الفساد العلمي
::cck::3184::/cck::
::introtext::
تزايد الاهتمام بقضايا الفساد منذ النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي نظراً للآثار السلبية للفساد في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، وفي الغالب يتم تناول الفساد السياسي والفساد الإداري وفساد رجال المال والأعمال والإعلام، ونادراً ما يتم الحديث عن أشكال الفساد الأخرى، فالفساد لا يتوقف عند هذه الأشكال أو الأنواع إن صح التعبير، وإنما يتعداه ليشمل قائمة طويلة من الممارسات والسلوكيات الفاسدة كلٌ في مجال عمله أو مهنته، حتى تحول السلوك الفاسد إلى شيء مألوف بعد أن كان مكروهاً ومداناً اجتماعياً. والفساد العلمي أو الأكاديمي واحد من هذه المهن التي أصابها ما أصاب غيرها من المهن من انحرافات وانتهاكات حظيت في السنوات العشرة الأخيرة باهتمام القائمين على المؤسسات العلمية والبحثية والمعنيين بسلامة أداء هذا القطاع في الدول المتقدمة والناشئة نظراً لأهمية الدور الذي يقوم به العاملون في هذا القطاع في مجال البحث والتطوير العلمي والتكنولوجي المرتبط أساساً بعملية التنمية مختلفة الجوانب
::/introtext::
::fulltext::
تزايد الاهتمام بقضايا الفساد منذ النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي نظراً للآثار السلبية للفساد في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، وفي الغالب يتم تناول الفساد السياسي والفساد الإداري وفساد رجال المال والأعمال والإعلام، ونادراً ما يتم الحديث عن أشكال الفساد الأخرى، فالفساد لا يتوقف عند هذه الأشكال أو الأنواع إن صح التعبير، وإنما يتعداه ليشمل قائمة طويلة من الممارسات والسلوكيات الفاسدة كلٌ في مجال عمله أو مهنته، حتى تحول السلوك الفاسد إلى شيء مألوف بعد أن كان مكروهاً ومداناً اجتماعياً. والفساد العلمي أو الأكاديمي واحد من هذه المهن التي أصابها ما أصاب غيرها من المهن من انحرافات وانتهاكات حظيت في السنوات العشرة الأخيرة باهتمام القائمين على المؤسسات العلمية والبحثية والمعنيين بسلامة أداء هذا القطاع في الدول المتقدمة والناشئة نظراً لأهمية الدور الذي يقوم به العاملون في هذا القطاع في مجال البحث والتطوير العلمي والتكنولوجي المرتبط أساساً بعملية التنمية مختلفة الجوانب.
وحرصت الأكاديميات في كل من الدول الأوروبية والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا على إيجاد حلول لهذه الظاهرة التي تتعارض مع أبسط قواعد السلوك العلمي الصحيح والسليم، فعُقدت اجتماعات وصدرت تقارير وكتيبات حول هذا الموضوع تتضمن ما اعتبر أنها تشكل المبادئ الأساسية لما يمكن أن يطلق عليه السلوك العلمي الاحترافي السليم.
وفي ما يخص الجامعات أو الأكاديميات في الدول المتخلفة ومنها العربية فإنها لا تزال بعيدة كل البعد عن وضع مثل هذه المعايير أو المبادئ لمعالجة هذه الظاهرة المنتشرة بكثرة في الجامعات العربية، بل تطال الشكوك كافة البحوث المنجزة في الجامعات العربية منذ عقود.
وفي هذه الورقة سنلقي الضوء على أسباب ودوافع وآثار تفشي هذه الظاهرة في الأكاديميات والمعاهد البحثية العربية، التي كانت ولا تزال تشكل حالة قلق متزايدة في المجتمع العربي.
– تعريف الفساد العلمي:
هو كل بحث يقوم به أكاديمي يخالف فيه قواعد ومعايير البحث والسلوك العلمي الصحيح، وينتهك فيه شروط وأخلاقيات الأمانة العلمية.
– أشكال الفساد العلمي وصوره:
ما هي أشكال الفساد العلمي؟ ما هي صوره؟ وهل لا تزال ثقة المجتمع بالعلم غير محدودة؟
أسئلة لا تزال تبحث عن إجابة، فانتهاك الأمانة العلمية وسوء السلوك العلمي يضران بالسمعة العلمية ويفقدان العلم بشكل عام والمجتمع الأكاديمي بشكل خاص ثقة المجتمع بشكل تدريجي، فما هي أشكاله وصوره:
أ – الغش: ويشمل تلفيق البيانات، وتزويرها واقتطاعها (بالتقريب المواتي، وحذف ما هو غير مرغوب منها)، إضافةً إلى الاستعمال الانتقائي للبيانات، باختصار يتمثل الغش بالعبث بالبيانات.
ب – الخداع والتضليل: ويتعلق بالانتهاك المتعمد لقوانين التحليل المنهجي السليم ومعالجة البيانات، ومن الأمثلة على ذلك التصريح بأن البيانات التجريبية متوافرة، في حين أن ذلك غير صحيح، والإهمال الفاضح في أخذ العينات، والانتقاء المقصود لأساليب تحليل غير مناسبة ولكن مواتية، والصياغة غير الصحيحة أو الانتقائية لنتائج واستنتاجات أبحاث أخرى.
ج – انتهاك حقوق الملكية الفكرية: إن أفضل مثال معروف في هذا التصنيف هو الانتحال، والانتحال هو عرض مقصود لآراء الآخرين ونتائج الأبحاث أو النصوص من غير الإقرار بمصدرها وكأنها رأي المؤلف نفسه. ولكن هناك أشكالاً أخرى للانتحال: سرقة الأفكار من طالب دكتوراه أو زميل عمل، أو الادعاء بالتفرد في كتابة مؤلف علمي ساهم فيه آخرون، أو ادعاء محرر في دورية علمية بأنه مصدر الأفكار لمقال أو ورقة علمية رفضاً للنشر بعد مراجعتها.
وفي المذكرة التي قدمها كل من جيرارد تولوز رئيس اللجنة الدائمة لأخلاقيات العلوم في الأكاديميات الأوروبية، وبيتر درنث رئيس الأكاديميات الأوروبية، الموجهة بشكل خاص إلى موظفي المؤسسات البحثية القائمين على إعداد الأبحاث العلمية أو المساهمين فيها، أورد الأستاذان أمثلة لانتهاكات الأمانة العلمية وحثوا الباحثين والعاملين في المؤسسات البحثية في الأكاديميات الأوروبية على تجنبها لبعدها عن الممارسات العلمية الحميدة، ولمخالفتها للمبادئ الأساسية للسلوك العلمي الاحترافي، وهي:
– الحصول أو محاولة الحصول على هبات بالخداع (وذلك بالتظاهر بامتلاك خبرات معينة أو التشويه المتعمد لنتائج سابقة أو إثارة توقعات مضللة.
– تحريف نتائج دراسات المصادر والمراجع المتعلقة بالبحث وتزويرها أو التلاعب بنتائج الملاحظات والمشاهدات أو التجارب.
– تقديم النتائج بصورة انتقائية، وذلك بحذف النتائج غير المرغوب فيها بهدف الوصول إلى الاستنتاجات الموضوعة مسبقاً.
– تقديم بيانات وهمية في أعقاب مشاهدة أو تجربة.
– تطبيق أساليب إحصائية بشكل خاطئ عن قصد من أجل الوصول إلى استنتاجات ونتائج لا تبررها البيانات.
– التفسير غير الدقيق أو التحريف المقصود لنتائج الأبحاث.
– انتحال نتائج أو نشرات صدرت عن الآخرين، ونسخ نصوص أو نتائج أعدها آخرون من دون تنويه وإقرار بالمصادر.
– تشجيع وسائل الإعلام على نشر تفسيرات غير صحيحة لنتائج الأبحاث وذلك بعد اتباع الأساليب العلمية الصارمة في الوصول إلى هذه النتائج.
– التصرف بفظاظة مع الزملاء والمرؤوسين من أجل التأثير في نتائج البحث.
– تقديم سجلات أو نتائج أبحاث العلماء والباحثين الآخرين بطرق غير صحيحة أو ذات نزعة معينة بصورة مقصودة.
– ادعاء الباحث بكونه مؤلفاً أو مؤلفاً مشاركاً لنتائج بحث ما من دون المشاركة بأي شكل في التخطيط أو أداء البحث المعني أو تفسير وكتابة الأسس المتبعة في إتمامه.
– حذف أسماء المؤلفين المساعدين الذين قدموا مساهمة ملموسة في البحث أو إضافة أسماء أشخاص لم يشاركوا فيه أو لم يساهموا بطرق فعالة.
– الإهمال في إجراء البحث أو في إعطاء التعليمات الإجرائية، أو إغفال الإجراءات التي تهدف إلى الكشف عن الأخطاء وتحديد مقدار عدم الدقة.
– إهمال الإجراءات المتبعة في التعامل مع البيانات السرية وطباعة تصاميم الفحص أو برامج الحاسوب دون إذن.
– أسبابه ودوافعه:
الفساد في المؤسسات العلمية ظاهرة موجودة ومعترف بها على المستوى الفردي، إلا أنه على المستوى الجماعي والمؤسسي هناك إخفاء لهذه الحقيقة أو لنقل تواطؤاً بين أفراد المؤسسات العلمية لإخفائها أو تجاهلها، فنادراً ما نسمع أن بحثاً أو مقالة علمية رفضت لضعف مستواها العلمي أو لكونها تكراراً لما سبق أو أنه لا يوجد فيها تجديد أو ابتكار أو إضافة علمية، أو لأن صاحبها – وهذا هو الغالب – انتهك الأمانة العلمية المطلوب توفرها في أي بحث، أو أن بحثاً شُطب لكون الباحث الأكاديمي قدم بحثاً منتحلاً أو أنه لفق بيانات أو قدم بحثاً أو مقالة علمية مفبركة النتائج، إن مثل هذا الموضوع غير مسموح تناوله لأي كان وكأنه يمس جانباً من جوانب الأمن القومي أو الوطني لبلد ما.
وجرت العادة أن يبرر القائمون على رأس المؤسسات العلمية، والباحثون الأكاديميون في الأكاديميات العربية تخلف مؤسسات ومعاهد البحث العلمي العربية بضعف التمويل وعدم توفر حوافز مادية ومعنوية للباحثين الأكاديميين، متجاهلين حقيقة أساسية في هذا الجانب وهي أن توفر الشهادات شيء وتوفر الكفاءات شيء آخر، وكذلك يتم الحديث عن هجرة الكفاءات العربية إلى الخارج وهذا كلام غير صحيح بالمطلق، فغالبية المهاجرين من أصحاب الشهادات لا من أصحاب الكفاءات، ودليلنا على ذلك أن عدد النابغين العرب في الولايات المتحدة والدول الأوروبية وكندا واستراليا ودول المهجر الأخرى التي تجتذب العرب يكاد لا يذكر، أما عدد من يعملون في مهن مختلفة تتطلب وجود شهادات لسد نقص أو عجز في العمالة في قطاعات مختلفة فهو كبير بسبب نقص في حملة هذه الشهادات أو لانخفاض أجور أصحاب هذه الشهادات أو لضعف القاعدة السكانية أو لارتفاع متوسط الأعمار في بلد المهجر (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، اليابان) أو لقلة عدد السكان قياساً بمساحة الدولة (الولايات المتحدة وكندا وأستراليا) مقارنةً بمتطلباته من حملة شهادات بعينها دون أخرى، وفي العادة لا يتم ذكر هذه الأسباب في الدراسات والمقالات المنشورة في ما يتعلق بهذه المسألة، وإنما يتم تجاهلها ليبرر الأكاديميون عدم كفاءتهم، وفي هذا السياق لا نجد معنىً لعبارتي (دول طاردة) للكفاءات و(دول جاذبة) للكفاءات التي يتم تضمينها مقالات مضمونها يتناول معوقات البحث العلمي أو هجرة الكفاءات العربية. وعلى أي حال يمكن حصر أسباب الفساد العلمي ودوافعه في التالي:
أ – عدم وجود كفاءات علمية ترتقي إلى درجة باحث:
حتى الآن لم يصل القائمون على رأس الأكاديميات والمراكز البحثية العلمية العربية إلى درجة من الشجاعة الأخلاقية والمهنية يميزون أو يفرقون فيها بين تسميتين أساسيتين هما الباحث والمحاضر الأكاديمي، فنحن نفتقر إلى باحثين، أما بالنسبة للمحاضرين فإننا نعاني نقصاً في بعض الفروع العلمية وفائضاً في فروع أخرى، لذلك فإن التمييز بين التسميتين يخدم قطاع البحث ويوفر أموالاً تهدر بلا أي طائل، القطاع بأمس الحاجة لها لتمويل أبحاث حقيقية وليست وهمية يقوم بها باحثون لا محاضرون، فليس كل أكاديمي باحثاً والعكس صحيح، فحتى الآن كما ذكرنا لم يتم التفريق أو التمييز بين المحاضر الأكاديمي والباحث، فكل تسمية تتطلب شروطاً لا تتوفر في الآخر، ولكل منهما قدرات ومهارات وملكات يجب أن تتوفر فيه حتى نسميه بأحد المسميين محاضر أكاديمي أو باحث، إن هذه الإشكالية بحاجة لمعالجة حتى يمكن أن نتحدث فيما بعد عن الكيفية أو الآلية التي يمكن من خلالها تحفيز الباحثين على الإنتاج والإبداع الفكري والعلمي، فالعبرة ليست بالكم وإنما بالنوعية، لذلك هناك حاجة ماسة اليوم للتفريق بين المحاضر الأكاديمي والباحث حتى نتمكن مستقبلاً من الدخول في حمى المنافسة العلمية الدولية أو على الأقل الإقليمية، مع إسرائيل على سبيل المثال لا الحصر.
ب- ربط الترقي الوظيفي بنشر أبحاث:
غالبية الجامعات العربية تربط الترقي الوظيفي لأي أكاديمي (حملة درجة الدكتوراه) بنشر أبحاث أو مقالات علمية دون الأخذ في الاعتبار مدى كفاءة هذا الأكاديمي أو قدراته أو السوية العلمية لهذا البحث أو تلك المقالة العلمية، لذلك يجب اعتماد آلية جديدة يتم من خلالها ترقية أكاديمي وظيفياً أو منحه علاوة مالية من دون ربطها ببحث أو تأليف كتاب في الغالب منتحل.
ج – عدم وجود هيئات علمية رقابية:
غالبية الأكاديميات العربية لا توجد فيها هيئات علمية رقابية تقيم البحث أو المقالة العلمية قبل نشرها، فهناك مجلات داخلية دورية متخصصة داخل الجامعات ترأسها هيئة تحرير من الجامعة نفسها تحيل المقالة إلى مقيمين في الغالب ليست لديهم القدرة العلمية على التأكد من أن النتائج التي تضمنها البحث أو المقالة صحيحة أم لا، أضف إلى ذلك أن تقييم الأبحاث والمقالات يخضع للعلاقات الشخصية والمصالح المتبادلة والمحسوبيات، الأمر الذي يستوجب اعتماد آلية يتم من خلالها التأكد من صحة النتائج كإلزام من تقدم ببحث بتوضيح آلية عمله والوسائل التي اتبعها للوصول إلى النتائج التي تضمنها البحث حتى يتمكن المقيمون من التأكد والتحقق من صحتها ومصداقيتها.
د- عدم وجود هيئة متخصصة للنظر في شكاوى سوء السلوك العلمي:
حتى الآن لم تشكل هيئة أو مؤسسة متخصصة داخل كل جامعة أو مركز أو معهد بحثي علمي للنظر في الادعاءات المتعلقة بسوء السلوك العلمي والانتهاكات العلمية وفرض عقوبات قاسية قد تصل للطرد أو الفصل من العمل، وربما إحالة من يقوم بخداع وغش متعمد للمجتمع إلى القضاء نظراً للآثار التي يمكن أن تترتب على تبني نتائج بحث علمي مفبرك في إنتاج سلعة ما غذائية أو دوائية أو طبية و.. الأمر الذي يشجع الأكاديميين على التمادي في انتهاك الأمانة العلمية والانغماس في سلوك يتسبب في تشويه سمعة الأكاديميات ومراكز الأبحاث العلمية وسمعة الباحثين والأكاديميين أنفسهم ويفقدهم ثقة واحترام المجتمع.
هـ – دوافع اقتصادية ومالية :
تربط بعض الجامعات في الدول العربية الحوافز المالية بالإنتاج العلمي (نشر أبحاث – تأليف كتاب – إشراف على رسائل ماجستير أو دكتوراه – تقييم البحوث والإنتاج العلمي للآخرين)، هذا الربط دفع بالغالبية إلى سلوك فردي وأحياناً جماعي يتنافى مع قواعد السلوك العلمي الصحيح والسليم بغية الحصول على أكبر قدر من هذه الحوافز، فيلجأ الأكاديمي إلى اتباع سلوكيات تتنافى مع ما يسمى (الأمانة العلمية) كالغش والتضليل والخداع وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، لذلك فإن إلغاء هذا الربط واعتماد آلية أخرى يتمكن من خلالها الباحثون وليس المحاضرون الأكاديميون من الحصول على حوافز مادية مجزية سيساهمان في تحفيز الباحثين على الإنتاج والإبداع في مختلف حقول العلم والمعرفة.
و- الرغبة في الشهرة وجني المكاسب:
يلجأ بعض الأكاديميين المحاضرين إلى نشر أبحاث ومقالات في دوريات ومجلات علمية مسروقة مفبركة النتائج، والهدف من هذا السلوك الشاذ غير الأخلاقي هو تحقيق شهرة وجني مكاسب شخصية مالية أو إدارية أو سياسية، في حين يُنظر إلى طموح الباحث وليس المحاضر الأكاديمي ورغبته في الشهرة وجني مكاسب علمية بالدرجة الأولى (الاعتراف بمنـزلته العلمية) وشخصية في الدرجة الثانية (جوائز ومناصب وإيفادات علمية وحضور مؤتمرات) على أنها مشروعة ما دام لا ينتهك ما يسمى الأمانة العلمية، ويقدم أبحاثاً تتمتع بمصداقية وموثوقية وبنتائج خضعت للتجربة، وتم التأكد منها، وإلا فإنه من دون هذا لن يستطيع العالم تحقيق اكتشافات مهمة في مختلف حقول العلم والمعرفة.
ز – يلجأ بعض الباحثين الأكاديميين للتواطؤ مع مؤسسات من القطاع الحكومي أو القطاع الخاص لتحويل مسار البحث بما يتفق أو يحقق أغراض هذه المؤسسات مقابل حوافز مادية، بعبارة أخرى رشى مادية.
ح – يخضع بعض الباحثين الأكاديميين لضغوط من ذوي نفوذ في مواقع ومؤسسات مختلفة لإنهاء العمل ببحث أو إيقافه، أو تلفيق بيانات ونتائج غير صحيحة تخدم مصالح هؤلاء، وتنعكس سلباً على مصالح مجتمع ما بأسره، كالبحوث التي تجرى في حقل الصناعات الدوائية والطبية والغذائية والمشروبات الغازية والبرمجيات وحقل الصناعات العسكرية (يحدث مثل هذا الأمر في الدول الغربية المتقدمة).
ط – عدم تبني الأكاديميات ومراكز ومعاهد الأبحاث العلمية العربية لمبدأ العمل البحثي الجماعي ( فرق العمل البحثية) بدلاً من العمل البحثي الفردي الذي يقدم أبحاثاً أو مقالات علمية مبتورة بنتائج مفبركة وبسوية علمية ضعيفة.
– آثار تفشي ظاهرة الفساد العلمي:
ترتبت على تفشي ظاهرة الفساد العلمي أو ما يسميه البعض سوء السلوك العلمي في المجتمع الأكاديمي العربي آثار سلبية نجملها بالتالي:
أ- تراجع الوزن العلمي للأكاديميات العربية:
أدى لجوء بعض الأكاديميين إلى نشر أبحاث ومقالات علمية مفبركة النتائج ومنتحلة إلى تراجع الوزن العلمي للأكاديميات العربية على الصعيدين الإقليمي والعالمي، فمثل هذا العمل يؤدي إلى التشكيك بنتائج جميع الأبحاث المنتجة في الأكاديميات العربية، وبالتالي التشكيك بكفاءة الأكاديميين العرب العلمية.
ب- فقدان الأكاديميات العربية لثقة المجتمع:
أدى هذا السلوك العلمي غير الأخلاقي من قبل بعض الأكاديميين إلى فقدان ثقة المجتمع بالأكاديميات العربية ومدى قدرتها على دفع عجلة التطور في المجتمع ومن ثم اللحاق بركب الدول الناشئة على أقل تقدير، فالهدف من البحث العلمي أولاً وآخراً هو البحث عن المعلومات والحقائق ومن ثم اكتشافها، وإيجاد معرفة وتكنولوجيا جديدة، واستنباط مفاهيم ونظريات، وكذلك أجهزة علمية جديدة لدراسة الظواهر المختلفة، وما دام هذا الهدف بعيد المنال وحتى الآن لم نتقدم نحوه خطوة واحدة فإن محاولات البعض تحميل الحكومات مسؤولية تعثر تحقيق هذا الهدف برأينا هي تهرب من المسؤولية والتفاف على الحقائق وتبرير عجز في قدرة الأكاديميين على القيام بأبحاث تعود بالنفع على المجتمع الذي أنفق على تعليمهم مئات الملايين من الدولارات والجنيهات الإسترلينية وينفق الآن على أبحاث وهمية مفبركة.
ج – أدى تفشي هذه الظاهرة إلى عزوف المؤسسات العربية من القطاعين العام والخاص على اختلاف اختصاصاتها واحتياجاتها عن الاستعانة بخبرات أجنبية بدلاً من التعامل مع خبرات وكفاءات عربية، وهو ما يؤدي إلى تعميق التبعية الاقتصادية والعلمية ويكلف الدول العربية أموالاً طائلة كان من الممكن استغلالها في مشاريع أخرى تخدم المجتمع بأسره.
د – أدى تفشي ظاهرة الفساد العلمي في الأكاديميات ومراكز ومعاهد البحث العربية إلى عزل هذه المؤسسات عن محيطها الاجتماعي.
هـ – أدى عدم توافر كفاءات علمية بالقدر المطلوب في كل أكاديمية إلى تخريج طلاب يحملون شهادات جامعية لا يتمتعون بقدر من الكفاءة تؤهلهم لدخول سوق العمل، وبذلك تكون الجامعات أو الأكاديميات العربية قد ساهمت في زيادة حجم البطالة في الدول العربية بدلاً من تقليصها.
– مقترحات وتوصيات:
الفساد العلمي أو سوء السلوك العلمي ظاهرة عالمية وليست محصورة بدولة دون أخرى، والتغلب عليها يتطلب تعاون جهات من داخل المجتمع الأكاديمي ومن خارجه، ودون هذا التعاون فإن هذه الظاهرة ستتأصل وتتجذر في المجتمعات الأكاديمية، فالمجتمع الأكاديمي مجتمع منغلق على ذاته أشبه ما يكون بـ (الجيتو) يتواطأ أفراده فيما بينهم لتحقيق مصالح مشتركة (اقتسام غنائم)، على أنه هنالك خطوات يجب أن تقوم بها الهيئات الاجتماعية (الحكومات) تشكل الأرضية التي من الممكن التأسيس عليها لإصلاح ما فسد داخل هذا المجتمع، وفيما يلي بعض الأفكار والمقترحات التي من الممكن أن تساعد على محاصرة الفساد العلمي في الأكاديميات العربية وتقليصه إلى الحدود التي يمكن القول عنها إنها مقبولة أو طبيعية، وهي:
أ – ضرورة الفصل بين الجامعات ومعاهد أو مراكز البحث العلمي إدارياً ومالياً، فوزارات التعليم العالي العربية منوطة بها مسؤولية التعليم الجامعي وبالوقت نفسه إجراء الأبحاث العلمية، إن هذا التداخل أضر بالعملية التعليمية كما أضر بالعملية البحثية.
ب – إنشاء وزارة مستقلة تتولى عملية الإشراف على مراكز البحث التابعة لمختلف الوزارات، والإنفاق على الأبحاث في إطار خطة وطنية محلية مدروسة في كل بلد وفق احتياجاته وأولوياته.
ج – زيادة مخصصات معاهد ومراكز البحث العلمي في الموازنة للإنفاق على الأبحاث العلمية في مختلف المجالات المعرفية والعلمية، وهذه الموازنة يمكن اقتطاعها من موازنة الأكاديميات / الجامعات أو بفرض رسوم تحصل لقاء خدمات معينة، وزياداتها من الموازنة العامة للدولة.
د – التفريق / التمييز بين مسمى محاضر أكاديمي ومسمى باحث.
هـ – منح الباحثين رواتب ومزايا تتناسب وطبيعة عملهم التي من المفترض أن يتفرغوا لها في حال تم إنشاء مراكز ومعاهد بحث علمي مستقلة عن الجامعات وعن وزارة التعليم العالي، ويمكن هنا اتباع مراكز الأبحاث الموجودة حالياً والتابعة لعدة وزارات أو وزارة البحث العلمي تحديداً التي نقترح إنشاءها بعد إجراء تغيرات في هيكليتها وموظفيها من مختلف الفئات والإبقاء على من يصلح للعمل في مثل هذه المراكز، أما البقية المتبقية التي تسللت إلى هذه المراكز بالتوصية والمحسوبيات والانتماءات المختلفة (سياسية – إدارية – جهوية) بغية الحصول على مكتسبات مادية ومعنوية، فيمكن إعادة توزيعهم على قطاعات مختلفة من الدولة.
و – العمل على إيجاد آلية يتم من خلالها ترفيع المحاضر الجامعي أسوة ببقية العاملين في مؤسسات القطاع العام في الدول العربية، وتجميد العمل بالمادة التي تربط الترفيع بالإنتاج العلمي، فالهدف من البحث العلمي في الجامعات العربية كما ذكرنا هو الترقي الوظيفي وليس الارتقاء بالمجتمع ونهضته.
ز – تجميد نص المادة التي تفرض على المحاضر الأكاديمي (مدرس – أستاذ مساعد – أستاذ) تأليف كتاب أو المشاركة في تأليفه، والاستعاضة عن هذا الأمر بتأسيس مركز أو هيئة خاصة (هيئة التعريب والترجمة) يضم مترجمين من مختلف الاختصاصات للقيام بأعمال الترجمة لكتب تُدرس في أكاديميات / جامعات دول متقدمة على أن يشارك في ترجمته أكثر من مترجم ومراجع ومدقق، ولا بأس أن يكون من بينهم محاضرون جامعيون في حال توفر الكفاءات المطلوبة للقيام بهذا العمل، وذلك للارتقاء بالكتاب الجامعي إلى المستوى أو المنـزلة التي يجب أن يحظى بها هذا الكتاب ولتقديم مادة للطالب الجامعي حديثة وغنية تؤهله لتلقي علوم حديثة تمكنه من دخول سوق العمل (داخل الدولة التي ينتمي إليها أو مهاجراً إلى دولة أخرى) مسلحاً بعلم حديث، بدلاً من الكتب الحالية المنتحلة، ضعيفة المستوى العلمي والتي تقدم مادة تجاوزها العلم بفروعه المختلفة وخاصةً في الكليات العلمية.
ح – تدريب الباحثين الشباب على معايير البحث العلمي والسلوك المهني الاحترافي.
ط – إنشاء لجنة وطنية للأمانة العلمية تكون مهمتها النظر في الشكاوى المتعلقة بانتهاك الأمانة العلمية والفصل بين المشتكي والمشتكى عليه، من صلاحياتها اتخاذ العقوبات التي تراها مناسبة سواء كانت هذه العقوبات مرنة (تأنيب أو توبيخ) أو قاسية (الطرد أو الإحالة إلى القضاء) من دون أن يكون لأي أكاديمية أو وزارة ذات صلة حق الاعتراض على قرارات اللجنة أو التدخل في تسمية أعضائها، على غرار لجان كثيرة أسست في دول أوروبية.
ي – وقف جميع أشكال ما يسمى الإيفاد العلمي للأكاديميين التي تتراوح مددها ما بين ستة أشهر وأربعة أشهر، وتلك التي تسمى (الاطلاعية) التي تتراوح مددها ما بين شهر و15 يوماً، وقصرها على الباحثين فقط، على أن يكون الموفد مشاركاً في بحث يجري في جامعة عربية أو غربية، لا مجرد زائر أو سائح يمنح بدل سفره آلاف الدولارات تخسرها خزينة الدولة، وفي الغالب يعود ليحدثنا عن المعالم العمرانية والشوارع العريضة والنظام والانضباط والشواطئ الخلابة والحدائق والديكورات داخل الجامعات والتجهيزات.
ك – حصر المشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية بوجود بحث جديد مبتكر بنتائج حقيقية، وإلا فإن تمويل هذه المشاركة يدخل في بند الهدر (الإنفاق غير المبرر وغير الموجه) وتسهيل حضور مثل هذه المؤتمرات بمقالات علمية ضعيفة المستوى منتحلة فيها تشويه لسمعة الجامعة والمحاضر.
ل – ما ذكرناه يستوجب إعادة النظر بالتشريعات أو القوانين الناظمة للعمل في الأكاديميات (قانون تنظيم الجامعات)، وسن تشريع جديد يتوافق مع ما تم طرحه.
بالختام نقول قد يكون ما طرحناه يشكل خروجاً على المألوف، بل واستفزازاً، فالمعمول به حتى الآن أن يقوم المحاضرون الأكاديميون بإلقاء المحاضرات وتأليف الكتب والقيام بأبحاث في مختلف المجالات (أبحاث وهمية مفبركة)، إلا أن حصاد هذا المألوف لم يكن ثمراً يانعاً بكل المقاييس، ولم يساهم في دفعنا خطوة واحدة إلى الأمام، بل على العكس من ذلك تماماً زاد من تخلفنا، ومن تبعيتنا العلمية، وزاد من اعتمادنا على العلم المستورد (ما يُسمح بتصديره وتداوله)، لذلك فإن إعادة النظر في هذا المألوف برأينا فيه مصلحة وطنية وقومية، فتقدم المجتمعات العربية المتخلفة وازدهارها رهن بتطوير قطاع البحث العلمي المنهجي والتطبيقي الذي يشكل أساس التقدم الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتطورة في عالمنا اليوم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3184::/cck::
::introtext::
تزايد الاهتمام بقضايا الفساد منذ النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي نظراً للآثار السلبية للفساد في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، وفي الغالب يتم تناول الفساد السياسي والفساد الإداري وفساد رجال المال والأعمال والإعلام، ونادراً ما يتم الحديث عن أشكال الفساد الأخرى، فالفساد لا يتوقف عند هذه الأشكال أو الأنواع إن صح التعبير، وإنما يتعداه ليشمل قائمة طويلة من الممارسات والسلوكيات الفاسدة كلٌ في مجال عمله أو مهنته، حتى تحول السلوك الفاسد إلى شيء مألوف بعد أن كان مكروهاً ومداناً اجتماعياً. والفساد العلمي أو الأكاديمي واحد من هذه المهن التي أصابها ما أصاب غيرها من المهن من انحرافات وانتهاكات حظيت في السنوات العشرة الأخيرة باهتمام القائمين على المؤسسات العلمية والبحثية والمعنيين بسلامة أداء هذا القطاع في الدول المتقدمة والناشئة نظراً لأهمية الدور الذي يقوم به العاملون في هذا القطاع في مجال البحث والتطوير العلمي والتكنولوجي المرتبط أساساً بعملية التنمية مختلفة الجوانب
::/introtext::
::fulltext::
تزايد الاهتمام بقضايا الفساد منذ النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي نظراً للآثار السلبية للفساد في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، وفي الغالب يتم تناول الفساد السياسي والفساد الإداري وفساد رجال المال والأعمال والإعلام، ونادراً ما يتم الحديث عن أشكال الفساد الأخرى، فالفساد لا يتوقف عند هذه الأشكال أو الأنواع إن صح التعبير، وإنما يتعداه ليشمل قائمة طويلة من الممارسات والسلوكيات الفاسدة كلٌ في مجال عمله أو مهنته، حتى تحول السلوك الفاسد إلى شيء مألوف بعد أن كان مكروهاً ومداناً اجتماعياً. والفساد العلمي أو الأكاديمي واحد من هذه المهن التي أصابها ما أصاب غيرها من المهن من انحرافات وانتهاكات حظيت في السنوات العشرة الأخيرة باهتمام القائمين على المؤسسات العلمية والبحثية والمعنيين بسلامة أداء هذا القطاع في الدول المتقدمة والناشئة نظراً لأهمية الدور الذي يقوم به العاملون في هذا القطاع في مجال البحث والتطوير العلمي والتكنولوجي المرتبط أساساً بعملية التنمية مختلفة الجوانب.
وحرصت الأكاديميات في كل من الدول الأوروبية والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا على إيجاد حلول لهذه الظاهرة التي تتعارض مع أبسط قواعد السلوك العلمي الصحيح والسليم، فعُقدت اجتماعات وصدرت تقارير وكتيبات حول هذا الموضوع تتضمن ما اعتبر أنها تشكل المبادئ الأساسية لما يمكن أن يطلق عليه السلوك العلمي الاحترافي السليم.
وفي ما يخص الجامعات أو الأكاديميات في الدول المتخلفة ومنها العربية فإنها لا تزال بعيدة كل البعد عن وضع مثل هذه المعايير أو المبادئ لمعالجة هذه الظاهرة المنتشرة بكثرة في الجامعات العربية، بل تطال الشكوك كافة البحوث المنجزة في الجامعات العربية منذ عقود.
وفي هذه الورقة سنلقي الضوء على أسباب ودوافع وآثار تفشي هذه الظاهرة في الأكاديميات والمعاهد البحثية العربية، التي كانت ولا تزال تشكل حالة قلق متزايدة في المجتمع العربي.
– تعريف الفساد العلمي:
هو كل بحث يقوم به أكاديمي يخالف فيه قواعد ومعايير البحث والسلوك العلمي الصحيح، وينتهك فيه شروط وأخلاقيات الأمانة العلمية.
– أشكال الفساد العلمي وصوره:
ما هي أشكال الفساد العلمي؟ ما هي صوره؟ وهل لا تزال ثقة المجتمع بالعلم غير محدودة؟
أسئلة لا تزال تبحث عن إجابة، فانتهاك الأمانة العلمية وسوء السلوك العلمي يضران بالسمعة العلمية ويفقدان العلم بشكل عام والمجتمع الأكاديمي بشكل خاص ثقة المجتمع بشكل تدريجي، فما هي أشكاله وصوره:
أ – الغش: ويشمل تلفيق البيانات، وتزويرها واقتطاعها (بالتقريب المواتي، وحذف ما هو غير مرغوب منها)، إضافةً إلى الاستعمال الانتقائي للبيانات، باختصار يتمثل الغش بالعبث بالبيانات.
ب – الخداع والتضليل: ويتعلق بالانتهاك المتعمد لقوانين التحليل المنهجي السليم ومعالجة البيانات، ومن الأمثلة على ذلك التصريح بأن البيانات التجريبية متوافرة، في حين أن ذلك غير صحيح، والإهمال الفاضح في أخذ العينات، والانتقاء المقصود لأساليب تحليل غير مناسبة ولكن مواتية، والصياغة غير الصحيحة أو الانتقائية لنتائج واستنتاجات أبحاث أخرى.
ج – انتهاك حقوق الملكية الفكرية: إن أفضل مثال معروف في هذا التصنيف هو الانتحال، والانتحال هو عرض مقصود لآراء الآخرين ونتائج الأبحاث أو النصوص من غير الإقرار بمصدرها وكأنها رأي المؤلف نفسه. ولكن هناك أشكالاً أخرى للانتحال: سرقة الأفكار من طالب دكتوراه أو زميل عمل، أو الادعاء بالتفرد في كتابة مؤلف علمي ساهم فيه آخرون، أو ادعاء محرر في دورية علمية بأنه مصدر الأفكار لمقال أو ورقة علمية رفضاً للنشر بعد مراجعتها.
وفي المذكرة التي قدمها كل من جيرارد تولوز رئيس اللجنة الدائمة لأخلاقيات العلوم في الأكاديميات الأوروبية، وبيتر درنث رئيس الأكاديميات الأوروبية، الموجهة بشكل خاص إلى موظفي المؤسسات البحثية القائمين على إعداد الأبحاث العلمية أو المساهمين فيها، أورد الأستاذان أمثلة لانتهاكات الأمانة العلمية وحثوا الباحثين والعاملين في المؤسسات البحثية في الأكاديميات الأوروبية على تجنبها لبعدها عن الممارسات العلمية الحميدة، ولمخالفتها للمبادئ الأساسية للسلوك العلمي الاحترافي، وهي:
– الحصول أو محاولة الحصول على هبات بالخداع (وذلك بالتظاهر بامتلاك خبرات معينة أو التشويه المتعمد لنتائج سابقة أو إثارة توقعات مضللة.
– تحريف نتائج دراسات المصادر والمراجع المتعلقة بالبحث وتزويرها أو التلاعب بنتائج الملاحظات والمشاهدات أو التجارب.
– تقديم النتائج بصورة انتقائية، وذلك بحذف النتائج غير المرغوب فيها بهدف الوصول إلى الاستنتاجات الموضوعة مسبقاً.
– تقديم بيانات وهمية في أعقاب مشاهدة أو تجربة.
– تطبيق أساليب إحصائية بشكل خاطئ عن قصد من أجل الوصول إلى استنتاجات ونتائج لا تبررها البيانات.
– التفسير غير الدقيق أو التحريف المقصود لنتائج الأبحاث.
– انتحال نتائج أو نشرات صدرت عن الآخرين، ونسخ نصوص أو نتائج أعدها آخرون من دون تنويه وإقرار بالمصادر.
– تشجيع وسائل الإعلام على نشر تفسيرات غير صحيحة لنتائج الأبحاث وذلك بعد اتباع الأساليب العلمية الصارمة في الوصول إلى هذه النتائج.
– التصرف بفظاظة مع الزملاء والمرؤوسين من أجل التأثير في نتائج البحث.
– تقديم سجلات أو نتائج أبحاث العلماء والباحثين الآخرين بطرق غير صحيحة أو ذات نزعة معينة بصورة مقصودة.
– ادعاء الباحث بكونه مؤلفاً أو مؤلفاً مشاركاً لنتائج بحث ما من دون المشاركة بأي شكل في التخطيط أو أداء البحث المعني أو تفسير وكتابة الأسس المتبعة في إتمامه.
– حذف أسماء المؤلفين المساعدين الذين قدموا مساهمة ملموسة في البحث أو إضافة أسماء أشخاص لم يشاركوا فيه أو لم يساهموا بطرق فعالة.
– الإهمال في إجراء البحث أو في إعطاء التعليمات الإجرائية، أو إغفال الإجراءات التي تهدف إلى الكشف عن الأخطاء وتحديد مقدار عدم الدقة.
– إهمال الإجراءات المتبعة في التعامل مع البيانات السرية وطباعة تصاميم الفحص أو برامج الحاسوب دون إذن.
– أسبابه ودوافعه:
الفساد في المؤسسات العلمية ظاهرة موجودة ومعترف بها على المستوى الفردي، إلا أنه على المستوى الجماعي والمؤسسي هناك إخفاء لهذه الحقيقة أو لنقل تواطؤاً بين أفراد المؤسسات العلمية لإخفائها أو تجاهلها، فنادراً ما نسمع أن بحثاً أو مقالة علمية رفضت لضعف مستواها العلمي أو لكونها تكراراً لما سبق أو أنه لا يوجد فيها تجديد أو ابتكار أو إضافة علمية، أو لأن صاحبها – وهذا هو الغالب – انتهك الأمانة العلمية المطلوب توفرها في أي بحث، أو أن بحثاً شُطب لكون الباحث الأكاديمي قدم بحثاً منتحلاً أو أنه لفق بيانات أو قدم بحثاً أو مقالة علمية مفبركة النتائج، إن مثل هذا الموضوع غير مسموح تناوله لأي كان وكأنه يمس جانباً من جوانب الأمن القومي أو الوطني لبلد ما.
وجرت العادة أن يبرر القائمون على رأس المؤسسات العلمية، والباحثون الأكاديميون في الأكاديميات العربية تخلف مؤسسات ومعاهد البحث العلمي العربية بضعف التمويل وعدم توفر حوافز مادية ومعنوية للباحثين الأكاديميين، متجاهلين حقيقة أساسية في هذا الجانب وهي أن توفر الشهادات شيء وتوفر الكفاءات شيء آخر، وكذلك يتم الحديث عن هجرة الكفاءات العربية إلى الخارج وهذا كلام غير صحيح بالمطلق، فغالبية المهاجرين من أصحاب الشهادات لا من أصحاب الكفاءات، ودليلنا على ذلك أن عدد النابغين العرب في الولايات المتحدة والدول الأوروبية وكندا واستراليا ودول المهجر الأخرى التي تجتذب العرب يكاد لا يذكر، أما عدد من يعملون في مهن مختلفة تتطلب وجود شهادات لسد نقص أو عجز في العمالة في قطاعات مختلفة فهو كبير بسبب نقص في حملة هذه الشهادات أو لانخفاض أجور أصحاب هذه الشهادات أو لضعف القاعدة السكانية أو لارتفاع متوسط الأعمار في بلد المهجر (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، اليابان) أو لقلة عدد السكان قياساً بمساحة الدولة (الولايات المتحدة وكندا وأستراليا) مقارنةً بمتطلباته من حملة شهادات بعينها دون أخرى، وفي العادة لا يتم ذكر هذه الأسباب في الدراسات والمقالات المنشورة في ما يتعلق بهذه المسألة، وإنما يتم تجاهلها ليبرر الأكاديميون عدم كفاءتهم، وفي هذا السياق لا نجد معنىً لعبارتي (دول طاردة) للكفاءات و(دول جاذبة) للكفاءات التي يتم تضمينها مقالات مضمونها يتناول معوقات البحث العلمي أو هجرة الكفاءات العربية. وعلى أي حال يمكن حصر أسباب الفساد العلمي ودوافعه في التالي:
أ – عدم وجود كفاءات علمية ترتقي إلى درجة باحث:
حتى الآن لم يصل القائمون على رأس الأكاديميات والمراكز البحثية العلمية العربية إلى درجة من الشجاعة الأخلاقية والمهنية يميزون أو يفرقون فيها بين تسميتين أساسيتين هما الباحث والمحاضر الأكاديمي، فنحن نفتقر إلى باحثين، أما بالنسبة للمحاضرين فإننا نعاني نقصاً في بعض الفروع العلمية وفائضاً في فروع أخرى، لذلك فإن التمييز بين التسميتين يخدم قطاع البحث ويوفر أموالاً تهدر بلا أي طائل، القطاع بأمس الحاجة لها لتمويل أبحاث حقيقية وليست وهمية يقوم بها باحثون لا محاضرون، فليس كل أكاديمي باحثاً والعكس صحيح، فحتى الآن كما ذكرنا لم يتم التفريق أو التمييز بين المحاضر الأكاديمي والباحث، فكل تسمية تتطلب شروطاً لا تتوفر في الآخر، ولكل منهما قدرات ومهارات وملكات يجب أن تتوفر فيه حتى نسميه بأحد المسميين محاضر أكاديمي أو باحث، إن هذه الإشكالية بحاجة لمعالجة حتى يمكن أن نتحدث فيما بعد عن الكيفية أو الآلية التي يمكن من خلالها تحفيز الباحثين على الإنتاج والإبداع الفكري والعلمي، فالعبرة ليست بالكم وإنما بالنوعية، لذلك هناك حاجة ماسة اليوم للتفريق بين المحاضر الأكاديمي والباحث حتى نتمكن مستقبلاً من الدخول في حمى المنافسة العلمية الدولية أو على الأقل الإقليمية، مع إسرائيل على سبيل المثال لا الحصر.
ب- ربط الترقي الوظيفي بنشر أبحاث:
غالبية الجامعات العربية تربط الترقي الوظيفي لأي أكاديمي (حملة درجة الدكتوراه) بنشر أبحاث أو مقالات علمية دون الأخذ في الاعتبار مدى كفاءة هذا الأكاديمي أو قدراته أو السوية العلمية لهذا البحث أو تلك المقالة العلمية، لذلك يجب اعتماد آلية جديدة يتم من خلالها ترقية أكاديمي وظيفياً أو منحه علاوة مالية من دون ربطها ببحث أو تأليف كتاب في الغالب منتحل.
ج – عدم وجود هيئات علمية رقابية:
غالبية الأكاديميات العربية لا توجد فيها هيئات علمية رقابية تقيم البحث أو المقالة العلمية قبل نشرها، فهناك مجلات داخلية دورية متخصصة داخل الجامعات ترأسها هيئة تحرير من الجامعة نفسها تحيل المقالة إلى مقيمين في الغالب ليست لديهم القدرة العلمية على التأكد من أن النتائج التي تضمنها البحث أو المقالة صحيحة أم لا، أضف إلى ذلك أن تقييم الأبحاث والمقالات يخضع للعلاقات الشخصية والمصالح المتبادلة والمحسوبيات، الأمر الذي يستوجب اعتماد آلية يتم من خلالها التأكد من صحة النتائج كإلزام من تقدم ببحث بتوضيح آلية عمله والوسائل التي اتبعها للوصول إلى النتائج التي تضمنها البحث حتى يتمكن المقيمون من التأكد والتحقق من صحتها ومصداقيتها.
د- عدم وجود هيئة متخصصة للنظر في شكاوى سوء السلوك العلمي:
حتى الآن لم تشكل هيئة أو مؤسسة متخصصة داخل كل جامعة أو مركز أو معهد بحثي علمي للنظر في الادعاءات المتعلقة بسوء السلوك العلمي والانتهاكات العلمية وفرض عقوبات قاسية قد تصل للطرد أو الفصل من العمل، وربما إحالة من يقوم بخداع وغش متعمد للمجتمع إلى القضاء نظراً للآثار التي يمكن أن تترتب على تبني نتائج بحث علمي مفبرك في إنتاج سلعة ما غذائية أو دوائية أو طبية و.. الأمر الذي يشجع الأكاديميين على التمادي في انتهاك الأمانة العلمية والانغماس في سلوك يتسبب في تشويه سمعة الأكاديميات ومراكز الأبحاث العلمية وسمعة الباحثين والأكاديميين أنفسهم ويفقدهم ثقة واحترام المجتمع.
هـ – دوافع اقتصادية ومالية :
تربط بعض الجامعات في الدول العربية الحوافز المالية بالإنتاج العلمي (نشر أبحاث – تأليف كتاب – إشراف على رسائل ماجستير أو دكتوراه – تقييم البحوث والإنتاج العلمي للآخرين)، هذا الربط دفع بالغالبية إلى سلوك فردي وأحياناً جماعي يتنافى مع قواعد السلوك العلمي الصحيح والسليم بغية الحصول على أكبر قدر من هذه الحوافز، فيلجأ الأكاديمي إلى اتباع سلوكيات تتنافى مع ما يسمى (الأمانة العلمية) كالغش والتضليل والخداع وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، لذلك فإن إلغاء هذا الربط واعتماد آلية أخرى يتمكن من خلالها الباحثون وليس المحاضرون الأكاديميون من الحصول على حوافز مادية مجزية سيساهمان في تحفيز الباحثين على الإنتاج والإبداع في مختلف حقول العلم والمعرفة.
و- الرغبة في الشهرة وجني المكاسب:
يلجأ بعض الأكاديميين المحاضرين إلى نشر أبحاث ومقالات في دوريات ومجلات علمية مسروقة مفبركة النتائج، والهدف من هذا السلوك الشاذ غير الأخلاقي هو تحقيق شهرة وجني مكاسب شخصية مالية أو إدارية أو سياسية، في حين يُنظر إلى طموح الباحث وليس المحاضر الأكاديمي ورغبته في الشهرة وجني مكاسب علمية بالدرجة الأولى (الاعتراف بمنـزلته العلمية) وشخصية في الدرجة الثانية (جوائز ومناصب وإيفادات علمية وحضور مؤتمرات) على أنها مشروعة ما دام لا ينتهك ما يسمى الأمانة العلمية، ويقدم أبحاثاً تتمتع بمصداقية وموثوقية وبنتائج خضعت للتجربة، وتم التأكد منها، وإلا فإنه من دون هذا لن يستطيع العالم تحقيق اكتشافات مهمة في مختلف حقول العلم والمعرفة.
ز – يلجأ بعض الباحثين الأكاديميين للتواطؤ مع مؤسسات من القطاع الحكومي أو القطاع الخاص لتحويل مسار البحث بما يتفق أو يحقق أغراض هذه المؤسسات مقابل حوافز مادية، بعبارة أخرى رشى مادية.
ح – يخضع بعض الباحثين الأكاديميين لضغوط من ذوي نفوذ في مواقع ومؤسسات مختلفة لإنهاء العمل ببحث أو إيقافه، أو تلفيق بيانات ونتائج غير صحيحة تخدم مصالح هؤلاء، وتنعكس سلباً على مصالح مجتمع ما بأسره، كالبحوث التي تجرى في حقل الصناعات الدوائية والطبية والغذائية والمشروبات الغازية والبرمجيات وحقل الصناعات العسكرية (يحدث مثل هذا الأمر في الدول الغربية المتقدمة).
ط – عدم تبني الأكاديميات ومراكز ومعاهد الأبحاث العلمية العربية لمبدأ العمل البحثي الجماعي ( فرق العمل البحثية) بدلاً من العمل البحثي الفردي الذي يقدم أبحاثاً أو مقالات علمية مبتورة بنتائج مفبركة وبسوية علمية ضعيفة.
– آثار تفشي ظاهرة الفساد العلمي:
ترتبت على تفشي ظاهرة الفساد العلمي أو ما يسميه البعض سوء السلوك العلمي في المجتمع الأكاديمي العربي آثار سلبية نجملها بالتالي:
أ- تراجع الوزن العلمي للأكاديميات العربية:
أدى لجوء بعض الأكاديميين إلى نشر أبحاث ومقالات علمية مفبركة النتائج ومنتحلة إلى تراجع الوزن العلمي للأكاديميات العربية على الصعيدين الإقليمي والعالمي، فمثل هذا العمل يؤدي إلى التشكيك بنتائج جميع الأبحاث المنتجة في الأكاديميات العربية، وبالتالي التشكيك بكفاءة الأكاديميين العرب العلمية.
ب- فقدان الأكاديميات العربية لثقة المجتمع:
أدى هذا السلوك العلمي غير الأخلاقي من قبل بعض الأكاديميين إلى فقدان ثقة المجتمع بالأكاديميات العربية ومدى قدرتها على دفع عجلة التطور في المجتمع ومن ثم اللحاق بركب الدول الناشئة على أقل تقدير، فالهدف من البحث العلمي أولاً وآخراً هو البحث عن المعلومات والحقائق ومن ثم اكتشافها، وإيجاد معرفة وتكنولوجيا جديدة، واستنباط مفاهيم ونظريات، وكذلك أجهزة علمية جديدة لدراسة الظواهر المختلفة، وما دام هذا الهدف بعيد المنال وحتى الآن لم نتقدم نحوه خطوة واحدة فإن محاولات البعض تحميل الحكومات مسؤولية تعثر تحقيق هذا الهدف برأينا هي تهرب من المسؤولية والتفاف على الحقائق وتبرير عجز في قدرة الأكاديميين على القيام بأبحاث تعود بالنفع على المجتمع الذي أنفق على تعليمهم مئات الملايين من الدولارات والجنيهات الإسترلينية وينفق الآن على أبحاث وهمية مفبركة.
ج – أدى تفشي هذه الظاهرة إلى عزوف المؤسسات العربية من القطاعين العام والخاص على اختلاف اختصاصاتها واحتياجاتها عن الاستعانة بخبرات أجنبية بدلاً من التعامل مع خبرات وكفاءات عربية، وهو ما يؤدي إلى تعميق التبعية الاقتصادية والعلمية ويكلف الدول العربية أموالاً طائلة كان من الممكن استغلالها في مشاريع أخرى تخدم المجتمع بأسره.
د – أدى تفشي ظاهرة الفساد العلمي في الأكاديميات ومراكز ومعاهد البحث العربية إلى عزل هذه المؤسسات عن محيطها الاجتماعي.
هـ – أدى عدم توافر كفاءات علمية بالقدر المطلوب في كل أكاديمية إلى تخريج طلاب يحملون شهادات جامعية لا يتمتعون بقدر من الكفاءة تؤهلهم لدخول سوق العمل، وبذلك تكون الجامعات أو الأكاديميات العربية قد ساهمت في زيادة حجم البطالة في الدول العربية بدلاً من تقليصها.
– مقترحات وتوصيات:
الفساد العلمي أو سوء السلوك العلمي ظاهرة عالمية وليست محصورة بدولة دون أخرى، والتغلب عليها يتطلب تعاون جهات من داخل المجتمع الأكاديمي ومن خارجه، ودون هذا التعاون فإن هذه الظاهرة ستتأصل وتتجذر في المجتمعات الأكاديمية، فالمجتمع الأكاديمي مجتمع منغلق على ذاته أشبه ما يكون بـ (الجيتو) يتواطأ أفراده فيما بينهم لتحقيق مصالح مشتركة (اقتسام غنائم)، على أنه هنالك خطوات يجب أن تقوم بها الهيئات الاجتماعية (الحكومات) تشكل الأرضية التي من الممكن التأسيس عليها لإصلاح ما فسد داخل هذا المجتمع، وفيما يلي بعض الأفكار والمقترحات التي من الممكن أن تساعد على محاصرة الفساد العلمي في الأكاديميات العربية وتقليصه إلى الحدود التي يمكن القول عنها إنها مقبولة أو طبيعية، وهي:
أ – ضرورة الفصل بين الجامعات ومعاهد أو مراكز البحث العلمي إدارياً ومالياً، فوزارات التعليم العالي العربية منوطة بها مسؤولية التعليم الجامعي وبالوقت نفسه إجراء الأبحاث العلمية، إن هذا التداخل أضر بالعملية التعليمية كما أضر بالعملية البحثية.
ب – إنشاء وزارة مستقلة تتولى عملية الإشراف على مراكز البحث التابعة لمختلف الوزارات، والإنفاق على الأبحاث في إطار خطة وطنية محلية مدروسة في كل بلد وفق احتياجاته وأولوياته.
ج – زيادة مخصصات معاهد ومراكز البحث العلمي في الموازنة للإنفاق على الأبحاث العلمية في مختلف المجالات المعرفية والعلمية، وهذه الموازنة يمكن اقتطاعها من موازنة الأكاديميات / الجامعات أو بفرض رسوم تحصل لقاء خدمات معينة، وزياداتها من الموازنة العامة للدولة.
د – التفريق / التمييز بين مسمى محاضر أكاديمي ومسمى باحث.
هـ – منح الباحثين رواتب ومزايا تتناسب وطبيعة عملهم التي من المفترض أن يتفرغوا لها في حال تم إنشاء مراكز ومعاهد بحث علمي مستقلة عن الجامعات وعن وزارة التعليم العالي، ويمكن هنا اتباع مراكز الأبحاث الموجودة حالياً والتابعة لعدة وزارات أو وزارة البحث العلمي تحديداً التي نقترح إنشاءها بعد إجراء تغيرات في هيكليتها وموظفيها من مختلف الفئات والإبقاء على من يصلح للعمل في مثل هذه المراكز، أما البقية المتبقية التي تسللت إلى هذه المراكز بالتوصية والمحسوبيات والانتماءات المختلفة (سياسية – إدارية – جهوية) بغية الحصول على مكتسبات مادية ومعنوية، فيمكن إعادة توزيعهم على قطاعات مختلفة من الدولة.
و – العمل على إيجاد آلية يتم من خلالها ترفيع المحاضر الجامعي أسوة ببقية العاملين في مؤسسات القطاع العام في الدول العربية، وتجميد العمل بالمادة التي تربط الترفيع بالإنتاج العلمي، فالهدف من البحث العلمي في الجامعات العربية كما ذكرنا هو الترقي الوظيفي وليس الارتقاء بالمجتمع ونهضته.
ز – تجميد نص المادة التي تفرض على المحاضر الأكاديمي (مدرس – أستاذ مساعد – أستاذ) تأليف كتاب أو المشاركة في تأليفه، والاستعاضة عن هذا الأمر بتأسيس مركز أو هيئة خاصة (هيئة التعريب والترجمة) يضم مترجمين من مختلف الاختصاصات للقيام بأعمال الترجمة لكتب تُدرس في أكاديميات / جامعات دول متقدمة على أن يشارك في ترجمته أكثر من مترجم ومراجع ومدقق، ولا بأس أن يكون من بينهم محاضرون جامعيون في حال توفر الكفاءات المطلوبة للقيام بهذا العمل، وذلك للارتقاء بالكتاب الجامعي إلى المستوى أو المنـزلة التي يجب أن يحظى بها هذا الكتاب ولتقديم مادة للطالب الجامعي حديثة وغنية تؤهله لتلقي علوم حديثة تمكنه من دخول سوق العمل (داخل الدولة التي ينتمي إليها أو مهاجراً إلى دولة أخرى) مسلحاً بعلم حديث، بدلاً من الكتب الحالية المنتحلة، ضعيفة المستوى العلمي والتي تقدم مادة تجاوزها العلم بفروعه المختلفة وخاصةً في الكليات العلمية.
ح – تدريب الباحثين الشباب على معايير البحث العلمي والسلوك المهني الاحترافي.
ط – إنشاء لجنة وطنية للأمانة العلمية تكون مهمتها النظر في الشكاوى المتعلقة بانتهاك الأمانة العلمية والفصل بين المشتكي والمشتكى عليه، من صلاحياتها اتخاذ العقوبات التي تراها مناسبة سواء كانت هذه العقوبات مرنة (تأنيب أو توبيخ) أو قاسية (الطرد أو الإحالة إلى القضاء) من دون أن يكون لأي أكاديمية أو وزارة ذات صلة حق الاعتراض على قرارات اللجنة أو التدخل في تسمية أعضائها، على غرار لجان كثيرة أسست في دول أوروبية.
ي – وقف جميع أشكال ما يسمى الإيفاد العلمي للأكاديميين التي تتراوح مددها ما بين ستة أشهر وأربعة أشهر، وتلك التي تسمى (الاطلاعية) التي تتراوح مددها ما بين شهر و15 يوماً، وقصرها على الباحثين فقط، على أن يكون الموفد مشاركاً في بحث يجري في جامعة عربية أو غربية، لا مجرد زائر أو سائح يمنح بدل سفره آلاف الدولارات تخسرها خزينة الدولة، وفي الغالب يعود ليحدثنا عن المعالم العمرانية والشوارع العريضة والنظام والانضباط والشواطئ الخلابة والحدائق والديكورات داخل الجامعات والتجهيزات.
ك – حصر المشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية بوجود بحث جديد مبتكر بنتائج حقيقية، وإلا فإن تمويل هذه المشاركة يدخل في بند الهدر (الإنفاق غير المبرر وغير الموجه) وتسهيل حضور مثل هذه المؤتمرات بمقالات علمية ضعيفة المستوى منتحلة فيها تشويه لسمعة الجامعة والمحاضر.
ل – ما ذكرناه يستوجب إعادة النظر بالتشريعات أو القوانين الناظمة للعمل في الأكاديميات (قانون تنظيم الجامعات)، وسن تشريع جديد يتوافق مع ما تم طرحه.
بالختام نقول قد يكون ما طرحناه يشكل خروجاً على المألوف، بل واستفزازاً، فالمعمول به حتى الآن أن يقوم المحاضرون الأكاديميون بإلقاء المحاضرات وتأليف الكتب والقيام بأبحاث في مختلف المجالات (أبحاث وهمية مفبركة)، إلا أن حصاد هذا المألوف لم يكن ثمراً يانعاً بكل المقاييس، ولم يساهم في دفعنا خطوة واحدة إلى الأمام، بل على العكس من ذلك تماماً زاد من تخلفنا، ومن تبعيتنا العلمية، وزاد من اعتمادنا على العلم المستورد (ما يُسمح بتصديره وتداوله)، لذلك فإن إعادة النظر في هذا المألوف برأينا فيه مصلحة وطنية وقومية، فتقدم المجتمعات العربية المتخلفة وازدهارها رهن بتطوير قطاع البحث العلمي المنهجي والتطبيقي الذي يشكل أساس التقدم الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتطورة في عالمنا اليوم.
::/fulltext::
::cck::3184::/cck::
