هل من سبيل آخر إلى السلام غير الحرب؟
::cck::3246::/cck::
::introtext::
من المؤسف حقاً أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تصر على استخدام القوة وشن الحروب من أجل (تخليص العالم من الشر والأشرار)، بالرغم من أن التاريخ لم يبخل على الإنسانية بتقديم الدرس تلو الآخر ليؤكد أن الحروب لا تحقق إلاّ سلاماً محدوداً ومؤقتاً ومنقوصاً، أو أنها لا تتمخض عن سلام عادل وشامل ولو لمرة واحدة في تاريخ البشرية.
::/introtext::
::fulltext::
من المؤسف حقاً أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تصر على استخدام القوة وشن الحروب من أجل (تخليص العالم من الشر والأشرار)، بالرغم من أن التاريخ لم يبخل على الإنسانية بتقديم الدرس تلو الآخر ليؤكد أن الحروب لا تحقق إلاّ سلاماً محدوداً ومؤقتاً ومنقوصاً، أو أنها لا تتمخض عن سلام عادل وشامل ولو لمرة واحدة في تاريخ البشرية.
كما لا يزال هناك أشخاص مثل عضو مجلس الشيوخ الأمريكي جون كيري يطلون علينا ليكرروا على مسامعنا مقولات مثل: إنه (إذا بقيت سلامة شعبنا وأمن أمتنا واستقرار العالم محل تهديد بهذا الشكل، فإنه ليس أمامنا من خيار سوى شن الحرب من أجل تحقيق السلام).
وعلى الرغم من أن الرئيس جورج بوش قد أنكر وجود خطط لشن حرب أخرى، فإن سيمون هيرش قال في مقالة نُشرت له في صحيفة (النيويوركر) في إبريل الماضي: (إن واشنطن ربما تخطط الآن لحرب أخرى تهدف إلى تسهيل عملية تغيير النظام في إيران). وأضاف (إن ما يثير القلق فعلاً هو أن الإدارة الأمريكية رفضت الالتزام بعدم استخدام أسلحة نووية تكتيكية في هذه الحرب).
إن ما يعزز من مصداقية هذه التصريحات هو فشل الرئيس الأمريكي بوش في حشد التأييد العالمي لفرض عقوبات على إيران خلال الأسبوع الماضي، وعندما أصر على عدم الالتزام بتوجيه ضربة نووية لإيران في حال فشلت الجهود الدبلوماسية للجم الطموحات النووية الإيرانية قال بوش (إن جميع الخيارات مطروحة). ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يحتاج العالم فعلاً إلى شن حرب أخرى لتدمير المنشآت النووية الإيرانية أو لتسهيل عملية تغيير النظام أو لتحقيق الهدفين معاً؟
تجدر الإشارة إلى أن مبدأ (الحرب من أجل تحقيق السلام) يعود إلى تسعينات القرن التاسع عشر في عهد الرئيس الأمريكي تيدي روزفلت، الذي ينظر إليه المحافظون الجدد بكثير من الإجلال والتبجيل، وذلك على أساس أنه النموذج الأمريكي للرئيس الذي يجسد التوجه (العولمي). ويُذكـَـر أن روزفلت صرح في إحدى المناسبات بالقول: (إن جميع الشعوب العظيمة والمهيمنة في التاريخ كانت شعوباً محاربة، وليس هناك انتصار للسلام يضاهي في عظمته انتصاراً يتحقق في ساحة المعركة).
لقد أدى مبدأ روزفلت هذا إلى انتشار العديد من التوقعات بأن السلام سيعم العالم، ففي عام 1914 كتب الروائي البريطاني اتش. جي. ويلز حول الحرب العالمية الأولى مقالة بعنوان (الحرب التي ستنهي جميع الحروب) ورد فيها: (إن هذه الحرب هي من أجل تحقيق السلام وتهدف إلى إيجاد تسوية ستضع حداً لجميع الصراعات المسلحة. هذه الحرب، التي هي أعظم الحروب، ليست مجرد حرب أخرى، ولكنها الحرب الأخيرة). ولكن شأنها شأن جميع رواياته بقيت تصريحاته ضرباً من الخيال.
وفي عام 1918، توقع الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج بأن تكون الحرب العالمية الأولى، الحرب التي ستضع حداً لجميع الحروب من أجل حرية الإنسانية. ومنذ ذلك الوقت والمسؤولون يطلون علينا ليعلنوا أن الحرب التي يشنونها ستكون الأخيرة، ولكن هذه التوقعات باءت جميعها بالفشل. فالحرب العالمية الأولى أدت إلى الحرب العالمية الثانية، والتي حالما انتهت انطلقت مرحلة الحرب الباردة التي نتج عنها اندلاع الحربين الكورية والفيتنامية مروراً بالصراع العربي ـ الإسرائيلي وما تلاها من حروب في مناطق الخليج والبلقان والمواجهات في القارة الإفريقية والحرب المستعرة الآن في العراق. أضف إلى ذلك أن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق جعل بعض الناس يتفاءلون بعهد سلام جديد، ولكن هذا الانهيار حمل في طياته ظهور الولايات المتحدة الأمريكية كالدولة المتفردة بالهيمنة على العالم واستمرار مبدأ روزفلت.
أما الآن، واستناداً إلى ما يقوله جوزيف سيرينكيوني من مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي، فإن واشنطن تبدو كأنها ملتزمة بالنهج الذي اتبعته في العراق والقائم على (الحرب من أجل السلام) في سياستها وموقفها في التعامل مع إيران، ولا سيما أن نائب الرئيس الأمريكي ألقى خطاباً ركز فيه على التهديد الذي تمثله دولة غنية بالنفط في منطقة الشرق الأوسط. أما وزيرة الخارجية الأمريكية فتصرح أمام الكونغرس بأن هذه الدولة نفسها هي التحدي الأكبر والأخطر على المستوى العالمي. أما وزير الدفاع فيصف هذه الدولة بأنها الداعم الرئيسي للإرهاب العالمي، ويوجه إليها الرئيس الأمريكي أصابع الاتهام بأنها تقف وراء الاعتداءات على الجنود الأمريكيين.
ولكن.. أليس هناك بديل للحرب؟
بالرغم من النوايا الإيرانية أو ما يُقدَّم في الإعلام الأمريكي على أنه النوايا الإيرانية، وبالرغم أيضاً من تشابك الحقائق وتعقيداتها على الأرض، فإن الحرب تبقى حلاً منقوصاً ومؤقتاً، ولا سيما أن الأزمة الحالية لم تنشأ نتيجة لسبب وحيد قائم الآن، ولكنها انبثقت من مجموعة من الأسباب والعوامل التاريخية والسياسية والدينية والاقتصادية والثقافية.
إن من أفضل الأسلحة في مواجهة الحرب هي الرأي العام، فخلال الحرب الفيتنامية كشفت استطلاعات الرأي تحولات في الرأي العام الأمريكي. واستناداً إلى استطلاع أُجـرِي في عام 2000، فإن سبعين في المائة من الأمريكيين لا يزالون يعتقدون أن إرسال قوات أمريكية إلى فيتنام كان خطأً فادحاً، فاستمرار الحرب سنوات طويلة وارتفاع عدد القتلى والجرحى في صفوف القوات الأمريكية وكشف الحقائق حول تورط أمريكا في جرائم حرب، كل ذلك جعل السواد الأعظم من الأمريكيين يعارضون الحرب هناك.
إن الأمر الذي يبقى عصياً على الفهم هو أنه من المتوقع أن تعزز الحرب الدائرة في العراق هذه المعارضة للحرب، ولكن من المؤسف أن استطلاعاً للرأي أجرته (مؤسسة زغبي العالمية) يُظهر أن ثمانية وأربعين في المائة من الأمريكيين لا يزالون يؤيدون توجيه ضربة عسكرية لإيران مقارنة بأربعين في المائة يعارضونها، ولكن أربعة وخمسين في المائة يقولون إنهم لا يثقون بالرئيس بوش لـ (اتخاذ القرار الصائب حول الدخول في حرب مع إيران)، الأمر الذي يعتبره كثيرون الفرصة التي لا بد من تحقيق الاستفادة القصوى منها لمنع إدارة الرئيس بوش من الخوض في غمار حرب ثانية، حتى إن استطلاعاً أجرته مؤسسة زغبي العالمية أُجـرِي في ديسمبر 2005، يؤكد أن ثلاثة وأربعين في المائة من الذين شملهم الاستطلاع في خمس دول عربية بما فيها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أعربوا عن اعتقادهم بأن إيران تسعى لتطوير أسلحة نووية، ولكن ستة في المائة فقط قالوا إن إيران تشكل التهديد الأكبر بالنسبة لهم.
لعل من أفضل الوسائل لترجمة هذه الآراء إلى تحرك على نطاق واسع من أجل العرب والإيرانيين والإنسانية جمعاء هو تفعيل دور القادة مثل الرئيس الأسبق جيمي كارتر، وذلك لما يتمتع به من مصداقية في سعيه لتحقيق السلام العالمي، والذي طالما انتقد التهديدات التي أطلقها الرئيس بوش لشن الحرب على إيران. ففي خطابه بمناسبة حصوله على جائزة نوبل للسلام في أوسلو في عام 2003 حرص كارتر على القول (إن الحرب قد تكون في بعض الأحيان شراً لا بد منه، ولكن مهما بلغت درجة الضرورة لخوضها إلحاحاً، فإنها تبقى دائماً شراً، ولن تكون أبداً خيراً. لا يمكن أن نتعلم أن نتعايش جنباً إلى جنب بسلام ونحن يقتل بعضنا أطفال بعض).
بالإضافة إلى النوايا الحسنة للقادة المحبين للسلام، فإن الحاجة اليوم ملحة لإقامة حوار يتخطى فشل المحادثات بين إيران واللجنة الثلاثية للاتحاد الأوروبي ودور الوساطة الذي تقوم به كل من روسيا والصين. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه استثناء قيام محادثات مباشرة بين طهران وواشنطن، فإن هناك قناة أخرى لم تحظَ بما تستحقه من اهتمام، ألا وهي العمل على إجراء حوار مباشر بين دول مجلس التعاون وإيران. فكما أن الأوضاع القائمة حالياً تكشف أزمة الثقة بين الجانبين، إلاّ أنها أيضاً تقدم فرصة جيدة لتحسين العلاقات بينهما، لا سيما أن دول المجلس ستكون أكثر المتضررين في حال وقوع صراع مسلح بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي من الضروري أن تبذل دول المجلس جهوداً مكثفة لإقناع الطرفين بعدم تصعيد الأمور والعمل على تجنب مواجهة عسكرية مباشرة بينهما. وعلى صعيد آخر، يجب على إيران أن تسعى إلى كسب ثقة دول المجلس وتشجيعها على لعب دور رسول السلام بين طهران وواشنطن. كما يتوجب على طهران أن تصغي للتصريحات الصادرة عن دول المجلس، والتي ترفض أي تهديد نووي إيراني، ولكنها في الوقت نفسه ترفض أي اعتداء ضد إيران.
إن الوضع المتوتر بين أمريكا وإيران لا يمكن أن يخدم مصلحة أي منهما، ويبقى أحد العوامل المهددة لأمن واستقرار المنطقة، حيث إن درس العراق لا يزال شاهداً على أن الحرب لا يمكن أن تكون الحل، وبالتالي فإن شن حرب أمريكية جديدة على إيران لا يمكن أن تؤدي إلى إحلال السلام، لا في المنطقة ولا في العالم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3246::/cck::
::introtext::
من المؤسف حقاً أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تصر على استخدام القوة وشن الحروب من أجل (تخليص العالم من الشر والأشرار)، بالرغم من أن التاريخ لم يبخل على الإنسانية بتقديم الدرس تلو الآخر ليؤكد أن الحروب لا تحقق إلاّ سلاماً محدوداً ومؤقتاً ومنقوصاً، أو أنها لا تتمخض عن سلام عادل وشامل ولو لمرة واحدة في تاريخ البشرية.
::/introtext::
::fulltext::
من المؤسف حقاً أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تصر على استخدام القوة وشن الحروب من أجل (تخليص العالم من الشر والأشرار)، بالرغم من أن التاريخ لم يبخل على الإنسانية بتقديم الدرس تلو الآخر ليؤكد أن الحروب لا تحقق إلاّ سلاماً محدوداً ومؤقتاً ومنقوصاً، أو أنها لا تتمخض عن سلام عادل وشامل ولو لمرة واحدة في تاريخ البشرية.
كما لا يزال هناك أشخاص مثل عضو مجلس الشيوخ الأمريكي جون كيري يطلون علينا ليكرروا على مسامعنا مقولات مثل: إنه (إذا بقيت سلامة شعبنا وأمن أمتنا واستقرار العالم محل تهديد بهذا الشكل، فإنه ليس أمامنا من خيار سوى شن الحرب من أجل تحقيق السلام).
وعلى الرغم من أن الرئيس جورج بوش قد أنكر وجود خطط لشن حرب أخرى، فإن سيمون هيرش قال في مقالة نُشرت له في صحيفة (النيويوركر) في إبريل الماضي: (إن واشنطن ربما تخطط الآن لحرب أخرى تهدف إلى تسهيل عملية تغيير النظام في إيران). وأضاف (إن ما يثير القلق فعلاً هو أن الإدارة الأمريكية رفضت الالتزام بعدم استخدام أسلحة نووية تكتيكية في هذه الحرب).
إن ما يعزز من مصداقية هذه التصريحات هو فشل الرئيس الأمريكي بوش في حشد التأييد العالمي لفرض عقوبات على إيران خلال الأسبوع الماضي، وعندما أصر على عدم الالتزام بتوجيه ضربة نووية لإيران في حال فشلت الجهود الدبلوماسية للجم الطموحات النووية الإيرانية قال بوش (إن جميع الخيارات مطروحة). ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يحتاج العالم فعلاً إلى شن حرب أخرى لتدمير المنشآت النووية الإيرانية أو لتسهيل عملية تغيير النظام أو لتحقيق الهدفين معاً؟
تجدر الإشارة إلى أن مبدأ (الحرب من أجل تحقيق السلام) يعود إلى تسعينات القرن التاسع عشر في عهد الرئيس الأمريكي تيدي روزفلت، الذي ينظر إليه المحافظون الجدد بكثير من الإجلال والتبجيل، وذلك على أساس أنه النموذج الأمريكي للرئيس الذي يجسد التوجه (العولمي). ويُذكـَـر أن روزفلت صرح في إحدى المناسبات بالقول: (إن جميع الشعوب العظيمة والمهيمنة في التاريخ كانت شعوباً محاربة، وليس هناك انتصار للسلام يضاهي في عظمته انتصاراً يتحقق في ساحة المعركة).
لقد أدى مبدأ روزفلت هذا إلى انتشار العديد من التوقعات بأن السلام سيعم العالم، ففي عام 1914 كتب الروائي البريطاني اتش. جي. ويلز حول الحرب العالمية الأولى مقالة بعنوان (الحرب التي ستنهي جميع الحروب) ورد فيها: (إن هذه الحرب هي من أجل تحقيق السلام وتهدف إلى إيجاد تسوية ستضع حداً لجميع الصراعات المسلحة. هذه الحرب، التي هي أعظم الحروب، ليست مجرد حرب أخرى، ولكنها الحرب الأخيرة). ولكن شأنها شأن جميع رواياته بقيت تصريحاته ضرباً من الخيال.
وفي عام 1918، توقع الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج بأن تكون الحرب العالمية الأولى، الحرب التي ستضع حداً لجميع الحروب من أجل حرية الإنسانية. ومنذ ذلك الوقت والمسؤولون يطلون علينا ليعلنوا أن الحرب التي يشنونها ستكون الأخيرة، ولكن هذه التوقعات باءت جميعها بالفشل. فالحرب العالمية الأولى أدت إلى الحرب العالمية الثانية، والتي حالما انتهت انطلقت مرحلة الحرب الباردة التي نتج عنها اندلاع الحربين الكورية والفيتنامية مروراً بالصراع العربي ـ الإسرائيلي وما تلاها من حروب في مناطق الخليج والبلقان والمواجهات في القارة الإفريقية والحرب المستعرة الآن في العراق. أضف إلى ذلك أن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق جعل بعض الناس يتفاءلون بعهد سلام جديد، ولكن هذا الانهيار حمل في طياته ظهور الولايات المتحدة الأمريكية كالدولة المتفردة بالهيمنة على العالم واستمرار مبدأ روزفلت.
أما الآن، واستناداً إلى ما يقوله جوزيف سيرينكيوني من مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي، فإن واشنطن تبدو كأنها ملتزمة بالنهج الذي اتبعته في العراق والقائم على (الحرب من أجل السلام) في سياستها وموقفها في التعامل مع إيران، ولا سيما أن نائب الرئيس الأمريكي ألقى خطاباً ركز فيه على التهديد الذي تمثله دولة غنية بالنفط في منطقة الشرق الأوسط. أما وزيرة الخارجية الأمريكية فتصرح أمام الكونغرس بأن هذه الدولة نفسها هي التحدي الأكبر والأخطر على المستوى العالمي. أما وزير الدفاع فيصف هذه الدولة بأنها الداعم الرئيسي للإرهاب العالمي، ويوجه إليها الرئيس الأمريكي أصابع الاتهام بأنها تقف وراء الاعتداءات على الجنود الأمريكيين.
ولكن.. أليس هناك بديل للحرب؟
بالرغم من النوايا الإيرانية أو ما يُقدَّم في الإعلام الأمريكي على أنه النوايا الإيرانية، وبالرغم أيضاً من تشابك الحقائق وتعقيداتها على الأرض، فإن الحرب تبقى حلاً منقوصاً ومؤقتاً، ولا سيما أن الأزمة الحالية لم تنشأ نتيجة لسبب وحيد قائم الآن، ولكنها انبثقت من مجموعة من الأسباب والعوامل التاريخية والسياسية والدينية والاقتصادية والثقافية.
إن من أفضل الأسلحة في مواجهة الحرب هي الرأي العام، فخلال الحرب الفيتنامية كشفت استطلاعات الرأي تحولات في الرأي العام الأمريكي. واستناداً إلى استطلاع أُجـرِي في عام 2000، فإن سبعين في المائة من الأمريكيين لا يزالون يعتقدون أن إرسال قوات أمريكية إلى فيتنام كان خطأً فادحاً، فاستمرار الحرب سنوات طويلة وارتفاع عدد القتلى والجرحى في صفوف القوات الأمريكية وكشف الحقائق حول تورط أمريكا في جرائم حرب، كل ذلك جعل السواد الأعظم من الأمريكيين يعارضون الحرب هناك.
إن الأمر الذي يبقى عصياً على الفهم هو أنه من المتوقع أن تعزز الحرب الدائرة في العراق هذه المعارضة للحرب، ولكن من المؤسف أن استطلاعاً للرأي أجرته (مؤسسة زغبي العالمية) يُظهر أن ثمانية وأربعين في المائة من الأمريكيين لا يزالون يؤيدون توجيه ضربة عسكرية لإيران مقارنة بأربعين في المائة يعارضونها، ولكن أربعة وخمسين في المائة يقولون إنهم لا يثقون بالرئيس بوش لـ (اتخاذ القرار الصائب حول الدخول في حرب مع إيران)، الأمر الذي يعتبره كثيرون الفرصة التي لا بد من تحقيق الاستفادة القصوى منها لمنع إدارة الرئيس بوش من الخوض في غمار حرب ثانية، حتى إن استطلاعاً أجرته مؤسسة زغبي العالمية أُجـرِي في ديسمبر 2005، يؤكد أن ثلاثة وأربعين في المائة من الذين شملهم الاستطلاع في خمس دول عربية بما فيها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أعربوا عن اعتقادهم بأن إيران تسعى لتطوير أسلحة نووية، ولكن ستة في المائة فقط قالوا إن إيران تشكل التهديد الأكبر بالنسبة لهم.
لعل من أفضل الوسائل لترجمة هذه الآراء إلى تحرك على نطاق واسع من أجل العرب والإيرانيين والإنسانية جمعاء هو تفعيل دور القادة مثل الرئيس الأسبق جيمي كارتر، وذلك لما يتمتع به من مصداقية في سعيه لتحقيق السلام العالمي، والذي طالما انتقد التهديدات التي أطلقها الرئيس بوش لشن الحرب على إيران. ففي خطابه بمناسبة حصوله على جائزة نوبل للسلام في أوسلو في عام 2003 حرص كارتر على القول (إن الحرب قد تكون في بعض الأحيان شراً لا بد منه، ولكن مهما بلغت درجة الضرورة لخوضها إلحاحاً، فإنها تبقى دائماً شراً، ولن تكون أبداً خيراً. لا يمكن أن نتعلم أن نتعايش جنباً إلى جنب بسلام ونحن يقتل بعضنا أطفال بعض).
بالإضافة إلى النوايا الحسنة للقادة المحبين للسلام، فإن الحاجة اليوم ملحة لإقامة حوار يتخطى فشل المحادثات بين إيران واللجنة الثلاثية للاتحاد الأوروبي ودور الوساطة الذي تقوم به كل من روسيا والصين. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه استثناء قيام محادثات مباشرة بين طهران وواشنطن، فإن هناك قناة أخرى لم تحظَ بما تستحقه من اهتمام، ألا وهي العمل على إجراء حوار مباشر بين دول مجلس التعاون وإيران. فكما أن الأوضاع القائمة حالياً تكشف أزمة الثقة بين الجانبين، إلاّ أنها أيضاً تقدم فرصة جيدة لتحسين العلاقات بينهما، لا سيما أن دول المجلس ستكون أكثر المتضررين في حال وقوع صراع مسلح بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي من الضروري أن تبذل دول المجلس جهوداً مكثفة لإقناع الطرفين بعدم تصعيد الأمور والعمل على تجنب مواجهة عسكرية مباشرة بينهما. وعلى صعيد آخر، يجب على إيران أن تسعى إلى كسب ثقة دول المجلس وتشجيعها على لعب دور رسول السلام بين طهران وواشنطن. كما يتوجب على طهران أن تصغي للتصريحات الصادرة عن دول المجلس، والتي ترفض أي تهديد نووي إيراني، ولكنها في الوقت نفسه ترفض أي اعتداء ضد إيران.
إن الوضع المتوتر بين أمريكا وإيران لا يمكن أن يخدم مصلحة أي منهما، ويبقى أحد العوامل المهددة لأمن واستقرار المنطقة، حيث إن درس العراق لا يزال شاهداً على أن الحرب لا يمكن أن تكون الحل، وبالتالي فإن شن حرب أمريكية جديدة على إيران لا يمكن أن تؤدي إلى إحلال السلام، لا في المنطقة ولا في العالم.
::/fulltext::
::cck::3246::/cck::
