الهند والخليج: شراكة استراتيجية في بناء اقتصاد المعرفة

::cck::3270::/cck::
::introtext::

إن ضيق الوقت وانحسار المساحات المتاحة للتواصل والتدفق العالمي للمعرفة الناتج عن تقنيات المعلومات والاتصالات هي عوامل تعيد تعريف الأنظمة الاقتصادية، حيث أصبح تكثيف تطبيق المعرفة على النشاط الاقتصادي يشكل العامل الرئيسي في تكوين الثروة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 70 في المائة ـ 80 في المائة من النمو الاقتصادي الذي يحدث اليوم يعود إلى اكتساب المعارف الجديدة والمتطورة. وبناءً عليه، فإن (اقتصاد المعرفة) الناشئ يعيد صياغة طبيعة الموارد التي حُظينا بها، كما يوفر أفضليات نسبية وتنافسية بين الدول. ولم يقتصر تأثير اقتصاد المعرفة على وضع رأس المال البشري كعنصر جوهري في عمليات الإنتاج، وإنما أبرز ضرورة مواصلة إضافة القيمة لرأس المال البشري. وتبعاً لذلك، فإن (العمال في كل مستويات مجتمع المعرفة في القرن الحادي والعشرين سيحتاجون إلى مواصلة عملية التعليم على امتداد حياتهم، وعليهم أن يتكيفوا بصورة مستمرة مع تغير الفرص وممارسات العمل ونماذج تصريف الأعمال والصيغ المختلفة من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي). إن الاقتصادات الإبداعية والمبتكرة هي التي ستكون الموجه الرئيسي للنشاط الاقتصادي، وتُعتَبر النهضة التي شهدتها الدول الآسيوية دليلاً على نشوء هذا النمط من الاقتصاد الحديث. وكانت الهند والعالم العربي من الجهات الرائدة في عملية تكوين المعرفة، ويعود ثراء حضارتيهما إلى مساهمتهما في عالم المعرفة، سواء في مجال الرياضيات وعلوم الفلك والطب والهندسة المعمارية. وترى هذه المقالة أن الاقتصاد الجديد يوفر إمكانيات للمساهمة الجماعية في اقتصاد المعرفة العالمي الناشئ حديثاً.

::/introtext::
::fulltext::

إن ضيق الوقت وانحسار المساحات المتاحة للتواصل والتدفق العالمي للمعرفة الناتج عن تقنيات المعلومات والاتصالات هي عوامل تعيد تعريف الأنظمة الاقتصادية، حيث أصبح تكثيف تطبيق المعرفة على النشاط الاقتصادي يشكل العامل الرئيسي في تكوين الثروة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 70 في المائة ـ 80 في المائة من النمو الاقتصادي الذي يحدث اليوم يعود إلى اكتساب المعارف الجديدة والمتطورة. وبناءً عليه، فإن (اقتصاد المعرفة) الناشئ يعيد صياغة طبيعة الموارد التي حُظينا بها، كما يوفر أفضليات نسبية وتنافسية بين الدول. ولم يقتصر تأثير اقتصاد المعرفة على وضع رأس المال البشري كعنصر جوهري في عمليات الإنتاج، وإنما أبرز ضرورة مواصلة إضافة القيمة لرأس المال البشري. وتبعاً لذلك، فإن (العمال في كل مستويات مجتمع المعرفة في القرن الحادي والعشرين سيحتاجون إلى مواصلة عملية التعليم على امتداد حياتهم، وعليهم أن يتكيفوا بصورة مستمرة مع تغير الفرص وممارسات العمل ونماذج تصريف الأعمال والصيغ المختلفة من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي). إن الاقتصادات الإبداعية والمبتكرة هي التي ستكون الموجه الرئيسي للنشاط الاقتصادي، وتُعتَبر النهضة التي شهدتها الدول الآسيوية دليلاً على نشوء هذا النمط من الاقتصاد الحديث. وكانت الهند والعالم العربي من الجهات الرائدة في عملية تكوين المعرفة، ويعود ثراء حضارتيهما إلى مساهمتهما في عالم المعرفة، سواء في مجال الرياضيات وعلوم الفلك والطب والهندسة المعمارية. وترى هذه المقالة أن الاقتصاد الجديد يوفر إمكانيات للمساهمة الجماعية في اقتصاد المعرفة العالمي الناشئ حديثاً.
قوة الهند في مجال البرمجيات
أصبحت الهند معروفة بوصفها لاعباً رئيسياً في مجال اقتصاد المعرفة العالمي، فهي تملك تجمعاً ضخماً من العاملين في مجال المعرفة الذين يملكون كفاءة ومهارات متميزة، ليس في مجال تقنيات المعلومات والاتصالات فحسب، وإنما أيضاً في مجالات أخرى تسمى (المهارات السريعة) المرتبطة بالحاسوب. الهند تملك بنية تحتية في مجال التعليم فوق الثانوي، الذي يُعتبـَـر مهماً لبناء اقتصادات المعرفة. (وتمكنت الهند الآن من امتلاك القدرة على تخريج مجموعة تشكل نواة العاملين في مجال المعرفة من مؤسسات التعليم فوق الثانوي ومؤسسات التعليم العلمي والفني، وتم بذل الجهود لإنشاء نظام تعليمي جامعي على مستوى عالٍ من الجودة يتضمن عدداً من المؤسسات ذات المواصفات العالمية في مجال التعليم العالي، وهو مؤسسات تنافسية تركز على الجدارة والتميز، ومنها المعاهد الهندية للتقنية، ومعاهد الإدارة ومعاهد العلوم وكليات الهندسة في المناطق المختلفة. كما حققت الهند تطوراً كبيراً في تطوير البنية التحتية للعلوم والتقنية ومراكز الأبحاث والتطوير، وبخاصة في قطاع تقنية المعلومات. وقد نال هذا الجهد الاعتراف والتقدير، حيث نوه به الزعيم السنغافوري لي كوان يو في المحاضرة التذكارية رقم 37 لإحياء ذكرى الزعيم جواهر لال نهرو، والتي ألقاها في نيودلهي في نوفمبر 2005، وقال فيها: (إن الهند جزء جوهري في هذا النظام العالمي الجديد الذي تتكشف ملامحه الآن. وقد برزت الهند كقوة في قطاع تقنية المعلومات، وهي أكبر مركز للاتصال في العالم. وتقوم نصف الشركات العالمية الضخمة الآن بتنفيذ بعض أعمال الدعم المكتبي الخاصة بها في الهند. وتقول التقارير إن مراكز البحث والتطوير الهندية المتعاونة مع شركات التقنية الأمريكية قامت بتسجيل براءات اختراع أكثر مما سجلته مختبرات بيل في أمريكا).
وأعلنت الهند هذا العام عن تسجيل أكثر من 1300 طلب لبراءات اختراع خاصة بعقاقير طبية، وهذا الرقم يأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، كما تتفوق به الهند على ألمانيا بنسبة 25 في المائة، وهو أكبر كثيراً من النسبة التي حققتها المملكة المتحدة واليابان. وينعكس هذا أيضاً في ازدهار صادرات البرمجيات والخدمات الحاسوبية التي تشكل نحو 17.2 مليار دولار من العوائد خلال عامي 2004 و2005، وهي تمثل زيادة بنسبة 34.5 في المائة فوق المستوى الذي تحقق خلال العام الماضي. ومن الـمـُـتـَـوقـَّـع أن تزداد الصادرات من هذا القطاع بنسبة 30 في المائة خلال عامي 2005 و2006. وبينما ساهمت صناعة البرمجيات والخدمات الحاسوبية الأخرى بتحقيق إيرادات قُدِّرت بنحو 12 مليار دولار، بلغ حجم الإيرادات من مراكز الاتصال وخدمات مراكز الأعمال التي توفرها الشركات الهندية المتعاونة مع شركات أجنبية نحو 5.2 مليار دولار. وطبقاً لما أوردته الجمعية الوطنية لمصنعي البرمجيات، فقد تمكنت الهند من اكتساب الخبرة في مجال الخدمات مثل تطبيق حزم البرمجيات، وتكامل النظم، وإدارة البنية التحتية للشبكات واستشارات تقنية المعلومات. وتشير التقديرات إلى أن صادرات قطاعات تقنية المعلومات سوف تشكل 35 في المائة من حجم الصادرات الهندية في عام 2008، وهي نسبة تزيد على الحصة الحالية البالغة 25 في المائة. كما يـُـتـَـوقـَّـع أن تصل مساهمة قطاع برمجيات تقنية المعلومات وصناعة الخدمات الحاسوبية إلى 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008، وهي أكثر من المستوى الحالي البالغ 4.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2004 ـ 2005. وفي الواقع، فإن الهند بما تملكه من قدرة في مجال البرمجيات سوف تصبح لاعباً كبيراً في مجال بناء اقتصاد المعرفة العالمي.
الاقتصادات الخليجية: سد النقص في مجال المعرفة
تدخل منطقة الخليج بصورة تدريجية في المرحلة التي لن يكون فيها النمو المرتكز على المواد الهيدروكربونية كافياً لإنتاج القدرات والإمكانيات اللازمة لتحقيق النمو المنتظم، ومن ذلك استيعاب القوة العاملة في هذه الدول. وتحتاج هذه الاقتصادات إلى تجاوز نمط الاقتصاد الريعي، حتى لو وفرت لها أسعار النفط العالمية المرتفعة إيرادات ضخمة لم تكن متوقعة، وهي تُـقَـدَّر بنحو 500 مليار دولار خلال السنوات الثلاث السابقة. وحتى الآن ظلت المبادرات الرامية لتنويع القاعدة الاقتصادية محدودة بسبب القيود الهيكلية، غير أن الخدمات المبنية على قطاع المعرفة فتحت إمكانيات جديدة. وليس بمستغرب أن تعمل الحكومات بصورة جادة لتسخير هذه الميزة واستغلالها عن طريق الاستثمار في القطاعات التي تحقق معدلات نمو عالية، وهي تقنية المعلومات وقطاع البرمجيات. وتؤثر المبادرات الخاصة بتنويع الاقتصادات وتطوير قطاعات الخدمات في سوق العمل والتوظيف، حيث تتزايد حاجة المنطقة إلى الكوادر المهنية المتخصصة، وأضحى التعليم على رأس أولويات الأجندة الوطنية. وطبقاً لأحد التقديرات، فإن هذه المنطقة تنفق نحو 4 مليارات دولار في السنة على المنشآت التدريبية. وفي الوقت الراهن يوجد نحو 7.2 مليون طالب في دول مجلس التعاون الخليجي، وهم ضمن الفئة العُمرية (6 ـ 12 سنة). أما على مستوى التعليم العالي فإن أرقام قبول الطلاب تقترب من 800 ألف طالب. وفي الفترة بين عامي 1990 و2001، كان معدل نمو قبول الطلاب في مؤسسات التعليم العالي نحو 11.5 في المائة في المملكة العربية السعودية، و19 في المائة في دولة الإمارات العربية المتحدة، و22.5 في المائة في سلطنة عُمان. ويُلاحَظ أن الطلب على مؤسسات التدريب يزيد على الطاقة الاستيعابية بنحو 60 في المائة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 6 ملايين شاب وشابة يحتاجون إلى التدريب. وإذا أخذنا في الاعتبار تزايد الطلب على القوى العاملة المؤهلة فسنجد أن استعداد السوق وقدراتها الكامنة لاستيعاب المزيد من المؤسسات التي تعمل في مجال التدريب تُـعـَـد كبيرة للغاية، وينبغي تشجيع القطاع الخاص للدخول في هذا المجال، حيث إن المجال المتاح أمام المستثمرين من القطاع الخاص والمؤسسات الأجنبية المعروفة يـُـعـَـد هائلاً.
وفي ظل نظام منظمة التجارة العالمية، يبرز قطاع الخدمات التعليمية بوصفه سوقاً واعدة بالفرص. وتبعاً لذلك فإن عدداً من الدول الأجنبية الفاعلة مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا قد اتجهت إلى تأسيس حضور لها في السوق الخليجية. ولكن مع فقدان النظام التعليمي الغربي لبريقه وتفوقه الفكري، بدأت دول من المنطقة، مثل السعودية في (التوجه شرقاً) للحصول على التعليم الجيد. وفي هذا السياق، تبرز الهند كدولة مهمة في توفير الخدمات التعليمية اللازمة. وكانت بعض المؤسسات الفنية الرائدة في الهند قد فتحت فروعاً لها في منطقة الخليج، ويستعد مزيد من هذه المؤسسات لدخول سوق المنطقة، غير أن هذه التطورات لا تكفي لتهيئة المجال لتحقيق اقتصادات المعرفة الديناميكية والإبداعية في منطقة الخليج. إن هذه المعاهد والمؤسسات هي مجرد مداخل للتدريب اللازم لاكتساب المهارات، وهي لا تكفي لتكوين أنظمة تنتج المعرفة اللازمة.
العلاقة الاستراتيجية: معايير المكاسب المتبادلة
يجب النظر إلى ديناميات اقتصاد المعرفة في سياق بناء الدولة، فالاقتصادات الخليجية لا تستطيع رهن مستقبلها بأن تكون مجرد مواضع لمعالجة المعرفة والمعلومات تتم إدارتها بواسطة الأجانب المهرة. ولا بد من أن ندرك أن اقتصاد المعرفة الجديد يتسم بالتنوع الكبير، حيث إن تدفق المعرفة والمعلومات يُعتـبـَـر غير متماثل للغاية. وفي السوق التي تخضع لسيطرة كبيرة، فإن فكرة الفجوة الرقمية ليست مقتصرة على معدل استخدام الفرد لتقنيات المعلومات والاتصال، وإنما لمتوسط نصيب الفرد من إنتاج الاختراعات. ويكمن التحدي هنا في تصحيح عدم التماثل هذا عن طريق تطوير وتمكين نظم المعرفة في الهند، حيث إن توازن القوى العالمي في قرن المعرفة الحالي سيتحدد بقوة الدولة في مجال البرمجيات. علاوة على ذلك، فإن سوق المعرفة العالمي يتطلب نشر مراكز المعرفة، وبما أن العولمة ترتكز على التطور المبني على المعرفة، فإن استمراريتها سوف تعتمد على كيفية تقاسم المعرفة وإنتاجها.
إن القصور في المعرفة بمنطقة الخليج الذي أشار إليه تقرير التنمية البشرية في العالم العربي لا يمكن تغطيته ما لم تَقُمْ المنطقة بالتخطيط لاكتساب قدرات تتجاوز مجرد تكوين المهارات، وأن تتجه نحو العمليات الإبداعية. وتحتاج منطقة الخليج إلى تطوير ثقافة معرفية عابرة للمواقع المحلية والحدود القومية. ففي عصر تطور الخليج الحالي، هناك حاجة إلى تكوين هذه الثقافة عبر مراحل متدرجة. ويمكن أن توضع خطة تتضمن تصوراً لهذا الجانب على ثلاث مراحل:
1-مرحلة تكوين المهارات المحلية ومراكز التدريب.
2-تطوير البنية التحتية الإقليمية للعلوم والتكنولوجيا.
3-الشراكة مع اقتصاد ديناميكي مؤسس على البحوث والتطوير.
ويمكن للهند أن تصبح الشريك الاستراتيجي في تطوير اقتصادات المعرفة في دول الخليج، وذلك لتمتعها بالأفضلية في جانبين، فهي صاحبة علاقات تاريخية عريقة في مجال التراث المعرفي المشترك مع المنطقة، ولديها توافق ثقافي معها، كما أنها تملك القاعدة ذات المواصفات العالمية في مجال البحوث والتطوير. ويشهد على ذلك قيام (نحو مائة مؤسسة متعددة الجنسيات بإنشاء مراكز للبحوث والتطوير في الهند، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ القدرات التقنية والابتكارية في أوساط الشركات الهندية). وليست هناك حاجة إلى تأكيد أن التعليم والمهارات المهنية يتضمن وجود حزمة ثقافية، ويحرص الآسيويون على عدم استنـزاف مواردهم الثقافية خلال عملية تنمية رأسمالهم الفكري. وبناءً عليه فإن التوافق الثقافي هو المرتكز الرئيسي لتطوير العلاقة المعرفية بين الهند والخليج.
إن العلاقة الهندية ـ الخليجية في مجال عمليات إنتاج المعرفة تعني ضرورة الارتباط، ليس على مستوى التجارة في المعرفة فحسب، وإنما في مجال المشروعات المشتركة للإبداع وبراءات الاختراع، مما يعني أن الهند يمكن أن تكون حاضنة للبحوث المشتركة وأنشطة التنمية الموجهة لصالح دول الخليج، التي يمكنها أن تساهم كشريك في تطوير نظم البحث والتطوير الهندية. وتقوم الهند بتحركات كبيرة لإنشاء منشآت وتجهيزات تتيح الحصول على موارد البحث والتطوير من مصادر خارجية متطورة، وبخاصة في قطاعات مثل تقنية المعلومات والاتصالات والصناعات الدوائية. وتتطلب هذه المشروعات استثمارات ضخمة يمكن لدول الخليج أن تساهم فيها، على أن تعود الفوائد بالمنفعة على الطرفين. ويمكن وضع تصور لهذه المشروعات مع الهند على المستويين الثنائي والجماعي في إطار مجلس التعاون الخليجي. ويمكن لهذه المبادرات التعاونية أن تساهم في صياغة علاقات في مجالات البحوث والتطوير، ليس بين مختبرات البحوث فقط، وإنما بين شركات القطاع الخاص، وبذلك يتم ربط المنطقة مع شبكات البحث والتطوير العالمية. ويمكن الإشارة هنا إلى دول الخليج والهند، بوصفهما مركزين لحضارات عريقة يملكان تقاليد راسخة في مجال المعرفة، التي تحتاج إلى توثيق باستخدام المناهج المعاصرة. إن هذا العمل سوف يثري المعرفة على النطاق العالمي، ويساعد على استعادة الثقة، وهو أمر لا يتحقق عبر الاستمرار في تمجيد الماضي العريق، وإنما يتم عن طريق توثيق صلة هذه المعرفة بالزمان الحاضر والمكان المعاصر.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3270::/cck::
::introtext::

إن ضيق الوقت وانحسار المساحات المتاحة للتواصل والتدفق العالمي للمعرفة الناتج عن تقنيات المعلومات والاتصالات هي عوامل تعيد تعريف الأنظمة الاقتصادية، حيث أصبح تكثيف تطبيق المعرفة على النشاط الاقتصادي يشكل العامل الرئيسي في تكوين الثروة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 70 في المائة ـ 80 في المائة من النمو الاقتصادي الذي يحدث اليوم يعود إلى اكتساب المعارف الجديدة والمتطورة. وبناءً عليه، فإن (اقتصاد المعرفة) الناشئ يعيد صياغة طبيعة الموارد التي حُظينا بها، كما يوفر أفضليات نسبية وتنافسية بين الدول. ولم يقتصر تأثير اقتصاد المعرفة على وضع رأس المال البشري كعنصر جوهري في عمليات الإنتاج، وإنما أبرز ضرورة مواصلة إضافة القيمة لرأس المال البشري. وتبعاً لذلك، فإن (العمال في كل مستويات مجتمع المعرفة في القرن الحادي والعشرين سيحتاجون إلى مواصلة عملية التعليم على امتداد حياتهم، وعليهم أن يتكيفوا بصورة مستمرة مع تغير الفرص وممارسات العمل ونماذج تصريف الأعمال والصيغ المختلفة من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي). إن الاقتصادات الإبداعية والمبتكرة هي التي ستكون الموجه الرئيسي للنشاط الاقتصادي، وتُعتَبر النهضة التي شهدتها الدول الآسيوية دليلاً على نشوء هذا النمط من الاقتصاد الحديث. وكانت الهند والعالم العربي من الجهات الرائدة في عملية تكوين المعرفة، ويعود ثراء حضارتيهما إلى مساهمتهما في عالم المعرفة، سواء في مجال الرياضيات وعلوم الفلك والطب والهندسة المعمارية. وترى هذه المقالة أن الاقتصاد الجديد يوفر إمكانيات للمساهمة الجماعية في اقتصاد المعرفة العالمي الناشئ حديثاً.

::/introtext::
::fulltext::

إن ضيق الوقت وانحسار المساحات المتاحة للتواصل والتدفق العالمي للمعرفة الناتج عن تقنيات المعلومات والاتصالات هي عوامل تعيد تعريف الأنظمة الاقتصادية، حيث أصبح تكثيف تطبيق المعرفة على النشاط الاقتصادي يشكل العامل الرئيسي في تكوين الثروة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 70 في المائة ـ 80 في المائة من النمو الاقتصادي الذي يحدث اليوم يعود إلى اكتساب المعارف الجديدة والمتطورة. وبناءً عليه، فإن (اقتصاد المعرفة) الناشئ يعيد صياغة طبيعة الموارد التي حُظينا بها، كما يوفر أفضليات نسبية وتنافسية بين الدول. ولم يقتصر تأثير اقتصاد المعرفة على وضع رأس المال البشري كعنصر جوهري في عمليات الإنتاج، وإنما أبرز ضرورة مواصلة إضافة القيمة لرأس المال البشري. وتبعاً لذلك، فإن (العمال في كل مستويات مجتمع المعرفة في القرن الحادي والعشرين سيحتاجون إلى مواصلة عملية التعليم على امتداد حياتهم، وعليهم أن يتكيفوا بصورة مستمرة مع تغير الفرص وممارسات العمل ونماذج تصريف الأعمال والصيغ المختلفة من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي). إن الاقتصادات الإبداعية والمبتكرة هي التي ستكون الموجه الرئيسي للنشاط الاقتصادي، وتُعتَبر النهضة التي شهدتها الدول الآسيوية دليلاً على نشوء هذا النمط من الاقتصاد الحديث. وكانت الهند والعالم العربي من الجهات الرائدة في عملية تكوين المعرفة، ويعود ثراء حضارتيهما إلى مساهمتهما في عالم المعرفة، سواء في مجال الرياضيات وعلوم الفلك والطب والهندسة المعمارية. وترى هذه المقالة أن الاقتصاد الجديد يوفر إمكانيات للمساهمة الجماعية في اقتصاد المعرفة العالمي الناشئ حديثاً.
قوة الهند في مجال البرمجيات
أصبحت الهند معروفة بوصفها لاعباً رئيسياً في مجال اقتصاد المعرفة العالمي، فهي تملك تجمعاً ضخماً من العاملين في مجال المعرفة الذين يملكون كفاءة ومهارات متميزة، ليس في مجال تقنيات المعلومات والاتصالات فحسب، وإنما أيضاً في مجالات أخرى تسمى (المهارات السريعة) المرتبطة بالحاسوب. الهند تملك بنية تحتية في مجال التعليم فوق الثانوي، الذي يُعتبـَـر مهماً لبناء اقتصادات المعرفة. (وتمكنت الهند الآن من امتلاك القدرة على تخريج مجموعة تشكل نواة العاملين في مجال المعرفة من مؤسسات التعليم فوق الثانوي ومؤسسات التعليم العلمي والفني، وتم بذل الجهود لإنشاء نظام تعليمي جامعي على مستوى عالٍ من الجودة يتضمن عدداً من المؤسسات ذات المواصفات العالمية في مجال التعليم العالي، وهو مؤسسات تنافسية تركز على الجدارة والتميز، ومنها المعاهد الهندية للتقنية، ومعاهد الإدارة ومعاهد العلوم وكليات الهندسة في المناطق المختلفة. كما حققت الهند تطوراً كبيراً في تطوير البنية التحتية للعلوم والتقنية ومراكز الأبحاث والتطوير، وبخاصة في قطاع تقنية المعلومات. وقد نال هذا الجهد الاعتراف والتقدير، حيث نوه به الزعيم السنغافوري لي كوان يو في المحاضرة التذكارية رقم 37 لإحياء ذكرى الزعيم جواهر لال نهرو، والتي ألقاها في نيودلهي في نوفمبر 2005، وقال فيها: (إن الهند جزء جوهري في هذا النظام العالمي الجديد الذي تتكشف ملامحه الآن. وقد برزت الهند كقوة في قطاع تقنية المعلومات، وهي أكبر مركز للاتصال في العالم. وتقوم نصف الشركات العالمية الضخمة الآن بتنفيذ بعض أعمال الدعم المكتبي الخاصة بها في الهند. وتقول التقارير إن مراكز البحث والتطوير الهندية المتعاونة مع شركات التقنية الأمريكية قامت بتسجيل براءات اختراع أكثر مما سجلته مختبرات بيل في أمريكا).
وأعلنت الهند هذا العام عن تسجيل أكثر من 1300 طلب لبراءات اختراع خاصة بعقاقير طبية، وهذا الرقم يأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، كما تتفوق به الهند على ألمانيا بنسبة 25 في المائة، وهو أكبر كثيراً من النسبة التي حققتها المملكة المتحدة واليابان. وينعكس هذا أيضاً في ازدهار صادرات البرمجيات والخدمات الحاسوبية التي تشكل نحو 17.2 مليار دولار من العوائد خلال عامي 2004 و2005، وهي تمثل زيادة بنسبة 34.5 في المائة فوق المستوى الذي تحقق خلال العام الماضي. ومن الـمـُـتـَـوقـَّـع أن تزداد الصادرات من هذا القطاع بنسبة 30 في المائة خلال عامي 2005 و2006. وبينما ساهمت صناعة البرمجيات والخدمات الحاسوبية الأخرى بتحقيق إيرادات قُدِّرت بنحو 12 مليار دولار، بلغ حجم الإيرادات من مراكز الاتصال وخدمات مراكز الأعمال التي توفرها الشركات الهندية المتعاونة مع شركات أجنبية نحو 5.2 مليار دولار. وطبقاً لما أوردته الجمعية الوطنية لمصنعي البرمجيات، فقد تمكنت الهند من اكتساب الخبرة في مجال الخدمات مثل تطبيق حزم البرمجيات، وتكامل النظم، وإدارة البنية التحتية للشبكات واستشارات تقنية المعلومات. وتشير التقديرات إلى أن صادرات قطاعات تقنية المعلومات سوف تشكل 35 في المائة من حجم الصادرات الهندية في عام 2008، وهي نسبة تزيد على الحصة الحالية البالغة 25 في المائة. كما يـُـتـَـوقـَّـع أن تصل مساهمة قطاع برمجيات تقنية المعلومات وصناعة الخدمات الحاسوبية إلى 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008، وهي أكثر من المستوى الحالي البالغ 4.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2004 ـ 2005. وفي الواقع، فإن الهند بما تملكه من قدرة في مجال البرمجيات سوف تصبح لاعباً كبيراً في مجال بناء اقتصاد المعرفة العالمي.
الاقتصادات الخليجية: سد النقص في مجال المعرفة
تدخل منطقة الخليج بصورة تدريجية في المرحلة التي لن يكون فيها النمو المرتكز على المواد الهيدروكربونية كافياً لإنتاج القدرات والإمكانيات اللازمة لتحقيق النمو المنتظم، ومن ذلك استيعاب القوة العاملة في هذه الدول. وتحتاج هذه الاقتصادات إلى تجاوز نمط الاقتصاد الريعي، حتى لو وفرت لها أسعار النفط العالمية المرتفعة إيرادات ضخمة لم تكن متوقعة، وهي تُـقَـدَّر بنحو 500 مليار دولار خلال السنوات الثلاث السابقة. وحتى الآن ظلت المبادرات الرامية لتنويع القاعدة الاقتصادية محدودة بسبب القيود الهيكلية، غير أن الخدمات المبنية على قطاع المعرفة فتحت إمكانيات جديدة. وليس بمستغرب أن تعمل الحكومات بصورة جادة لتسخير هذه الميزة واستغلالها عن طريق الاستثمار في القطاعات التي تحقق معدلات نمو عالية، وهي تقنية المعلومات وقطاع البرمجيات. وتؤثر المبادرات الخاصة بتنويع الاقتصادات وتطوير قطاعات الخدمات في سوق العمل والتوظيف، حيث تتزايد حاجة المنطقة إلى الكوادر المهنية المتخصصة، وأضحى التعليم على رأس أولويات الأجندة الوطنية. وطبقاً لأحد التقديرات، فإن هذه المنطقة تنفق نحو 4 مليارات دولار في السنة على المنشآت التدريبية. وفي الوقت الراهن يوجد نحو 7.2 مليون طالب في دول مجلس التعاون الخليجي، وهم ضمن الفئة العُمرية (6 ـ 12 سنة). أما على مستوى التعليم العالي فإن أرقام قبول الطلاب تقترب من 800 ألف طالب. وفي الفترة بين عامي 1990 و2001، كان معدل نمو قبول الطلاب في مؤسسات التعليم العالي نحو 11.5 في المائة في المملكة العربية السعودية، و19 في المائة في دولة الإمارات العربية المتحدة، و22.5 في المائة في سلطنة عُمان. ويُلاحَظ أن الطلب على مؤسسات التدريب يزيد على الطاقة الاستيعابية بنحو 60 في المائة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 6 ملايين شاب وشابة يحتاجون إلى التدريب. وإذا أخذنا في الاعتبار تزايد الطلب على القوى العاملة المؤهلة فسنجد أن استعداد السوق وقدراتها الكامنة لاستيعاب المزيد من المؤسسات التي تعمل في مجال التدريب تُـعـَـد كبيرة للغاية، وينبغي تشجيع القطاع الخاص للدخول في هذا المجال، حيث إن المجال المتاح أمام المستثمرين من القطاع الخاص والمؤسسات الأجنبية المعروفة يـُـعـَـد هائلاً.
وفي ظل نظام منظمة التجارة العالمية، يبرز قطاع الخدمات التعليمية بوصفه سوقاً واعدة بالفرص. وتبعاً لذلك فإن عدداً من الدول الأجنبية الفاعلة مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا قد اتجهت إلى تأسيس حضور لها في السوق الخليجية. ولكن مع فقدان النظام التعليمي الغربي لبريقه وتفوقه الفكري، بدأت دول من المنطقة، مثل السعودية في (التوجه شرقاً) للحصول على التعليم الجيد. وفي هذا السياق، تبرز الهند كدولة مهمة في توفير الخدمات التعليمية اللازمة. وكانت بعض المؤسسات الفنية الرائدة في الهند قد فتحت فروعاً لها في منطقة الخليج، ويستعد مزيد من هذه المؤسسات لدخول سوق المنطقة، غير أن هذه التطورات لا تكفي لتهيئة المجال لتحقيق اقتصادات المعرفة الديناميكية والإبداعية في منطقة الخليج. إن هذه المعاهد والمؤسسات هي مجرد مداخل للتدريب اللازم لاكتساب المهارات، وهي لا تكفي لتكوين أنظمة تنتج المعرفة اللازمة.
العلاقة الاستراتيجية: معايير المكاسب المتبادلة
يجب النظر إلى ديناميات اقتصاد المعرفة في سياق بناء الدولة، فالاقتصادات الخليجية لا تستطيع رهن مستقبلها بأن تكون مجرد مواضع لمعالجة المعرفة والمعلومات تتم إدارتها بواسطة الأجانب المهرة. ولا بد من أن ندرك أن اقتصاد المعرفة الجديد يتسم بالتنوع الكبير، حيث إن تدفق المعرفة والمعلومات يُعتـبـَـر غير متماثل للغاية. وفي السوق التي تخضع لسيطرة كبيرة، فإن فكرة الفجوة الرقمية ليست مقتصرة على معدل استخدام الفرد لتقنيات المعلومات والاتصال، وإنما لمتوسط نصيب الفرد من إنتاج الاختراعات. ويكمن التحدي هنا في تصحيح عدم التماثل هذا عن طريق تطوير وتمكين نظم المعرفة في الهند، حيث إن توازن القوى العالمي في قرن المعرفة الحالي سيتحدد بقوة الدولة في مجال البرمجيات. علاوة على ذلك، فإن سوق المعرفة العالمي يتطلب نشر مراكز المعرفة، وبما أن العولمة ترتكز على التطور المبني على المعرفة، فإن استمراريتها سوف تعتمد على كيفية تقاسم المعرفة وإنتاجها.
إن القصور في المعرفة بمنطقة الخليج الذي أشار إليه تقرير التنمية البشرية في العالم العربي لا يمكن تغطيته ما لم تَقُمْ المنطقة بالتخطيط لاكتساب قدرات تتجاوز مجرد تكوين المهارات، وأن تتجه نحو العمليات الإبداعية. وتحتاج منطقة الخليج إلى تطوير ثقافة معرفية عابرة للمواقع المحلية والحدود القومية. ففي عصر تطور الخليج الحالي، هناك حاجة إلى تكوين هذه الثقافة عبر مراحل متدرجة. ويمكن أن توضع خطة تتضمن تصوراً لهذا الجانب على ثلاث مراحل:
1-مرحلة تكوين المهارات المحلية ومراكز التدريب.
2-تطوير البنية التحتية الإقليمية للعلوم والتكنولوجيا.
3-الشراكة مع اقتصاد ديناميكي مؤسس على البحوث والتطوير.
ويمكن للهند أن تصبح الشريك الاستراتيجي في تطوير اقتصادات المعرفة في دول الخليج، وذلك لتمتعها بالأفضلية في جانبين، فهي صاحبة علاقات تاريخية عريقة في مجال التراث المعرفي المشترك مع المنطقة، ولديها توافق ثقافي معها، كما أنها تملك القاعدة ذات المواصفات العالمية في مجال البحوث والتطوير. ويشهد على ذلك قيام (نحو مائة مؤسسة متعددة الجنسيات بإنشاء مراكز للبحوث والتطوير في الهند، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ القدرات التقنية والابتكارية في أوساط الشركات الهندية). وليست هناك حاجة إلى تأكيد أن التعليم والمهارات المهنية يتضمن وجود حزمة ثقافية، ويحرص الآسيويون على عدم استنـزاف مواردهم الثقافية خلال عملية تنمية رأسمالهم الفكري. وبناءً عليه فإن التوافق الثقافي هو المرتكز الرئيسي لتطوير العلاقة المعرفية بين الهند والخليج.
إن العلاقة الهندية ـ الخليجية في مجال عمليات إنتاج المعرفة تعني ضرورة الارتباط، ليس على مستوى التجارة في المعرفة فحسب، وإنما في مجال المشروعات المشتركة للإبداع وبراءات الاختراع، مما يعني أن الهند يمكن أن تكون حاضنة للبحوث المشتركة وأنشطة التنمية الموجهة لصالح دول الخليج، التي يمكنها أن تساهم كشريك في تطوير نظم البحث والتطوير الهندية. وتقوم الهند بتحركات كبيرة لإنشاء منشآت وتجهيزات تتيح الحصول على موارد البحث والتطوير من مصادر خارجية متطورة، وبخاصة في قطاعات مثل تقنية المعلومات والاتصالات والصناعات الدوائية. وتتطلب هذه المشروعات استثمارات ضخمة يمكن لدول الخليج أن تساهم فيها، على أن تعود الفوائد بالمنفعة على الطرفين. ويمكن وضع تصور لهذه المشروعات مع الهند على المستويين الثنائي والجماعي في إطار مجلس التعاون الخليجي. ويمكن لهذه المبادرات التعاونية أن تساهم في صياغة علاقات في مجالات البحوث والتطوير، ليس بين مختبرات البحوث فقط، وإنما بين شركات القطاع الخاص، وبذلك يتم ربط المنطقة مع شبكات البحث والتطوير العالمية. ويمكن الإشارة هنا إلى دول الخليج والهند، بوصفهما مركزين لحضارات عريقة يملكان تقاليد راسخة في مجال المعرفة، التي تحتاج إلى توثيق باستخدام المناهج المعاصرة. إن هذا العمل سوف يثري المعرفة على النطاق العالمي، ويساعد على استعادة الثقة، وهو أمر لا يتحقق عبر الاستمرار في تمجيد الماضي العريق، وإنما يتم عن طريق توثيق صلة هذه المعرفة بالزمان الحاضر والمكان المعاصر.

::/fulltext::
::cck::3270::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *