في الذكرى الثالثة لاحتلال العراق.. أمن الخليج في مفترق طرق

::cck::3247::/cck::
::introtext::

قبل احتلال العراق وضعت الولايات المتحدة افتراضاً رئيسياً مفاده (أن الإطاحة بنظام صدام حسين كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج)، وربطت هذا الافتراض بعدة تصورات، أولها، أن استبدال صدام حسين بأي زعيم عراقي آخر كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار ليس في العراق فحسب، بل في منطقة الخليج بوجه عام. ثانيها، أن العراق الجديد سيمثل الدولة النموذج للديمقراطية.. نموذج تختفي فيه نزعات السيطرة وتهديد دول الجوار. ثالثها، أن غياب نظام صدام سيعزز من فرص التعاون بين دول المنطقة على احتمالات الصراع، ويمكن أن يتطور هذا التعاون إلى تحقيق شراكة أمنية واستراتيجية لجميع دول المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

قبل احتلال العراق وضعت الولايات المتحدة افتراضاً رئيسياً مفاده (أن الإطاحة بنظام صدام حسين كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج)، وربطت هذا الافتراض بعدة تصورات، أولها، أن استبدال صدام حسين بأي زعيم عراقي آخر كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار ليس في العراق فحسب، بل في منطقة الخليج بوجه عام. ثانيها، أن العراق الجديد سيمثل الدولة النموذج للديمقراطية.. نموذج تختفي فيه نزعات السيطرة وتهديد دول الجوار. ثالثها، أن غياب نظام صدام سيعزز من فرص التعاون بين دول المنطقة على احتمالات الصراع، ويمكن أن يتطور هذا التعاون إلى تحقيق شراكة أمنية واستراتيجية لجميع دول المنطقة.
الآن، و بعد مرور ثلاث سنوات أضحى التساؤل المنطقي: هل تحققت هذه الافتراضات على أرض الواقع، وأضحى أمن الخليج أكثر أمناً واستقراراً؟
مخاض الثلاث سنوات الماضية من عمر الاحتلال يؤكد خطأ الافتراضات والتصورات السابقة، وأن صياغتها من جانب الإدارة الأمريكية قد تم بمعزل عن الواقع، وافتقرت للتقدير في حسابات التداعيات المحتملة للحرب على توازن القوى الإقليمي، فملامح الصورة العراقية الراهنة لا تعبر سوى عن حقيقة واحدة هي (الفوضى الشاملة) التي قد تضع البلاد على حافة الانهيار وربما تقودها إلى الحرب الأهلية التي قد تمتد تداعياتها إلى جميع دول المنطقة.
فالعراق (الدولة النموذج) لبقية دول المنطقة في المنظور الأمريكي لم تتحقق، وسقطت فرضية الرئيس جورج بوش التي صورت بغداد ما بعد السقوط جنة للديمقراطية والنموذج الذي سيعمم في المنطقة، وفرضية تماسك الداخل والتفافه لبناء العراق الجديد أصبحت سراباً أمام تنافس القوى السياسية، بل وتصارعها على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، بحيث بات من الصعب الالتفاف حول مشروع واحد للدولة العراقية الجديدة، وأضحى الصراع يسيطر على العلاقات بين دول النظام الإقليمي الخليجي، وتضاءلت فرص التعاون أمام الواقع الجيوسياسي الجديد في المنطقة، وأصبح الحديث عن إمكانية قيام شراكة أمنية واستراتيجية بين دول المنطقة نوعاً من الخيال.
إذاً بعد ثلاث سنوات، أصبح أمن منطقة الخليج في مفترق طرق.. عراق منفلت أمنياً وسياسياً واقتصادياً، بيئة أمنية إقليمية غير مواتية للاستقرار أهم مفرداتها: تصاعد النفوذ الإيراني، وتجدد أحلام السيطرة والهيمنة، وسعي إسرائيل إلى اختراق العراق للنفاذ إلى أمن الخليج والتأثير في إعادة بنائه وفق التصور المرسوم لها أمريكياً.. ومحصلة ذلك كله أصبح أمن دول مجلس التعاون الخليجي محفوفاً بالعديد من التحديات والمخاطر.
أولاً : أصبح العراق – وفقاً لتقرير المجموعة الدولية للأزمات الصادر في فبراير 2006- يشكل أخطر دولة على مستوى العالم, فيما تتجه الأوضاع فيه على كافة المستويات نحو التدهور المستمر.
وتشير تطورات الأوضاع على أرض الواقع إلى وجود تخبط ما في المخطط الأمريكي ـ البريطاني من الحرب، وبدت الأمور وكأنها انقلاب للسحر على الساحر، نتيجة الكم الكبير من الخسائر البشرية التي تكبدتها دول الاحتلال، وعلى رأسها الولايات المتحدة، حيث وصل عدد القتلى فقط في صفوف الجنود الأمريكيين بحلول الذكرى الثالثة للغزو إلى 2315، فيما تكبدت واشنطن وحدها حتى الآن أكثر من 200 مليار دولار.
إن الفوضى التي يشهدها العراق شكلت بيئة مثالية لظهور جماعات متطرفة في العراق لها امتدادات إقليمية، مارست الإرهاب بكافة أشكاله داخل العراق، وتحول الأمر بدلاً من مقاومة الاحتلال إلى إيجاد أوضاع أمنية متوترة في الداخل والخارج على حد سواء، حيث دأبت على استهداف العراقيين أنفسهم، وخاصة المدنيين، وكان من أشهر هذه التنظيمات: تنظيم (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين) والذي يتزعمه أبو مصعب الزرقاوي، والذي تعتبره الولايات المتحدة المسؤول الأول عن كافة التفجيرات التي يشهدها العراق. كما كانت هذه الجماعات على علاقة بالعمليات الإرهابية التي شهدتها بعض دول الجوار(الأردن، السعودية) الفترة الماضية.
ثانياً: تعاظم الدور الإيراني كان نتيجة منطقية لما سبق، فطهران استغلت حالة الفراغ الأمني في العراق، وعززت علاقاتها القوية بالكثير من القوى الشيعية من أجل تقوية نفوذها في الداخل، وبالذات في منطقة الجنوب، ورغم أن الحكومة المؤقتة برئاسة إياد علاوي لم تكن على علاقة جيدة بإيران، إلا أن نفوذ الأخيرة قد تعمق وزاد في ظل حكومة إبراهيم الجعفري بشكل أصبحت معه تمثل لاعباً أساسياً في تحديد مستقبل العراق بالشكل الذي يخدم مصالحها في المنطقة.
وهو الأمر الذي سلمت به الولايات المتحدة مؤخراً بعد إعلان موافقتها على الدخول في مفاوضات مباشرة مع طهران في شهر مارس 2006 لإعادة الاستقرار في العراق، وهو الأمر الذي يراه الإيرانيون – على حد تعبير صحيفة (الواشنطن بوست) الصادرة يوم 21/3/2006- انتصاراً للسياسة الخارجية لبلادهم، وحدثاً تاريخياً بالنظر إلى العداء الممتد بين البلدين، واعترافاً أمريكياً صريحاً بالدور الإيراني المستقبلي في ترتيبات الأمن الإقليمية.
ويكشف هذا التوجه عن تخبط في السياسات الأمريكية تجاه المنطقة، ففي الوقت الذي تتشدد فيه بالنسبة للملف النووي الإيراني، فإنها تعلن صراحة عن رغبتها في إقامة حوار معها بشأن العراق. هذا التخبط يمنح طهران أوراقاً جديدة للضغط والمساومة ليس بشأن برنامجها النووي وحسب، ولكن أيضاً بشأن مجمل الترتيبات المستقبلية في المنطقة.
ثالثاً: التغلغل الإسرائيلي في العراق والنفاذ إلى منطقة الخليج: في ظل تعاظم حالة الفوضى التي يشهدها العراق، وتعاظم النفوذ الإيراني في رسم خريطة المنطقة حالياً ومستقبلياً، لم تتردد إسرائيل في الدخول على الخط، واتبعت استراتيجية متعددة الأدوات للنفاذ إلى العراق الجديد في إطار سعيها إلى اختراق منطقة الخليج، فقد استغلت حالة الفراغ التي يشهدها العراق في النفاذ إليه. ونشير العديد من التقارير إلى أنها أصبحت تتمتع بوجود قوي في منطقة الشمال الكردية، ويرجح الكثيرون أنها تقوم بدور سلبي في هذا البلد، وتحاول أن تعزز من تدهور الوضع هناك، وصولاً إلى تقسيمه، لأن ذلك من شأنه أن يقوي دورها ونفوذها الإقليمي، ويحقق مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى، فالعراق يمكن أن يكون الوطن (البديل) لتوطين اللاجئين الفلسطينيين وبشكل يساعد – طبقاً للتصور الإسرائيلي – على حل إحدى المعضلات التي تعترض عملية التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي.
وترى إسرائيل أيضاً أن إيجاد نظام جديد في العراق موال للولايات المتحدة قد يقبل الاعتراف بها، ويقيم علاقات دبلوماسية معها، هذا فضلاً عن فتح السوق العراقية أمام المنتجات الإسرائيلية والمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار، وتوفير مصادر الطاقة الرخيصة التي تحتاجها إسرائيل من النفط والغاز العراقيين، خاصة إذا ما تم إحياء الحلم القديم الخاص بإعادة العمل في خط (كركوك – حيفا).
رابعاً: تعاظم التهديدات الموجهة لأمن دول مجلس التعاون الخليجي: وهو محصلة لما سبق كله، فما بين وضع عراقي منفلت، وسعي إيراني للهيمنة، واختراق إسرائيلي للعراق أضحى أمن دول مجلس التعاون الخليجي أكثر تهديداً عما كان قبل ثلاث سنوات، وباتت مقولة إن الإطاحة بنظام صدام حسين ستجعل هذه الدول تشعر بالأمان محل شك وتوجس كبيرين، تؤكد ذلك الشواهد والمعطيات التالية:
1- حالة الانفلات الأمني الراهنة في العراق تنعكس سلبياً بطريقة أو بأخرى على أمن دول المجلس بحكم اعتبارات الجوار الجغرافي والامتداد الإقليمي والديموغرافي، سواء في ما يتعلق باستغلال حالة الانفلات الأمني على الحدود بين الجانبين في قيام بعض التنظيمات الإجرامية بتهريب المخدرات والأسلحة والمهاجرين غير الشرعيين، وهي التنظيمات التي باتت تتعامل مع العراق باعتباره (نقطة تجميع)، ومع الحدود العراقية ـ الكويتية باعتبارها (ممر عبور) نحو باقي دول المجلس. أو لجهة تصاعد المخاوف من انضمام الشباب الخليجي إلى جماعات المقاومة العراقية بعد صدور بعض الفتاوى التي تقر بمشروعية المقاومة ضد الاحتلال. أو لجهة تحول العراق إلى بؤرة إقليمية للإرهاب تطل برأسها على منطقة الخليج، وهي بؤرة تملك خطوطاً لوجستية لتهريب السلاح، فهناك تقارير تفيد بأن الأسلحة التي استخدمتها الخلايا الإرهابية في بعض دول المجلس في السنوات الثلاث الماضية تم تهريبها عبر الحدود العراقية. أو لجهة تنامي مخاطر قيام دولة عراقية على أساس طائفي قد تمتد إلى دول المجلس بفعل عوامل إقليمية ودولية.
ولعل ما شهدته دول الخليج من تظاهرات احتجاجية ضد تفجيرات سامراء في شهر فبراير 2006 من أبرز الدلائل على ارتباط الأوضاع الأمنية داخل العراق بنظيراتها في دول المجلس، ورغم اتسام تلك التظاهرات بالهدوء إلا أن هذا لا يحول دون إمكانية تصاعد الأمور وعدم السيطرة عليها، وهذا يؤكد أن الخريطة الطائفية في العراق لا تلعب دوراً محورياً في تحديد معالم عراق المستقبل وهويته فحسب، بل قد تلعب أيضاً دوراً في رسم مستقبل دول الخليج العربية ككل.
2- يشكل اختلال ميزان القوى الإقليمي لصالح إيران تهديداً قائماً ومستقبلياً لأمن دول المجلس، لا سيما بعد هيمنة التيار المحافظ على مؤسسات صنع القرار في الداخل، بعد نجاحه في انتخابات مجلس الشورى التي جرت في أبريل 2004، ثم الانتخابات الرئاسية التي جرت في شهر يونيو 2005 والتي أسفرت عن فوز محمود أحمدي نجاد، إذ إن حدوث تناغم داخل أروقة صنع القرار الإيراني يثير مجدداً في أذهان الخليجيين فكرة تصدير الثورة، وما يرتبط بها من مؤامرات لزعزعة الأمن والاستقرار في دول المجلس.
ولعل من ضمن المخاطر ـ التي يشير إليها البعض ـ والتي جاءت مع سيطرة التيار المتشدد على الحكم في إيران، وتمس أمن دول الجوار الخليجي بدرجة كبيرة، وجود مخاوف من احتمالات العودة من جديد إلى إحياء ودفع المشروع (الصفوي) في العراق وارتفاع وتيرة الاحتقان الطائفي في الخليج ضمن المشروع نفسه رجوعاً لسياسات تصدير الثورة الإيرانية التي جلبت التوترات للمنطقة مع بداية العقد الثامن من القرن الماضي.
3- الوجود الإسرائيلي في العراق يمثل تهديداً محتملاً ومستقبلياً لأمن دول المجلس، لأنه قد يتحول إلى جسر يمكن من خلاله العبور أو النفاذ إلى الأسواق الخليجية، وتدمير الاقتصاديات الخليجية من خلال عمليات التهريب وغسيل الأموال وتجارة المخدرات.
كما أن وقوع العراق تحت السيطرة الأمريكية المباشرة سيؤدي من وجهة نظر إسرائيل إلى إحياء مفاهيم ومشروعات الشرق أوسطية التي تلعب فيها دوراً كبيراً في صياغتها بشكل يضمن لها السيطرة على مقدرات المنطقة، حيث تتطلع إلى تغيير هوية المنطقة، والعمل على استبدال اندماج منطقة الخليج بالنظام العربي إقليمياً ودولياً، بجعلها ضمن نظام شرق أوسطي، ترتبط فيه دول المجلس مع إسرائيل بعلاقات تفاعل محددة في ميادين شتى، وقد عبر عن هذه الفكرة وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2005، حيث دعا قادة الدول العربية والإسلامية إلى إعلان اتصالاتهم المتزايدة مع إسرائيل على الملأ، وكان لافتاً تركيزه على دول المجلس كهدف اقتصادي إسرائيلي قديم للاستفادة من أسواقها في تعظيم شأن الصناعة الإسرائيلية وضمان عوائد دولارية ضخمة من وراء التعامل مع هذه الدول المشهورة بالطابع الاستهلاكي.
وأيضاً لا يمكن تجاهل الأطماع الإسرائيلية في نفط الخليج، الذي يشكل أهمية كبيرة لها، إذا ما تم الأخذ في الاعتبار أنها تعتمد على استيراد كافة احتياجاتها النفطية من الخارج، وهو ما يكلفها الكثير، ومن ثم فإن توفير مصادر قريبة للنفط من شأنه أن يحقق مكاسب كبيرة للاقتصاد الإسرائيلي، وتأمل تل أبيب في أن تحقق هذه الأهداف في مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته الولايات المتحدة في إطار استراتيجيتها إزاء المنطقة بعد غزو العراق.
إن أمن الخليج في الذكرى الثالثة لاحتلال العراق يبدو في مفترق طرق، قد تبدو متقاطعة، لكنها مترابطة، فالعراق المنفلت أمنياً كان فرصة لتدخل إيراني، واختراق إسرائيلي، ونتيجة ذلك كله تفاقم معضلة الأمن لدول مجلس التعاون الخليجي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3247::/cck::
::introtext::

قبل احتلال العراق وضعت الولايات المتحدة افتراضاً رئيسياً مفاده (أن الإطاحة بنظام صدام حسين كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج)، وربطت هذا الافتراض بعدة تصورات، أولها، أن استبدال صدام حسين بأي زعيم عراقي آخر كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار ليس في العراق فحسب، بل في منطقة الخليج بوجه عام. ثانيها، أن العراق الجديد سيمثل الدولة النموذج للديمقراطية.. نموذج تختفي فيه نزعات السيطرة وتهديد دول الجوار. ثالثها، أن غياب نظام صدام سيعزز من فرص التعاون بين دول المنطقة على احتمالات الصراع، ويمكن أن يتطور هذا التعاون إلى تحقيق شراكة أمنية واستراتيجية لجميع دول المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

قبل احتلال العراق وضعت الولايات المتحدة افتراضاً رئيسياً مفاده (أن الإطاحة بنظام صدام حسين كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج)، وربطت هذا الافتراض بعدة تصورات، أولها، أن استبدال صدام حسين بأي زعيم عراقي آخر كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار ليس في العراق فحسب، بل في منطقة الخليج بوجه عام. ثانيها، أن العراق الجديد سيمثل الدولة النموذج للديمقراطية.. نموذج تختفي فيه نزعات السيطرة وتهديد دول الجوار. ثالثها، أن غياب نظام صدام سيعزز من فرص التعاون بين دول المنطقة على احتمالات الصراع، ويمكن أن يتطور هذا التعاون إلى تحقيق شراكة أمنية واستراتيجية لجميع دول المنطقة.
الآن، و بعد مرور ثلاث سنوات أضحى التساؤل المنطقي: هل تحققت هذه الافتراضات على أرض الواقع، وأضحى أمن الخليج أكثر أمناً واستقراراً؟
مخاض الثلاث سنوات الماضية من عمر الاحتلال يؤكد خطأ الافتراضات والتصورات السابقة، وأن صياغتها من جانب الإدارة الأمريكية قد تم بمعزل عن الواقع، وافتقرت للتقدير في حسابات التداعيات المحتملة للحرب على توازن القوى الإقليمي، فملامح الصورة العراقية الراهنة لا تعبر سوى عن حقيقة واحدة هي (الفوضى الشاملة) التي قد تضع البلاد على حافة الانهيار وربما تقودها إلى الحرب الأهلية التي قد تمتد تداعياتها إلى جميع دول المنطقة.
فالعراق (الدولة النموذج) لبقية دول المنطقة في المنظور الأمريكي لم تتحقق، وسقطت فرضية الرئيس جورج بوش التي صورت بغداد ما بعد السقوط جنة للديمقراطية والنموذج الذي سيعمم في المنطقة، وفرضية تماسك الداخل والتفافه لبناء العراق الجديد أصبحت سراباً أمام تنافس القوى السياسية، بل وتصارعها على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، بحيث بات من الصعب الالتفاف حول مشروع واحد للدولة العراقية الجديدة، وأضحى الصراع يسيطر على العلاقات بين دول النظام الإقليمي الخليجي، وتضاءلت فرص التعاون أمام الواقع الجيوسياسي الجديد في المنطقة، وأصبح الحديث عن إمكانية قيام شراكة أمنية واستراتيجية بين دول المنطقة نوعاً من الخيال.
إذاً بعد ثلاث سنوات، أصبح أمن منطقة الخليج في مفترق طرق.. عراق منفلت أمنياً وسياسياً واقتصادياً، بيئة أمنية إقليمية غير مواتية للاستقرار أهم مفرداتها: تصاعد النفوذ الإيراني، وتجدد أحلام السيطرة والهيمنة، وسعي إسرائيل إلى اختراق العراق للنفاذ إلى أمن الخليج والتأثير في إعادة بنائه وفق التصور المرسوم لها أمريكياً.. ومحصلة ذلك كله أصبح أمن دول مجلس التعاون الخليجي محفوفاً بالعديد من التحديات والمخاطر.
أولاً : أصبح العراق – وفقاً لتقرير المجموعة الدولية للأزمات الصادر في فبراير 2006- يشكل أخطر دولة على مستوى العالم, فيما تتجه الأوضاع فيه على كافة المستويات نحو التدهور المستمر.
وتشير تطورات الأوضاع على أرض الواقع إلى وجود تخبط ما في المخطط الأمريكي ـ البريطاني من الحرب، وبدت الأمور وكأنها انقلاب للسحر على الساحر، نتيجة الكم الكبير من الخسائر البشرية التي تكبدتها دول الاحتلال، وعلى رأسها الولايات المتحدة، حيث وصل عدد القتلى فقط في صفوف الجنود الأمريكيين بحلول الذكرى الثالثة للغزو إلى 2315، فيما تكبدت واشنطن وحدها حتى الآن أكثر من 200 مليار دولار.
إن الفوضى التي يشهدها العراق شكلت بيئة مثالية لظهور جماعات متطرفة في العراق لها امتدادات إقليمية، مارست الإرهاب بكافة أشكاله داخل العراق، وتحول الأمر بدلاً من مقاومة الاحتلال إلى إيجاد أوضاع أمنية متوترة في الداخل والخارج على حد سواء، حيث دأبت على استهداف العراقيين أنفسهم، وخاصة المدنيين، وكان من أشهر هذه التنظيمات: تنظيم (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين) والذي يتزعمه أبو مصعب الزرقاوي، والذي تعتبره الولايات المتحدة المسؤول الأول عن كافة التفجيرات التي يشهدها العراق. كما كانت هذه الجماعات على علاقة بالعمليات الإرهابية التي شهدتها بعض دول الجوار(الأردن، السعودية) الفترة الماضية.
ثانياً: تعاظم الدور الإيراني كان نتيجة منطقية لما سبق، فطهران استغلت حالة الفراغ الأمني في العراق، وعززت علاقاتها القوية بالكثير من القوى الشيعية من أجل تقوية نفوذها في الداخل، وبالذات في منطقة الجنوب، ورغم أن الحكومة المؤقتة برئاسة إياد علاوي لم تكن على علاقة جيدة بإيران، إلا أن نفوذ الأخيرة قد تعمق وزاد في ظل حكومة إبراهيم الجعفري بشكل أصبحت معه تمثل لاعباً أساسياً في تحديد مستقبل العراق بالشكل الذي يخدم مصالحها في المنطقة.
وهو الأمر الذي سلمت به الولايات المتحدة مؤخراً بعد إعلان موافقتها على الدخول في مفاوضات مباشرة مع طهران في شهر مارس 2006 لإعادة الاستقرار في العراق، وهو الأمر الذي يراه الإيرانيون – على حد تعبير صحيفة (الواشنطن بوست) الصادرة يوم 21/3/2006- انتصاراً للسياسة الخارجية لبلادهم، وحدثاً تاريخياً بالنظر إلى العداء الممتد بين البلدين، واعترافاً أمريكياً صريحاً بالدور الإيراني المستقبلي في ترتيبات الأمن الإقليمية.
ويكشف هذا التوجه عن تخبط في السياسات الأمريكية تجاه المنطقة، ففي الوقت الذي تتشدد فيه بالنسبة للملف النووي الإيراني، فإنها تعلن صراحة عن رغبتها في إقامة حوار معها بشأن العراق. هذا التخبط يمنح طهران أوراقاً جديدة للضغط والمساومة ليس بشأن برنامجها النووي وحسب، ولكن أيضاً بشأن مجمل الترتيبات المستقبلية في المنطقة.
ثالثاً: التغلغل الإسرائيلي في العراق والنفاذ إلى منطقة الخليج: في ظل تعاظم حالة الفوضى التي يشهدها العراق، وتعاظم النفوذ الإيراني في رسم خريطة المنطقة حالياً ومستقبلياً، لم تتردد إسرائيل في الدخول على الخط، واتبعت استراتيجية متعددة الأدوات للنفاذ إلى العراق الجديد في إطار سعيها إلى اختراق منطقة الخليج، فقد استغلت حالة الفراغ التي يشهدها العراق في النفاذ إليه. ونشير العديد من التقارير إلى أنها أصبحت تتمتع بوجود قوي في منطقة الشمال الكردية، ويرجح الكثيرون أنها تقوم بدور سلبي في هذا البلد، وتحاول أن تعزز من تدهور الوضع هناك، وصولاً إلى تقسيمه، لأن ذلك من شأنه أن يقوي دورها ونفوذها الإقليمي، ويحقق مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى، فالعراق يمكن أن يكون الوطن (البديل) لتوطين اللاجئين الفلسطينيين وبشكل يساعد – طبقاً للتصور الإسرائيلي – على حل إحدى المعضلات التي تعترض عملية التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي.
وترى إسرائيل أيضاً أن إيجاد نظام جديد في العراق موال للولايات المتحدة قد يقبل الاعتراف بها، ويقيم علاقات دبلوماسية معها، هذا فضلاً عن فتح السوق العراقية أمام المنتجات الإسرائيلية والمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار، وتوفير مصادر الطاقة الرخيصة التي تحتاجها إسرائيل من النفط والغاز العراقيين، خاصة إذا ما تم إحياء الحلم القديم الخاص بإعادة العمل في خط (كركوك – حيفا).
رابعاً: تعاظم التهديدات الموجهة لأمن دول مجلس التعاون الخليجي: وهو محصلة لما سبق كله، فما بين وضع عراقي منفلت، وسعي إيراني للهيمنة، واختراق إسرائيلي للعراق أضحى أمن دول مجلس التعاون الخليجي أكثر تهديداً عما كان قبل ثلاث سنوات، وباتت مقولة إن الإطاحة بنظام صدام حسين ستجعل هذه الدول تشعر بالأمان محل شك وتوجس كبيرين، تؤكد ذلك الشواهد والمعطيات التالية:
1- حالة الانفلات الأمني الراهنة في العراق تنعكس سلبياً بطريقة أو بأخرى على أمن دول المجلس بحكم اعتبارات الجوار الجغرافي والامتداد الإقليمي والديموغرافي، سواء في ما يتعلق باستغلال حالة الانفلات الأمني على الحدود بين الجانبين في قيام بعض التنظيمات الإجرامية بتهريب المخدرات والأسلحة والمهاجرين غير الشرعيين، وهي التنظيمات التي باتت تتعامل مع العراق باعتباره (نقطة تجميع)، ومع الحدود العراقية ـ الكويتية باعتبارها (ممر عبور) نحو باقي دول المجلس. أو لجهة تصاعد المخاوف من انضمام الشباب الخليجي إلى جماعات المقاومة العراقية بعد صدور بعض الفتاوى التي تقر بمشروعية المقاومة ضد الاحتلال. أو لجهة تحول العراق إلى بؤرة إقليمية للإرهاب تطل برأسها على منطقة الخليج، وهي بؤرة تملك خطوطاً لوجستية لتهريب السلاح، فهناك تقارير تفيد بأن الأسلحة التي استخدمتها الخلايا الإرهابية في بعض دول المجلس في السنوات الثلاث الماضية تم تهريبها عبر الحدود العراقية. أو لجهة تنامي مخاطر قيام دولة عراقية على أساس طائفي قد تمتد إلى دول المجلس بفعل عوامل إقليمية ودولية.
ولعل ما شهدته دول الخليج من تظاهرات احتجاجية ضد تفجيرات سامراء في شهر فبراير 2006 من أبرز الدلائل على ارتباط الأوضاع الأمنية داخل العراق بنظيراتها في دول المجلس، ورغم اتسام تلك التظاهرات بالهدوء إلا أن هذا لا يحول دون إمكانية تصاعد الأمور وعدم السيطرة عليها، وهذا يؤكد أن الخريطة الطائفية في العراق لا تلعب دوراً محورياً في تحديد معالم عراق المستقبل وهويته فحسب، بل قد تلعب أيضاً دوراً في رسم مستقبل دول الخليج العربية ككل.
2- يشكل اختلال ميزان القوى الإقليمي لصالح إيران تهديداً قائماً ومستقبلياً لأمن دول المجلس، لا سيما بعد هيمنة التيار المحافظ على مؤسسات صنع القرار في الداخل، بعد نجاحه في انتخابات مجلس الشورى التي جرت في أبريل 2004، ثم الانتخابات الرئاسية التي جرت في شهر يونيو 2005 والتي أسفرت عن فوز محمود أحمدي نجاد، إذ إن حدوث تناغم داخل أروقة صنع القرار الإيراني يثير مجدداً في أذهان الخليجيين فكرة تصدير الثورة، وما يرتبط بها من مؤامرات لزعزعة الأمن والاستقرار في دول المجلس.
ولعل من ضمن المخاطر ـ التي يشير إليها البعض ـ والتي جاءت مع سيطرة التيار المتشدد على الحكم في إيران، وتمس أمن دول الجوار الخليجي بدرجة كبيرة، وجود مخاوف من احتمالات العودة من جديد إلى إحياء ودفع المشروع (الصفوي) في العراق وارتفاع وتيرة الاحتقان الطائفي في الخليج ضمن المشروع نفسه رجوعاً لسياسات تصدير الثورة الإيرانية التي جلبت التوترات للمنطقة مع بداية العقد الثامن من القرن الماضي.
3- الوجود الإسرائيلي في العراق يمثل تهديداً محتملاً ومستقبلياً لأمن دول المجلس، لأنه قد يتحول إلى جسر يمكن من خلاله العبور أو النفاذ إلى الأسواق الخليجية، وتدمير الاقتصاديات الخليجية من خلال عمليات التهريب وغسيل الأموال وتجارة المخدرات.
كما أن وقوع العراق تحت السيطرة الأمريكية المباشرة سيؤدي من وجهة نظر إسرائيل إلى إحياء مفاهيم ومشروعات الشرق أوسطية التي تلعب فيها دوراً كبيراً في صياغتها بشكل يضمن لها السيطرة على مقدرات المنطقة، حيث تتطلع إلى تغيير هوية المنطقة، والعمل على استبدال اندماج منطقة الخليج بالنظام العربي إقليمياً ودولياً، بجعلها ضمن نظام شرق أوسطي، ترتبط فيه دول المجلس مع إسرائيل بعلاقات تفاعل محددة في ميادين شتى، وقد عبر عن هذه الفكرة وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2005، حيث دعا قادة الدول العربية والإسلامية إلى إعلان اتصالاتهم المتزايدة مع إسرائيل على الملأ، وكان لافتاً تركيزه على دول المجلس كهدف اقتصادي إسرائيلي قديم للاستفادة من أسواقها في تعظيم شأن الصناعة الإسرائيلية وضمان عوائد دولارية ضخمة من وراء التعامل مع هذه الدول المشهورة بالطابع الاستهلاكي.
وأيضاً لا يمكن تجاهل الأطماع الإسرائيلية في نفط الخليج، الذي يشكل أهمية كبيرة لها، إذا ما تم الأخذ في الاعتبار أنها تعتمد على استيراد كافة احتياجاتها النفطية من الخارج، وهو ما يكلفها الكثير، ومن ثم فإن توفير مصادر قريبة للنفط من شأنه أن يحقق مكاسب كبيرة للاقتصاد الإسرائيلي، وتأمل تل أبيب في أن تحقق هذه الأهداف في مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته الولايات المتحدة في إطار استراتيجيتها إزاء المنطقة بعد غزو العراق.
إن أمن الخليج في الذكرى الثالثة لاحتلال العراق يبدو في مفترق طرق، قد تبدو متقاطعة، لكنها مترابطة، فالعراق المنفلت أمنياً كان فرصة لتدخل إيراني، واختراق إسرائيلي، ونتيجة ذلك كله تفاقم معضلة الأمن لدول مجلس التعاون الخليجي.

::/fulltext::
::cck::3247::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *