الأسهم الإماراتية.. هل تتكرر أزمة صيف 1998؟

::cck::3225::/cck::
::introtext::

يختلف المحللون والمتابعون لأسواق المال في الإمارات حول تفسيرهم لحالة الهبوط التي تمر بها الأسواق منذ أكثر من 7 شهور متواصلة بين من يسمونها موجة تصحيح حادة كانت ضرورية وتحتاجها الأسواق بعد القفزات غير المبررة التي ضخمت من أسعار كافة الأسهم طيلة عامي 2004 و2005، وبين من يصفونها بـ (فقاعة) انفجرت بالفعل، ودخلت معها الأسواق مرحلة انهيار حقيقي.

::/introtext::
::fulltext::

يختلف المحللون والمتابعون لأسواق المال في الإمارات حول تفسيرهم لحالة الهبوط التي تمر بها الأسواق منذ أكثر من 7 شهور متواصلة بين من يسمونها موجة تصحيح حادة كانت ضرورية وتحتاجها الأسواق بعد القفزات غير المبررة التي ضخمت من أسعار كافة الأسهم طيلة عامي 2004 و2005، وبين من يصفونها بـ (فقاعة) انفجرت بالفعل، ودخلت معها الأسواق مرحلة انهيار حقيقي.
ويبرهن هؤلاء بالقول بأن موجة التصحيح تستلزم انخفاضاً تتراوح نسبته بين 15 إلى 20 في المائة، في حين يطلق على الانخفاض فيما فوق 30 في المائة انهيارا وهو ما ينطبق على وضعية سوق الإمارات التي هبط مؤشرها منذ بداية العام الحالي 38 في المائة، في حين وصلت نسبة الانخفاض في مؤشر سوق دبي المالي إلى مستوى مقلق للغاية 64 في المائة منذ أعلى نقطة وصلها المؤشر بداية مسلسل التراجع في أكتوبر الماضي (1270 نقطة) وحتى منتصف شهر مايو (460 نقطة) ومؤشر سوق أبو ظبي 50 في المائة، كما خسر سهم (إعمار) 64 في المائة من أعلى سعر 29.10 درهم في أكتوبر، وخسرت الأسهم 300 مليار درهم من قيمتها السوقية التي تراجعت من أعلى قيمة 840 مليار درهم إلى 540 مليار درهم.
ما أشبه الليلة بالبارحة!
هذا هو ما يخشاه الجميع في أن تعيد الأزمة الحالية إلى ذاكرة المتعاملين أزمة صيف 1998، التي ضربت سوق الأسهم الإماراتية ظل الجميع تحت وقع المضاربات المحمومة طيلة العام الماضي يتحاشى الدخول فيها بدعوى أن معطيات وأسباب الأزمة الحالية مختلفة، حيث لم تكن في الإمارات عام 1998 أسواق مالية رسمية منظمة، كما هي الحال حالياً، كما أن أسعار البترول كانت في أدنى مستوياتها عام 1998 (9 دولارات للبرميل مقابل 75 دولاراً حالياً) كما لم تكن الإيرادات النفطية وقتها بالقوة نفسها التي هي عليها حالياً (44 مليار دولار عوائد الإمارات النفطية العام الماضي بمتوسط أسعار يتراوح بين 55- 60 دولاراً للبرميل يتوقع أن تتضاعف في حال بلغت الأسعار 100 دولار للبرميل ) ولم تكن الشركات المدرجة تحقق أرباحا في العام 1998 كتلك التي تسجلها حالياً، حيث تجاوزت معدلات النمو في الأرباح 200 في المائة العام الماضي، ويتوقع أن تحافظ على معدلات ربحية جيدة العام الحالي رغم تراجع نسب النمو مقارنة بالعام الماضي.
ربما تكون مسببات الضربتين 1998 و2006 واحدة إلى حد ما، وتتمحور في المضاربات المحمومة التي ساهمت في تضخيم الأسعار لكن التخوف الذي يخشاه الجميع أن تدخل الأسواق في مرحلة تسمى (التجاهل التام) وتتسم بخروج جماعي للمتعاملين من السوق كرد فعل لانعدام الثقة وللخسائر الباهظة التي لحقت بهم، وساعتها ستحتاج الأسواق إلى فترة زمنية طويلة كتلك التي احتاجتها في العام 1998 واستغرقت 5 سنوات كاملة للخروج من كبوتها، وفشلت الأسواق النظامية التي تأسست كرد فعل للأزمة في العام 2000 في استعادة ثقة المتعاملين، وظلت طيلة 3 سنوات كاملة تعاني من عزوف تام إلى أن دبت فيها الروح مجدداً أواخر العام 2003، ودخلت في مضاربات محمومة عامين كاملين سجلت فيها أسعار الأسهم مستويات خيالية وغير مبررة.
ويثير توقيت وظروف الأزمة الحالية التي لا تعيشها فقط سوق المال الإماراتية بل كافة أسواق الخليج علامات استفهام عديدة، فهي تحدث في فترة يعيش فيها الاقتصاد الإماراتي والخليجي أيضا واحدة من أفضل فترات الرواج الاقتصادي، حيث تتضافر عوامل ومؤشرات اقتصادية إيجابية متمثلة في ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط، وسيولة ضخمة في الأسواق تقدر بمليارات الدولارات، وطفرة عقارية ومشروعات ضخمة، وارتفاع كبير في دخول الأفراد وكلها حسب المحللين تدفع وتغذي من نشاط الأسواق المالية التي يرتبط أداؤها تاريخياً بأسعار النفط فكلما ارتفعت أسعار البترول قفزت أسعار الأسهم إلى أعلى، لكن ما يحدث الآن هو العكس تماما وهذا مبعث حيرة المتعاملين الذين لا يرون مبررا للتراجع الحاد.
والمؤكد أن موجة التصحيح بدأت بعدما جرى تضخيم أسعار الأسهم على مدى عامين كاملين ووصلت مكررات الربحية (السعر إلى الربحية) إلى مستويات مخيفة تراوحت بين 30 إلى 100 مرة وهو ما جعل الأسعار توصف بأنها مغالى فيها واستدعت بالفعل موجة تصحيح تعيد التوازن إلى السوق، لكن وكما كان الارتفاع غير مبرر فإن الهبوط أيضا جاء غير مبرر، وبرغم أن مكررات الربحية انخفضت إلى مستويات مغرية بلغت في غالبية الأسهم باستثناء أسهم معدودة إلى أقل من 10 مرات (مكرر ربحية سهم إعمار القيادي في سوق دبي وصل إلى 10 مرات) إلا أن الأسعار لم تتوقف عن الهبوط رغم أنها مغرية بالشراء والسبب فقدان ثقة المستثمرين في السوق وحالة الخوف التي أصبحت سمة التعاملات.
مسببات وعوامل الهبوط
والحقيقة أن عوامل عدة تسببت في أن تدخل أسواق الأسهم الإماراتية هذه الأزمة وهي في مجملها أخطاء ارتكبتها كافة الأطراف المتعاملة في السوق أبرزها:
• ضعف أداء السلطات المخولة بالتنظيم والرقابة على أسواق المال والمتمثلة في هيئة الأوراق المالية والسلع، ويأتي هذا الضعف من تبعية الهيئة إلى وزارة الاقتصاد في وقت كان يفترض أن تكون الهيئة كجهة رقابية وتنظيمية مستقلة عن الوزارة التي لم تكن قراراتها موفقة وحازمة في العديد من المخالفات التي شهدتها الأسواق خصوصاً في ما يتعلق بعدم معاقبة الشركات التي ثبت تسريب معلومات جوهرية من داخلها لشريحة معينة من المضاربين أثرت في التداولات، وتنظيم سوق الإصدارات الجديدة والاكتتابات الخاصة.
• رضخت وزارة الاقتصاد لرغبات مجالس إدارات الشركات، وسمحت لها برفع رؤوس أموالها وبعلاوات إصدار مبالغ فيها من دون أي ضوابط أو حتى تنظيم وهو ما شكل ضغطاً على السيولة التي جرى تجفيفها مع الاكتتابات الجديدة والعديدة والتي سمحت بها أيضاً من دون تنظيم رغم الضغوط التي ازدادت على السوق الثانوية، وحتى عندما تدخلت الوزارة بعدما هبطت السوق بعنف لم تقرر وقف الاكتتابات الجديدة نهائياً في هذه المرحلة رغم ضروريتها، بل أبقت عليها على فترات زمنية، وهو ما ساهم في زيادة حدة تراجع الأسواق التي تشكو من ندرة السيولة.
• لم تفرض إدارات الأسواق هي الأخرى رقابتها الصارمة على الشركات المدرجة، وتسبب ضعفها في تصاعد وتيرة الشائعات التي استغلها المضاربون في رفع الأسعار بشكل غير مبرر، ولوحظ ذلك في عدم ملاحقة الشركات التي تعمدت نفي شائعات برفع رأسمالها أو تجزئة أسهمها مرة ومرتين، ثم عادت وقررت في الثالثة وجود قرار بزيادة رأس المال أو تجزئة السهم لكن بعد أن تكونت أسعار أسهمها قفزت قفزات غير مسبوقة ومن دون عقاب من إدارات الأسواق، إضافة إلى عدم إفصاح الشركات في الوقت المناسب عن المعلومات الجوهرية التي تؤثر في حركة السهم.
• التسابق المحموم من قبل البنوك لتمويل شراء الأسهم والاكتتابات الجديدة، حيث وجدت البنوك في هذا المجال فرصة مربحة وهو ما لوحظ في تصاعد ربحيتها العام الماضي والتي جاءت غالبيتها من تمويلات الأسهم والإصدارات الجديدة ( أكثر من 50 في المائة من ربحية بنوك أبوظبي جاءت من تمويل الاكتتابات )، ولم تفلح تعليمات المصرف المركزي على الرغم من تكرارها في لجم جموح البنوك التي أسرفت في الإقراض بضمانات الأسهم التي وصلت إلى مستوى 1 مقابل 10 ( أن يقدم العميل رهناً بقيمة مليون ويحصل من البنك على تمويل بقيمة 10 ملايين درهم ) ، واضطرت البنوك مع دخول السوق موجة التصحيح والخوف من تكبدها هي الأخرى خسائر باهظة إلى الضغط على المقترضين بـ(تسييل) محافظهم ضمن ما يعرف (Margin call) وهو ما زاد من ترجع أسعار الأسهم.
• سيطرة عقلية المضاربة على سلوكيات وتعاملات المستثمرين، وتحول الجميع بمن فيهم صغار المستثمرين إلى مضاربين، وأصبح الشراء والبيع في نفس جلسة التداول الواحدة مع تحقيق هامش ربح طفيف للغاية هو الهدف المنشود ولم يعد هناك مستثمرون على المديين المتوسط والطويل.
• لم تغير محافظ وصناديق الاستثمار من آليات عملها، وانتهجت هي الأخرى نهج المضاربة، وبدلاً من أن تكون داعمة للسوق ولعب دور ما يسمى (صانع السوق) لعبت دوراً سلبياً في هبوط السوق، وكما كان دورها محوريا في تسريع حركة الأسعار وقت الطفرة لعبت الدور نفسه أيضاً وقت الأزمة ودون معاقبتها من جانب السلطات الرقابية، حيث يقال إن بعضها يتعمد المضاربة للتأثير في السوق نحو مزيد من الهبوط، وبعد أن أصبحت المكاسب حالياً هي في المضاربة نحو التراجع وليس نحو الارتفاع كما كان في السابق إضافة إلى عدم وجود استثمار مؤسساتي قوي يتدخل لدعم السوق في هذه الحالة.
وفضلت الحكومة منذ البداية عدم التدخل رغم تصاعد صيحات الخاسرين المطالبين لها بالتدخل لوقف الخسائر الفادحة التي يتعرضون لها من منطلق ترك آلية السوق تعمل عملها، وأن تصحح السوق نفسها بنفسها من دون تدخل منها وأيضاً من منطلق المبدأ القائل إن الحكومة لم تتدخل وقت الصعود كي تتدخل وقت الهبوط، ويبدو أن هناك قناعة حكومية بضرورة فلترة السوق وإخراج المضاربين من السوق خصوصاً الذين تركوا وظائفهم أو قاموا بتصفية مشاريعهم وجعلوا البورصة نشاطهم الرئيسي، حيث يتجاوز عدد المستثمرين في الأسواق حاجز 800 ألف مستثمر.
موانع الانهيار
* لكن السؤال هنا: هل تتمكن السوق من تجاوز محنتها وإعادة النشاط مجدداً أم تدخل في مرحلة توصف بالخطرة ؟
المؤكد أن متانة الاقتصاديات هذه المرة وتوفر كافة العوامل الإيجابية التي ذكرتها ستمنع من الانهيار الكامل للأسواق رغم فداحة الخسائر وشدة الهبوط وهو ما يشير إليه التقرير الذي أصدره صندوق النقد الدولي مؤخرا والذي يرى أن موجات التصحيح الحادة التي تجتاح أسواق الخليج استنفدت معظم طاقتها، وأن المستثمرين سيحتفظون بجزء من المكاسب الضخمة التي حققتها محافظهم في السنوات الثلاث الماضية طالما بقيت الأسس الاقتصادية قوية، واستمرت أسعار النفط ومستويات الإنتاج في الارتفاع، واستندت توقعات صندوق النقد إلى الآفاق الإيجابية لأسعار النفط، وأداء الاقتصاديات الخليجية التي ستستمر نتائجها المحلية هذه السنة وللسنة الخامسة على التوالي بتسجيل نسب نمو عالية، وخصوصاً السعودية وقطر والكويت والإمارات.
ويرجع صندوق النقد الدولي الأسباب الرئيسية لموجات التصحيح، إلى عوامل أبرزها «المبالغة» في نشاط المضاربة والتي جاءت كنتيجة محتملة للتمدد السريع في السيولة والائتمان، وتحديداً تمويل الصفقات السهمية المعقودة على الهامش، وإن لخصها في ارتفاع مؤشرات بعض أسواق المال إلى مستويات مفزعة عند مقارنتها بفقاعتي (ناسداك) و(نيكاي) ومع ذلك فإن (موجات التصحيح استنفدت معظم طاقتها، وأن جزءاً من مكاسب القيمة السوقية التي تحققت في الأعوام الثلاثة الماضية سيبقى طالما بقيت الأسس الاقتصادية قوية، واستمرت أسعار النفط ومستويات الإنتاج في الارتفاع، وإن استدرك التقرير بالقول إن مخاطر الهبوط لاتزال قائمة، مشيرا إلى أهمية الخطوات التي اتخذتها الحكومات، مثل التركيز على دعم السيولة، وفتح الأسواق أمام شرائح جديدة من المستثمرين، وامتناع معظم الحكومات عن تقديم مساندة للأسواق.
أخيراً، لعل الاستناد في هذه الفترة إلى العوامل الإيجابية المتوافرة حالياً لتحقيق مزيد من النمو في الاقتصاديات الخليجية هو الذي يعطي الأمل في أن تتجاوز الأسواق المالية عثرتها شريطة أن تتخلى عن المضاربات السلبية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3225::/cck::
::introtext::

يختلف المحللون والمتابعون لأسواق المال في الإمارات حول تفسيرهم لحالة الهبوط التي تمر بها الأسواق منذ أكثر من 7 شهور متواصلة بين من يسمونها موجة تصحيح حادة كانت ضرورية وتحتاجها الأسواق بعد القفزات غير المبررة التي ضخمت من أسعار كافة الأسهم طيلة عامي 2004 و2005، وبين من يصفونها بـ (فقاعة) انفجرت بالفعل، ودخلت معها الأسواق مرحلة انهيار حقيقي.

::/introtext::
::fulltext::

يختلف المحللون والمتابعون لأسواق المال في الإمارات حول تفسيرهم لحالة الهبوط التي تمر بها الأسواق منذ أكثر من 7 شهور متواصلة بين من يسمونها موجة تصحيح حادة كانت ضرورية وتحتاجها الأسواق بعد القفزات غير المبررة التي ضخمت من أسعار كافة الأسهم طيلة عامي 2004 و2005، وبين من يصفونها بـ (فقاعة) انفجرت بالفعل، ودخلت معها الأسواق مرحلة انهيار حقيقي.
ويبرهن هؤلاء بالقول بأن موجة التصحيح تستلزم انخفاضاً تتراوح نسبته بين 15 إلى 20 في المائة، في حين يطلق على الانخفاض فيما فوق 30 في المائة انهيارا وهو ما ينطبق على وضعية سوق الإمارات التي هبط مؤشرها منذ بداية العام الحالي 38 في المائة، في حين وصلت نسبة الانخفاض في مؤشر سوق دبي المالي إلى مستوى مقلق للغاية 64 في المائة منذ أعلى نقطة وصلها المؤشر بداية مسلسل التراجع في أكتوبر الماضي (1270 نقطة) وحتى منتصف شهر مايو (460 نقطة) ومؤشر سوق أبو ظبي 50 في المائة، كما خسر سهم (إعمار) 64 في المائة من أعلى سعر 29.10 درهم في أكتوبر، وخسرت الأسهم 300 مليار درهم من قيمتها السوقية التي تراجعت من أعلى قيمة 840 مليار درهم إلى 540 مليار درهم.
ما أشبه الليلة بالبارحة!
هذا هو ما يخشاه الجميع في أن تعيد الأزمة الحالية إلى ذاكرة المتعاملين أزمة صيف 1998، التي ضربت سوق الأسهم الإماراتية ظل الجميع تحت وقع المضاربات المحمومة طيلة العام الماضي يتحاشى الدخول فيها بدعوى أن معطيات وأسباب الأزمة الحالية مختلفة، حيث لم تكن في الإمارات عام 1998 أسواق مالية رسمية منظمة، كما هي الحال حالياً، كما أن أسعار البترول كانت في أدنى مستوياتها عام 1998 (9 دولارات للبرميل مقابل 75 دولاراً حالياً) كما لم تكن الإيرادات النفطية وقتها بالقوة نفسها التي هي عليها حالياً (44 مليار دولار عوائد الإمارات النفطية العام الماضي بمتوسط أسعار يتراوح بين 55- 60 دولاراً للبرميل يتوقع أن تتضاعف في حال بلغت الأسعار 100 دولار للبرميل ) ولم تكن الشركات المدرجة تحقق أرباحا في العام 1998 كتلك التي تسجلها حالياً، حيث تجاوزت معدلات النمو في الأرباح 200 في المائة العام الماضي، ويتوقع أن تحافظ على معدلات ربحية جيدة العام الحالي رغم تراجع نسب النمو مقارنة بالعام الماضي.
ربما تكون مسببات الضربتين 1998 و2006 واحدة إلى حد ما، وتتمحور في المضاربات المحمومة التي ساهمت في تضخيم الأسعار لكن التخوف الذي يخشاه الجميع أن تدخل الأسواق في مرحلة تسمى (التجاهل التام) وتتسم بخروج جماعي للمتعاملين من السوق كرد فعل لانعدام الثقة وللخسائر الباهظة التي لحقت بهم، وساعتها ستحتاج الأسواق إلى فترة زمنية طويلة كتلك التي احتاجتها في العام 1998 واستغرقت 5 سنوات كاملة للخروج من كبوتها، وفشلت الأسواق النظامية التي تأسست كرد فعل للأزمة في العام 2000 في استعادة ثقة المتعاملين، وظلت طيلة 3 سنوات كاملة تعاني من عزوف تام إلى أن دبت فيها الروح مجدداً أواخر العام 2003، ودخلت في مضاربات محمومة عامين كاملين سجلت فيها أسعار الأسهم مستويات خيالية وغير مبررة.
ويثير توقيت وظروف الأزمة الحالية التي لا تعيشها فقط سوق المال الإماراتية بل كافة أسواق الخليج علامات استفهام عديدة، فهي تحدث في فترة يعيش فيها الاقتصاد الإماراتي والخليجي أيضا واحدة من أفضل فترات الرواج الاقتصادي، حيث تتضافر عوامل ومؤشرات اقتصادية إيجابية متمثلة في ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط، وسيولة ضخمة في الأسواق تقدر بمليارات الدولارات، وطفرة عقارية ومشروعات ضخمة، وارتفاع كبير في دخول الأفراد وكلها حسب المحللين تدفع وتغذي من نشاط الأسواق المالية التي يرتبط أداؤها تاريخياً بأسعار النفط فكلما ارتفعت أسعار البترول قفزت أسعار الأسهم إلى أعلى، لكن ما يحدث الآن هو العكس تماما وهذا مبعث حيرة المتعاملين الذين لا يرون مبررا للتراجع الحاد.
والمؤكد أن موجة التصحيح بدأت بعدما جرى تضخيم أسعار الأسهم على مدى عامين كاملين ووصلت مكررات الربحية (السعر إلى الربحية) إلى مستويات مخيفة تراوحت بين 30 إلى 100 مرة وهو ما جعل الأسعار توصف بأنها مغالى فيها واستدعت بالفعل موجة تصحيح تعيد التوازن إلى السوق، لكن وكما كان الارتفاع غير مبرر فإن الهبوط أيضا جاء غير مبرر، وبرغم أن مكررات الربحية انخفضت إلى مستويات مغرية بلغت في غالبية الأسهم باستثناء أسهم معدودة إلى أقل من 10 مرات (مكرر ربحية سهم إعمار القيادي في سوق دبي وصل إلى 10 مرات) إلا أن الأسعار لم تتوقف عن الهبوط رغم أنها مغرية بالشراء والسبب فقدان ثقة المستثمرين في السوق وحالة الخوف التي أصبحت سمة التعاملات.
مسببات وعوامل الهبوط
والحقيقة أن عوامل عدة تسببت في أن تدخل أسواق الأسهم الإماراتية هذه الأزمة وهي في مجملها أخطاء ارتكبتها كافة الأطراف المتعاملة في السوق أبرزها:
• ضعف أداء السلطات المخولة بالتنظيم والرقابة على أسواق المال والمتمثلة في هيئة الأوراق المالية والسلع، ويأتي هذا الضعف من تبعية الهيئة إلى وزارة الاقتصاد في وقت كان يفترض أن تكون الهيئة كجهة رقابية وتنظيمية مستقلة عن الوزارة التي لم تكن قراراتها موفقة وحازمة في العديد من المخالفات التي شهدتها الأسواق خصوصاً في ما يتعلق بعدم معاقبة الشركات التي ثبت تسريب معلومات جوهرية من داخلها لشريحة معينة من المضاربين أثرت في التداولات، وتنظيم سوق الإصدارات الجديدة والاكتتابات الخاصة.
• رضخت وزارة الاقتصاد لرغبات مجالس إدارات الشركات، وسمحت لها برفع رؤوس أموالها وبعلاوات إصدار مبالغ فيها من دون أي ضوابط أو حتى تنظيم وهو ما شكل ضغطاً على السيولة التي جرى تجفيفها مع الاكتتابات الجديدة والعديدة والتي سمحت بها أيضاً من دون تنظيم رغم الضغوط التي ازدادت على السوق الثانوية، وحتى عندما تدخلت الوزارة بعدما هبطت السوق بعنف لم تقرر وقف الاكتتابات الجديدة نهائياً في هذه المرحلة رغم ضروريتها، بل أبقت عليها على فترات زمنية، وهو ما ساهم في زيادة حدة تراجع الأسواق التي تشكو من ندرة السيولة.
• لم تفرض إدارات الأسواق هي الأخرى رقابتها الصارمة على الشركات المدرجة، وتسبب ضعفها في تصاعد وتيرة الشائعات التي استغلها المضاربون في رفع الأسعار بشكل غير مبرر، ولوحظ ذلك في عدم ملاحقة الشركات التي تعمدت نفي شائعات برفع رأسمالها أو تجزئة أسهمها مرة ومرتين، ثم عادت وقررت في الثالثة وجود قرار بزيادة رأس المال أو تجزئة السهم لكن بعد أن تكونت أسعار أسهمها قفزت قفزات غير مسبوقة ومن دون عقاب من إدارات الأسواق، إضافة إلى عدم إفصاح الشركات في الوقت المناسب عن المعلومات الجوهرية التي تؤثر في حركة السهم.
• التسابق المحموم من قبل البنوك لتمويل شراء الأسهم والاكتتابات الجديدة، حيث وجدت البنوك في هذا المجال فرصة مربحة وهو ما لوحظ في تصاعد ربحيتها العام الماضي والتي جاءت غالبيتها من تمويلات الأسهم والإصدارات الجديدة ( أكثر من 50 في المائة من ربحية بنوك أبوظبي جاءت من تمويل الاكتتابات )، ولم تفلح تعليمات المصرف المركزي على الرغم من تكرارها في لجم جموح البنوك التي أسرفت في الإقراض بضمانات الأسهم التي وصلت إلى مستوى 1 مقابل 10 ( أن يقدم العميل رهناً بقيمة مليون ويحصل من البنك على تمويل بقيمة 10 ملايين درهم ) ، واضطرت البنوك مع دخول السوق موجة التصحيح والخوف من تكبدها هي الأخرى خسائر باهظة إلى الضغط على المقترضين بـ(تسييل) محافظهم ضمن ما يعرف (Margin call) وهو ما زاد من ترجع أسعار الأسهم.
• سيطرة عقلية المضاربة على سلوكيات وتعاملات المستثمرين، وتحول الجميع بمن فيهم صغار المستثمرين إلى مضاربين، وأصبح الشراء والبيع في نفس جلسة التداول الواحدة مع تحقيق هامش ربح طفيف للغاية هو الهدف المنشود ولم يعد هناك مستثمرون على المديين المتوسط والطويل.
• لم تغير محافظ وصناديق الاستثمار من آليات عملها، وانتهجت هي الأخرى نهج المضاربة، وبدلاً من أن تكون داعمة للسوق ولعب دور ما يسمى (صانع السوق) لعبت دوراً سلبياً في هبوط السوق، وكما كان دورها محوريا في تسريع حركة الأسعار وقت الطفرة لعبت الدور نفسه أيضاً وقت الأزمة ودون معاقبتها من جانب السلطات الرقابية، حيث يقال إن بعضها يتعمد المضاربة للتأثير في السوق نحو مزيد من الهبوط، وبعد أن أصبحت المكاسب حالياً هي في المضاربة نحو التراجع وليس نحو الارتفاع كما كان في السابق إضافة إلى عدم وجود استثمار مؤسساتي قوي يتدخل لدعم السوق في هذه الحالة.
وفضلت الحكومة منذ البداية عدم التدخل رغم تصاعد صيحات الخاسرين المطالبين لها بالتدخل لوقف الخسائر الفادحة التي يتعرضون لها من منطلق ترك آلية السوق تعمل عملها، وأن تصحح السوق نفسها بنفسها من دون تدخل منها وأيضاً من منطلق المبدأ القائل إن الحكومة لم تتدخل وقت الصعود كي تتدخل وقت الهبوط، ويبدو أن هناك قناعة حكومية بضرورة فلترة السوق وإخراج المضاربين من السوق خصوصاً الذين تركوا وظائفهم أو قاموا بتصفية مشاريعهم وجعلوا البورصة نشاطهم الرئيسي، حيث يتجاوز عدد المستثمرين في الأسواق حاجز 800 ألف مستثمر.
موانع الانهيار
* لكن السؤال هنا: هل تتمكن السوق من تجاوز محنتها وإعادة النشاط مجدداً أم تدخل في مرحلة توصف بالخطرة ؟
المؤكد أن متانة الاقتصاديات هذه المرة وتوفر كافة العوامل الإيجابية التي ذكرتها ستمنع من الانهيار الكامل للأسواق رغم فداحة الخسائر وشدة الهبوط وهو ما يشير إليه التقرير الذي أصدره صندوق النقد الدولي مؤخرا والذي يرى أن موجات التصحيح الحادة التي تجتاح أسواق الخليج استنفدت معظم طاقتها، وأن المستثمرين سيحتفظون بجزء من المكاسب الضخمة التي حققتها محافظهم في السنوات الثلاث الماضية طالما بقيت الأسس الاقتصادية قوية، واستمرت أسعار النفط ومستويات الإنتاج في الارتفاع، واستندت توقعات صندوق النقد إلى الآفاق الإيجابية لأسعار النفط، وأداء الاقتصاديات الخليجية التي ستستمر نتائجها المحلية هذه السنة وللسنة الخامسة على التوالي بتسجيل نسب نمو عالية، وخصوصاً السعودية وقطر والكويت والإمارات.
ويرجع صندوق النقد الدولي الأسباب الرئيسية لموجات التصحيح، إلى عوامل أبرزها «المبالغة» في نشاط المضاربة والتي جاءت كنتيجة محتملة للتمدد السريع في السيولة والائتمان، وتحديداً تمويل الصفقات السهمية المعقودة على الهامش، وإن لخصها في ارتفاع مؤشرات بعض أسواق المال إلى مستويات مفزعة عند مقارنتها بفقاعتي (ناسداك) و(نيكاي) ومع ذلك فإن (موجات التصحيح استنفدت معظم طاقتها، وأن جزءاً من مكاسب القيمة السوقية التي تحققت في الأعوام الثلاثة الماضية سيبقى طالما بقيت الأسس الاقتصادية قوية، واستمرت أسعار النفط ومستويات الإنتاج في الارتفاع، وإن استدرك التقرير بالقول إن مخاطر الهبوط لاتزال قائمة، مشيرا إلى أهمية الخطوات التي اتخذتها الحكومات، مثل التركيز على دعم السيولة، وفتح الأسواق أمام شرائح جديدة من المستثمرين، وامتناع معظم الحكومات عن تقديم مساندة للأسواق.
أخيراً، لعل الاستناد في هذه الفترة إلى العوامل الإيجابية المتوافرة حالياً لتحقيق مزيد من النمو في الاقتصاديات الخليجية هو الذي يعطي الأمل في أن تتجاوز الأسواق المالية عثرتها شريطة أن تتخلى عن المضاربات السلبية.

::/fulltext::
::cck::3225::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *