رؤية في مستقبل العلاقـة العراقية- الأمريكية

::cck::3248::/cck::
::introtext::

هل يمكن أن تكون لنتائج انتخابات ديسمبر 2005 في العراق تأثيرات جوهرية في سياسة العراق الخارجية؟ أم أنه لا يتوقع الكثير في المستقبل جرائها بحكم أن نتائجها جاءت لتؤكد طبيعة العملية السياسية الجديدة في العراق، وليس مضمونها الذي حسم منذ التغيير السياسي الذي قامت به الولايات المتحدة في نيسان 2003؟

::/introtext::
::fulltext::

هل يمكن أن تكون لنتائج انتخابات ديسمبر 2005 في العراق تأثيرات جوهرية في سياسة العراق الخارجية؟ أم أنه لا يتوقع الكثير في المستقبل جرائها بحكم أن نتائجها جاءت لتؤكد طبيعة العملية السياسية الجديدة في العراق، وليس مضمونها الذي حسم منذ التغيير السياسي الذي قامت به الولايات المتحدة في نيسان 2003؟
بداية إن الانتخابات العراقية أسفرت عن صعود ثلاثة تكتلات كبرى: الائتلاف الشيعي (129 مقعداً)، الائتلاف الكردستاني (53 مقعداً)، وجبهة التوافق السنية (42 مقعداً)، في حين حصلت 9 قوائم أخرى على (51 مقعداً). وعملياً يمكن تشكيل الحكومة بين الائتلاف الشيعي وكلا التكتلين الآخرين أو أحدهما، إذ يمكنه تجاوز عتبة تشكيل مجلس الرئاسة السابق على تشكيل الحكومة وبموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب. هل يعني ذلك ظهور مؤشرات في سياسة العراق الخارجية على مدى أربعة أعوام مقبلة؟ لنرصد المتغيرات الآتية:
1-الائتلاف الشيعي، ستكون له رئاسة مجلس الوزراء وأغلبية الوزارات، لكنه سيتخلى عن الخارجية والتخطيط، وربما الداخلية أو الدفاع، وقد يتخلى أكثر من ذلك عن وزارات مثل التربية والتعليم والعدل والمالية، إذا ما أصر على سياسة استبعاد أحد التكتلين والركون إلى واحد منهما فقط مهما كانت شروطه. أما توجه الائتلاف العام فهو شوفيني طائفي معاد لكل ما هو عربي أو إسلامي، مقدس لكل ما هو فارسي.
2-الائتلاف الكردستاني، ستكون له حصة مهمة من الوزارات ولعل أهمها الخارجية والتخطيط، وربما رئاسة مجلس الوزراء أو رئاسة مجلس النواب، أما توجهه العام فهو علماني عرقي قبلي محافظ، لا يدين بولاء العرفان سوى لمفهوم المصلحة، وبالتالي فاحتمالات تقبل جيران العراق في سياسته واردة.
3-جبهة التوافق السنية، إذا ما اشتركت في الحكومة فسيكون لها بعض الوزارات الهامشية وربما الدفاع وإحدى الرئاستين لمجلس الوزراء أو لمجلس النواب كنوع من الترضية، أما توجهها فهو عشائري ذو نزعة طائفية محافظة، وتسعى لتقديم العلاقة مع الدول العربية على غيرها.
4-الولايات المتحدة، وهي قوة تمارس تأثيرها في سياسة الدولة العراقية، وتخضع لوصايتها وزارة الدفاع العراقية والملف الاستخباري، أما توجهها فهو أن يكون العراق دولة ديمقراطية علمانية، وقاعدة للتغيير في المنطقة.
5-إيران، وهي القوة التي تمسك بحبال السلطة الفعلية في العراق من الوسط وحتى الجنوب، ولمخابراتها أياد فاعلة في وسط وشمال وغرب العراق، أما توجهها فهو يقوم على ثلاثة مرتكزات: زيادة توريط الولايات المتحدة وإضعافها، إضعاف القوى العلمانية الوطنية والعروبية في العراق، استنهاض مشروع شيعي صفوي يكون العراق أحد أذرعه الفاعلة وليس المنافسة على قيادته.
فأين ستكون سياسة العراق القادمة؟ أرى أننا أمام تقابل بين مشروعين (الولايات المتحدة وإيران) يؤثران في تشكيل السياسة العراقية بنسبة تفوق الـ50 في المائة، وقد أعطت سياسة الطاعة والإذعان والعرفان لهما من قبل القوى العراقية أعلاه عامل تأثير آخر ليزيد من تأثيرهما إلى نسبة تكاد تكون تامة في عملية تشكيل السياسة العراقية (صنع أو تأثير في صنع)، وأصبحت القوى الثلاث أعلاه تحمل ثقل المشروعين وتوجهاتهما المختلفة، فاحتارت تلك القوى ولا يتوقع أن تحقق حركة فاعلة سواء نحو الشرق أو الغرب أو الشمال، فحركة العراق القادمة هي التيه والتبعية. وهذا لا ينفي بروز بعض المؤشرات التي تعطي مرة أرجحية للولاءات الإيرانية بحكم القدرة على التأثير في داخل العراق ولعبة القوى الدولية فيه، ومرة أخرى سياسات ترضية للولايات المتحدة تحت طائلة الوجود الاستخباري الأمريكي في العراق.
وفي هذه الورقة سيكون جل تركيزنا على العلاقة بين العراق والولايات المتحدة.
تاريخياً انتقلت العلاقة الأمريكية – العراقية من حال إلى آخر في أكثر من موضع بين العداوة والتعاون، وهذا يعكس الحسابات السياسية للطرفين إزاء بعضهما، وعند صياغة الأولويات باعتبار الطرف الآخر طرفاً مؤثراً فيه وتحدياً استراتيجياً لصناع قراره، إلى كون هذه العلاقة باتت تمثل طريقة جديدة في تصريف العلاقات بين الدول، أي طريقة تعديل سلوكيات الطرف الآخر بالقوة العسكرية. ويطرح البعض، اليوم، وفي هذا السياق، تساؤلاً مفاده هل توجد علاقة بين العراق والولايات المتحدة؟ ومبررات طرحه موجودة، مادامت السيطرة السياسية الأمريكية على العراق أمراً قائماً. نقول إنه توجد علاقات عراقية– أمريكية، فالأمر لا يتعلق بالسيطرة السياسية-العسكرية، بقدر ما تتوقف العلاقة على وجود تبادلات بين طرفين، سواء كانت التبادلات السياسية اقتصادية أو عسكرية أو ثقافية أو جميعها، عدائية كانت أم سلمية، وتسبقها رؤى متبادلة تعطي خلالها الأطراف أهمية لبعضها بعضاً.
وإذا كان ماضي العلاقة يشير إلى سيادة النهج العدائي، الذي كان ذلك دافعا لاعتماد الولايات المتحدة مسلك تقويض النظام السياسي في العراق، والإتيان بحكومة وقوى سياسية لا تكن في أقل تقدير العداء لها، فإننا اليوم أمام واقع حال ألا وهو صياغة جديدة لإجمالي العلاقات الدولية، إذ تمارس الولايات المتحدة سيطرة سياسية على الدولة العراقية، وتعمد إلى تصريف سياساتها بأسلوب الوصايا. وتكاد الضغوط التي واجهت الولايات المتحدة في إدارة الدولة العراقية خلال المرحلة اللاحقة على نيسان 2003، وحتى حزيران 2004، لم تسعف كثيرا في إحداث تغيير جوهري في طبيعة الحضور الأمريكي في العراق، فهي قد دفعت إلى إنهاء الاحتلال رسميا بموجب القرار الدولي 1546 في حزيران 2004 ولكنها عوضته بوجود سياسي فاعل، واتفاقيات مع قوى عراقية على جداول زمنية لإقامة نظام حكم دائم، ابتدأته بتشكيل الحكومة المؤقتة في حزيران 2004، ثم بانتخابات يناير 2005، وتشكيل الحكومة الانتقالية، ثم صياغة الدستور الدائم في أكتوبر 2005، وأخيراً انتخابات 15 ديسمبر 2005.
ما تقدم لم يعط مؤشرات كافية إلى وقف التصعيد ضد الوجود الأمريكي في العراق، الأمر الذي يفرض علينا محاولة استقراء المستقبل الشائك في هذه العلاقة، فهل هناك توجهات داخلية قوية إلى الضد من الولايات المتحدة؟ أم أن الولايات المتحدة تعتمد استراتيجية تجعل عراقيين راغبين ينفذون استراتيجيتها في إدارة البلد، مقابل إدارتهم تلك ينفذون أدواراً رسمت أمريكياً؟ أم أن الأمر يقر بفاعلية كلا التوجهين، ولا غلبة لأحدهما على الآخر بشكل واضح؟
وفي هذه الدراسة نرى أن معطيات الوضع الدولي الراهن، إضافة إلى الوضع الداخلي في كلا الطرفين، تقتضي منهما بناء علاقتهما على مرتكزات ثابتة نسبياً. وفي هذا الصدد لا نرفض أي افتراض قابل للتحقق، فقد يتحقق تعاون عراقي– أمريكي واسع (رغم عدم تكافؤ الطرفين)، أو قد يكون العراق قاعدة عمليات عسكرية للولايات المتحدة. وذلك في إطار تساؤل مفاده ما المستقبل الذي يمكن أن تستقر عليه العلاقة بين الدولتين؟
كوابح وفرص أمام العلاقة العراقية – الأمريكية
هل يمكن حدوث تعارض بين أهداف وسياسات العراق والولايات المتحدة؟ وهل يمكن أن تثار مسألة الثقة بين الطرفين؟ قبل احتلال العراق2003 قامت العلاقة بين الدولتين على التعسف الأمريكي في تصوير وضع العراق الدولي باعتباره (الدولة العدو) لمصالح الولايات المتحدة، وهذا ما برر استخدام القوة ضده، رافقته محاولات أمريكية مستمرة لثنيه عن تنفيذ أهدافه، وتغيير نظام حكمه. ودخل العراق، من جانبه، معترك مقاومة السياسة الأمريكية الموجهة إزاءه، وهذا ما جعل الصراع والصدام بين الدولتين حقيقة من الصعب إنكارها، فقد بدأ تبلور هذه العلاقة في ذلك الشكل منذ انتهاء حربه مع إيران، عندما امتلك العراق صدقية أكبر في تنفيذه لأهدافه، وتطلعاته في الاستقلالية، والتنمية الشاملة وبناء دور إقليمي وعربي فاعل، إذ رأت الولايات المتحدة في ذلك محاولة لتصحيح علاقات القوى الإقليمية، واعادة تشكيل للخارطة السياسية للمنطقة بأكملها، وفي ذلك تماس واسع مع مصالحها. هذا هو الجذر التاريخي للعلاقة، وهو مع المعطيات الواقعية، الذي سيطفو على سطح العلاقة كلما تم إجراء مراجعة لها أو إعادة تقييم وبيان إمكانية تطورها، كلاهما سيكون متغيراً في تحديد ذلك. فالملاحظ أنه خلال العقد الماضي قامت الولايات المتحدة بأوسع عملية تدمير لقدرات العراق المختلفة، لا يتوقع تأهيلها بسهولة لتكون بمستوى مكافئ لوضع العراق الدولي بداية 1990، ما لم يكن العراق بمستوى الطموح الأمريكي في لعب أدوار إقليمية وعربية واعدة نيابة عن الولايات المتحدة.
من جانبها، تسعى الولايات المتحدة لضمان السيطرة والهيمنة على المنطقة العربية وإبعاد القوى الكبرى عنها، نظرا لأهميتها السياسية العالمية، فهي مصدر متدفق للموارد الأولية: البترول، ورأس المال القابل للاستثمار، ناهيك عن الكفاءات البشرية التي يتم استيعابها، أو نتاجاتها العلمية والفنية في الأسواق العالمية للموارد البشرية (جامعات، مراكز بحوث، مراكز خدمية…) وأهمها السوق الأمريكية وخاصة أن المنطقة العربية سوق اقتصادية مفتوحة، فضلاً عن أهمية موقعها الاستراتيجي المتوسط لكل من أوروبا الناهضة، وروسيا، والمنافس العالمي المرتقب الصين. والسيطرة عليها تتيح للولايات المتحدة قاعدة واسعة للحركة ومرونة في حالة انفلات عرى العلاقات الإيجابية بينها وبين تلك القوى، لهذا لا نستغرب لجوئها إلى كبح جماح أية دولة تتعارض سياساتها مع السياسة الأمريكية في المنطقة، وتحد من حريتها في الهيمنة على هذه المنطقة. وبالضرورة العراق ومنذ السيطرة السياسية عليه دخل ضمن هذا التفسير، بمعنى أنه دخل بوصفه مصلحة أمريكية، وللأسباب الآتية:
أ- أصبحت سوق وموارد العراق داخل دائرة السيطرة أو التأثير الأمريكي. وهذا يعني غياب منافسيها حيال أي امتيازات في تلك السوق والموارد.
ب- ما يثير اهتمام الإدارة الأمريكية هو عدم إعطاء العراق اليوم وزناً للاعتبارات الأيديولوجية والقومية في صياغة وتنفيذ سياساته خاصة الموقف من الوجود الأجنبي الأمريكي في الخليج، والموقف من القضية الفلسطينية، وحتى القوى الرافعة لشعارات طائفية هي فيما بينها متعارضة وتفضل الاحتكام إلى الولايات المتحدة من التحدث إلى بعضها.
ج- يضاعف من تقدير أثر السبب السابق أن النظام السياسي في العراق سيخضع في تشكيله الدائم لتأثير (الفلتر) الأمريكي.
د- يلاحظ أن الثقة ستكون متوافرة بين قيادتي البلدين، لذلك سيكون النظام السياسي في العراق لديه استعداد لتقبل سياسات أمريكية تضع في اعتبارها احترام مصالح الولايات المتحدة. والأكثر من ذلك أنه يصعب تصور ترك الولايات المتحدة النظام السياسي في العراق يسقط أو تقوم بإسقاطه بعد نفاد فاعلية الأوراق التي لديها، فالولايات المتحدة لا تقيم وزنا لعلاقات الصداقة بقدر ما تقيمه لعلاقات المصالح. وهذا بدوره يهيئ أرضية مناسبة لدى القوى العراقية (الراغبة في حكم العراق وعبر أي سياسة كانت) للتحول صوب إقامة علاقات تعاونية دائمة معها.
في حين لا تجد الإدارة الأمريكية في خطاب معظم القوى السياسية العراقية السياسي ما يتعارض مع مصالحها، حتى القوى المحسوبة على التيار الطائفي فإنها جعلتها أمام التزامات واقعية كافية لتجعلها تعمل في الساحة العراقية، باستثناء التيارات التي ارتضت استخدام القوة لمقابلة السياسة الأمريكية.
واليوم ينذر الوضع العراقي بصعود القوى التي ترفع خطاباً سياسياً دينياً، في مجمله له نظرة سلبية إزاء الولايات المتحدة. كما لا يتوقع أن يرضى العراق بالحيف الذي لحق به جراء تسويات أوضاع ما بعد حرب الخليج 1991، خاصة المتعلقة بحدوده مع الكويت. فكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع هذه المسائل؟
وسيضاعف تأثير الكوابح الضغوط التي تقوم بها بعض القوى الدولية والعربية على الإدارة الأمريكية بغية منح العراقيين درجة استقلال سياسي أكبر. مع ذلك، هذا لا يمنع من القول بوجود عدة فرص تتيح إمكانية بناء علاقات إيجابية بين الطرفين، سواء ما كان منها متعلقا بالعراق أو الولايات المتحدة أو بالبيئة الخارجية المؤثرة في علاقتهما ببعضهما البعض. فمنذ عام 2003 القوى السياسية الراغبة في ممارسة العمل السياسي الفاعل هي في الأقل غير معادية للولايات المتحدة، وهي في الغالب متمسكة بخيار الولايات المتحدة أولاً ولفترة غير منظورة.
واليوم نجد أن حدود التحول الممكنة في السياسة العراقية المقبلة، وذات الصلة بالعلاقة مع الولايات المتحدة، تقف عند افتراضين رئيسيين، هما الآتي:
الافتراض الأول، الانفتاح على الخارج. أي بما يفيد مواءمة العراق بين أولوية بناء الدولة داخليا، وتحقيق انفتاح محسوب ومقدر على العالم الخارجي من حيث الاهتمام وحيز تخصيص الموارد، وعدم تفضيل اعتماد مسار واحد فقط على حساب الآخر (على افتراض أن الأقدار قد جنبت البلد حرباً أهلية موجودة كل عوامل إيقادها واستمرارها). هذا النهج لا يعني أن تكون السياسة العراقية ثابتة ومستمرة على الأسس التي وضعتها الولايات المتحدة بعد منح العراقيين هامش حركة وما آلت إليه الانتخابات، بل إن ضرورات تقدير المزايا والتكاليف المترتبة عن اعتماد المسارين تقتضي التوجه نحو الداخل والانفتاح على الخارج، وتدفع نحو اعتماد المرونة في تنفيذ أهداف السياسة العراقية في ضوء الخطوط العريضة للاعتبارات السياسية الحاكمة. في ظل هذه المرونة تستطيع السياسة العراقية توسيع أدوارها الخارجية من دون نكوص عن التزامات إعادة الإعمار الداخلي. وفي العموم ستبقى العلاقة مع الولايات المتحدة محافظة على أطرها، إلا أن دور العراق الدولي المفترض في الاستراتيجية الأمريكية سينتفي وفقاً لهذا المشهد.
هذا الافتراض يتضمن وجود سياسة عراقية لا تجعل كسب ود الولايات المتحدة (تنفيذ أدوار سياسية دولية محددة لصالح الولايات المتحدة) في أولوياتها. كما أنه ليس من شروطها البقاء في دائرة الولايات المتحدة. ويمكن أن نحدد عددا من المدخلات الداعمة لظهور هذا المشهد بالآتي:
-بقاء حالة عدم الانقلاب في المفاهيم التاريخية للعلاقة بين الطرفين، إذ طالما كانت تلك المفاهيم تقترن بالنظرة إلى الغرب عموماً والولايات المتحدة بشكل خاص بأنها تمثل نموذجاً للرأسمالية المتوحشة وللنظام الامبريالي الذي يسعى للهيمنة على العالم بأكمله.
-استمرار حالة الرفض للعلاقة العراقية ـ الأمريكية. وما يدعم ذلك هو ما تتعرض له القوات الأمريكية من هجمات أدت إلى خسائر سياسية فاقت ما كانت تنظر إليه الولايات المتحدة ما بعد إسقاط النظام في العراق.
بالمقابل نرى تأكيد استخدام أساليب العنف والقوة من قبل الطرفين، فمن الطبيعي جداً أن تكون العلاقات في بدايتها متحفظة حذرة على الجانب الشعبي العراقي وأن تأخذ أسلوب التدرج إلى أن تتضح الرؤية للنظام القادم الحاكم للعراق، إلى ذلك الوقت يشكل هذا داعماً لعلاقة غير استراتيجية بين الاثنين.
-تصاعد الحركات الأصولية بشكل كبير في العراق يزيد من قسوة المشهد. هذه الحركات التي تضع المفاهيم العقيدية اليهودية والمسيحية في كفة والديانة الإسلامية في كفة أخرى، أي التأكيد مرة أخرى على أن الانقسامات والصراعات يمكن أن تسود في العراق كما هي في العالم على خلفية التوجهات الأيديولوجية والاقتصادية التي يمكن أن توتر العلاقات بين الطرفين.
وما يساعد على تحقيق هذا المشهد متغيرات عدة أهمها:
-المقاومة العراقية التي تسبب استمرار أوضاع عدم الاستقرار السياسي، وهذا يشكل كابحاً باتجاه استمرار تحسن العلاقة بين العراق والولايات المتحدة والناتجة عن ضرب مصالح الولايات المتحدة في العراق أولاً وفي المنطقة ثانيا.
-انهيار برامج التنمية أو إعادة الإعمار أو حتى ضخ البترول وتسويقه، وهذا سوف يؤدي في حالة استمراره إلى أمرين: خروج قوات الاحتلال وعودتها إلى واشنطن مباشرة وتركها العراق نهبا للخلافات والصراعات وربما الحرب الأهلية مع تركها دون جيش أو دون قوة مركزية حاكمة تقود الأمور وتضبطها، وبروز أدوار لقوى سياسية عراقية أكثر فاعلية وتأثيرا في الأحداث مما هو عليه الوضع الآن، الأمر الذي قد يدفع بهذا المشهد ليجعل منه أقرب ما يكون عن الواقع العملي وينحو بها نحو مسارات سياسية وتوجهات هي بالضد من التوجهات المرسومة لبناء عراق ديمقراطي مستقل.
في هذه الحالة ستكون الولايات المتحدة واقعة تحت ضغط الخيار بين ممارسة الضغوط ضد العراق حتى (يستجيب) للسياسات الأمريكية. هذا الأمر غير مرغوب داخل أمريكا، أو أن تسعى لدعم العراق اقتصاديا، كما تعهدت بحماية الديمقراطية الناشئة فيه، رغم علمها بأنه ستكون هناك خيارات عديدة أمام النظام السياسي العراقي، قد تتعارض بالمحصلة مع مصالحها.
الافتراض الثاني، الاندماج الفاعل بالبيئة الخارجية، بمعنى رصد الإمكانات لصالح (المشاركة) وسنفترض هنا أن العراق حر في تحديد العلاقة مع الولايات المتحدة، ومع غيرها، بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي خاصة القرار1511 في أكتوبر 2003، والقرار1546 في يونيو 2004 المؤثرة في التفاعلات الدولية.
وهنا، قد يندفع العراق نحو العالم العربي مستثمرا (خطوات إيجابية جيدة) في مناخ الصحوة والتقارب العربيين بقصد تحقيق أقصى دعم له، كما أن البيئة الإقليمية ليست أقل منفعة للعراق، فالعالم العربي والبيئة الإقليمية (تركيا وإيران) هما مجالا العراق الحيويان، ومنفذه نحو العالم الخارجي، أو قد يذهب تفكير القوى السياسية في العراق (نقصد القوى القائمة التي تمارس نشاطها الظاهر في الساحة العراقية، وليس القوى التي اتخذت أسلوب أو خيار القوة لمواجهة الوضع السياسي الجديد في العراق، بعد خضوعه للسيطرة السياسية الأمريكية) إلى جدوى تحقيق الانفتاح على العلاقات مع القوى الكبرى على حساب عدم جدوى اعتماد الخيار العربي والإقليمي، بما يعنيه القفز على البيئة المجاورة من تقديم لبعض التنازلات التي تتطلبها لغة الحوار والمفاوضة مع القوى الكبرى، والدخول في تفاعلات متعددة معها. أو قد تعمد القوى العراقية للتفاعل الواسع مع البيئة المجاورة العربية والإقليمية عبر بوابة التراضي والتوافق مع القوى الكبرى، إن مثل هذا المشهد افتراضي في المرحلة المنظورة، وصعب التحقق، إذ لا تسمح إمكانات العراق بتنفيذه، ولا تتقبله تلك القوى بسبب طبيعة علاقاته مع الولايات المتحدة، مادام حجم التنازلات المفترضة سيكون عالي الكلفة. لننظر مثلاً للقرار الدولي 1546، وما ينتهي إليه من إعطاء حرية للعراق في التصرف ضمن دائرة الرضا الدولي عليه، ويعطيه مديات أوسع لتطوير علاقاته المدنية بالبيئة الدولية، وتحديداً في مجال تأهيل المشاريع الخدمية والبنية الأمنية والدستورية.
وسيجد صانع القرار الأمريكي فرصة جيدة لتطوير العلاقة مع العراق إذا ما اعتمد الأخير فرض الاندماج بالبيئة الدولية. وما يدعم القول بأن هذا المشهد هو في صالح الولايات المتحدة العوامل الآتية:
-حالة الديمقراطية وحرية العمل السياسي في العراق. إذ إن نشر مفاهيم حرية العمل السياسي والديمقراطية وإقامة مؤسسات المجتمع المدني جميعها تكبح تحقيق مشهد الصراع. فهي تسهم في الحوار السياسي الذي من الممكن أن يكون العنصر السياسي الموجه في الحياة السياسية المستقبلية في العراق، وبالتالي تغير النظرة الداخلية في العراق باتجاه تبني ثقافة تطوير العلاقة مع الولايات المتحدة. وهذا يمكن تلمسه من خلال حالة القبول لدى شرائح من المجتمع العراقي للدعم الأمريكي.
-دخول العديد من الشركات الأمريكية إلى الاقتصاد العراقي مثل (هاليبرتن) و(بكتل) و(موتورولا) وشركة (Ernis) وشركة (shell) ، وشركة (MCI) التي منحها الكونغرس الأمريكي مهام بناء شبكة الخطوط الهاتفية اللاسلكية في العراق وغيرها.
وهناك عدد من العوامل التي تدعم توطيد العلاقة بين العراق والولايات المتحدة في هكذا احتمال، ويمكن أن نتطرق إلى أهمها.
-معطيات الوضع الدولي الراهن إضافة إلى الوضع الداخلي في كل من الولايات المتحدة والعراق تقضي منهما بناء علاقتهما على مرتكزات ثابتة نسبيا.
-تولد قناعة لدى أغلب العراقيين بأن معاداة الولايات المتحدة قد أضرت بعلاقات العراق الدولية، وعليهم أن يستثمروا نظرة الولايات المتحدة إلى العراق بأنه أصبح دولة صديقة وحليفة مستقبلا في المنطقة وهذا داعم في حد ذاته إلى مشهد تطور العلاقة.
-ذهاب التفكير السياسي العراقي (في الأقل لدى القوى المهيمنة على العملية السياسية الرسمية) باتجاه رؤية مفادها جدوى تحقيق الانفتاح على العلاقات مع القوة الأكبر (الولايات المتحدة) على حساب عدم جدوى اعتماد الخيارات الأخرى. حيث ستكون السياسة العراقية ملزمة في معظم الأحيان بمراعاة الاعتبارات الأمريكية في تعاملاتها الخارجية. وهذه تسير جنباً إلى جنب مع اعتبارات المصلحة الوطنية في صنع السياسة الخارجية وتنفيذها، ونواحي التعاون ستجد طريقها في كون الولايات المتحدة يعنيها كون النظام السياسي في العراق يتيح مجالاً واسعاً لتطوير التبادلات الاقتصادية المختلفة بأدنى الشروط والاعتبارات الضاغطة الممكنة. واستراتيجياً أن يعطي موقع العراق الجغرافي قيمة سياسية عالية للولايات المتحدة.
وما يساعد على تطوير العلاقة بين الطرفين أن إمكانات العراق الذاتية لا تتيح له مستقبلا ممارسة أدوار فاعلة في إعادة صياغة الخارطة السياسية للمنطقة المحيطة به (فهناك التعويضات والديون ومشاريع الإعمار الداخلية التي تستنزف معظم تلك الإمكانات)، كما أنه محاط بأكثر من قوة إقليمية لديها مشاريعها في العراق أو هي غير صديقة: إيران وتركيا. وإذا ما توجه صوب البيئة العربية فسيجد له منافسة جدية من قبل السعودية ومصر على أداء أدوار عربية قيادية. إزاء هذه المعطيات سيكون العراق بحاجة للولايات المتحدة لمواجهة أوضاعه والتغلب على صعوباتها، وتبقى المسألة المدركة من قبل نظامه السياسي والإدارة في الولايات المتحدة أن هناك حدوداً لإمكانات روسيا والصين في الضغط على العراق، إذ لا تستطيع هذه القوى جعل علاقته معها على حساب علاقاته مع الولايات المتحدة. وهذا ما يجعل العلاقة مع الولايات المتحدة منفذ العراق الإيجابي الوحيد على العالم الخارجي في المستقبل القريب في الأقل.
وعلينا إدراك أنه، وفي مقابل ذلك، تشهد علاقات الولايات المتحدة العالمية تحولاً تدريجياً من الشراكة مع القوى الكبرى إلى الصراع، فعلاقات الشراكة الحالية تقوم على كم لا يحصى من التناقضات، التي يتم احتواؤها تحت ضاغط عدم قدرة القوى الكبرى الأخرى على تحمل تكاليف الصراع مع الولايات المتحدة. هذه الصورة تتغير باستمرار وتزداد إمكانات القوى الأخرى باتجاه القدرة على التنافس العالمي، يترتب على ذلك تراجع تدريجي لقبضة الولايات المتحدة على العالم. هذه الحقيقة تدركها الأخيرة، لذا تسعى نحو تصميم مسرح الأحداث العالمية، وميدان الصراع المقبل مع القوى الأخرى عبر أسلوبين:
-الأسلوب الأول، شبكة الصواريخ الدفاعية، (يجعل) إمكانية استهداف الأراضي الأمريكية من الخارج بوسائل الحرب الحديثة شبه معدوم.
-الأسلوب الثاني، إقامة علاقات تحالف وثيقة مع القوى الإقليمية الفاعلة. وهذا يتيح توافر قواعد متقدمة للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة أو الضغط على خصومها المحتملين. يساعد على ذلك قرب تلك القوى الإقليمية من تخوم القوى الكبرى المنافسة. هذا الأمر يعطي للولايات المتحدة قوة ردع عالية، ونقل ساحات المواجهة المحتملة إلى ميدان الخصم نفسه.
واستكمالاً للصورة السابقة (احتلال العراق) وإسقاط عنصر الاستقلالية من قراره السياسي جاء بدوره كجزء من الاستراتيجية الأمريكية الرامية للتقليل من الخصوم أو محاصرتهم. كما أن العراق يعد بنظر الولايات المتحدة قوة ذات ثقل سياسي يصعب تجاوزه في إقليمه، إذا ما أعيد بناء دوره. واذا ما استطاعت في أحسن الأحوال ضبط سلوكيات نظامه السياسي (القوى السياسية الفاعلة المتطلعة إلى قيادة العراق) في إطار علاقات تعاون أو التأثير، ذلك سيجعل حلقة الحلفاء في الإقليم مكتملة: تركيا، العراق، السعودية ، باكستان، إضافة إلى إسرائيل ومصر. وتتم بذلك عملية عزل الصين وروسيا، وربما حتى الهند.
وقد يذهب البعض للقول إن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية لا تقدم فرصة إيجابية أمام تصور إمكانية تطور العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق إلى مستوى الحليف الدائم. بيد أنه يتم التخفيف من أثر هذا المتغير كون محرمات التعامل مع إسرائيل قد سقطت عراقيا وعربيا، عربيا بفعل سيادة منطق الدولة القطرية المتطلعة لحماية مصالحها، وبدأ تلمسها لجني فوائد علاقات إقليمية أكثر استقرار. وعراقياً بفعل كون أغلب القوى السياسية العراقية التي جاءت للعراق بعد 9 نيسان 2003 لديها علاقات غير رسمية مع هذا الكيان في إطار تعاون استخباري سابق من أجل الإطاحة بالنظام العراقي السابق. وعملياً، لن يجد العراق ساحات مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وتبقى العلاقة بينهما مجرد صراع ذي مضمون تاريخي محدد الأبعاد لا توجد قوى سياسية قادرة على خوضه أو التعامل معه، إنما هي في الغالب تميل لتحاشيه منعا لتماسها مع رأي الشارع العراقي الذي لا يتقبل وجود إسرائيل في الغالب، الأمر الذي يتيح حيزاً واسعاً لاستيعاب العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية، والقفز فوقها.
ولا يتوقع أن تبدي دول مجلس التعاون الخليجي معارضة كبيرة لتطوير العلاقة العراقية – الأمريكية إلى مستوى التحالف، فتعزيز وضع العراق الدولي جراء علاقته بالولايات المتحدة لن يكون بالضد منها، فهذا قد يسبب حرجاً للأخيرة لا تستطيع تحمله في المرحلة الراهنة. كما أن هذه العلاقة لا تنتقص من مكانة تلك البلدان في الاستراتيجية الأمريكية، وإن كانت قد تلجأ إلى جعل علاقتها بالعراق منفذا للضغط على البلدان الخليجية، وإبقاء علاقتها الخارجية مرتهنة بالولايات المتحدة.
وتجد الولايات المتحدة ضرورة في استيعاب العراق في نطاق علاقات تعاون استراتيجية. فتأهيل دور العراق الدولي بات شبه حقيقة، فمعظم دول العالم، ومن ضمنها القوى الكبرى، تجاوزت مرحلة قبول التغيير الذي حدث في العراق إلى تطبيع تلك العلاقات، وجني فوائدها نسبيا: ألمانيا، فرنسا، الهند، وتركيا، وحتى روسيا.
كما أن الاتجاه في العراق يميل نحو الاستقرار والشروع بتأسيس نظام سياسي يحمل مكونات الديمومة، ولا يبقى من عوامل مؤثرة في تشكيل أدوار العراق سوى التوافقات بين القوى السياسية العراقية التي تفرضها الاستحقاقات الانتخابية. والصياغات الدستورية (بموجب دستور 2005) التي تفرض صلاحيات أو سياسات لبعض الصفات والمواقع القيادية (كيان مؤسسة الرئاسة، رئيس الوزراء، البرلمان)، بإمكانها إعاقة تنفيذ سياسات معينة. وما يعطي إعاقة أكبر هو الاتجاه نحو بناء نظام فيدرالي (أقرب ما يكون إلى النظام الكونفدرالي خاصة في علاقة الأكراد بالدولة العراقية) قائم على أسس عرقية ومذهبية، وإن بشكل غير مصرح به رسمياً. وسيكون التساؤل المطروح أمام الإدارة الأمريكية، هو، كيف تساعد العراق على تنفيذ أدواره الإقليمية والعربية ضمن الأطر المقبولة أمريكياً؟ الأكثر مما تقدم، أن مبدأ النفعية في السياسة الأمريكية قد يحدث تحولاً إزاء العراق. فالمسألة لم تعد السيطرة على النفط والسوق العراقية، إذ عليها المبادرة وفتح ملفات جديدة لا يوجد مبرر عملي لاستمرار إغلاقها، وحرمان الولايات المتحدة منها، وأهمها إيجاد قوى إقليمية قادرة على تنفيذ سياسات أمريكية بالوكالة وخاصة تجاه إيران أو حتى الصين وروسيا. والعراق مطروح اسمه بوصفه أحد أبرز أولئك اللاعبين الإقليميين البارزين في تنفيذ أدوار بالإنابة إزاء البيئة الإقليمية والعربية، لحجم ما تملكه الولايات المتحدة فيه من استثمار سياسي واستخباري.
بعد هذا التقديم نتساءل، ماذا نتوقع أن تكون خيارات العراق المقبلة تجاه الولايات المتحدة والبيئة الدولية. بعبارة أخرى ماذا سيكون شكل العلاقة العراقية – الأمريكية مستقبلاً؟
المستقبل
في ضوء التقابل الحاصل بين الفرص المتاحة لتطوير العلاقة أمام الدولتين، والكوابح التي تضعها في إطار حدود معينة، نرى أن المستقبل يميل لصالح إعطاء وزن أكبر لاحتمالات اندفاع العلاقة لما هو أكثر من مجرد علاقة طبيعية، سواء كان ذلك على مستوى التطلعات لدى الولايات المتحدة والقوى السياسية العراقية الطامحة للعب دور مهم في تأريخ العراق، أو على مستوى مجالات العلاقة القابلة للتطور. وإذا ما اعتمدنا فرضية التعاون المحدد الأبعاد في علاقة الدولتين فنجد أنه قد يأخذ واحداً من احتمالين:
-أولهما، لا حاجة لتوسيع التعاون مع العراق، إذا ما اضطرت الولايات المتحدة لوقف عمليات الحرب الاستباقية بفعل الضغوط الدولية والداخلية. والمزايا التي يتوقع أن يحصل عليها العراق هنا هي عدم ممانعة الولايات المتحدة تطوير علاقاته الدولية الأخرى. وعدم وجود حاجة لتوسيع التعاون مع العراق لا يتوقع أن يتم التحول عنه إلا بعد إيجاد أرضية تدفع بالإيجاب نحو توطيد العلاقة، أو أن يحدث نكوص نحو توظيف العراق كقاعدة عسكرية.
-ثاني تلك الاحتمالات، توطيد العلاقات بين الدولتين. ويتوقف حدوث هذا الاحتمال على رغبة الإدارة الأمريكية في الارتقاء بالعلاقة لمستوى التعاون الفاعل، والاتجاه نحو تعزيز فرص مجالات التعاون الممكنة. وفي هذا المشهد قد تتكبل مرونة الحركة وسعة الخيارات أمام العراق، ويظهر الالتزام بجدوى مراعاة المتغير الأمريكي عند صنع وتنفيذ سياساته الدولية.
هذا التقديم لا ينفي أو يتجاهل الافتراض القائل باحتمالات جعل العراق قاعدة أعمال عسكرية واسعة من قبل الولايات المتحدة ضد الدول المعادية لها. بمعنى أنه قد يحدث تسارع في التطور السابق والاندفاع بدل عنه نحو اعتماد العراق قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة. وأهم المتغيرات المساعدة على ذلك الآتي:
أ-حدوث أزمة دولية خطيرة، تكون الولايات المتحدة طرفاً فيها، وتدفع بها نحو ضمان تحقق أولويات محددة: ضمان المصالح العليا للبلاد، والمحافظة على مكانتها العالمية. وسيكون اهتمامها استيعاب تكاليف الأزمة، والسعي لاستثمار البلدان الصغيرة الحليفة والصديقة. وبذلك لا تعطي فرصة للقوى الدولية في إظهار مواقف غير مقبولة أمريكياً. وتكون الدولة المستهدفة بإجراءات قسرية (إيران…) بواسطة الدول الحليفة (العراق مثلا)، أنموذجاً مأساوياً يتعظ به من قبل الغير. وإذا ما تجاوزنا احتساب قدرة العراق على تنفيذ متطلبات السياسة الأمريكية، فإن إمكانات الولايات المتحدة الراهنة، والتجربة التاريخية في استخدام قوتها تعطيها صدقية في تنفيذ هكذا خيار، أي خيار (توجيه) الحلفاء ضد الخصوم الإقليميين، إذا وجدت الولايات المتحدة أن صدقيتها بدأت بالتفكك، وأن قوى أخرى باتت تتطلع لإظهار مقاومة لها، أو على الأقل أنها صارت تتردد في تنفيذ أدوارها في إطار مراعاة المصالح الأمريكية. في خضم هذه المعطيات لابد أن تندفع الولايات المتحدة بسياسات تدخلية، تؤكد خلالها جديتها في حماية مصالحها، عندئذ ستجد الولايات المتحدة والعراق على أثرها أنهما داخلتان في علاقات تحالف (الأصيل-الوكيل) عند التعامل مع التفاعلات القائمة.
ب-اندلاع حرب إقليمية عربية-إسرائيلية. ومهما كانت الأسباب وراء هكذا حرب، فإنها ستقود بالضرورة نحو توليد استقطاب حاد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين العرب والقوى الدولية الأخرى المساندة للموقف العربي من جهة أخرى. وستكون الولايات المتحدة واقفة بالضد من كل دولة تعلن الحرب ضد إسرائيل، وستعمل على استخدام العراق عند ذلك في هكذا صراع بشكل مباشر أو غير مباشر، أو على تحييد دور العراق الإقليمي والعربي، الذي يفترض أن تدفعه اعتبارات القومية والدين إلى الدخول فيها.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3248::/cck::
::introtext::

هل يمكن أن تكون لنتائج انتخابات ديسمبر 2005 في العراق تأثيرات جوهرية في سياسة العراق الخارجية؟ أم أنه لا يتوقع الكثير في المستقبل جرائها بحكم أن نتائجها جاءت لتؤكد طبيعة العملية السياسية الجديدة في العراق، وليس مضمونها الذي حسم منذ التغيير السياسي الذي قامت به الولايات المتحدة في نيسان 2003؟

::/introtext::
::fulltext::

هل يمكن أن تكون لنتائج انتخابات ديسمبر 2005 في العراق تأثيرات جوهرية في سياسة العراق الخارجية؟ أم أنه لا يتوقع الكثير في المستقبل جرائها بحكم أن نتائجها جاءت لتؤكد طبيعة العملية السياسية الجديدة في العراق، وليس مضمونها الذي حسم منذ التغيير السياسي الذي قامت به الولايات المتحدة في نيسان 2003؟
بداية إن الانتخابات العراقية أسفرت عن صعود ثلاثة تكتلات كبرى: الائتلاف الشيعي (129 مقعداً)، الائتلاف الكردستاني (53 مقعداً)، وجبهة التوافق السنية (42 مقعداً)، في حين حصلت 9 قوائم أخرى على (51 مقعداً). وعملياً يمكن تشكيل الحكومة بين الائتلاف الشيعي وكلا التكتلين الآخرين أو أحدهما، إذ يمكنه تجاوز عتبة تشكيل مجلس الرئاسة السابق على تشكيل الحكومة وبموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب. هل يعني ذلك ظهور مؤشرات في سياسة العراق الخارجية على مدى أربعة أعوام مقبلة؟ لنرصد المتغيرات الآتية:
1-الائتلاف الشيعي، ستكون له رئاسة مجلس الوزراء وأغلبية الوزارات، لكنه سيتخلى عن الخارجية والتخطيط، وربما الداخلية أو الدفاع، وقد يتخلى أكثر من ذلك عن وزارات مثل التربية والتعليم والعدل والمالية، إذا ما أصر على سياسة استبعاد أحد التكتلين والركون إلى واحد منهما فقط مهما كانت شروطه. أما توجه الائتلاف العام فهو شوفيني طائفي معاد لكل ما هو عربي أو إسلامي، مقدس لكل ما هو فارسي.
2-الائتلاف الكردستاني، ستكون له حصة مهمة من الوزارات ولعل أهمها الخارجية والتخطيط، وربما رئاسة مجلس الوزراء أو رئاسة مجلس النواب، أما توجهه العام فهو علماني عرقي قبلي محافظ، لا يدين بولاء العرفان سوى لمفهوم المصلحة، وبالتالي فاحتمالات تقبل جيران العراق في سياسته واردة.
3-جبهة التوافق السنية، إذا ما اشتركت في الحكومة فسيكون لها بعض الوزارات الهامشية وربما الدفاع وإحدى الرئاستين لمجلس الوزراء أو لمجلس النواب كنوع من الترضية، أما توجهها فهو عشائري ذو نزعة طائفية محافظة، وتسعى لتقديم العلاقة مع الدول العربية على غيرها.
4-الولايات المتحدة، وهي قوة تمارس تأثيرها في سياسة الدولة العراقية، وتخضع لوصايتها وزارة الدفاع العراقية والملف الاستخباري، أما توجهها فهو أن يكون العراق دولة ديمقراطية علمانية، وقاعدة للتغيير في المنطقة.
5-إيران، وهي القوة التي تمسك بحبال السلطة الفعلية في العراق من الوسط وحتى الجنوب، ولمخابراتها أياد فاعلة في وسط وشمال وغرب العراق، أما توجهها فهو يقوم على ثلاثة مرتكزات: زيادة توريط الولايات المتحدة وإضعافها، إضعاف القوى العلمانية الوطنية والعروبية في العراق، استنهاض مشروع شيعي صفوي يكون العراق أحد أذرعه الفاعلة وليس المنافسة على قيادته.
فأين ستكون سياسة العراق القادمة؟ أرى أننا أمام تقابل بين مشروعين (الولايات المتحدة وإيران) يؤثران في تشكيل السياسة العراقية بنسبة تفوق الـ50 في المائة، وقد أعطت سياسة الطاعة والإذعان والعرفان لهما من قبل القوى العراقية أعلاه عامل تأثير آخر ليزيد من تأثيرهما إلى نسبة تكاد تكون تامة في عملية تشكيل السياسة العراقية (صنع أو تأثير في صنع)، وأصبحت القوى الثلاث أعلاه تحمل ثقل المشروعين وتوجهاتهما المختلفة، فاحتارت تلك القوى ولا يتوقع أن تحقق حركة فاعلة سواء نحو الشرق أو الغرب أو الشمال، فحركة العراق القادمة هي التيه والتبعية. وهذا لا ينفي بروز بعض المؤشرات التي تعطي مرة أرجحية للولاءات الإيرانية بحكم القدرة على التأثير في داخل العراق ولعبة القوى الدولية فيه، ومرة أخرى سياسات ترضية للولايات المتحدة تحت طائلة الوجود الاستخباري الأمريكي في العراق.
وفي هذه الورقة سيكون جل تركيزنا على العلاقة بين العراق والولايات المتحدة.
تاريخياً انتقلت العلاقة الأمريكية – العراقية من حال إلى آخر في أكثر من موضع بين العداوة والتعاون، وهذا يعكس الحسابات السياسية للطرفين إزاء بعضهما، وعند صياغة الأولويات باعتبار الطرف الآخر طرفاً مؤثراً فيه وتحدياً استراتيجياً لصناع قراره، إلى كون هذه العلاقة باتت تمثل طريقة جديدة في تصريف العلاقات بين الدول، أي طريقة تعديل سلوكيات الطرف الآخر بالقوة العسكرية. ويطرح البعض، اليوم، وفي هذا السياق، تساؤلاً مفاده هل توجد علاقة بين العراق والولايات المتحدة؟ ومبررات طرحه موجودة، مادامت السيطرة السياسية الأمريكية على العراق أمراً قائماً. نقول إنه توجد علاقات عراقية– أمريكية، فالأمر لا يتعلق بالسيطرة السياسية-العسكرية، بقدر ما تتوقف العلاقة على وجود تبادلات بين طرفين، سواء كانت التبادلات السياسية اقتصادية أو عسكرية أو ثقافية أو جميعها، عدائية كانت أم سلمية، وتسبقها رؤى متبادلة تعطي خلالها الأطراف أهمية لبعضها بعضاً.
وإذا كان ماضي العلاقة يشير إلى سيادة النهج العدائي، الذي كان ذلك دافعا لاعتماد الولايات المتحدة مسلك تقويض النظام السياسي في العراق، والإتيان بحكومة وقوى سياسية لا تكن في أقل تقدير العداء لها، فإننا اليوم أمام واقع حال ألا وهو صياغة جديدة لإجمالي العلاقات الدولية، إذ تمارس الولايات المتحدة سيطرة سياسية على الدولة العراقية، وتعمد إلى تصريف سياساتها بأسلوب الوصايا. وتكاد الضغوط التي واجهت الولايات المتحدة في إدارة الدولة العراقية خلال المرحلة اللاحقة على نيسان 2003، وحتى حزيران 2004، لم تسعف كثيرا في إحداث تغيير جوهري في طبيعة الحضور الأمريكي في العراق، فهي قد دفعت إلى إنهاء الاحتلال رسميا بموجب القرار الدولي 1546 في حزيران 2004 ولكنها عوضته بوجود سياسي فاعل، واتفاقيات مع قوى عراقية على جداول زمنية لإقامة نظام حكم دائم، ابتدأته بتشكيل الحكومة المؤقتة في حزيران 2004، ثم بانتخابات يناير 2005، وتشكيل الحكومة الانتقالية، ثم صياغة الدستور الدائم في أكتوبر 2005، وأخيراً انتخابات 15 ديسمبر 2005.
ما تقدم لم يعط مؤشرات كافية إلى وقف التصعيد ضد الوجود الأمريكي في العراق، الأمر الذي يفرض علينا محاولة استقراء المستقبل الشائك في هذه العلاقة، فهل هناك توجهات داخلية قوية إلى الضد من الولايات المتحدة؟ أم أن الولايات المتحدة تعتمد استراتيجية تجعل عراقيين راغبين ينفذون استراتيجيتها في إدارة البلد، مقابل إدارتهم تلك ينفذون أدواراً رسمت أمريكياً؟ أم أن الأمر يقر بفاعلية كلا التوجهين، ولا غلبة لأحدهما على الآخر بشكل واضح؟
وفي هذه الدراسة نرى أن معطيات الوضع الدولي الراهن، إضافة إلى الوضع الداخلي في كلا الطرفين، تقتضي منهما بناء علاقتهما على مرتكزات ثابتة نسبياً. وفي هذا الصدد لا نرفض أي افتراض قابل للتحقق، فقد يتحقق تعاون عراقي– أمريكي واسع (رغم عدم تكافؤ الطرفين)، أو قد يكون العراق قاعدة عمليات عسكرية للولايات المتحدة. وذلك في إطار تساؤل مفاده ما المستقبل الذي يمكن أن تستقر عليه العلاقة بين الدولتين؟
كوابح وفرص أمام العلاقة العراقية – الأمريكية
هل يمكن حدوث تعارض بين أهداف وسياسات العراق والولايات المتحدة؟ وهل يمكن أن تثار مسألة الثقة بين الطرفين؟ قبل احتلال العراق2003 قامت العلاقة بين الدولتين على التعسف الأمريكي في تصوير وضع العراق الدولي باعتباره (الدولة العدو) لمصالح الولايات المتحدة، وهذا ما برر استخدام القوة ضده، رافقته محاولات أمريكية مستمرة لثنيه عن تنفيذ أهدافه، وتغيير نظام حكمه. ودخل العراق، من جانبه، معترك مقاومة السياسة الأمريكية الموجهة إزاءه، وهذا ما جعل الصراع والصدام بين الدولتين حقيقة من الصعب إنكارها، فقد بدأ تبلور هذه العلاقة في ذلك الشكل منذ انتهاء حربه مع إيران، عندما امتلك العراق صدقية أكبر في تنفيذه لأهدافه، وتطلعاته في الاستقلالية، والتنمية الشاملة وبناء دور إقليمي وعربي فاعل، إذ رأت الولايات المتحدة في ذلك محاولة لتصحيح علاقات القوى الإقليمية، واعادة تشكيل للخارطة السياسية للمنطقة بأكملها، وفي ذلك تماس واسع مع مصالحها. هذا هو الجذر التاريخي للعلاقة، وهو مع المعطيات الواقعية، الذي سيطفو على سطح العلاقة كلما تم إجراء مراجعة لها أو إعادة تقييم وبيان إمكانية تطورها، كلاهما سيكون متغيراً في تحديد ذلك. فالملاحظ أنه خلال العقد الماضي قامت الولايات المتحدة بأوسع عملية تدمير لقدرات العراق المختلفة، لا يتوقع تأهيلها بسهولة لتكون بمستوى مكافئ لوضع العراق الدولي بداية 1990، ما لم يكن العراق بمستوى الطموح الأمريكي في لعب أدوار إقليمية وعربية واعدة نيابة عن الولايات المتحدة.
من جانبها، تسعى الولايات المتحدة لضمان السيطرة والهيمنة على المنطقة العربية وإبعاد القوى الكبرى عنها، نظرا لأهميتها السياسية العالمية، فهي مصدر متدفق للموارد الأولية: البترول، ورأس المال القابل للاستثمار، ناهيك عن الكفاءات البشرية التي يتم استيعابها، أو نتاجاتها العلمية والفنية في الأسواق العالمية للموارد البشرية (جامعات، مراكز بحوث، مراكز خدمية…) وأهمها السوق الأمريكية وخاصة أن المنطقة العربية سوق اقتصادية مفتوحة، فضلاً عن أهمية موقعها الاستراتيجي المتوسط لكل من أوروبا الناهضة، وروسيا، والمنافس العالمي المرتقب الصين. والسيطرة عليها تتيح للولايات المتحدة قاعدة واسعة للحركة ومرونة في حالة انفلات عرى العلاقات الإيجابية بينها وبين تلك القوى، لهذا لا نستغرب لجوئها إلى كبح جماح أية دولة تتعارض سياساتها مع السياسة الأمريكية في المنطقة، وتحد من حريتها في الهيمنة على هذه المنطقة. وبالضرورة العراق ومنذ السيطرة السياسية عليه دخل ضمن هذا التفسير، بمعنى أنه دخل بوصفه مصلحة أمريكية، وللأسباب الآتية:
أ- أصبحت سوق وموارد العراق داخل دائرة السيطرة أو التأثير الأمريكي. وهذا يعني غياب منافسيها حيال أي امتيازات في تلك السوق والموارد.
ب- ما يثير اهتمام الإدارة الأمريكية هو عدم إعطاء العراق اليوم وزناً للاعتبارات الأيديولوجية والقومية في صياغة وتنفيذ سياساته خاصة الموقف من الوجود الأجنبي الأمريكي في الخليج، والموقف من القضية الفلسطينية، وحتى القوى الرافعة لشعارات طائفية هي فيما بينها متعارضة وتفضل الاحتكام إلى الولايات المتحدة من التحدث إلى بعضها.
ج- يضاعف من تقدير أثر السبب السابق أن النظام السياسي في العراق سيخضع في تشكيله الدائم لتأثير (الفلتر) الأمريكي.
د- يلاحظ أن الثقة ستكون متوافرة بين قيادتي البلدين، لذلك سيكون النظام السياسي في العراق لديه استعداد لتقبل سياسات أمريكية تضع في اعتبارها احترام مصالح الولايات المتحدة. والأكثر من ذلك أنه يصعب تصور ترك الولايات المتحدة النظام السياسي في العراق يسقط أو تقوم بإسقاطه بعد نفاد فاعلية الأوراق التي لديها، فالولايات المتحدة لا تقيم وزنا لعلاقات الصداقة بقدر ما تقيمه لعلاقات المصالح. وهذا بدوره يهيئ أرضية مناسبة لدى القوى العراقية (الراغبة في حكم العراق وعبر أي سياسة كانت) للتحول صوب إقامة علاقات تعاونية دائمة معها.
في حين لا تجد الإدارة الأمريكية في خطاب معظم القوى السياسية العراقية السياسي ما يتعارض مع مصالحها، حتى القوى المحسوبة على التيار الطائفي فإنها جعلتها أمام التزامات واقعية كافية لتجعلها تعمل في الساحة العراقية، باستثناء التيارات التي ارتضت استخدام القوة لمقابلة السياسة الأمريكية.
واليوم ينذر الوضع العراقي بصعود القوى التي ترفع خطاباً سياسياً دينياً، في مجمله له نظرة سلبية إزاء الولايات المتحدة. كما لا يتوقع أن يرضى العراق بالحيف الذي لحق به جراء تسويات أوضاع ما بعد حرب الخليج 1991، خاصة المتعلقة بحدوده مع الكويت. فكيف ستتعامل الولايات المتحدة مع هذه المسائل؟
وسيضاعف تأثير الكوابح الضغوط التي تقوم بها بعض القوى الدولية والعربية على الإدارة الأمريكية بغية منح العراقيين درجة استقلال سياسي أكبر. مع ذلك، هذا لا يمنع من القول بوجود عدة فرص تتيح إمكانية بناء علاقات إيجابية بين الطرفين، سواء ما كان منها متعلقا بالعراق أو الولايات المتحدة أو بالبيئة الخارجية المؤثرة في علاقتهما ببعضهما البعض. فمنذ عام 2003 القوى السياسية الراغبة في ممارسة العمل السياسي الفاعل هي في الأقل غير معادية للولايات المتحدة، وهي في الغالب متمسكة بخيار الولايات المتحدة أولاً ولفترة غير منظورة.
واليوم نجد أن حدود التحول الممكنة في السياسة العراقية المقبلة، وذات الصلة بالعلاقة مع الولايات المتحدة، تقف عند افتراضين رئيسيين، هما الآتي:
الافتراض الأول، الانفتاح على الخارج. أي بما يفيد مواءمة العراق بين أولوية بناء الدولة داخليا، وتحقيق انفتاح محسوب ومقدر على العالم الخارجي من حيث الاهتمام وحيز تخصيص الموارد، وعدم تفضيل اعتماد مسار واحد فقط على حساب الآخر (على افتراض أن الأقدار قد جنبت البلد حرباً أهلية موجودة كل عوامل إيقادها واستمرارها). هذا النهج لا يعني أن تكون السياسة العراقية ثابتة ومستمرة على الأسس التي وضعتها الولايات المتحدة بعد منح العراقيين هامش حركة وما آلت إليه الانتخابات، بل إن ضرورات تقدير المزايا والتكاليف المترتبة عن اعتماد المسارين تقتضي التوجه نحو الداخل والانفتاح على الخارج، وتدفع نحو اعتماد المرونة في تنفيذ أهداف السياسة العراقية في ضوء الخطوط العريضة للاعتبارات السياسية الحاكمة. في ظل هذه المرونة تستطيع السياسة العراقية توسيع أدوارها الخارجية من دون نكوص عن التزامات إعادة الإعمار الداخلي. وفي العموم ستبقى العلاقة مع الولايات المتحدة محافظة على أطرها، إلا أن دور العراق الدولي المفترض في الاستراتيجية الأمريكية سينتفي وفقاً لهذا المشهد.
هذا الافتراض يتضمن وجود سياسة عراقية لا تجعل كسب ود الولايات المتحدة (تنفيذ أدوار سياسية دولية محددة لصالح الولايات المتحدة) في أولوياتها. كما أنه ليس من شروطها البقاء في دائرة الولايات المتحدة. ويمكن أن نحدد عددا من المدخلات الداعمة لظهور هذا المشهد بالآتي:
-بقاء حالة عدم الانقلاب في المفاهيم التاريخية للعلاقة بين الطرفين، إذ طالما كانت تلك المفاهيم تقترن بالنظرة إلى الغرب عموماً والولايات المتحدة بشكل خاص بأنها تمثل نموذجاً للرأسمالية المتوحشة وللنظام الامبريالي الذي يسعى للهيمنة على العالم بأكمله.
-استمرار حالة الرفض للعلاقة العراقية ـ الأمريكية. وما يدعم ذلك هو ما تتعرض له القوات الأمريكية من هجمات أدت إلى خسائر سياسية فاقت ما كانت تنظر إليه الولايات المتحدة ما بعد إسقاط النظام في العراق.
بالمقابل نرى تأكيد استخدام أساليب العنف والقوة من قبل الطرفين، فمن الطبيعي جداً أن تكون العلاقات في بدايتها متحفظة حذرة على الجانب الشعبي العراقي وأن تأخذ أسلوب التدرج إلى أن تتضح الرؤية للنظام القادم الحاكم للعراق، إلى ذلك الوقت يشكل هذا داعماً لعلاقة غير استراتيجية بين الاثنين.
-تصاعد الحركات الأصولية بشكل كبير في العراق يزيد من قسوة المشهد. هذه الحركات التي تضع المفاهيم العقيدية اليهودية والمسيحية في كفة والديانة الإسلامية في كفة أخرى، أي التأكيد مرة أخرى على أن الانقسامات والصراعات يمكن أن تسود في العراق كما هي في العالم على خلفية التوجهات الأيديولوجية والاقتصادية التي يمكن أن توتر العلاقات بين الطرفين.
وما يساعد على تحقيق هذا المشهد متغيرات عدة أهمها:
-المقاومة العراقية التي تسبب استمرار أوضاع عدم الاستقرار السياسي، وهذا يشكل كابحاً باتجاه استمرار تحسن العلاقة بين العراق والولايات المتحدة والناتجة عن ضرب مصالح الولايات المتحدة في العراق أولاً وفي المنطقة ثانيا.
-انهيار برامج التنمية أو إعادة الإعمار أو حتى ضخ البترول وتسويقه، وهذا سوف يؤدي في حالة استمراره إلى أمرين: خروج قوات الاحتلال وعودتها إلى واشنطن مباشرة وتركها العراق نهبا للخلافات والصراعات وربما الحرب الأهلية مع تركها دون جيش أو دون قوة مركزية حاكمة تقود الأمور وتضبطها، وبروز أدوار لقوى سياسية عراقية أكثر فاعلية وتأثيرا في الأحداث مما هو عليه الوضع الآن، الأمر الذي قد يدفع بهذا المشهد ليجعل منه أقرب ما يكون عن الواقع العملي وينحو بها نحو مسارات سياسية وتوجهات هي بالضد من التوجهات المرسومة لبناء عراق ديمقراطي مستقل.
في هذه الحالة ستكون الولايات المتحدة واقعة تحت ضغط الخيار بين ممارسة الضغوط ضد العراق حتى (يستجيب) للسياسات الأمريكية. هذا الأمر غير مرغوب داخل أمريكا، أو أن تسعى لدعم العراق اقتصاديا، كما تعهدت بحماية الديمقراطية الناشئة فيه، رغم علمها بأنه ستكون هناك خيارات عديدة أمام النظام السياسي العراقي، قد تتعارض بالمحصلة مع مصالحها.
الافتراض الثاني، الاندماج الفاعل بالبيئة الخارجية، بمعنى رصد الإمكانات لصالح (المشاركة) وسنفترض هنا أن العراق حر في تحديد العلاقة مع الولايات المتحدة، ومع غيرها، بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي خاصة القرار1511 في أكتوبر 2003، والقرار1546 في يونيو 2004 المؤثرة في التفاعلات الدولية.
وهنا، قد يندفع العراق نحو العالم العربي مستثمرا (خطوات إيجابية جيدة) في مناخ الصحوة والتقارب العربيين بقصد تحقيق أقصى دعم له، كما أن البيئة الإقليمية ليست أقل منفعة للعراق، فالعالم العربي والبيئة الإقليمية (تركيا وإيران) هما مجالا العراق الحيويان، ومنفذه نحو العالم الخارجي، أو قد يذهب تفكير القوى السياسية في العراق (نقصد القوى القائمة التي تمارس نشاطها الظاهر في الساحة العراقية، وليس القوى التي اتخذت أسلوب أو خيار القوة لمواجهة الوضع السياسي الجديد في العراق، بعد خضوعه للسيطرة السياسية الأمريكية) إلى جدوى تحقيق الانفتاح على العلاقات مع القوى الكبرى على حساب عدم جدوى اعتماد الخيار العربي والإقليمي، بما يعنيه القفز على البيئة المجاورة من تقديم لبعض التنازلات التي تتطلبها لغة الحوار والمفاوضة مع القوى الكبرى، والدخول في تفاعلات متعددة معها. أو قد تعمد القوى العراقية للتفاعل الواسع مع البيئة المجاورة العربية والإقليمية عبر بوابة التراضي والتوافق مع القوى الكبرى، إن مثل هذا المشهد افتراضي في المرحلة المنظورة، وصعب التحقق، إذ لا تسمح إمكانات العراق بتنفيذه، ولا تتقبله تلك القوى بسبب طبيعة علاقاته مع الولايات المتحدة، مادام حجم التنازلات المفترضة سيكون عالي الكلفة. لننظر مثلاً للقرار الدولي 1546، وما ينتهي إليه من إعطاء حرية للعراق في التصرف ضمن دائرة الرضا الدولي عليه، ويعطيه مديات أوسع لتطوير علاقاته المدنية بالبيئة الدولية، وتحديداً في مجال تأهيل المشاريع الخدمية والبنية الأمنية والدستورية.
وسيجد صانع القرار الأمريكي فرصة جيدة لتطوير العلاقة مع العراق إذا ما اعتمد الأخير فرض الاندماج بالبيئة الدولية. وما يدعم القول بأن هذا المشهد هو في صالح الولايات المتحدة العوامل الآتية:
-حالة الديمقراطية وحرية العمل السياسي في العراق. إذ إن نشر مفاهيم حرية العمل السياسي والديمقراطية وإقامة مؤسسات المجتمع المدني جميعها تكبح تحقيق مشهد الصراع. فهي تسهم في الحوار السياسي الذي من الممكن أن يكون العنصر السياسي الموجه في الحياة السياسية المستقبلية في العراق، وبالتالي تغير النظرة الداخلية في العراق باتجاه تبني ثقافة تطوير العلاقة مع الولايات المتحدة. وهذا يمكن تلمسه من خلال حالة القبول لدى شرائح من المجتمع العراقي للدعم الأمريكي.
-دخول العديد من الشركات الأمريكية إلى الاقتصاد العراقي مثل (هاليبرتن) و(بكتل) و(موتورولا) وشركة (Ernis) وشركة (shell) ، وشركة (MCI) التي منحها الكونغرس الأمريكي مهام بناء شبكة الخطوط الهاتفية اللاسلكية في العراق وغيرها.
وهناك عدد من العوامل التي تدعم توطيد العلاقة بين العراق والولايات المتحدة في هكذا احتمال، ويمكن أن نتطرق إلى أهمها.
-معطيات الوضع الدولي الراهن إضافة إلى الوضع الداخلي في كل من الولايات المتحدة والعراق تقضي منهما بناء علاقتهما على مرتكزات ثابتة نسبيا.
-تولد قناعة لدى أغلب العراقيين بأن معاداة الولايات المتحدة قد أضرت بعلاقات العراق الدولية، وعليهم أن يستثمروا نظرة الولايات المتحدة إلى العراق بأنه أصبح دولة صديقة وحليفة مستقبلا في المنطقة وهذا داعم في حد ذاته إلى مشهد تطور العلاقة.
-ذهاب التفكير السياسي العراقي (في الأقل لدى القوى المهيمنة على العملية السياسية الرسمية) باتجاه رؤية مفادها جدوى تحقيق الانفتاح على العلاقات مع القوة الأكبر (الولايات المتحدة) على حساب عدم جدوى اعتماد الخيارات الأخرى. حيث ستكون السياسة العراقية ملزمة في معظم الأحيان بمراعاة الاعتبارات الأمريكية في تعاملاتها الخارجية. وهذه تسير جنباً إلى جنب مع اعتبارات المصلحة الوطنية في صنع السياسة الخارجية وتنفيذها، ونواحي التعاون ستجد طريقها في كون الولايات المتحدة يعنيها كون النظام السياسي في العراق يتيح مجالاً واسعاً لتطوير التبادلات الاقتصادية المختلفة بأدنى الشروط والاعتبارات الضاغطة الممكنة. واستراتيجياً أن يعطي موقع العراق الجغرافي قيمة سياسية عالية للولايات المتحدة.
وما يساعد على تطوير العلاقة بين الطرفين أن إمكانات العراق الذاتية لا تتيح له مستقبلا ممارسة أدوار فاعلة في إعادة صياغة الخارطة السياسية للمنطقة المحيطة به (فهناك التعويضات والديون ومشاريع الإعمار الداخلية التي تستنزف معظم تلك الإمكانات)، كما أنه محاط بأكثر من قوة إقليمية لديها مشاريعها في العراق أو هي غير صديقة: إيران وتركيا. وإذا ما توجه صوب البيئة العربية فسيجد له منافسة جدية من قبل السعودية ومصر على أداء أدوار عربية قيادية. إزاء هذه المعطيات سيكون العراق بحاجة للولايات المتحدة لمواجهة أوضاعه والتغلب على صعوباتها، وتبقى المسألة المدركة من قبل نظامه السياسي والإدارة في الولايات المتحدة أن هناك حدوداً لإمكانات روسيا والصين في الضغط على العراق، إذ لا تستطيع هذه القوى جعل علاقته معها على حساب علاقاته مع الولايات المتحدة. وهذا ما يجعل العلاقة مع الولايات المتحدة منفذ العراق الإيجابي الوحيد على العالم الخارجي في المستقبل القريب في الأقل.
وعلينا إدراك أنه، وفي مقابل ذلك، تشهد علاقات الولايات المتحدة العالمية تحولاً تدريجياً من الشراكة مع القوى الكبرى إلى الصراع، فعلاقات الشراكة الحالية تقوم على كم لا يحصى من التناقضات، التي يتم احتواؤها تحت ضاغط عدم قدرة القوى الكبرى الأخرى على تحمل تكاليف الصراع مع الولايات المتحدة. هذه الصورة تتغير باستمرار وتزداد إمكانات القوى الأخرى باتجاه القدرة على التنافس العالمي، يترتب على ذلك تراجع تدريجي لقبضة الولايات المتحدة على العالم. هذه الحقيقة تدركها الأخيرة، لذا تسعى نحو تصميم مسرح الأحداث العالمية، وميدان الصراع المقبل مع القوى الأخرى عبر أسلوبين:
-الأسلوب الأول، شبكة الصواريخ الدفاعية، (يجعل) إمكانية استهداف الأراضي الأمريكية من الخارج بوسائل الحرب الحديثة شبه معدوم.
-الأسلوب الثاني، إقامة علاقات تحالف وثيقة مع القوى الإقليمية الفاعلة. وهذا يتيح توافر قواعد متقدمة للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة أو الضغط على خصومها المحتملين. يساعد على ذلك قرب تلك القوى الإقليمية من تخوم القوى الكبرى المنافسة. هذا الأمر يعطي للولايات المتحدة قوة ردع عالية، ونقل ساحات المواجهة المحتملة إلى ميدان الخصم نفسه.
واستكمالاً للصورة السابقة (احتلال العراق) وإسقاط عنصر الاستقلالية من قراره السياسي جاء بدوره كجزء من الاستراتيجية الأمريكية الرامية للتقليل من الخصوم أو محاصرتهم. كما أن العراق يعد بنظر الولايات المتحدة قوة ذات ثقل سياسي يصعب تجاوزه في إقليمه، إذا ما أعيد بناء دوره. واذا ما استطاعت في أحسن الأحوال ضبط سلوكيات نظامه السياسي (القوى السياسية الفاعلة المتطلعة إلى قيادة العراق) في إطار علاقات تعاون أو التأثير، ذلك سيجعل حلقة الحلفاء في الإقليم مكتملة: تركيا، العراق، السعودية ، باكستان، إضافة إلى إسرائيل ومصر. وتتم بذلك عملية عزل الصين وروسيا، وربما حتى الهند.
وقد يذهب البعض للقول إن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية لا تقدم فرصة إيجابية أمام تصور إمكانية تطور العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق إلى مستوى الحليف الدائم. بيد أنه يتم التخفيف من أثر هذا المتغير كون محرمات التعامل مع إسرائيل قد سقطت عراقيا وعربيا، عربيا بفعل سيادة منطق الدولة القطرية المتطلعة لحماية مصالحها، وبدأ تلمسها لجني فوائد علاقات إقليمية أكثر استقرار. وعراقياً بفعل كون أغلب القوى السياسية العراقية التي جاءت للعراق بعد 9 نيسان 2003 لديها علاقات غير رسمية مع هذا الكيان في إطار تعاون استخباري سابق من أجل الإطاحة بالنظام العراقي السابق. وعملياً، لن يجد العراق ساحات مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وتبقى العلاقة بينهما مجرد صراع ذي مضمون تاريخي محدد الأبعاد لا توجد قوى سياسية قادرة على خوضه أو التعامل معه، إنما هي في الغالب تميل لتحاشيه منعا لتماسها مع رأي الشارع العراقي الذي لا يتقبل وجود إسرائيل في الغالب، الأمر الذي يتيح حيزاً واسعاً لاستيعاب العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية، والقفز فوقها.
ولا يتوقع أن تبدي دول مجلس التعاون الخليجي معارضة كبيرة لتطوير العلاقة العراقية – الأمريكية إلى مستوى التحالف، فتعزيز وضع العراق الدولي جراء علاقته بالولايات المتحدة لن يكون بالضد منها، فهذا قد يسبب حرجاً للأخيرة لا تستطيع تحمله في المرحلة الراهنة. كما أن هذه العلاقة لا تنتقص من مكانة تلك البلدان في الاستراتيجية الأمريكية، وإن كانت قد تلجأ إلى جعل علاقتها بالعراق منفذا للضغط على البلدان الخليجية، وإبقاء علاقتها الخارجية مرتهنة بالولايات المتحدة.
وتجد الولايات المتحدة ضرورة في استيعاب العراق في نطاق علاقات تعاون استراتيجية. فتأهيل دور العراق الدولي بات شبه حقيقة، فمعظم دول العالم، ومن ضمنها القوى الكبرى، تجاوزت مرحلة قبول التغيير الذي حدث في العراق إلى تطبيع تلك العلاقات، وجني فوائدها نسبيا: ألمانيا، فرنسا، الهند، وتركيا، وحتى روسيا.
كما أن الاتجاه في العراق يميل نحو الاستقرار والشروع بتأسيس نظام سياسي يحمل مكونات الديمومة، ولا يبقى من عوامل مؤثرة في تشكيل أدوار العراق سوى التوافقات بين القوى السياسية العراقية التي تفرضها الاستحقاقات الانتخابية. والصياغات الدستورية (بموجب دستور 2005) التي تفرض صلاحيات أو سياسات لبعض الصفات والمواقع القيادية (كيان مؤسسة الرئاسة، رئيس الوزراء، البرلمان)، بإمكانها إعاقة تنفيذ سياسات معينة. وما يعطي إعاقة أكبر هو الاتجاه نحو بناء نظام فيدرالي (أقرب ما يكون إلى النظام الكونفدرالي خاصة في علاقة الأكراد بالدولة العراقية) قائم على أسس عرقية ومذهبية، وإن بشكل غير مصرح به رسمياً. وسيكون التساؤل المطروح أمام الإدارة الأمريكية، هو، كيف تساعد العراق على تنفيذ أدواره الإقليمية والعربية ضمن الأطر المقبولة أمريكياً؟ الأكثر مما تقدم، أن مبدأ النفعية في السياسة الأمريكية قد يحدث تحولاً إزاء العراق. فالمسألة لم تعد السيطرة على النفط والسوق العراقية، إذ عليها المبادرة وفتح ملفات جديدة لا يوجد مبرر عملي لاستمرار إغلاقها، وحرمان الولايات المتحدة منها، وأهمها إيجاد قوى إقليمية قادرة على تنفيذ سياسات أمريكية بالوكالة وخاصة تجاه إيران أو حتى الصين وروسيا. والعراق مطروح اسمه بوصفه أحد أبرز أولئك اللاعبين الإقليميين البارزين في تنفيذ أدوار بالإنابة إزاء البيئة الإقليمية والعربية، لحجم ما تملكه الولايات المتحدة فيه من استثمار سياسي واستخباري.
بعد هذا التقديم نتساءل، ماذا نتوقع أن تكون خيارات العراق المقبلة تجاه الولايات المتحدة والبيئة الدولية. بعبارة أخرى ماذا سيكون شكل العلاقة العراقية – الأمريكية مستقبلاً؟
المستقبل
في ضوء التقابل الحاصل بين الفرص المتاحة لتطوير العلاقة أمام الدولتين، والكوابح التي تضعها في إطار حدود معينة، نرى أن المستقبل يميل لصالح إعطاء وزن أكبر لاحتمالات اندفاع العلاقة لما هو أكثر من مجرد علاقة طبيعية، سواء كان ذلك على مستوى التطلعات لدى الولايات المتحدة والقوى السياسية العراقية الطامحة للعب دور مهم في تأريخ العراق، أو على مستوى مجالات العلاقة القابلة للتطور. وإذا ما اعتمدنا فرضية التعاون المحدد الأبعاد في علاقة الدولتين فنجد أنه قد يأخذ واحداً من احتمالين:
-أولهما، لا حاجة لتوسيع التعاون مع العراق، إذا ما اضطرت الولايات المتحدة لوقف عمليات الحرب الاستباقية بفعل الضغوط الدولية والداخلية. والمزايا التي يتوقع أن يحصل عليها العراق هنا هي عدم ممانعة الولايات المتحدة تطوير علاقاته الدولية الأخرى. وعدم وجود حاجة لتوسيع التعاون مع العراق لا يتوقع أن يتم التحول عنه إلا بعد إيجاد أرضية تدفع بالإيجاب نحو توطيد العلاقة، أو أن يحدث نكوص نحو توظيف العراق كقاعدة عسكرية.
-ثاني تلك الاحتمالات، توطيد العلاقات بين الدولتين. ويتوقف حدوث هذا الاحتمال على رغبة الإدارة الأمريكية في الارتقاء بالعلاقة لمستوى التعاون الفاعل، والاتجاه نحو تعزيز فرص مجالات التعاون الممكنة. وفي هذا المشهد قد تتكبل مرونة الحركة وسعة الخيارات أمام العراق، ويظهر الالتزام بجدوى مراعاة المتغير الأمريكي عند صنع وتنفيذ سياساته الدولية.
هذا التقديم لا ينفي أو يتجاهل الافتراض القائل باحتمالات جعل العراق قاعدة أعمال عسكرية واسعة من قبل الولايات المتحدة ضد الدول المعادية لها. بمعنى أنه قد يحدث تسارع في التطور السابق والاندفاع بدل عنه نحو اعتماد العراق قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة. وأهم المتغيرات المساعدة على ذلك الآتي:
أ-حدوث أزمة دولية خطيرة، تكون الولايات المتحدة طرفاً فيها، وتدفع بها نحو ضمان تحقق أولويات محددة: ضمان المصالح العليا للبلاد، والمحافظة على مكانتها العالمية. وسيكون اهتمامها استيعاب تكاليف الأزمة، والسعي لاستثمار البلدان الصغيرة الحليفة والصديقة. وبذلك لا تعطي فرصة للقوى الدولية في إظهار مواقف غير مقبولة أمريكياً. وتكون الدولة المستهدفة بإجراءات قسرية (إيران…) بواسطة الدول الحليفة (العراق مثلا)، أنموذجاً مأساوياً يتعظ به من قبل الغير. وإذا ما تجاوزنا احتساب قدرة العراق على تنفيذ متطلبات السياسة الأمريكية، فإن إمكانات الولايات المتحدة الراهنة، والتجربة التاريخية في استخدام قوتها تعطيها صدقية في تنفيذ هكذا خيار، أي خيار (توجيه) الحلفاء ضد الخصوم الإقليميين، إذا وجدت الولايات المتحدة أن صدقيتها بدأت بالتفكك، وأن قوى أخرى باتت تتطلع لإظهار مقاومة لها، أو على الأقل أنها صارت تتردد في تنفيذ أدوارها في إطار مراعاة المصالح الأمريكية. في خضم هذه المعطيات لابد أن تندفع الولايات المتحدة بسياسات تدخلية، تؤكد خلالها جديتها في حماية مصالحها، عندئذ ستجد الولايات المتحدة والعراق على أثرها أنهما داخلتان في علاقات تحالف (الأصيل-الوكيل) عند التعامل مع التفاعلات القائمة.
ب-اندلاع حرب إقليمية عربية-إسرائيلية. ومهما كانت الأسباب وراء هكذا حرب، فإنها ستقود بالضرورة نحو توليد استقطاب حاد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين العرب والقوى الدولية الأخرى المساندة للموقف العربي من جهة أخرى. وستكون الولايات المتحدة واقفة بالضد من كل دولة تعلن الحرب ضد إسرائيل، وستعمل على استخدام العراق عند ذلك في هكذا صراع بشكل مباشر أو غير مباشر، أو على تحييد دور العراق الإقليمي والعربي، الذي يفترض أن تدفعه اعتبارات القومية والدين إلى الدخول فيها.

::/fulltext::
::cck::3248::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *