التحديات التي تواجه التعليم العالي الخليجي

::cck::3260::/cck::
::introtext::

مع نهاية القرن العشرين وبالتحديد منذ منتصف التسعينات بدأت بوادر ظهور تحديات تواجه التعليم العالي عالمياً، وتم التعرض لتلك التحديات من خلال عقد العديد من المؤتمرات، والندوات حولها، وكتب عنها الكثير من الكتب والمقالات والدراسات، وطرحت الكثير من الآراء حول مواجهتها. ولم تكن الجامعات العربية والخليجية بمنأى عن التعرض لتك التحديات، فهي تقع ضمن المنظومة العالمية للتعليم العالي. وتمثلت تلك التحديات في زيادة نمو الطلب على التعليم العالي والتقدم التقني والمعرفي وتمويل التعليم العالي ومتطلبات الجودة وتحدي انتشار عولمة التعليم.

::/introtext::
::fulltext::

مع نهاية القرن العشرين وبالتحديد منذ منتصف التسعينات بدأت بوادر ظهور تحديات تواجه التعليم العالي عالمياً، وتم التعرض لتلك التحديات من خلال عقد العديد من المؤتمرات، والندوات حولها، وكتب عنها الكثير من الكتب والمقالات والدراسات، وطرحت الكثير من الآراء حول مواجهتها. ولم تكن الجامعات العربية والخليجية بمنأى عن التعرض لتك التحديات، فهي تقع ضمن المنظومة العالمية للتعليم العالي. وتمثلت تلك التحديات في زيادة نمو الطلب على التعليم العالي والتقدم التقني والمعرفي وتمويل التعليم العالي ومتطلبات الجودة وتحدي انتشار عولمة التعليم.
ووقعت مؤسسات التعليم العالي في دول الخليج العربية دون شك تحت وطأة هذه التحديات، لأنها ليست معزولة عن التأثيرات العالمية والإقليمية، فهي أيضا تواجه هذه التحديات، إلا أنني سوف أركز على أهم ثلاثة تحديات لأهميتها ولأثرها السلبي في مسيرة هذا القطاع، الذي له أهمية كبيرة في تنمية القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وهذه التحديات هي: نمو الطلب على التعليم، ومتطلبات الجودة، وتمويل التعليم العالي. وسوف نتناول هذه التحديات حسب تسلسلها المذكور.
عالميا ارتفع عدد المسجلين في التعليم العالي من 13 مليوناً في عام 1960، إلى 82 مليوناً في عام 1995 حسب إحصائيات اليونسكو في عام 1998، أما خليجياً فقد بلغ عدد الطلاب في مؤسسات التعليم العالي الخليجية 345973 طالباً عام 1998 بزيادة وصلت إلى 155% عنها في عام 1986 حسب وثائق الأمانة لدول المجلس، فيتوقع وفي ظل الطلب الاجتماعي على التعليم العالي المتنامي عالميا أن تتضاعف هذه الأعداد في السنوات القلية المقبلة، ومع الزيادة المستمرة سنوياً في أعداد خريجي التعليم العام سيكون الطلب على التعليم كبيراً. فالطلب على التعليم العالي ينمو لعدة اعتبارات منها سهولة الحصول على وظيفة عمل بدرجة علمية جامعية، والنظرة الدونية للمهن البسيطة، والنظرة إلى الشهادة الجامعية كوضع اجتماعي له أهميته، وإدراك الأفراد قيمة التعليم العالي لتكيفوا مع الحياة الجديدة.
ففي الوقت الراهن مما يزيد من هذا التحدي وجود سياسات قبول في بعض الجامعات الخليجية تحد من تدفق مخرجات التعليم العام إلى التعليم العالي، وذلك لربط تلك السياسات بالوظائف الحكومية مرة، ولأسباب تمويلية مرة أخرى، خاصة مع ارتباط سياسات التمويل بالموازنات العامة، مما أوقع تلك المؤسسات تحت قوى ثلاث هي: سيطرة الحكومة، ومتطلبات سوق العمل، ودورها الأساسي وهو التدريس، ما يجعلها حائرة بين هذه القوى الثلاث، وإن كان من الحكمة أن تتحرر من سلطة الحكومة وتقوم بدورها الأساسي وهو رفد المجتمع بالأفراد المؤهلين والمفكرين وترك استيعاب هذه الطاقات لظروف المجتمع وقطاعاته المختلفة. ولكن هذا الاستيعاب لا يعني استيعاباً كمياً دون أن تضع في الاعتبار الجانب الكيفي أو النوعي لهذه المخرجات، وهو الأهم كما سنرى.
لقد دخل القرن الحادي والعشرون وقد طلّ على منطقتنا العربية والخليجية مفهوم جودة التعليم، وإن كان هذا المفهوم ظهر في الغرب وبالتحديد في ميدان التعليم بالولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية التسعينات من القرن العشرين، إلا أنه أصبح مطلباً عالمياً ومحلياً بسرعة مذهلة. فالجامعات الخليجية تعاني من قلة الموارد المادية، فليست لديها القدرة على تحسين منشآتها ومرافقها إلا في ظل التخطيط العام للدول، وهذا الشح في التمويل ومحدوديته لا يساعد الجامعات الخليجية على تحسين إمكانياتها لتقدم تعليماً نوعياً، وتوفير خدمات نوعية لدعم عمليتي التعلم والتعليم، كذلك تعاني تلك الجامعات من قلة في الخبرات المحلية القادرة على التخطيط من دون نقل أفكار مستوردة قد تتوه في غير بيئتها. هذا إلى جانب أن كفاءة مخرجاتها ونوعية نتاجها العلمي لا يتوفر له التقويم الذاتي لكي تحسن من جودة تلك المخرجات لتتمكن من الدخول في المنافسة من حيث نوعية المخرجات. إذاً فمؤسسات التعليم العالي الخليجية تواجه تحدياً كبيراً يتمثل بالوصول إلى جودة المخرج، وإنتاج علمي يتميز بالنوعية، والخدمة النوعية أيضاً، التي قد تتوفر من قبل جامعات عالمية وجدت على أرض الجامعات الوطنية بفضل تبني سياسات الاستثمار الأجنبي في التعليم العالي.
إن التحديين السابقين وهما نمو الطلب على التعليم العالي، وجودة التعليم، يكون التقدم فيهما نحو الأفضل مرتبطاً بالتمويل، ومن دون توفر تمويل كاف يتماشى مع المتطلبات سيؤدي إلى خلل في مواجهة النمو المتزايد على التعليم العالي، إلى جانب توفير نوعية عالية من المخرجات، وهي أهم أهداف هذا القطاع، المتمثلة في تخريج نوعية من المؤهلين الذين يستطيعون تلبيات احتياجات سوق العمل، ويكون ذلك من خلال نقل المعرفة والمهارات إلى بيئة العمل.
إن التعليم العالي في دول الخليج ليس بمنأى عما يحدث لمثيله في أنحاء العالم، فهناك توجهات عدة منتشرة في أنحاء المعمورة، منها أن زمن تحمل الدولة أعباء التمويل الكامل قد ولى، والمطالبة باستقلال الجامعات عن سطوة الحكومة، وأن الجامعات يجب أن تكون مستقلة إدارياً ومالياً، فضلاً عن امتلاكها الحرية الأكاديمية. فهذا وضعها أمام تحد جديد وهو البحث عن مصادر جديدة لتمويل أنشطتها، مما يجعلها قادرة على القيام بدورها في المجتمع، وإن كانت الدولة ستظل هي الراعي الرسمي لها والممول الأساسي لها.
ولكي تضمن الجامعات الخليجية استمرارية عطائها في ظل ظروف غير مستقرة مالياً، في وقت تتحمل الموازنات الوطنية أعباء كثيرة عليها البحث عن مصادر بديلة عن التمويل، خاصة عندما تكون تلك الدولة معتمدة على اقتصاد أحادي المصدر، وإن ظهرت بوادر نحو تنويع تلك المصادر إلا أنها ستظل تعتمد على دخولها من النفط كمورد اقتصادي رئيس للتنمية الشاملة.
إن التحديات الثلاثة التي أشرنا إليها بشيء من الإيجاز إذا تركت من دون مواجهة حقيقية فستجعل الجامعات الخليجية عاجزة عن القيام بدورها كاملاً، ولكن لا بد من حلول تحد من تفاقم المشكلة، فالمجتمع الخليجي مجتمع فتي يتطلع إلى مستقبل أفضل في ظل توجه العالم نحو التعليم كأداة تقدم للشعوب، فاليوم لا مكان لشعب لا يؤمن بأهمية التعليم كمورد اقتصاد مهم، في زمن اقتصاد المعرفة والتقنيات، فالبشر بما يملكونه من معارف ومهارات هم المحرك الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة. وهناك أمثلة كثيرة لشعوب لا تملك الموارد الطبيعية إلا أنها تملك عقولاً تم إعدادها وتأهيلها وصقلها في بيئات التعليم، فكانت هي المحرك للاقتصاد ومن هذه الدول اليابان ودول شرق آسيا، وما عظمة اقتصاد الدول الغربية إلا نتيجة للاستثمار في التعليم العالي على وجه الخصوص.
إن الجامعات الخليجية وفي ظل تعاونها والتوجه نحو الوحدة المجتمعية يجب أن تعمل تفعيل قيمة التعاون فيما بينها من خلال تنسيق قبول الأعداد الهائلة من مخرجات التعليم العام، بحيث يتم منح فرص للقبول للراغبين في التعليم العالي الجامعي، وأحد هذه الحلول تطوير نظام تعليم عن بعد معتمد يوفر فرص تعليم جامعي يزود الملتحقين به بالمهارات التي يحتاجها سوق العمل، في ظل تبادل المؤهلين من أبناء المنطقة بين الدول الست. وكذلك توفير قاعدة بيانات حول توفر أماكن في بعض التخصصات لتفعيل تبادل البعثات البينية، وإنشاء جامعات أهلية من أموال الوقف والزكاة والتبرعات تحت إشراف هيئات وطنية ممثلة من الحكومات وقطاعات المجتمع الخليجي، ونفسح المجال لأعداد أكبر لدخول التعليم العالي.
ولكي تضمن مؤسسات التعليم العالي الخليجية لنفسها مكانة بين المؤسسات التعليمية وتفخر بتلك المكانة لا بد لها من تبني برامج الجودة الشاملة، وتتحرى ذلك في جميع قطاعاتها الإدارية والأكاديمية والفنية، وأن ترقى بمستوى برامجها الأكاديمية لتكون في المستوى العالمي. فهناك توجه نحو الحصول على الاعتماد الأكاديمي من مؤسسات أو هيئات عالمية، ولكن الدعوة موجهة نحو التوحد والاعتماد على الذات، فالجميع يتطلع إلى توحيد الجهود وتوفير المال، وبناء القدرات المحلية، وذلك من خلال إنشاء مؤسسات إقليمية تناط بها مهمة منح الاعتماد الأكاديمي قبل التقدم للاعتماد العالمي، وذلك لضمان الجودة في التعليم مما يسمح لمخرجات التعليم الجامعي سواء تمثلت في الخريج أو إنتاج معرفي للمنافسة العالمية في عصر البحث عن كفاءة المخرجات.
ففي ظل المتغيرات الاقتصادية وتعرض منطقتنا الخليجية لعدد من الحروب ليس أمام مؤسسات التعليم العالي الخليجية إلا البحث عن مصادر جديدة لتمويل برامجها، وهذا ليس معناه تخلي الحكومات عن تمويل التعليم الجامعي بل لا بد من توفر هذا التمويل لأن هذه المؤسسات مطالبة بالتطور والتوسع وهذا يحتاج إلى استمرارية التمويل. وهناك عدة خيارات منها دعم القطاع الخاص غير الربحي للقيام بدوره في الإسهام في التعليم، ويكون دعمه من خلال صناديق استثمارية لتمويله، إضافة إلى دعم موازنات الجامعات من خلال أموال الوقف والزكاة، وكذلك قيام شراكة بين مؤسسات مجتمعية والجامعات لتنفيذ مشاريع بحثية ذات مردود اقتصادي لطرفي الشراكة، وأخيراً إفساح المجال للاستثمار في أنشطة العقار التجاري المختلفة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3260::/cck::
::introtext::

مع نهاية القرن العشرين وبالتحديد منذ منتصف التسعينات بدأت بوادر ظهور تحديات تواجه التعليم العالي عالمياً، وتم التعرض لتلك التحديات من خلال عقد العديد من المؤتمرات، والندوات حولها، وكتب عنها الكثير من الكتب والمقالات والدراسات، وطرحت الكثير من الآراء حول مواجهتها. ولم تكن الجامعات العربية والخليجية بمنأى عن التعرض لتك التحديات، فهي تقع ضمن المنظومة العالمية للتعليم العالي. وتمثلت تلك التحديات في زيادة نمو الطلب على التعليم العالي والتقدم التقني والمعرفي وتمويل التعليم العالي ومتطلبات الجودة وتحدي انتشار عولمة التعليم.

::/introtext::
::fulltext::

مع نهاية القرن العشرين وبالتحديد منذ منتصف التسعينات بدأت بوادر ظهور تحديات تواجه التعليم العالي عالمياً، وتم التعرض لتلك التحديات من خلال عقد العديد من المؤتمرات، والندوات حولها، وكتب عنها الكثير من الكتب والمقالات والدراسات، وطرحت الكثير من الآراء حول مواجهتها. ولم تكن الجامعات العربية والخليجية بمنأى عن التعرض لتك التحديات، فهي تقع ضمن المنظومة العالمية للتعليم العالي. وتمثلت تلك التحديات في زيادة نمو الطلب على التعليم العالي والتقدم التقني والمعرفي وتمويل التعليم العالي ومتطلبات الجودة وتحدي انتشار عولمة التعليم.
ووقعت مؤسسات التعليم العالي في دول الخليج العربية دون شك تحت وطأة هذه التحديات، لأنها ليست معزولة عن التأثيرات العالمية والإقليمية، فهي أيضا تواجه هذه التحديات، إلا أنني سوف أركز على أهم ثلاثة تحديات لأهميتها ولأثرها السلبي في مسيرة هذا القطاع، الذي له أهمية كبيرة في تنمية القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وهذه التحديات هي: نمو الطلب على التعليم، ومتطلبات الجودة، وتمويل التعليم العالي. وسوف نتناول هذه التحديات حسب تسلسلها المذكور.
عالميا ارتفع عدد المسجلين في التعليم العالي من 13 مليوناً في عام 1960، إلى 82 مليوناً في عام 1995 حسب إحصائيات اليونسكو في عام 1998، أما خليجياً فقد بلغ عدد الطلاب في مؤسسات التعليم العالي الخليجية 345973 طالباً عام 1998 بزيادة وصلت إلى 155% عنها في عام 1986 حسب وثائق الأمانة لدول المجلس، فيتوقع وفي ظل الطلب الاجتماعي على التعليم العالي المتنامي عالميا أن تتضاعف هذه الأعداد في السنوات القلية المقبلة، ومع الزيادة المستمرة سنوياً في أعداد خريجي التعليم العام سيكون الطلب على التعليم كبيراً. فالطلب على التعليم العالي ينمو لعدة اعتبارات منها سهولة الحصول على وظيفة عمل بدرجة علمية جامعية، والنظرة الدونية للمهن البسيطة، والنظرة إلى الشهادة الجامعية كوضع اجتماعي له أهميته، وإدراك الأفراد قيمة التعليم العالي لتكيفوا مع الحياة الجديدة.
ففي الوقت الراهن مما يزيد من هذا التحدي وجود سياسات قبول في بعض الجامعات الخليجية تحد من تدفق مخرجات التعليم العام إلى التعليم العالي، وذلك لربط تلك السياسات بالوظائف الحكومية مرة، ولأسباب تمويلية مرة أخرى، خاصة مع ارتباط سياسات التمويل بالموازنات العامة، مما أوقع تلك المؤسسات تحت قوى ثلاث هي: سيطرة الحكومة، ومتطلبات سوق العمل، ودورها الأساسي وهو التدريس، ما يجعلها حائرة بين هذه القوى الثلاث، وإن كان من الحكمة أن تتحرر من سلطة الحكومة وتقوم بدورها الأساسي وهو رفد المجتمع بالأفراد المؤهلين والمفكرين وترك استيعاب هذه الطاقات لظروف المجتمع وقطاعاته المختلفة. ولكن هذا الاستيعاب لا يعني استيعاباً كمياً دون أن تضع في الاعتبار الجانب الكيفي أو النوعي لهذه المخرجات، وهو الأهم كما سنرى.
لقد دخل القرن الحادي والعشرون وقد طلّ على منطقتنا العربية والخليجية مفهوم جودة التعليم، وإن كان هذا المفهوم ظهر في الغرب وبالتحديد في ميدان التعليم بالولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية التسعينات من القرن العشرين، إلا أنه أصبح مطلباً عالمياً ومحلياً بسرعة مذهلة. فالجامعات الخليجية تعاني من قلة الموارد المادية، فليست لديها القدرة على تحسين منشآتها ومرافقها إلا في ظل التخطيط العام للدول، وهذا الشح في التمويل ومحدوديته لا يساعد الجامعات الخليجية على تحسين إمكانياتها لتقدم تعليماً نوعياً، وتوفير خدمات نوعية لدعم عمليتي التعلم والتعليم، كذلك تعاني تلك الجامعات من قلة في الخبرات المحلية القادرة على التخطيط من دون نقل أفكار مستوردة قد تتوه في غير بيئتها. هذا إلى جانب أن كفاءة مخرجاتها ونوعية نتاجها العلمي لا يتوفر له التقويم الذاتي لكي تحسن من جودة تلك المخرجات لتتمكن من الدخول في المنافسة من حيث نوعية المخرجات. إذاً فمؤسسات التعليم العالي الخليجية تواجه تحدياً كبيراً يتمثل بالوصول إلى جودة المخرج، وإنتاج علمي يتميز بالنوعية، والخدمة النوعية أيضاً، التي قد تتوفر من قبل جامعات عالمية وجدت على أرض الجامعات الوطنية بفضل تبني سياسات الاستثمار الأجنبي في التعليم العالي.
إن التحديين السابقين وهما نمو الطلب على التعليم العالي، وجودة التعليم، يكون التقدم فيهما نحو الأفضل مرتبطاً بالتمويل، ومن دون توفر تمويل كاف يتماشى مع المتطلبات سيؤدي إلى خلل في مواجهة النمو المتزايد على التعليم العالي، إلى جانب توفير نوعية عالية من المخرجات، وهي أهم أهداف هذا القطاع، المتمثلة في تخريج نوعية من المؤهلين الذين يستطيعون تلبيات احتياجات سوق العمل، ويكون ذلك من خلال نقل المعرفة والمهارات إلى بيئة العمل.
إن التعليم العالي في دول الخليج ليس بمنأى عما يحدث لمثيله في أنحاء العالم، فهناك توجهات عدة منتشرة في أنحاء المعمورة، منها أن زمن تحمل الدولة أعباء التمويل الكامل قد ولى، والمطالبة باستقلال الجامعات عن سطوة الحكومة، وأن الجامعات يجب أن تكون مستقلة إدارياً ومالياً، فضلاً عن امتلاكها الحرية الأكاديمية. فهذا وضعها أمام تحد جديد وهو البحث عن مصادر جديدة لتمويل أنشطتها، مما يجعلها قادرة على القيام بدورها في المجتمع، وإن كانت الدولة ستظل هي الراعي الرسمي لها والممول الأساسي لها.
ولكي تضمن الجامعات الخليجية استمرارية عطائها في ظل ظروف غير مستقرة مالياً، في وقت تتحمل الموازنات الوطنية أعباء كثيرة عليها البحث عن مصادر بديلة عن التمويل، خاصة عندما تكون تلك الدولة معتمدة على اقتصاد أحادي المصدر، وإن ظهرت بوادر نحو تنويع تلك المصادر إلا أنها ستظل تعتمد على دخولها من النفط كمورد اقتصادي رئيس للتنمية الشاملة.
إن التحديات الثلاثة التي أشرنا إليها بشيء من الإيجاز إذا تركت من دون مواجهة حقيقية فستجعل الجامعات الخليجية عاجزة عن القيام بدورها كاملاً، ولكن لا بد من حلول تحد من تفاقم المشكلة، فالمجتمع الخليجي مجتمع فتي يتطلع إلى مستقبل أفضل في ظل توجه العالم نحو التعليم كأداة تقدم للشعوب، فاليوم لا مكان لشعب لا يؤمن بأهمية التعليم كمورد اقتصاد مهم، في زمن اقتصاد المعرفة والتقنيات، فالبشر بما يملكونه من معارف ومهارات هم المحرك الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة. وهناك أمثلة كثيرة لشعوب لا تملك الموارد الطبيعية إلا أنها تملك عقولاً تم إعدادها وتأهيلها وصقلها في بيئات التعليم، فكانت هي المحرك للاقتصاد ومن هذه الدول اليابان ودول شرق آسيا، وما عظمة اقتصاد الدول الغربية إلا نتيجة للاستثمار في التعليم العالي على وجه الخصوص.
إن الجامعات الخليجية وفي ظل تعاونها والتوجه نحو الوحدة المجتمعية يجب أن تعمل تفعيل قيمة التعاون فيما بينها من خلال تنسيق قبول الأعداد الهائلة من مخرجات التعليم العام، بحيث يتم منح فرص للقبول للراغبين في التعليم العالي الجامعي، وأحد هذه الحلول تطوير نظام تعليم عن بعد معتمد يوفر فرص تعليم جامعي يزود الملتحقين به بالمهارات التي يحتاجها سوق العمل، في ظل تبادل المؤهلين من أبناء المنطقة بين الدول الست. وكذلك توفير قاعدة بيانات حول توفر أماكن في بعض التخصصات لتفعيل تبادل البعثات البينية، وإنشاء جامعات أهلية من أموال الوقف والزكاة والتبرعات تحت إشراف هيئات وطنية ممثلة من الحكومات وقطاعات المجتمع الخليجي، ونفسح المجال لأعداد أكبر لدخول التعليم العالي.
ولكي تضمن مؤسسات التعليم العالي الخليجية لنفسها مكانة بين المؤسسات التعليمية وتفخر بتلك المكانة لا بد لها من تبني برامج الجودة الشاملة، وتتحرى ذلك في جميع قطاعاتها الإدارية والأكاديمية والفنية، وأن ترقى بمستوى برامجها الأكاديمية لتكون في المستوى العالمي. فهناك توجه نحو الحصول على الاعتماد الأكاديمي من مؤسسات أو هيئات عالمية، ولكن الدعوة موجهة نحو التوحد والاعتماد على الذات، فالجميع يتطلع إلى توحيد الجهود وتوفير المال، وبناء القدرات المحلية، وذلك من خلال إنشاء مؤسسات إقليمية تناط بها مهمة منح الاعتماد الأكاديمي قبل التقدم للاعتماد العالمي، وذلك لضمان الجودة في التعليم مما يسمح لمخرجات التعليم الجامعي سواء تمثلت في الخريج أو إنتاج معرفي للمنافسة العالمية في عصر البحث عن كفاءة المخرجات.
ففي ظل المتغيرات الاقتصادية وتعرض منطقتنا الخليجية لعدد من الحروب ليس أمام مؤسسات التعليم العالي الخليجية إلا البحث عن مصادر جديدة لتمويل برامجها، وهذا ليس معناه تخلي الحكومات عن تمويل التعليم الجامعي بل لا بد من توفر هذا التمويل لأن هذه المؤسسات مطالبة بالتطور والتوسع وهذا يحتاج إلى استمرارية التمويل. وهناك عدة خيارات منها دعم القطاع الخاص غير الربحي للقيام بدوره في الإسهام في التعليم، ويكون دعمه من خلال صناديق استثمارية لتمويله، إضافة إلى دعم موازنات الجامعات من خلال أموال الوقف والزكاة، وكذلك قيام شراكة بين مؤسسات مجتمعية والجامعات لتنفيذ مشاريع بحثية ذات مردود اقتصادي لطرفي الشراكة، وأخيراً إفساح المجال للاستثمار في أنشطة العقار التجاري المختلفة.

::/fulltext::
::cck::3260::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *