي لبرنامج إيران العسكري مواجهة قدرات العراق؛ قبل أن يدب الضعف في هذا البلد وانتهائه تحت السيطرة الأمريكية في 2003. والآن وبعد زوال الخطر العراقي، فإن الدافع لاستمرار إيران ببرنامجها النووي والتسليحي هو مواجهة مخاطر الوجود الأمريكي في المنطقة. وهذا ما يجعل من الصعوبة دفع إيران للتخلي عن برنامجها بسهولة. فإمكانية دفع إيران لتقديم تنازل بشأن برنامجها النووي من دون ضمانات حول مصالحها القومية قد تأخذ سنوات.
وبينما يعمل الأمريكيون والأوروبيون على إعادة تشكيل حسابات إيران بعيدة المدى عند رصد التكاليف والمنافع، فإنهم عملوا على عدم دفعها باتجاه اعتماد خطوات قد تضر باستقرار الوضع الدولي. وهذا يعني ضمانات بتحديد سقف أنشطة التخصيب والأنشطة الأخرى، إضافة إلى السماح للوكالة الدولية بإجراء تحقق كامل حول الأنشطة النووية الإيرانية. مثل هذا التحديد ضروري للولايات المتحدة والأوروبيين لإجراء اتصال مقبول مع إيران يعوض تخليها عن الخيار النووي بروابط تضمن مصالحها القومية.
وهنا يكمن جوهر الإشكالية في الرؤية الإيرانية، فعلى المدى البعيد ترى إيران منافع الاستمرار ببرنامجها النووي، في حين منافع التخلي عن ذلك البرنامج لاتزال غير مؤكدة، وفي أحيان هي جديرة بالإهمال. وفي أفضل الأحوال لا تزال الطروحات الأمريكية والأوروبية مختلفة في التعامل مع إيران، وهذا ما يجعل المسألة غير واضحة، ولا تزال الدول الأوروبية وروسيا والصين تأمل في أن تتم معالجة المشكلة عبر طرق غير قسرية، وألا تصل إيران إلى قناعة بأن التخلي عن برنامجها هو من دون قيمة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3183::/cck::
::introtext::
شهدت الأشهر الأولى من عام 2006 تطورات دراماتيكية في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، أو ذات صلة به: تعثر مفاوضات الجانب الأوروبي حول البرنامج النووي الإيراني، والذي انتهى بإعلان إيران يوم 11 إبريل 2006 بأنها قد نجحت بإكمال دورة تخصيب اليورانيوم، وظهور أكثر من تصريح لمسؤول أمريكي بوجود تدخل إيراني مباشر ومؤثر في الشأن العراقي مما حدا بالولايات المتحدة إلى تكليف سفيرها في العراق بمفاوضة الجانب الإيراني بشكل غير مباشر في منتصف عام 2005، ثم قبولها التفاوض المباشر مع إيران في نهاية مارس 2006 حول الملف العراقي فقط، – حسبما أعلن الطرفان الأمريكي والإيراني – والذي لم يشرع به بشكل رسمي، وقد يكون للطرح التالي أهمية قابلة للمناقشة: إن الولايات المتحدة بحاجة إلى حدث سياسي كبير على الجبهة الإيرانية يحتوي تداعيات الوضع السياسي في العراق، الذي بات محرجاً للإدارة الأمريكية.
::/introtext::
::fulltext::
شهدت الأشهر الأولى من عام 2006 تطورات دراماتيكية في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، أو ذات صلة به: تعثر مفاوضات الجانب الأوروبي حول البرنامج النووي الإيراني، والذي انتهى بإعلان إيران يوم 11 إبريل 2006 بأنها قد نجحت بإكمال دورة تخصيب اليورانيوم، وظهور أكثر من تصريح لمسؤول أمريكي بوجود تدخل إيراني مباشر ومؤثر في الشأن العراقي مما حدا بالولايات المتحدة إلى تكليف سفيرها في العراق بمفاوضة الجانب الإيراني بشكل غير مباشر في منتصف عام 2005، ثم قبولها التفاوض المباشر مع إيران في نهاية مارس 2006 حول الملف العراقي فقط، – حسبما أعلن الطرفان الأمريكي والإيراني – والذي لم يشرع به بشكل رسمي، وقد يكون للطرح التالي أهمية قابلة للمناقشة: إن الولايات المتحدة بحاجة إلى حدث سياسي كبير على الجبهة الإيرانية يحتوي تداعيات الوضع السياسي في العراق، الذي بات محرجاً للإدارة الأمريكية. ثم إن أغلب منشآت البرنامج النووي الإيراني وأهمها على مقربة من دول الخليج العربية أكثر منه على مقربة من المدن الإيرانية الرئيسية، الأمر الذي يجعل هذه القضية تطرح نفسها بشدة في مجرى التفاعلات السياسية الدولية والإقليمية.
ورغم أن مؤشرات التدهور الظاهر حول قضية البرنامج النووي الإيراني قد بدأت عام 2002 عندما أعلنت الإدارة الأمريكية في خطاب حال الاتحاد وعلى لسان رئيسها جورج بوش أن إيران طرف في محور الشر (إضافة إلى العراق وكوريا الشمالية). إلا أن الفترة (2002-2004) شهدت غض الطرف من قبل كلتا القوتين إزاء ذلك وفقاً لحسابات سياسية لاتزال غير منظورة على المستوى التوثيقي، وتحديداً ما يتعلق بالدور الإيراني في تسهيل نجاح الولايات المتحدة واحتلالها لكل من أفغانستان والعراق. وتكاد لم تتطور التفاعلات إلا مع بداية العام 2006. وفي كل الأحوال، وما يهمنا هنا أن الدول الخليجية العربية لن تكون بعيدة عن تفاعلات هذه العلاقة، وذلك للمبررات الآتية:
* تسعى إيران إلى تصوير صراعها المحتمل مع الولايات المتحدة على أنه صراع الولايات المتحدة مع المذهب الشيعي، وأن الشيعة العرب جزء مستهدف في ذلك الصراع.
* الوضع السياسي في العراق عبر النشاط الاستخباري الإيراني والوجود السياسي في وسط وجنوب العراق، وتبعية أغلب القوى السياسية الشيعية لإيران، واتجاه العراق نحو الانفصال أو الابتعاد عن محيطه العربي.
* استعراض القوة عبر المناورات العسكرية في الخليج العربي في مارس 2006 (مناورات الرسول الأعظم)، وإعلان إيران تخصيب اليورانيوم ودخولها النادي النووي.
* الحركة الدبلوماسية الإيرانية (المصحوبة بتهديدات مبطنة) للكويت عبر زيارة رفسنجاني في مستهل إبريل 2006.
* تنسيق الموقف الإيراني مع سوريا، وحزب الله في لبنان في حالة تدهور العلاقة الأمريكية – الإيرانية.
* إذا ما أصبحت إيران قوة نووية فإن العرب سيقعون تحت ضاغطين استراتيجيين واضحين (إيران واسرائيل) فكلاهما لا يكنُّ مودة أو تقديراً للمصالح والوجود العربيين. وهذا ما يدعونا كعرب إلى الاهتمام بهذه العلاقة، استثماراً للإيجابيات ودرءاً لمخاطر ومضاعفات سلبية غير مرغوبة.
وعندما يجري الحديث عن البرنامج النووي الإيراني فإننا بالضرورة سنتحدث عن الولايات المتحدة، وكذلك عن أوروبا. ويرجع ذلك للعلاقة التي تربط أوروبا مع طرفي المشكلة، أي إيران والولايات المتحدة، ونجاح الولايات المتحدة في إدخالها كطرف مفاوض حول البرنامج النووي الإيراني. لقد وضعت قضية هذا البرنامج اختبارين حاسمين أمام الولايات المتحدة، وكذلك أمام أوروبا. أولهما، رغبة الطرفان الاستمرار في دعم أحدهما الآخر إزاء قضايا عالمية مهمة. وثانيهما، عقد العزم على ثني الدول الأخرى سواء بالإقناع أو القسر على امتلاك السلاح النووي ووسائل إيصاله. والاختباران هما في صلب العلاقة الأمريكية – الأوروبية، فالمناقشة التي تتطلبها مرحلة ما بعد السيطرة على العراق هي المتعلقة بكيفية التأكد بشكل ملائم من عدم وجود أسلحة التدمير الشامل، وكيفية نزعها سواء بقسر الأنظمة أو عبر اعتماد أسلوب التفتيش الدولي الفاعل.
وتكاد المسألة حول إيران لا تشبه ما حصل مع العراق، فلا يوجد اتفاق مقبول على اللجوء إلى الخيار العسكري، وهناك رأي فاعل يدعو إلى الاعتماد على وكالة الطاقة الذرية، وغيرها من المؤسسات الدولية.
وفي العموم، فإن موقف الولايات المتحدة إزاء البرنامج النووي الإيراني يتعلق بمدى إبداء إيران التعاون في المجال النووي، ووقف المساعدة التي تقدمها روسيا لها. أما المسالة المهمة لمعظم الأوروبيين فهي المتعلقة بالطموحات النووية الإيرانية، وبدأ تلمس هذه المواقف بشكل واضح منذ أغسطس عام 2002 عندما تم تسريب معلومات عن إنشاء إيران لمفاعلين نوويين متقدمين. والتحقيق الذي جرى بواسطة الوكالة الدولية أظهر أن إيران انتهكت التزاماتها في عدم الانتشار، وتواصل برنامجاً سرياً لإنتاج مواد قابلة للانشطار، ووصلت إلى مراحل متقدمة في مجال التعامل مع المواد النووية مقارنة بالدول الأخرى التي كانت تثار شكوك حول برامجها النووية.
في أكتوبر 2003، تم التعامل مع عدم تعاون إيران في الملف النووي مع الوكالة الدولية بواسطة الإشارة إلى إمكانية إحالة الملف إلى مجلس الأمن، وكان الرد الإيراني عبر عقد اتفاق مع وزراء خارجية فرنسا، وألمانيا وبريطانيا لإجراء تعليق مؤقت في نشاطها النووي والتقيد بالبروتوكول الملحق بعمل الوكالة الدولية والمتعلق بإجراءات التفتيش المسبق والفجائي للمواقع النووية، وتوفير معلومات كاملة عن برنامجها النووي، ووعد الوزراء الأوروبيون بأن القضية لن تذهب إلى مجلس الأمن، وأن تلك الدول ستوفر تكنولوجيا نووية لإيران تستخدم لأغراض مدنية إذا التزمت إيران بتعهداتها.
وعموماً لقد مرت العلاقة بين الأطراف المختلفة في هذه القضية بثلاث مراحل، الأولى بدأت مع الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي جورج بوش عن حالة الاتحاد في مطلع 2002 حين وصف إيران بأنها إحدى أضلع محور الشر، وتم وضع البرنامج النووي الإيراني في مقدمة ما يشكل تهديدا للمصالح الأمريكية. أما المرحلة الثانية فقد بدأت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق 2003، حيث تشددت الولايات المتحدة إزاء هذا البرنامج واعتبرته يشكل تهديداً للأمن الدولي والأمريكي. أما المرحلة الثالثة والتي ما زلنا نعيش مخاضها فقد بدأت مع توقيع إيران على البروتوكول الإضافي لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في نهاية 2003.
وتدهور الموقف منذ أيلول 2003، فالوكالة الدولية أكملت تقريرها الذي يوضح إخلال إيران بتعهداتها في مجال النشاط النووي (في مجال بناء مفاعلات إضافية والاستمرار بإنتاج البلوتونيوم، والمواد الأولية الداخلة في إنتاج الأسلحة النووية وعدم بيان مصادر التلوث باليورانيوم)، ولم يسعف في وقف حالة التدهور ما قامت به إيران في آيار 2004 من تعاون طوعي مع الوكالة الدولية واستعدادها لتعليق برنامجها النووي.
وقد كانت إيران قليلة التحمل للتدقيق الدولي، لذلك دعت الوكالة لإنهاء عملها وإعطاء تقرير إيجابي عن برنامج إيران النووي. ومنذ اجتماع الوكالة في حزيران 2004، هدد القادة الإيرانيون بتقليل التعاون مع الوكالة واستئناف النشاط النووي ما لم يجري الاعتراف بتعاون إيران، ويجري اغلاق هذا الملف. وعلى الرغم من تلك التهديدات، فإن الدول الأوروبية الثلاث الراعية لقضية الملف النووي الإيراني (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) صرحت بأنها تأسف بشدة لعدم تعاون إيران الكامل والتام وأسلوب نشاطها السابق، وطالبت بإكمال نشاطات التحقق والمراقبة، ودعت إيران إلى الاستعجال في حل كافة الإشكاليات المتعلقة بالإجابة عن أسئلة الوكالة.
التعامل مع الملف النووي الإيراني: الوسائل والأساليب
وفي أكتوبر 2004 دعتها أيضاً إلى تحمل التزاماتها لإنهاء الملف الإيراني، وعدم اتخاذ قرار مزاولة نشاطها النووي في مجال التخصيب. ورغم ذلك لم تظهر إيران ردوداً مهمة حول إنهاء تعاونها مع الوكالة أو البدء بنشاطات تخصيب اليورانيوم. إذ إن السلوك الإيراني حرك تلك الدول لمعاودة مساعيها لإقناعها بالاستجابة للدعوات الدولية في تجميد نشاطها النووي. وطرحت مسألة وضع قضية الملف النووي في أجندة التعاون الأوروبي-الإيراني، بموجب صفقة الثلاثية الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) وإيران في 15 نوفمبر 2004: حيث تعلق إيران جميع أنشطة إعادة المعالجة والتخصيب مقابل تعاون نووي واقتصادي بين الاتحاد الأوروبي وبينها. لكن ما لبثت تلك الجهود أن تفاقمت مرة أخرى مع صعود المحافظين في الانتخابات الإيرانية ووصول محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة، وشهدت العلاقة المتبادلة أزمة امتدت من حزيران 2005 إلى آذار 2006 حيث أحال مجلس حكام الوكالة الدولية ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي لتشهد هذه العلاقة أخطر مرحلة: 27 مارس 2006 عندما أمهل مجلس الأمن إيران شهراً واحداً لوقف نشاطها النووي والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإعلان إيران يوم 11 إبريل 2006 نجاحها بتخصيب اليورانيوم بنسبة 3,5 في المائة وهو أدنى مستوى للاستخدام السلمي للطاقة النووية ثم زادت نسبة التخصيب إلى 4،8 في المائة، وفي 27 إبريل عرض الرئيس الإيراني إمكانية تصدير إيران تكنولوجيا نووية إلى الدول الأخرى و28 إبريل 2006 انتهى تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران لم تتعاون خلال المدة الممنوحة من مجلس الأمن، ولا يزال هناك شك كون استخدامها لبرنامجها النووي هو للأغراض المدنية فقط، وأن إيران سرعت بتخصيب اليورانيوم إلى مستويات تسمح بتشغيل مفاعلات الطاقة، وتجاهلت طلب الوكالة ومجلس الأمن وقف التخصيب. وفي 31 مايو 2006 أعلنت الولايات المتحدة على لسان وزيرة خارجيتها عن عرض مفاده:
-التفاوض مع إيران مباشرة بشرط إيقاف إيران لبرنامجها في مجال التخصيب.
-في حالة الموافقة سيقدم المجتمع الدولي دعماً لبرنامج نووي مدني، وستقدم الولايات المتحدة حوافز اقتصادية وثقافية.
-في حالة الرفض ستعمل الولايات المتحدة مع المجتمع الدولي على بلورة عقوبات ضد إيران.
وتلاه في الأول من يونيو 2006 اجتماع فيينا بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا، حيث انتهت إلى تقديم حزمة مطالب وحوافز من هذه القوى إلى طهران، إضافة إلى تهديد بفرض عقوبات ضدها في حالة عدم الاستجابة خلال شهرين من تقديمها، حملها ممثل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا يوم 6 يونيو 2005. وكان الرد الإيراني عليها أن بعض هذه المطالب جدير بالقبول، وبعضها الآخر بحاجة للدراسة، وأخرى بحاجة إلى توضيح أكثر.
إن السلوك الدولي نحو إيران جاء كرد للأهمية التي باتت تعطيها الولايات المتحدة والدول الأوروبية لقضية طموحات إيران النووية، وغيرها من المظاهر التي كان أهمها:
أ-قيام إيران باختبار قدراتها العسكرية ومنها صاروخ (شهاب 2) ذو المدى 2000كم، ومناورات في غرب إيران 2004 وفي الخليج العربي (الرسول الأعظم) 2006، حيث أصبح الخطر الأهم الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة والقابل للقياس هو إيران.
ب-تصرح وزير الدفاع الإيراني الأميرال علي شامخاني في 18 أغسطس 2003: (نحن لن نضع يداً على يد لننتظر ما يفعله الآخرون بنا، بل إن بعض القادة العسكريين في إيران على اقتناع بأن العمليات الوقائية التي يتحدث عنها الأمريكيون ليست حكرا عليهم. إن الوجود العسكري الأمريكي بالقرب منا ليس عامل قوة لأمريكا على حسابنا، بل الصحيح هو عكس ذلك لأن القوات الأمريكية ستصبح رهينة لدينا. وفي كل الأحوال سنتعامل مع أي ضربة لمنشآتنا النووية على أنها ضربة موجهة إلى إيران كلها، وسنرد عليها بكل قوتنا. إن أمريكا ليست وحدها الموجودة في المنطقة. نحن أيضاً موجودون ابتداء من خوست إلى قندهار في أفغانستان، وموجودون في الخليج، وبإمكاننا أن نكون موجودين في العراق. وبالنسبة إلى إسرائيل فنحن لا نشك في كونها كياناً شريراً. كما أنه لن يكون بمقدورها القيام بأي عملية عسكرية من دون ضوء أخضر أمريكي، ولا يمكن الفصل بين الطرفين).
ج-اتفاق معظم الباحثين والدارسين على أن برنامج إيران النووي يهدف لامتلاك أسلحة نووية. وقد صرح جريجوري شولت مندوب الولايات المتحدة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوم 27 إبريل 2006 (بأن التهديد المستتر الذي وجهه أحمدي نجاد بالانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي يثبت أن طهران تريد امتلاك أسلحة نووية. وتابع قائلاً: أعتقد بأن الرسالة الواضحة من هذا التهديد المستتر هي أن برنامجهم ليس برنامجاً سلمياً. إذا كان هذا البرنامج سلمياً فلماذا يهددون بالانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي).
وعلى الرغم من اجتماع فيينا في الأول من يونيو 2006، وما توصل إليه من حزمة مطالب وعروض لإيران، فإنه حتى الآن لا يوجد اتفاق بين القوى الكبرى و/أو دول المنطقة على اعتماد منهج موحد ضد إيران. إن المراوغة الإيرانية ومحاولات التملص والتضليل الكامل حول البرنامج النووي.. وهذا ما يلاحظ في التقارير المرفوعة إلى الوكالة الدولية، كلها تثير شكوكاً عميقة حول أهداف إيران بأنها تهدف من وراء تخصيب اليورانيوم أن تصبح قوة تكنولوجية نووية وربما مالكة للسلاح النووي. الأمريكيون والأوروبيون وصلوا إلى اتفاق على أن إيران، في الحد الأدنى، تسعى لامتلاك تكنولوجيا نووية، ولكنهم يختلفون في مسألة اتخاذ إيران لقرار سياسي بامتلاك السلاح النووي. بمعنى أن هناك اختلافاً حول هل إن إيران تسعى لامتلاك تكنولوجيا نووية فاعلة أم أنها قد اتخذت قراراً بامتلاك سلاح نووي. وهذا التباين يظهر في قضيتين أساسيتين، الأولى، الجدل حول العلاقة بين قدرات إيران النووية واستقرار المنطقة، فامتلاك إيران للسلاح النووي سيؤثر في توازنات المنطقة وهذا أمر غير مقبول أمريكياً. كما أن الأوروبيين لا يحبذون هكذا مشهد، لذلك كرروا معارضتهم القوية لامتلاك إيران السلاح النووي. والثانية، الاعتراف بحق إيران في امتلاك تكنولوجيا نووية، حيث تدرك الولايات المتحدة ودول أوروبا الثلاث أن إيران ستتجه بأقصى ما تستطيع نحو السلاح النووي مع امتلاك قدرة تخصيب اليورانيوم وإنتاج البلوتونيوم. ففي هذه الحالة سيكون باستطاعتها الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار ومن ضمانات عدم انتاج القنبلة النووية، وسيكون وضع القدرات الإيرانية في دائرة تحقق الوكالة ليس بالحل الكافي.
وعلى أي حال، لقد اقتنعت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بأن إيران قد توصلت إلى ضرورة اتخاذ هكذا قرار، واعتمدت في هذا الاستنتاج على: تقارير الوكالة الدولية التي تدين إيران، التضمينات العسكرية للبرنامج النووي، السرية التي تحيط البرنامج النووي، عدم تزويد إيران الوكالة بمعلومات كافية عن برنامجها. وتوصلت تلك الدول إلى رؤية أن إيران تعمل بفاعلية ليس على إنتاج تكنولوجيا نووية لأغراض سلمية فقط، بل إنتاج أسلحة نووية. وهي تعتقد بأن إيران تشرع ببرنامج سري ذا شقين مدني وآخر تحت السيطرة العسكرية، رغم أنها تعلن عن فتح منشآتها النووية. والظاهر أن هذه الدول لم تملك الدليل القاطع على أن إيران تعمل على تصميم والشروع بإنتاج قنابلها النووية، فهي لاتزال واثقة بأن هذا العمل لا يزال في طوره الأول.
ولقد سبق أن اتفقت القوى دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا في اجتماعها في موسكو في 26 إبريل 2006 على خطورة تصريح إيران بتخصيب اليورانيوم، وكرر ذلك في اجتماع فيينا في الأول من يونيو 2006، لكنهم اختلفوا حول طريقة التعامل مع هذا الملف، ولا يتوقع أن يصلوا إلى اتفاق حول الوسائل الأنجع في التعامل مع هذا البرنامج، خصوصا في ظل تباين المصالح الاستراتيجية بين هذه القوى، في علاقاتها المتبادلة، و/أو في علاقاتها مع إيران وتحديدا بالنسبة إلى روسيا والصين. والاحتمالات في هذا الصدد لا تتعدى الاحتمالين الآتيين:
الاحتمال الأول في ظل هكذا اتفاق من المحتمل أن توافق إيران على الكشف عن المواد القابلة للانشطار، وكذلك أي مواد أخرى تحت التشييد. ولتوفر ضمانات كافية ستصدق على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية. وكتعويض لاستجابة إيران يقوم المزودون الرئيسيون: وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا بتوفير الضمانات الكافية لتزويد إيران بالتكنولوجيا النووية للأغراض المدنية على أسس تجارية حالما تبدأ بتنفيذ تعهداتها.
الاحتمال الثاني في حالة رفض إيران الاستجابة للضغوط الأمريكية، أن تلجأ الولايات المتحدة إلى خيار استخدام القوة العسكرية، سواء عبر قرار من مجلس الأمن وفقاً للفصل السابع من الميثاق أو عبر تجاوز مجلس الأمن، كما في حالة العراق عام 2003. ويدعم هذا الاحتمال تصريح الرئيس بوش (عندما سأل عن تخطيط إدارته لضربة نووية محتملة ضد المنشآت النووية الإيرانية) يوم 25 إبريل 2006: (ان كل الاحتمالات على الطاولة).
وهكذا احتمالات تفاعل قضية البرنامج النووي الإيراني واردة. فالقضية النووية قضية سياسية في إيران، مع الخط المتشدد الذي يرى في الولايات المتحدة وأوروبا أنها قوى تحاول منع حصولها على تكنولوجيا نووية متقدمة، فخلال السنتين الأخيرتين تحدث بعض القادة الإيرانيين بشكل صريح عن عدم إمكانية التخلي عن حق تخصيب اليورانيوم أو غيرها من القدرات النووية، وأهم هؤلاء القادة مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي الذي تحدث صراحة عن أن القدرات النووية شيء أساسي لإيران وأن الاعتماد على الآخرين في هذا المضمار غير مضمون، لاعتبارات سياسية عديدة. وهذا الأمر ينطبق على العرضين الروسي (إجراء تخصيب مشترك لليورانيوم بين إيران وروسيا في الأراضي الروسية) والعرض الأوروبي (الذي يقف عند فكرة المقايضة التي ترى حق إيران بامتلاك برنامج نووي، وضمانات حمايته، وضرورة وقف أعمال التخصيب مقابل توفير الدول الأوروبية للتكنولوجيا النووية التي تستخدم للأغراض المدنية غير المكلفة جداً والفعالة)، فالإيرانيون ما زالوا يرون في الاستجابة لذلك تجريداً لقدراتهم على إنتاج مواد انشطارية. ونظرا للاستثمار الكبير في هذا البرنامج طوال عقدين وما تتوقعه إيران من منافع جراء ذلك، فإن الإيرانيين يقاومون بشدة فكرة التخلي عن تلك القدرات.
وفي الوقت الحاضر، الواضح أن إيران لن تتخلى عن خيارها النووي بسهولة. وقد ولّد احتلال الولايات المتحدة للعراق الخشية من أن تكون إيران هي القادمة مادامت القوات العسكرية الأمريكية أصبحت تحيط بإيران. فضلاً عن ذلك، في حالة الموازنة بين المنافع والتكاليف الناجمة عن تفاعلات القضية النووية في مجلس الأمن، فإن فالاستجابات الأولى من المحتمل أن تكون قوية– انتقادات دولية وعقوبات من قبل مجموعة الثماني. وفي المدى البعيد ستتلاشى تلك العقوبات تدريجياً، وذلك لصعوبة احتفاظ الولايات المتحدة بتحالفات دولية، كما أن لإيران أهمية اقتصادية وسياسية عند العديد من الدول. هكذا تصور من الممكن أن يدفع إيران إلى الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار، وسيكون رد فعل دول العالم متبايناً من هذه المسألة، ولا يتوقع القادة الإيرانيون ذلك فحسب، بل، يرون أيضاً أن هناك مكاسب محدودة جراء التخلي عن الخيار النووي. وبشكل خاص، فإن الاحتمال القائم هو أن الولايات المتحدة ستستمر في نهجها العدائي ضد إيران حتى إذا ما أعلنت الأخيرة عن وقف برنامجها النووي. كما يرى الإيرانيون أن احتمالات المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة تبدو ضعيفة في المرحلة الراهنة، وان فرص إيران في تجاوزها متاحة وذلك بفضل إمكانية استخدام توابعها في العراق لمواجهة أي حالة ضغط أمريكية أو تدخل في شؤونها، خاصة في القضية النووية. لكن من الواضح أن إيران لاتزال تتجنب استخدام هذه الورقة لإثارة العنف أو الاضطراب أمام الولايات المتحدة بشكل مباشر.
وهذا ما يفسر كون إيران تلقت الانتقادات بعدم الارتياح لكنها تعاملت معها. فالضغوط لم تكن بالقوة الكافية لتقنع إيران بالتنازل عن طموحاتها النووية، ولا يتوقع أن تتغير العوائق خلال الاعوام الثلاثة المقبلة عما هو قائم الآن حيث يد إيران قوية جداً في العراق، لذلك إيران ترغب في حصول تقدم من خلال لعبة التنازلات والمساومات مع المفتشين، والضغط على الأوروبيين والولايات المتحدة، والتضييق على احتمالات حرمانها من نشاطات التخصيب كلما كان ذلك ممكناً.
الولايات المتحدة وخيار القوة
ونتساءل هنا، ما الذي نتوقعه بخصوص أزمة الملف النووي الإيراني؟ وكيف ستكون العلاقة بين الفاعلين الرئيسيين للولايات المتحدة وإيران؟ وما انعكاسات ذلك على أمن الخليج العربي؟
ينتهي العديد من المراقبين إلى ضعف جدوى الدبلوماسية في التعامل مع إيران، إلا أن الحال ينبئ بموقف آخر. فالكاتب المصري عبد المنعم سعيد ينتهي إلى أن فترة الوفاق في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران هي الأرجح، وأن المسألة موضع الجدل ليس امتلاك التكنولوجيا النووية بل إنتاج إيران كمية كافية من اليورانيوم المخصب تكون كافية للتسلح النووي، ويمكن رصد ذلك من جانبين. فعلى الجانب الأمريكي يلاحظ:
-فشل جماعة المحافظين الجدد في تقرير الأعداء(أفغانستان والعراق)، بقدر فشلها في تقدير الحلفاء (العرب)، بعد أن وقفوا يتفرجون على مأزقهم في المنطقة.
-الولايات المتحدة لا تستطيع فتح جبهة أخرى في إيران في حين لايزال موقفهم محرجاً في العراق.
مع اقتراب موعد الانتخابات في الكونجرس فإن من مصلحة المحافظين الجدد عدم خسارة مقاعدهم، بل الضرورة تقتضي التراجع وإعادة تقييم وليس التوسع والانتشار واستخدام القوة.
أما على الجانب الإيراني، فيلاحظ:
* هدف إيران ليس السلاح النووي، بقدر ما هو تأكيد كونها قوة إقليمية عظمى أمام الغرب، واعتراف الأخير بوضعها ذلك.
* التيار المحافظ في إيران أصبح بلا منافس بعد فشل مشروع الإصلاح الاقتصادي لرفسنجاني ومنهج الانفتاح السياسي لمحمد خاتمي.
* إن المرحلة الراهنة ليست لحظة للمغامرة بمصير البلاد بل هي لحظة لاستخدام الأوراق كلها (العراق، القدرة النووية، النفط، أخطاء الولايات المتحدة) لخدمة الأهداف القومية في بناء المكانة الإيرانية على المستوى الدولي.
وما قد يدفع إلى هذا التحليل، وهو ما انتهى إليه الكاتب المصري حسن نافعة بقوله إن الصفقة في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران هي أمر وارد. فإيران سبق لها في بداية مايو 2003 أن سلمت الولايات المتحدة عبر سفارة سويسرا تصوراتها لما يمكن أن تكون عليه هذه العلاقة، وما هي على استعداد للقيام به من أجل تحسينها. وأهمها أربعة إجراءات:
1-القبول برقابة كاملة على برنامجها النووي السلمي من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتوقيع على كافة البروتوكولات التي تكفل فاعلية هذه الرقابة.
2-الاعتراف بإسرائيل، والوقوف في الموقف نفسه الذي تقفه الدول العربية الراغبة في السلام مع إسرائيل.
3-قطع كل المساعدات المادية والسياسية المقدمة لحركات المقاومة الإسلامية في فلسطين (حماس والجهاد الإسلامي)، والضغط عليها لوقف عملياتها المسلحة.
4-الضغط على حزب الله للتحول إلى حزب سياسي ورفض استمراره كحركة مقاومة، وتذليل العقبات التي تحول دون سيطرة الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل.
ورغم أن الوضع الاستراتيجي اليوم قد تغير عنه عما هو بداية عام 2003، وهذا ما تؤكده كثرة الأوراق التفاوضية التي تملكها إيران، إلا أن الأخيرة تبقى حذرة من مسألتين: الاعتقاد القوي الموجود داخل الإدارة الأمريكية بأن الخيار العسكري قابل للاستخدام في الأزمات الدولية، وربما يكون هو الوحيد في معالجة بعضها. ويساعد على ذلك الفجوة الأيديولوجية بين الإدارة الأمريكية والنظام السياسي في إيران.
وعموماً فإنه لإقناع إيران بالتخلي عن طموحاتها النووية، ينبغي على الولايات المتحدة وأوروبا اعتماد خيار يشجع إيران على التجاوب عند إجراء موازنة بين التكاليف والمنافع. إذ عليهم العمل سوية لدفع إيران إلى الاختيار بين أن تصبح إيران قوة إقليمية كبرى بسلاح نووي أو أن تندمج كعضو فاعل في المجتمع الدولي من دون ذلك السلاح.
وكأية دولة لديها إمكانات، تطمح إيران إلى ممارسة دور إقليمي فاعل. وهي ترغب في امتلاك برنامج وقدرات تكنولوجية نووية متقدمة. ومنذ فترة تحاول إيران الحصول على أكبر قدر من التنازلات في مساوماتها مع أوروبا إزاء برنامجها النووي. وشراء الوقت عبر تطلع النظام في إيران لجني منافع الاندماج الاقتصادي والسياسي مع المجتمع الدولي.
إن لأوروبا وللولايات المتحدة أسباباً مهمة في التوجه صوب إيران، وتكاد حركتهما إزاءها تكون متباينة نسبياً. فالولايات المتحدة أدخلت إيران في دول محور الشر، وجادلت بأنها لم تلتزم بمعاهدة حظر الانتشار النووي، وعارضت كل أشكال التعاون النووي مع إيران، وبضمنه تعاون روسيا في هذا المجال. أما أوروبا فهي قد قدمت المكافأة على العقوبات، ووعدت بتسهيل تجارة التكنولوجيا المتقدمة مع إيران، وبضمنها التكنولوجيا النووية؛ رغم أنها لا تريد إيران نووية في المنطقة، وكذا الحال مع روسيا.
إن الاختلافات في المواقف الأوروبية والأمريكية والروسية تعطي إيران القليل من المرونة، إذ ليس بالضرورة أن تقود تهديدات الولايات المتحدة إلى نتائج فاعلة، والخيار العسكري ليس مضموناً في المرحلة المنظورة، أما بالنسبة إلى الأوروبيين فيبدو أنهم غير موافقين تماماً على متابعة الخيار الأمريكي في اعتماد نظام العقوبات الدولية. والواضح أن أي عرض أوروبي قد يفسر بأنه يحمل مكافآت قليلة إذا لم يرافقها تغير في التوجهات الأمريكية نحو النظام الإيراني- رغم أن الولايات المتحدة أبدت موقفاً أكثر دبلوماسية واستجابة لحلفائها بمبادرة قبول التفاوض المباشر مع إيران نهاية مايو 2006.
وما تقدم لا ينفي أن الدول الأوروبية لديها خطوط حمراء يصعب استمراء إيران تجاهلها: الفشل في الإيقاف الشامل لنشاطات التخصيب، والكشف للوكالة الدولية عن النشاطات النووية السرية أو تقديم معلومات وتسهيلات بشأنها، والفشل في التعاون مع الوكالة في إطار البروتوكول الإضافي. فهي واضحة لإيران، وواضح لها كذلك ما سيترتب على تجاوزها تلك الخطوط، ليس فقط في إطار إيقاف المتصور من المنافع، لكن قد يمس إمكانية العودة إلى حالة التعاون القائمة، وأنه يمكن تضمين قرارات مجلس الأمن استخدام القوة في حالة تجاهل إيران تلك الخطوط. وأن فرنسا وبريطانيا لن تستخدما حق الاعتراض على أي قرار دولي يهدف إلى وضع حد لطموحات إيران، وتحديدا بعد عرض القوى الكبرى لحزمة المطالب والحوافز.
إن الارتقاء بالعلاقة الأمريكية – الإيرانية سيكون في جانب منه رهينة لدوافع إيران في مجال السلاح النووي؛ ففي السابق كان الدافع الأمني الرئيسي لبرنامج إيران العسكري مواجهة قدرات العراق؛ قبل أن يدب الضعف في هذا البلد وانتهائه تحت السيطرة الأمريكية في 2003. والآن وبعد زوال الخطر العراقي، فإن الدافع لاستمرار إيران ببرنامجها النووي والتسليحي هو مواجهة مخاطر الوجود الأمريكي في المنطقة. وهذا ما يجعل من الصعوبة دفع إيران للتخلي عن برنامجها بسهولة. فإمكانية دفع إيران لتقديم تنازل بشأن برنامجها النووي من دون ضمانات حول مصالحها القومية قد تأخذ سنوات.
وبينما يعمل الأمريكيون والأوروبيون على إعادة تشكيل حسابات إيران بعيدة المدى عند رصد التكاليف والمنافع، فإنهم عملوا على عدم دفعها باتجاه اعتماد خطوات قد تضر باستقرار الوضع الدولي. وهذا يعني ضمانات بتحديد سقف أنشطة التخصيب والأنشطة الأخرى، إضافة إلى السماح للوكالة الدولية بإجراء تحقق كامل حول الأنشطة النووية الإيرانية. مثل هذا التحديد ضروري للولايات المتحدة والأوروبيين لإجراء اتصال مقبول مع إيران يعوض تخليها عن الخيار النووي بروابط تضمن مصالحها القومية.
وهنا يكمن جوهر الإشكالية في الرؤية الإيرانية، فعلى المدى البعيد ترى إيران منافع الاستمرار ببرنامجها النووي، في حين منافع التخلي عن ذلك البرنامج لاتزال غير مؤكدة، وفي أحيان هي جديرة بالإهمال. وفي أفضل الأحوال لا تزال الطروحات الأمريكية والأوروبية مختلفة في التعامل مع إيران، وهذا ما يجعل المسألة غير واضحة، ولا تزال الدول الأوروبية وروسيا والصين تأمل في أن تتم معالجة المشكلة عبر طرق غير قسرية، وألا تصل إيران إلى قناعة بأن التخلي عن برنامجها هو من دون قيمة.
::/fulltext::
::cck::3183::/cck::
