عندما يتحول الحل إلى مشكلة: التعليم العالي في اليمن وطرق إصلاحه!

::cck::3269::/cck::
::introtext::

تعود البدايات الأولى للتعليم العالي في اليمن بشماله وجنوبه إلى بداية السبعينات من القرن الماضي، فقبل حوالي ثلاثة عقود ونصف العقد بدأ شمال اليمن وجنوبه خطواتهما الأولى في هذا الحقل، ففي شمال اليمن أنشئت جامعة صنعاء في عام 1970، أما في جنوب اليمن فقد تم إنشاء كلية للتربية في عام 1970 أيضاً ثم أنشئت جامعة عدن في عام 1975. وقد لعبت دولة الكويت في الفترة السابقة على قيام الوحدة اليمنية دوراً رئيسياً في دعم التعليم العالي في اليمن، كما لعبت دول الخليج الأخرى دوراً مهماً سواء في بناء المنشآت التعليمية أو في توفير التجهيزات ودفع رواتب وتكاليف الكوادر التي تم استقطابها من خارج اليمن للعمل في الجامعات. وتم التركيز في البداية على توفير احتياجات البلاد الآنية من المدرسين المؤهلين. وبمرور السنوات تم التوسع بعد ذلك في عدد الكليات والتخصصات التي تقدمها تلك الكليات.

::/introtext::
::fulltext::

تعود البدايات الأولى للتعليم العالي في اليمن بشماله وجنوبه إلى بداية السبعينات من القرن الماضي، فقبل حوالي ثلاثة عقود ونصف العقد بدأ شمال اليمن وجنوبه خطواتهما الأولى في هذا الحقل، ففي شمال اليمن أنشئت جامعة صنعاء في عام 1970، أما في جنوب اليمن فقد تم إنشاء كلية للتربية في عام 1970 أيضاً ثم أنشئت جامعة عدن في عام 1975. وقد لعبت دولة الكويت في الفترة السابقة على قيام الوحدة اليمنية دوراً رئيسياً في دعم التعليم العالي في اليمن، كما لعبت دول الخليج الأخرى دوراً مهماً سواء في بناء المنشآت التعليمية أو في توفير التجهيزات ودفع رواتب وتكاليف الكوادر التي تم استقطابها من خارج اليمن للعمل في الجامعات. وتم التركيز في البداية على توفير احتياجات البلاد الآنية من المدرسين المؤهلين. وبمرور السنوات تم التوسع بعد ذلك في عدد الكليات والتخصصات التي تقدمها تلك الكليات.
وشهدت الخمس عشرة سنة الماضية التي تلت قيام الوحدة اليمنية في عام 1990 طفرة كبيرة في التعليم الجامعي، حيث تم افتتاح المزيد من الجامعات والكليات والأقسام العلمية في قطاع التعليم التابع للدولة، كما تم فتح المجال للقطاع الخاص للاستثمار في التعليم العالي. ويبلغ عدد الجامعات الحكومية في اليمن اليوم ثماني جامعات، فبالإضافة إلى جامعتي صنعاء وعدن، تم إنشاء جامعات تعز، الحديدة، ذمار، إب، وحضرموت. ويصل عدد الطلاب في الجامعات الحكومية الثماني بحسب تقديرات عام 2004-2005 إلى 164532 طالباً وطالبة منهم 77103 في جامعة صنعاء وحدها.
ومع أن التعليم بشكل عام، والتعليم العالي بشكل خاص، يشكلان حجر الزاوية في تحقيق التنمية بأبعادها المختلفة إلا أن التعليم العالي في اليمن يبدو اليوم وبعد حوالي 35 عاماً من عمره وكأنه قد تحول من حل لمشكلات التنمية في اليمن إلى مشكلة ينبغي على الجميع العمل على حلها. ومع إن مشكلات التعليم العالي في اليمن هي أكثر من أن تحصى إلا أنه يمكن النظر عليها بشكل عام على أنها تتصل إما بالمدخلات من طلاب وأساتذة ومناهج وتجهيزات وغيرها، أو بالمؤسسات والعمليات، أو بالمخرجات وطرق التقييم. ونظراً لضيق الحيز فسيتم التركيز هنا على عدد محدود من المشكلات التي يعتقد الكاتب أنها أكثر أهمية من غيرها.
الانفصال عن التنمية
لعل أبرز المشكلات المتصلة بالتعليم العالي في اليمن هي انفصاله عن عملية التنمية وعن احتياجات السوق المحلي والإقليمي والدولي. وتبرز مظاهر ذلك الانفصال في تركز الطلاب في كليات الدراسات الاجتماعية والإنسانية، حيث تشير إحدى الدراسات إلى أن 13 في المائة فقط من طلاب الجامعات اليمنية يتخصصون في العلوم والهندسة والتكنولوجيا، وأن اليمن يحتل ذيل القائمة عندما يقارن بالدول العربية الأخرى بالنسبة لعدد الطلاب الذين يدرسون العلوم التطبيقية. ففي ظل انخفاض عدد الطلاب الذين يدرسون العلوم التطبيقية يلاحظ أن نحو 40 في المائة من طلاب الجامعات اليمنية يدرسون في كليات للتربية ليتخرجوا بعد ذلك كمعلمين في بلد لم يعد بحاجة إلى المزيد من المعلمين. كما تتجلى مظاهر انفصال التعليم العالي عن خطط التنمية في البطالة المتزايدة في أوساط خريجي الجامعات الذين يفتقرون إلى المهارات اللازمة التي يحتاجها السوق والذين ينتهي بهم الحال إلى القيام بأعمال لا علاقة لها بالدرجات الجامعية التي يحملونها.
وليس هناك سبب محدد للفجوة القائمة بين التعليم العالي من جهة واحتياجات التنمية من جهة أخرى وكذلك لتركز الطلاب في كليات الدراسات الإنسانية والاجتماعية بما في ذلك التربية. ولكن هناك الكثير من الأسباب المتشابكة مع بعضها البعض. فهناك ندرة في الموارد من جهة وضعف في استغلال تلك الموارد بالطرق المثلى من جهة أخرى. وفي مواجهة الطلب الاجتماعي المتزايد على التعليم العالي عاماً بعد آخر لا تجد الحكومة بداً من التركيز على الكليات النظرية التي تنخفض فيها تكلفة استيعاب الطالب إلى حد كبير مقارنة بالكليات العلمية كالهندسة والطب وغيرها. أما الكليات العلمية فبرغم الطلب المتزايد عليها فإنها بدأت تطبق سياسات صارمة في تحديد قدرتها الاستيعابية وتعمل على المفاضلة بين الطلاب المتقدمين لها عن طريق عقد اختبارات خاصة.
فجوة النوع الاجتماعي
يعاني التعليم العالي في اليمن من وجود فجوة كبيرة بين نسب الذكور والإناث. فمن إجمالي 167730 طالباً مسجلاً في الجامعات الحكومية حسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2002 يبلغ عدد الإناث 41296 فقط وبنسبة 25 في المائة من عدد المسجلين. وتشير بيانات جامعات صنعاء، وهي أكبر وأقدم جامعة في البلاد للأعوام من 1997 وحتى 2001، إلى أن الطالبات يتركزن بالنسبة للمركز الرئيسي للجامعة والواقع في مدينة صنعاء، في كليات التربية، الآداب، العلوم، الطب والعلوم الصحية، طب الأسنان، الصيدلة، واللغات، بينما تنخفض النسبة في التجارة والشريعة والهندسة والزراعة والإعلام.
وتعكس الفجوة القائمة بين نسب القيد للذكور والإناث في الجامعات اليمنية وجود فجوة أوسع بينهما في مختلف المراحل الدراسية وفي معدل الأمية التي تصل نسبتها بين الإناث إلى أكثر من 67 في المائة على المستوى الوطني وإلى حوالي 80 في المائة بين النساء الريفيات. ومع أن الدكتورة سعاد السبع، أستاذ اللغة العربية بجامعة صنعاء، تشير في دراسة لها إلى أن جامعة صنعاء بدأت في عام 1970 بـ60 طالباً و4 طالبات فقط، ثم تطور عدد الطالبات المقبولات إلى 512 في عام 1994 ثم إلى 3341 طالبة في عام 2003 إلا أن هذا لا يبرر أو يفسر وجود الفجوة بين الجنسين. كما لا يلامس أيضاً الصعوبات الجمة التي تواجه المرأة اليمنية الطامحة إلى التخرج في الجامعة.
ويساهم العديد من العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في تغييب النساء عن التعليم بشكل عام والتعليم العالي بشكل خاص. فالزواج المبكر، والنظرة التقليدية لدور المرأة، والحاجة إلى الفتاة للعمل في المنزل، والتعليم المختلط والظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر اليمنية، وصعوبة المواصلات، وغير ذلك من العوامل، تعمل كلها على الحد من قدرة الجهد الشعبي والرسمي على إدماج المرأة اليمنية في التعليم العالي.
ويؤدي الوضع التعليمي القائم (بالنسبة للمرأة) وعدم قدرة الدولة على تحقيق التطور المنشود في قيد النساء في مختلف المراحل الدراسية وعدم قدرتها على فتح مجالات التعليم الفني أمامها إلى جعل المرأة اليمنية أكثر عرضة للاستغلال وأكثر معاناة من المشكلات المختلفة التي تصاحب عملية التحاق اليمن بالسوق الدولي. فالتحاق اليمن بمنظمة التجارة الدولية، وهي خطوة بالغة الأهمية في مسار الالتحاق بالاقتصاد العالمي مثلاً، سيؤدي بالضرورة إلى تسريح العمالة غير الماهرة وشبه الماهرة، وبالتالي تقليل فرص العمل للنساء اللاتي يشكلن غالبية العمالة غير الماهرة أو شبه الماهرة.
ضعف المدخلات
تعاني مدخلات التعليم العالي في اليمن من ضعف كبير سواء اتصل الأمر بالطالب أو بالكادر التدريسي أو بالتجهيزات أو بالموارد المالية التي يتم تخصيصها للجامعات والبحث العلمي. فبالنسبة للطلاب فإن مخرجات المرحلة الثانوية أصبحت تتزايد بشكل كبير من عام إلى آخر. ونظراً لضعف التعليم الفني والمهني ومحدودية العرض مقارنة بالطلب الاجتماعي، فإن أغلب الطلاب الذين يكملون تعليمهم الثانوي يتجهون نحو الجامعات.
وفي الوقت الذي يرغب فيه معظم الطلاب في الالتحاق بالجامعات، فإن الكثيرين منهم غير معدّين الإعداد السليم في المراحل الدراسية والذي يؤهلهم للالتحاق بالجامعات وتطوير قدراتهم. فالكثير من طلاب الجامعات يعانون من ضعف المهارات المتصلة بالقراءة والكتابة واللغة الإنجليزية والرياضيات وغير ذلك من الموضوعات. ويمكن إرجاع ضعف التحصيل العلمي لخريجي الثانوية العامة في اليمن إلى العديد من الأسباب بما في ذلك غياب المدرس المؤهل وغياب المعامل ومختبرات الحاسب الآلي وازدحام الفصول الدراسية وغياب الوسائل التعليمية. ولعله من المهم الإشارة هنا إلى أن الحكومة اليمنية كانت قد اضطرت في مواجهة الضغوط المالية المتزايدة خلال العشرين سنة الماضية إلى استبدال المعلمين الأجانب الذين تدفع مرتباتهم بالعملة الصعبة بيمنيين غالباً غير مؤهلين وغير مدربين للقيام بالتدريس. وأدت (اليمننة) الاضطرارية إلى تدهور كبير في التعليم بمراحله المختلفة وحتى الثانوية.
وبالنسبة لمدخلات التعليم العالي من الهيئة التدريسية فقد اضطر اليمن ابتداء من منتصف ثمانينات القرن الماضي إلى الاستغناء عن الكوادر العربية المؤهلة والمدربة نظراً لتوقف الدعم الخليجي، وتم إحلال الكادر اليمني محلها. ويعاني الكادر التدريسي في الجامعات اليمنية من العديد من المشكلات، حيث إن ضعف الموارد وضعف المهارات في اللغات الأجنبية بين اليمنيين جعل اليمن يعتمد في تأهيل كوادر الجامعات على إرسالهم وبأعداد كبيرة إلى دول مثل الهند والعراق والسودان ومصر وماليزيا، وبعض تلك الدول لا تختلف فيها ظروف التعليم بشكل كبير عما هو عليه الحال في اليمن، كما أن اختيار الكوادر التي يتم إرسالها للدراسات العليا لا يخضع هو الآخر لمتطلبات عملية التنمية ولا لمعايير الكفاءة بقدر ما يخضع للمجاملة والإرضاء السياسي وغير ذلك من الاعتبارات. ويواجه أساتذة الجامعات في اليمن ظروفاً معيشية وأكاديمية صعبة تحد من قدرتهم على الإبداع والابتكار. فانخفاض المرتبات مثلاً يجعل الكثير منهم يقومون بأكثر من وظيفة أو يدرسون بأكثر من جامعة، كما أن غياب موازنات البحث العلمي وعدم وجود فرص للتأهيل والتدريب يحرمان الكادر الجامعي من القدرة على التجدد والمواكبة.
وهناك غياب للوسائل التعليمية الحديثة ولوسائل التكنولوجيا التي من شأنها أن تنمي لدى طلاب الجامعات الرغبة في العلم والاستعداد للتعلم، وتفتقر المكتبات الجامعية إلى الدوريات العربية والأجنبية، كما أنها محرومة من الاشتراك في قواعد البيانات وبنوك المعلومات الإلكترونية التي تحتاج إلى مبالغ طائلة، أما المواد الدراسية المقررة في كل تخصص ومضامينها فتتصف بالقدم وعدم المواكبة للتحولات التي تشهدها حقول المعرفة واحتياجات الحياة العملية.
غياب الاستقلال
تعاني الجامعات الحكومية في اليمن من غياب واضح للاستقلال وهو غياب لا يقتصر على الجوانب المالية أو الإدارية، ولكنه يمتد إلى الأسس والمعايير التي تقوم عليها العملية التعليمية. وقد ساهمت التعددية الحزبية التي تبنتها البلاد في عام 1990 وما صاحبها من ظهور صراع سياسي حاد بين الأحزاب الرئيسية في البلاد حول السيطرة على عقول وقلوب طلاب الجامعات في المزيد من الإضعاف للجامعات ولدورها المعرفي والتنويري، فلم يتم إضعاف استقلال الجامعات عن الحكومة فقط، بل تم أيضاً تحويل الجامعات إلى منظمات حزبية تابعة للحزب الحاكم. وتم إخضاع عمليات التعيين في الجامعات والترقية وتعيين رؤساء الأقسام والعمداء ورؤساء الجامعات لمعايير حزبية بحتة لا علاقة لها بالمعايير والأسس الأكاديمية، وأدى هذا الوضع إلى إضعاف قدرة الجامعات على إدارة شؤونها بذاتها وغياب الشفافية في أدائها لوظائفها وجعل الجامعات تدار من خارجها، وهو الأمر الذي أدى بدوره إلى حرمان الجامعات من لعب دور طليعي في عملية التنمية.

طرق الإصلاح
بدأ اليمن، ولمواجهة الطلب المتزايد على التعليم العالي، في إشراك المجتمع في تحمل تكلفة التعليم، حيث تم السماح للقطاع الخاص ابتداء من أول العقد الأخير من القرن العشرين بالاستثمار في مجال التعليم العالي، وكانت النتيجة ظهور عدد من الجامعات، لكن غياب الدعم الحكومي لتلك الجامعات وضعف القدرة الشرائية للمجتمع جعلا تلك الجامعات تواجه مشكلات كبيرة مما أضعف قدرتها على الالتزام بالحد الأدنى من جودة المدخلات والعمليات والمخرجات، ولم تستطع تلك الجامعات أن تطور الكوادر الخاصة بها فتحولت إلى عبء على الجامعات الحكومية، حيث تحول بعض أساتذة الجامعات الحكومية وفي ظل ضعف كادر الأجور إلى مقاولي مواد يتنقل الواحد منهم وفي اليوم نفسه من جامعة إلى أخرى، وأدى هذا الوضع إلى مزيد من التدهور في العملية التعليمية ليس في الجامعات الخاصة فقط، بل في الجامعات الحكومية أيضاً.
وبدلاً من أن تعمل الحكومة والقطاع الخاص جنباً إلى جنب على حل المشكلات التي تواجه التعليم الخاص دخلت الجامعات الحكومية كمنافس للجامعات الخاصة، حيث نشأت في مختلف الجامعات الحكومية وفي كل الكليات والتخصصات تقريباً برامج (التعليم الموازي)، وهي برامج تقبل الطلاب الذين تقل النسب التي حصلوا عليها في الثانوية العامة عن تلك التي تحددها الكليات وذلك مقابل رسوم يتم دفعها للجامعة.
ومع أن الحكومة اليمنية تحاول تنفيذ بعض الحلول الجزئية لمشكلات التعليم العالي إلا أن تلك الحلول تبدو غير ناجعة في ظل تنامي مشكلات هذا القطاع. وتزداد الحاجة يوماً بعد آخر إلى تبني رؤية شاملة تعالج أوضاع التعليم العالي في اليمن من كافة الجوانب. وإذا كان تبني استراتيجية شاملة لإصلاح التعليم أمراً لا مفر منه، فإن تلك الاستراتيجية وفقاً لما انتهت إليه الدراسات التي نفذت حول التعليم العالي، لا بد أن تبدأ بربط التعليم العالي باحتياجات التنمية الآنية والمستقبلية، وبالتحولات في أسواق العمل المحلية والإقليمية والدولية. كذلك لابد لتلك الاستراتيجية من ردم الهوة القائمة بين مشاركة الذكور والإناث في التعليم العالي ومشاركة الريف والحضر، وبين التعليم الفني والمهني من جهة والتعليم الجامعي العام من جهة أخرى، وكذلك بين عدد الطلاب في الكليات النظرية ونظرائهم في الكليات العملية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3269::/cck::
::introtext::

تعود البدايات الأولى للتعليم العالي في اليمن بشماله وجنوبه إلى بداية السبعينات من القرن الماضي، فقبل حوالي ثلاثة عقود ونصف العقد بدأ شمال اليمن وجنوبه خطواتهما الأولى في هذا الحقل، ففي شمال اليمن أنشئت جامعة صنعاء في عام 1970، أما في جنوب اليمن فقد تم إنشاء كلية للتربية في عام 1970 أيضاً ثم أنشئت جامعة عدن في عام 1975. وقد لعبت دولة الكويت في الفترة السابقة على قيام الوحدة اليمنية دوراً رئيسياً في دعم التعليم العالي في اليمن، كما لعبت دول الخليج الأخرى دوراً مهماً سواء في بناء المنشآت التعليمية أو في توفير التجهيزات ودفع رواتب وتكاليف الكوادر التي تم استقطابها من خارج اليمن للعمل في الجامعات. وتم التركيز في البداية على توفير احتياجات البلاد الآنية من المدرسين المؤهلين. وبمرور السنوات تم التوسع بعد ذلك في عدد الكليات والتخصصات التي تقدمها تلك الكليات.

::/introtext::
::fulltext::

تعود البدايات الأولى للتعليم العالي في اليمن بشماله وجنوبه إلى بداية السبعينات من القرن الماضي، فقبل حوالي ثلاثة عقود ونصف العقد بدأ شمال اليمن وجنوبه خطواتهما الأولى في هذا الحقل، ففي شمال اليمن أنشئت جامعة صنعاء في عام 1970، أما في جنوب اليمن فقد تم إنشاء كلية للتربية في عام 1970 أيضاً ثم أنشئت جامعة عدن في عام 1975. وقد لعبت دولة الكويت في الفترة السابقة على قيام الوحدة اليمنية دوراً رئيسياً في دعم التعليم العالي في اليمن، كما لعبت دول الخليج الأخرى دوراً مهماً سواء في بناء المنشآت التعليمية أو في توفير التجهيزات ودفع رواتب وتكاليف الكوادر التي تم استقطابها من خارج اليمن للعمل في الجامعات. وتم التركيز في البداية على توفير احتياجات البلاد الآنية من المدرسين المؤهلين. وبمرور السنوات تم التوسع بعد ذلك في عدد الكليات والتخصصات التي تقدمها تلك الكليات.
وشهدت الخمس عشرة سنة الماضية التي تلت قيام الوحدة اليمنية في عام 1990 طفرة كبيرة في التعليم الجامعي، حيث تم افتتاح المزيد من الجامعات والكليات والأقسام العلمية في قطاع التعليم التابع للدولة، كما تم فتح المجال للقطاع الخاص للاستثمار في التعليم العالي. ويبلغ عدد الجامعات الحكومية في اليمن اليوم ثماني جامعات، فبالإضافة إلى جامعتي صنعاء وعدن، تم إنشاء جامعات تعز، الحديدة، ذمار، إب، وحضرموت. ويصل عدد الطلاب في الجامعات الحكومية الثماني بحسب تقديرات عام 2004-2005 إلى 164532 طالباً وطالبة منهم 77103 في جامعة صنعاء وحدها.
ومع أن التعليم بشكل عام، والتعليم العالي بشكل خاص، يشكلان حجر الزاوية في تحقيق التنمية بأبعادها المختلفة إلا أن التعليم العالي في اليمن يبدو اليوم وبعد حوالي 35 عاماً من عمره وكأنه قد تحول من حل لمشكلات التنمية في اليمن إلى مشكلة ينبغي على الجميع العمل على حلها. ومع إن مشكلات التعليم العالي في اليمن هي أكثر من أن تحصى إلا أنه يمكن النظر عليها بشكل عام على أنها تتصل إما بالمدخلات من طلاب وأساتذة ومناهج وتجهيزات وغيرها، أو بالمؤسسات والعمليات، أو بالمخرجات وطرق التقييم. ونظراً لضيق الحيز فسيتم التركيز هنا على عدد محدود من المشكلات التي يعتقد الكاتب أنها أكثر أهمية من غيرها.
الانفصال عن التنمية
لعل أبرز المشكلات المتصلة بالتعليم العالي في اليمن هي انفصاله عن عملية التنمية وعن احتياجات السوق المحلي والإقليمي والدولي. وتبرز مظاهر ذلك الانفصال في تركز الطلاب في كليات الدراسات الاجتماعية والإنسانية، حيث تشير إحدى الدراسات إلى أن 13 في المائة فقط من طلاب الجامعات اليمنية يتخصصون في العلوم والهندسة والتكنولوجيا، وأن اليمن يحتل ذيل القائمة عندما يقارن بالدول العربية الأخرى بالنسبة لعدد الطلاب الذين يدرسون العلوم التطبيقية. ففي ظل انخفاض عدد الطلاب الذين يدرسون العلوم التطبيقية يلاحظ أن نحو 40 في المائة من طلاب الجامعات اليمنية يدرسون في كليات للتربية ليتخرجوا بعد ذلك كمعلمين في بلد لم يعد بحاجة إلى المزيد من المعلمين. كما تتجلى مظاهر انفصال التعليم العالي عن خطط التنمية في البطالة المتزايدة في أوساط خريجي الجامعات الذين يفتقرون إلى المهارات اللازمة التي يحتاجها السوق والذين ينتهي بهم الحال إلى القيام بأعمال لا علاقة لها بالدرجات الجامعية التي يحملونها.
وليس هناك سبب محدد للفجوة القائمة بين التعليم العالي من جهة واحتياجات التنمية من جهة أخرى وكذلك لتركز الطلاب في كليات الدراسات الإنسانية والاجتماعية بما في ذلك التربية. ولكن هناك الكثير من الأسباب المتشابكة مع بعضها البعض. فهناك ندرة في الموارد من جهة وضعف في استغلال تلك الموارد بالطرق المثلى من جهة أخرى. وفي مواجهة الطلب الاجتماعي المتزايد على التعليم العالي عاماً بعد آخر لا تجد الحكومة بداً من التركيز على الكليات النظرية التي تنخفض فيها تكلفة استيعاب الطالب إلى حد كبير مقارنة بالكليات العلمية كالهندسة والطب وغيرها. أما الكليات العلمية فبرغم الطلب المتزايد عليها فإنها بدأت تطبق سياسات صارمة في تحديد قدرتها الاستيعابية وتعمل على المفاضلة بين الطلاب المتقدمين لها عن طريق عقد اختبارات خاصة.
فجوة النوع الاجتماعي
يعاني التعليم العالي في اليمن من وجود فجوة كبيرة بين نسب الذكور والإناث. فمن إجمالي 167730 طالباً مسجلاً في الجامعات الحكومية حسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2002 يبلغ عدد الإناث 41296 فقط وبنسبة 25 في المائة من عدد المسجلين. وتشير بيانات جامعات صنعاء، وهي أكبر وأقدم جامعة في البلاد للأعوام من 1997 وحتى 2001، إلى أن الطالبات يتركزن بالنسبة للمركز الرئيسي للجامعة والواقع في مدينة صنعاء، في كليات التربية، الآداب، العلوم، الطب والعلوم الصحية، طب الأسنان، الصيدلة، واللغات، بينما تنخفض النسبة في التجارة والشريعة والهندسة والزراعة والإعلام.
وتعكس الفجوة القائمة بين نسب القيد للذكور والإناث في الجامعات اليمنية وجود فجوة أوسع بينهما في مختلف المراحل الدراسية وفي معدل الأمية التي تصل نسبتها بين الإناث إلى أكثر من 67 في المائة على المستوى الوطني وإلى حوالي 80 في المائة بين النساء الريفيات. ومع أن الدكتورة سعاد السبع، أستاذ اللغة العربية بجامعة صنعاء، تشير في دراسة لها إلى أن جامعة صنعاء بدأت في عام 1970 بـ60 طالباً و4 طالبات فقط، ثم تطور عدد الطالبات المقبولات إلى 512 في عام 1994 ثم إلى 3341 طالبة في عام 2003 إلا أن هذا لا يبرر أو يفسر وجود الفجوة بين الجنسين. كما لا يلامس أيضاً الصعوبات الجمة التي تواجه المرأة اليمنية الطامحة إلى التخرج في الجامعة.
ويساهم العديد من العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في تغييب النساء عن التعليم بشكل عام والتعليم العالي بشكل خاص. فالزواج المبكر، والنظرة التقليدية لدور المرأة، والحاجة إلى الفتاة للعمل في المنزل، والتعليم المختلط والظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر اليمنية، وصعوبة المواصلات، وغير ذلك من العوامل، تعمل كلها على الحد من قدرة الجهد الشعبي والرسمي على إدماج المرأة اليمنية في التعليم العالي.
ويؤدي الوضع التعليمي القائم (بالنسبة للمرأة) وعدم قدرة الدولة على تحقيق التطور المنشود في قيد النساء في مختلف المراحل الدراسية وعدم قدرتها على فتح مجالات التعليم الفني أمامها إلى جعل المرأة اليمنية أكثر عرضة للاستغلال وأكثر معاناة من المشكلات المختلفة التي تصاحب عملية التحاق اليمن بالسوق الدولي. فالتحاق اليمن بمنظمة التجارة الدولية، وهي خطوة بالغة الأهمية في مسار الالتحاق بالاقتصاد العالمي مثلاً، سيؤدي بالضرورة إلى تسريح العمالة غير الماهرة وشبه الماهرة، وبالتالي تقليل فرص العمل للنساء اللاتي يشكلن غالبية العمالة غير الماهرة أو شبه الماهرة.
ضعف المدخلات
تعاني مدخلات التعليم العالي في اليمن من ضعف كبير سواء اتصل الأمر بالطالب أو بالكادر التدريسي أو بالتجهيزات أو بالموارد المالية التي يتم تخصيصها للجامعات والبحث العلمي. فبالنسبة للطلاب فإن مخرجات المرحلة الثانوية أصبحت تتزايد بشكل كبير من عام إلى آخر. ونظراً لضعف التعليم الفني والمهني ومحدودية العرض مقارنة بالطلب الاجتماعي، فإن أغلب الطلاب الذين يكملون تعليمهم الثانوي يتجهون نحو الجامعات.
وفي الوقت الذي يرغب فيه معظم الطلاب في الالتحاق بالجامعات، فإن الكثيرين منهم غير معدّين الإعداد السليم في المراحل الدراسية والذي يؤهلهم للالتحاق بالجامعات وتطوير قدراتهم. فالكثير من طلاب الجامعات يعانون من ضعف المهارات المتصلة بالقراءة والكتابة واللغة الإنجليزية والرياضيات وغير ذلك من الموضوعات. ويمكن إرجاع ضعف التحصيل العلمي لخريجي الثانوية العامة في اليمن إلى العديد من الأسباب بما في ذلك غياب المدرس المؤهل وغياب المعامل ومختبرات الحاسب الآلي وازدحام الفصول الدراسية وغياب الوسائل التعليمية. ولعله من المهم الإشارة هنا إلى أن الحكومة اليمنية كانت قد اضطرت في مواجهة الضغوط المالية المتزايدة خلال العشرين سنة الماضية إلى استبدال المعلمين الأجانب الذين تدفع مرتباتهم بالعملة الصعبة بيمنيين غالباً غير مؤهلين وغير مدربين للقيام بالتدريس. وأدت (اليمننة) الاضطرارية إلى تدهور كبير في التعليم بمراحله المختلفة وحتى الثانوية.
وبالنسبة لمدخلات التعليم العالي من الهيئة التدريسية فقد اضطر اليمن ابتداء من منتصف ثمانينات القرن الماضي إلى الاستغناء عن الكوادر العربية المؤهلة والمدربة نظراً لتوقف الدعم الخليجي، وتم إحلال الكادر اليمني محلها. ويعاني الكادر التدريسي في الجامعات اليمنية من العديد من المشكلات، حيث إن ضعف الموارد وضعف المهارات في اللغات الأجنبية بين اليمنيين جعل اليمن يعتمد في تأهيل كوادر الجامعات على إرسالهم وبأعداد كبيرة إلى دول مثل الهند والعراق والسودان ومصر وماليزيا، وبعض تلك الدول لا تختلف فيها ظروف التعليم بشكل كبير عما هو عليه الحال في اليمن، كما أن اختيار الكوادر التي يتم إرسالها للدراسات العليا لا يخضع هو الآخر لمتطلبات عملية التنمية ولا لمعايير الكفاءة بقدر ما يخضع للمجاملة والإرضاء السياسي وغير ذلك من الاعتبارات. ويواجه أساتذة الجامعات في اليمن ظروفاً معيشية وأكاديمية صعبة تحد من قدرتهم على الإبداع والابتكار. فانخفاض المرتبات مثلاً يجعل الكثير منهم يقومون بأكثر من وظيفة أو يدرسون بأكثر من جامعة، كما أن غياب موازنات البحث العلمي وعدم وجود فرص للتأهيل والتدريب يحرمان الكادر الجامعي من القدرة على التجدد والمواكبة.
وهناك غياب للوسائل التعليمية الحديثة ولوسائل التكنولوجيا التي من شأنها أن تنمي لدى طلاب الجامعات الرغبة في العلم والاستعداد للتعلم، وتفتقر المكتبات الجامعية إلى الدوريات العربية والأجنبية، كما أنها محرومة من الاشتراك في قواعد البيانات وبنوك المعلومات الإلكترونية التي تحتاج إلى مبالغ طائلة، أما المواد الدراسية المقررة في كل تخصص ومضامينها فتتصف بالقدم وعدم المواكبة للتحولات التي تشهدها حقول المعرفة واحتياجات الحياة العملية.
غياب الاستقلال
تعاني الجامعات الحكومية في اليمن من غياب واضح للاستقلال وهو غياب لا يقتصر على الجوانب المالية أو الإدارية، ولكنه يمتد إلى الأسس والمعايير التي تقوم عليها العملية التعليمية. وقد ساهمت التعددية الحزبية التي تبنتها البلاد في عام 1990 وما صاحبها من ظهور صراع سياسي حاد بين الأحزاب الرئيسية في البلاد حول السيطرة على عقول وقلوب طلاب الجامعات في المزيد من الإضعاف للجامعات ولدورها المعرفي والتنويري، فلم يتم إضعاف استقلال الجامعات عن الحكومة فقط، بل تم أيضاً تحويل الجامعات إلى منظمات حزبية تابعة للحزب الحاكم. وتم إخضاع عمليات التعيين في الجامعات والترقية وتعيين رؤساء الأقسام والعمداء ورؤساء الجامعات لمعايير حزبية بحتة لا علاقة لها بالمعايير والأسس الأكاديمية، وأدى هذا الوضع إلى إضعاف قدرة الجامعات على إدارة شؤونها بذاتها وغياب الشفافية في أدائها لوظائفها وجعل الجامعات تدار من خارجها، وهو الأمر الذي أدى بدوره إلى حرمان الجامعات من لعب دور طليعي في عملية التنمية.

طرق الإصلاح
بدأ اليمن، ولمواجهة الطلب المتزايد على التعليم العالي، في إشراك المجتمع في تحمل تكلفة التعليم، حيث تم السماح للقطاع الخاص ابتداء من أول العقد الأخير من القرن العشرين بالاستثمار في مجال التعليم العالي، وكانت النتيجة ظهور عدد من الجامعات، لكن غياب الدعم الحكومي لتلك الجامعات وضعف القدرة الشرائية للمجتمع جعلا تلك الجامعات تواجه مشكلات كبيرة مما أضعف قدرتها على الالتزام بالحد الأدنى من جودة المدخلات والعمليات والمخرجات، ولم تستطع تلك الجامعات أن تطور الكوادر الخاصة بها فتحولت إلى عبء على الجامعات الحكومية، حيث تحول بعض أساتذة الجامعات الحكومية وفي ظل ضعف كادر الأجور إلى مقاولي مواد يتنقل الواحد منهم وفي اليوم نفسه من جامعة إلى أخرى، وأدى هذا الوضع إلى مزيد من التدهور في العملية التعليمية ليس في الجامعات الخاصة فقط، بل في الجامعات الحكومية أيضاً.
وبدلاً من أن تعمل الحكومة والقطاع الخاص جنباً إلى جنب على حل المشكلات التي تواجه التعليم الخاص دخلت الجامعات الحكومية كمنافس للجامعات الخاصة، حيث نشأت في مختلف الجامعات الحكومية وفي كل الكليات والتخصصات تقريباً برامج (التعليم الموازي)، وهي برامج تقبل الطلاب الذين تقل النسب التي حصلوا عليها في الثانوية العامة عن تلك التي تحددها الكليات وذلك مقابل رسوم يتم دفعها للجامعة.
ومع أن الحكومة اليمنية تحاول تنفيذ بعض الحلول الجزئية لمشكلات التعليم العالي إلا أن تلك الحلول تبدو غير ناجعة في ظل تنامي مشكلات هذا القطاع. وتزداد الحاجة يوماً بعد آخر إلى تبني رؤية شاملة تعالج أوضاع التعليم العالي في اليمن من كافة الجوانب. وإذا كان تبني استراتيجية شاملة لإصلاح التعليم أمراً لا مفر منه، فإن تلك الاستراتيجية وفقاً لما انتهت إليه الدراسات التي نفذت حول التعليم العالي، لا بد أن تبدأ بربط التعليم العالي باحتياجات التنمية الآنية والمستقبلية، وبالتحولات في أسواق العمل المحلية والإقليمية والدولية. كذلك لابد لتلك الاستراتيجية من ردم الهوة القائمة بين مشاركة الذكور والإناث في التعليم العالي ومشاركة الريف والحضر، وبين التعليم الفني والمهني من جهة والتعليم الجامعي العام من جهة أخرى، وكذلك بين عدد الطلاب في الكليات النظرية ونظرائهم في الكليات العملية.

::/fulltext::
::cck::3269::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *