الاندماج الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي والعملة الموحدة

::cck::3286::/cck::
::introtext::

في الأول من يناير عام 2003 تم الإعلان عن قيام الاتحاد الجمركي بين دول مجلس التعاون الخليجي الست. ويُعد قيام هذا الاتحاد هو الخطوة الثانية في مسيرة التكامل الاقتصادي لدول المجلس، وذلك بعد إقامة منطقة التجارة الحرة بين دول المجلس، وذلك في مارس عام 1983. ووفقاً للبرنامج الزمني الذي وضعه المجلس الأعلى لدول المجلس لتحقيق التكامل الاقتصادي، فقد تقررت إقامة السوق الخليجية المشتركة بحلول عام 2007، ثم الاتحاد النقدي والعملة الخليجية الموحدة بحلول عام 2010.

::/introtext::
::fulltext::

في الأول من يناير عام 2003 تم الإعلان عن قيام الاتحاد الجمركي بين دول مجلس التعاون الخليجي الست. ويُعد قيام هذا الاتحاد هو الخطوة الثانية في مسيرة التكامل الاقتصادي لدول المجلس، وذلك بعد إقامة منطقة التجارة الحرة بين دول المجلس، وذلك في مارس عام 1983. ووفقاً للبرنامج الزمني الذي وضعه المجلس الأعلى لدول المجلس لتحقيق التكامل الاقتصادي، فقد تقررت إقامة السوق الخليجية المشتركة بحلول عام 2007، ثم الاتحاد النقدي والعملة الخليجية الموحدة بحلول عام 2010.
وبوجه عام، يقصد بمفهوم التكامل الاقتصادي هو تلك العملية التي تتضمن إزالة العقبات كافة، التي من شأنها اعتراض مسيرة التجارة القائمة بين مجموعة الدول الأعضاء في مشروع التكامل الاقتصادي، وكذلك العقبات التي تعوق انسياب وحركة رأس المال وانتقال العمالة والسلع بين الدول الأعضاء. أما عملية الوحدة الاقتصادية فهي تلك العملية التي تنطوي على توحيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتجارية والنقدية كافة، وكذلك سياسات التوزيع بين الدول المعنية، بحيث يفترض أن يكون هناك بنك مركزي واحد وعملة موحدة، وهو ما يتطلب إنشاء نوع من المؤسسات فوق الدولية، بحيث تكون وظيفتها إصدار قرارات ملزمة للدول المعنية كافة في هذا المجال. وفي هذا السياق تعد الوحدة الاقتصادية هي آخر مراحل عملية التكامل أو الاندماج الاقتصادي التي تبدأ بمنطقة تجارة حرة، ثم الاتحاد الجمركي، ثم السوق المشتركة، وأخيراً، الاتحاد النقدي.
وتطرح عملية الاندماج الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي مجموعتين من التساؤلات، تتعلق المجموعة الأولى بواقع هذا التكامل الاقتصادي للدول الخليجية من حيث التعرف إلى أهم إنجازات التكامل الاقتصادي لدول المجلس، وأيضاً أهم العقبات التي تقف حائلاً أمام تحقيق الاندماج الاقتصادي لدول المجلس، وسبل مواجهتها استناداً إلى الخبرات الدولية ذات الشأن. أما المجموعة الثانية من التساؤلات فتتعلق بمستقبل عملية الوحدة الاقتصادية لدول المجلس وبوجه خاص العملة الخليجية الموحدة التي أثير بشأنها قدر من الجدل حول مدى إمكانية التوصل إليها، وكذلك تأثيرها في الاقتصادات الخليجية، وتدور تلك التساؤلات حول طبيعة المكاسب التي يمكن لدول المجلس أن تجنيها في سياق اتخاذها عملة موحدة، وكذلك طبيعة المعضلات التي قد تحد من قدرة دول المجلس على تحقيق الاستفادة القصوى من تبني عملة موحدة وسبل مواجهتها.
وفي واقع الأمر، تتبدى أهمية مناقشة هذا الأمر في سياق التحولات الإقليمية والعالمية التي تشهدها البيئة الأمنية في الآونة الأخيرة، وهو ما تتطلبه من وجود قدر أكبر من الاندماج الاقتصادي لتحقيق قدر أكبر من المكاسب في هذا الصدد. فوفقاً لأحكام منظمة التجارة العالمية، فإنه ينظر لمجموعة الدول المندمجة اقتصادياً في أي من أشكال التكامل الاقتصادي، سالفة الذكر، كوحدة واحدة. وعلى هذا الأساس تستثنى تلك المجموعة الاقتصادية من تطبيق شرط الدولة الأولى بالرعاية.
وبتتبع مسيرة التكامل الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي الست، نجد أنه في نوفمبر عام 1981 وقعت دول مجلس التعاون الخليجي الست على (الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول المجلس)، وذلك بعد ستة أشهر من إنشاء المجلس ذاته، وفى 10 مارس من العام التالي دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ. وقد أرست الاتفاقية الاقتصادية الموحدة قواعد العلاقات الاقتصادية بين هذه الدول، وبموجبها تم إنشاء منطقة للتجارة الحرة بين هذه الدول وذلك في مارس عام 1983. وبموجب الأخيرة أيضاً تم الاتفاق على إلغاء القيود الجمركية على حركة التجارة الحرة بين الدول الأعضاء بشكل تدريجي مع حق دول المجلس في الاحتفاظ بتعريفاتها الجمركية إزاء الدول الأخرى، ويتمثل الهدف من وضع هذه التعرفة في إيجاد حماية للمنتجات الوطنية. وبقيام الاتحاد الجمركي بين دول المجلس، فهذا يعني حق الأخيرة في فرض ضريبة موحدة ضد المنتجات والسلع الأجنبية.
وفي الواقع شكل دخول تلك الاتفاقية حيز التنفيذ، الخطوة الأولى نحو الوصول لمرحلة التكامل الاقتصادي بين دول المجلس، إذ نصت المادة العاشرة منها على أن تعمل الدول الأعضاء على تحقيق التنسيق والتجانس بين خططها الإنمائية بغية تحقيق التكامل بين اقتصاداتها، كما رسمت الاتفاقية خريطة طريق وصولاً لمرحلة الوحدة الاقتصادية بين دول المجلس وذلك من خلال البدء بمنطقة تجارة حرة بين دول المجلس، مروراً بقيام اتحاد جمركي وإقامة سوق خليجية مشتركة وصولاً إلى إقامة اتحاد نقدي وعملة خليجية موحدة. وبوجه عام، فقد أسهمت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في تحقيق بعض النتائج الإيجابية التي تمثلت في إلغاء الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية والحيوانية ومنتجات الثروات الطبيعية والمنتجات الصناعية ذات المنشأ الوطني اعتباراً من مارس عام 1983، وكذلك توحيد المواقف بين الشركاء الخليجيين على المستوى الدولي وفي مواجهة الشركاء التجاريين، فقد أقرت الاتفاقية حدوداً دنيا للتعريفة الجمركية بلغت 4 في المائة، كما نصت الاتفاقية على إعطاء الأولوية للاتفاقية في مواجهة القوانين الوضعية المطبقة من قبل دول المجلس. والأهم من ذلك ما نصت عليه الاتفاقية من استحداث آلية لتسوية المنازعات بين دول المجلس. وتتمثل أهم الأحكام الموضوعية للاتفاقية في التنسيق الإنمائي بين الدول الأعضاء، وتشجيع التبادل التجاري بين الدول الأعضاء، وإعفاء المنتجات ذات المنشأ الوطني من الرسوم الجمركية، وحرية انتقال الأموال والأفراد بين دول المجلس، والتنسيق الصناعي بين دول المجلس، والسياسات الاستثمارية المشتركة، وتشجيع المشروعات المشتركة في المجالات كافة، وتنسيق السياسات المالية والنقدية والمصرفية. وفي هذا السياق، فقد أقر المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون في عام 1988 نظاماً موحداً لحماية المنتجات الصناعية ذات المنشأ الوطني وذلك بغية تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المحلية، وتشجيع الصناعات الوطنية الناشئة لاكتساب الخبرة والمهارات الفنية والإدارية، هذا إلى جانب زيادة معدلات التجارة في مجال المنتجات الصناعية، بالإضافة إلى توجيه الاستثمارات والمواد الأولية نحو منتجات صناعية تتفق وأولويات برامج التصنيع المحلية والتكاملية.
وقد هدفت دول المجلس من قيام الاتحاد الجمركي فيما بينها إلى تحقيق نتائج عدة تمثلت في الرغبة في تحقيق التنمية الاقتصادية لدول المجلس، وخفض تكاليف الإنتاج اعتماداً على وفورات الكم الكبير، وكذلك زيادة حجم الاستثمارات داخل دول المجلس، بالإضافة إلى وضع برنامج لحسن توزيع تلك الاستثمارات.
وبوجه عام، فإن هناك مجموعة من المقومات التي يمكن أن نطلق عليها مقومات إيجابية لنجاح عملية التكامل الاقتصادي لدول المجلس تتمثل في أن الدول الأعضاء تضم شعوباً متجانسةً لم تفرق بينها من الناحية العلمية حدود فاصلةُ، كما تجمع شعوب الدول الست وحدة الأصل والتاريخ وتشابه الظروف المناخية، وتمر تقريباً تلك الدول بمراحل متشابهة في نموها الاقتصادي، بالإضافة إلى تشابه هياكلها الإنتاجية، إذ تتسم بأنها دولُ أحادية الإنتاج تعتمد على إنتاج سلعة واحدة وهي النفط. يضاف إلى ذلك أن العدد الصغير من الدول يضمن نجاح التكتل الاقتصادي.
ومن أهم مزايا التكامل الاقتصادي بين دول المجلس هو أنه من شأنه تخفيف حدة المنافسة بين دول المجلس، إضافة إلى ترشيد استخدام عوامل الإنتاج، وكذلك التنسيق في إقامة المشروعات. بالإضافة إلى أن هذا التكامل الاقتصادي للدول الخليجية ضرورة تفرضها التطورات الإقليمية والعالمية في عصر العولمة، ومما يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد أنه يمكن للمشروعات الخليجية المشتركة الاستفادة من وجود الأسواق العربية الكبيرة، وأخيراً فهو أسهل وسيلة لزيادة القدرة التفاوضية لدول التكتل في مواجهة الأطراف الخارجية.
ورغم توافر المقومات الإيجابية سالفة الذكر، ووجود مزايا عدة للعملية التكاملية، إلا أن النظر إلى طبيعة العملية التكاملية لدول مجلس التعاون يكشف أنها تمر ببطء شديد، فقد استغرق الأمر عشرين عاماً للانتقال للاتحاد الجمركي، وهو ما يمكن أن يجد له تفسيراً بأن الدول الخليجية تخشى من الانتقاص من السيادة الوطنية كنتيجة لعملية التكامل الاقتصادي. وعلى هذا الأساس لا يمكن الفصل بين الأبعاد السياسية والاقتصادية للعملية التكاملية، فالدول الخليجية عليها أولاً حل مشكلاتها السياسية، ومشكلات الحدود، وهو الأمر الذي من شأنه دفع علمية التكامل الاقتصادي. ومن ثم فهناك حاجة لنظام أمني جماعي خليجي يكفل تثبيت الحدود السياسية، ويوفر آلية لحل المنازعات مما يمهد المسيرة في طريق التكامل الاقتصادي.
يضاف إلى ذلك أن هناك مجموعة من المشكلات التي تحتاج دول المجلس لمواجهتها أولاً، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والعالمية، ومن أهم تلك المشكلات أن الهياكل الإنتاجية لدول المجلس تتسم بأنها متنافسة وليست متكاملة، إذ تتسم الدول الخليجية بأنها متنافسة في إنتاج سلعة واحدة هي النفط، وذات طبيعة أولية، مما يؤدي إلى تشابه الهياكل الإنتاجية، الأمر الذي أسهم في محدودية التبادل التجاري بين دول المجلس، كما أن محدودية عدد سكان دول المجلس من شأنها أن تضعف السوق المحلية، بالإضافة أن الدول الخليجية تفتقر لقاعدة صناعية إنتاجية قوية، وفي ما يتعلق بصناعة البتروكيماويات، فإن أسواقها الرئيسية تقع خارج المنطقة الخليجية. ومن ثم فإن الدول الخليجية عليها تنويع هياكلها الإنتاجية بحيث تكون محلاً للتبادل التجاري.
وفي ما يتعلق بالعملة الخليجية الموحدة، فقد نصت المادة (22) من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة على (أن الدول الأعضاء ستعمل على تنسيق سياستها المالية والنقدية والمصرفية وتعزيز التعاون بين مؤسساتها النقدية ومصارفها المركزية بما فيها السعي لتوحيد العملة بهدف تعزيز التكامل الاقتصادي). ويتطلب تحقيق الاتحاد النقدي بين دول المجلس إحراز مستوى عال من التقارب بين الدول الأعضاء في السياسات الاقتصادية كافة، خاصة السياسات المالية والنقدية، ووضع المعايير الملائمة التي من شأنها تقريب معدلات الأداء الاقتصادي لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي.
وبوجه عام، فهناك تقارب بين سياسات سعر الصرف التي تتبناها الدول الست وذلك في ما يخص عملاتها الوطنية، إذ ترتبط غالبية عملات تلك الدول بالدولار. ومن أهم مزايا تبني الدول الخليجية لعملة موحدة، كما تشير التقارير المتخصصة، التخلص من أعباء الصرف التي تتحملها الشركات الخليجية في صفقاتها البينية، وكذلك إزالة أي غموض في ما يتعلق باحتمالات تقلب أسعار الصرف، الأمر الذي من شأنه نمو القطاعات الاقتصادية غير النفطية، كما يسهم في إزالة الغموض في ما يتعلق بأسعار الصرف. بالإضافة إلى وجود بعض المزايا التي تتمتع به الدول الخليجية والتي من شأنها جعل سلبيات أو مضار تبني عملية موحدة أقل ما يكون، ومن تلك المزايا أن الدول الخليجية لم تلجأ إلا في القليل النادر لتعديل سعر صرف عملتها وهو ما يجعل اللجوء إلى هذا البديل محدوداً في المستقبل، كما أن هناك تشابهاً بين الاقتصادات الخليجية مما يعني أن الصدمات التي ستواجهها الدول الخليجية ستكون ذات طبيعة مشتركة، كما أن مرونة سوق العمل في دول المجلس والاعتماد على العمالة الوافدة يجعلان هناك سهولة في التكيف مع الصدمات من دون الحاجة إلى إحداث تغيرات في أسعار الصرف. والأهم من ذلك أن دول المجلس تملك أصولاً أجنبية ضخمة تجعل بديل اللجوء لطباعة نقود احتمالاً ضئيلاً. ومن ثم فإن من شأن هذه المزايا زيادة المبادلات التجارية والاستثمارية بين دول المجلس في المدى البعيد، خاصة عندما تتعزز بجهد تكاملي اقتصادي وسياسي أوسع.
ومع هذا، فإن هناك بعض العقبات التي لا تزال تواجه دول المجلس في سبيل تبني عملة موحدة منها أن جني منافع من هذا الأمر يرتبط بعدد عمليات الصرف وأهميتها، وكذلك حجم التجارة البينية بين دول المجلس التي تتسم بالمحدودية الشديدة. بالإضافة إلى بعض المعضلات التي قد تؤثر في هذا الصدد، ومن أهمها ما يمكن أن نشير إليه بتعبير (عدوى الأزمات) أو (عدوى الانتشار) فأي اختلالات في الاقتصاد الكلي لأية دولة ما ستؤثر في الدول الأخرى، كما قد تؤدي المصاعب المالية لدولة ما إلى حدوث انهيار عام في الثقة إزاء ترتيبات الصرف، مما قد يؤثر في السيولة وأسعار الفائدة في الدول الأخرى، كما أنه لن يكون بمقدور أية دولة اللجوء إلى البديل الخاص بطباعة نقود لمواجهة أي أزمة في الوضع المالي للبلد المعني، يضاف إلى ذلك أن كل دولة ستضطر إلى التخلي عن حرية إحداث أي تغيير في سعر صرف عملتها في ضوء أي أزمات مالية قد تضطر بها لإحداث تعديل في القيمة الاسمية لعملتها، لكن مع تبني عملة موحدة لن يكون بمقدور تلك الدولة اتخاذ هذا القرار.
وعلى هذا الأساس، وفي سياق ما يمكن أن تجنيه دول المجلس من مكاسب من وراء توحيد عملتها وفي سياق المعضلات التي تواجهها الدول الخليجية في هذا الصدد، وفي ضوء الفترة الزمنية المتاحة أمام الدول الخليجية لترتيب أوضاعها في هذا الصدد، فإن جني مكاسب التكامل الاقتصادي والعملة الموحدة يتطلب من الدول الخليجية العمل على تكامل اقتصاداتها، والعمل أيضاً على زيادة التجارة والاستثمارات البينية، فرغم محدودية حجم التجارة البينية إلا أن المكاسب التي قد تتحقق في التعامل مع العالم الخارجي بعملة موحدة أمر جيد، ومع تزايد حجم التجارة البينية ستزداد المكاسب المتوقعة، مما يتطلب ضرورة التنسيق الكامل في السياسة النقدية والتجارية وتوفير الخبرات المطلوبة لها. ومن ثم فعلى الدول الخليجية النظر في إمكانية طرح مبادرات لتوحيد النظم الضريبية وأسواق العمل وسياسات القطاعات المالية وتجنب التعرض لاختلالات الاقتصاد الكلي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3286::/cck::
::introtext::

في الأول من يناير عام 2003 تم الإعلان عن قيام الاتحاد الجمركي بين دول مجلس التعاون الخليجي الست. ويُعد قيام هذا الاتحاد هو الخطوة الثانية في مسيرة التكامل الاقتصادي لدول المجلس، وذلك بعد إقامة منطقة التجارة الحرة بين دول المجلس، وذلك في مارس عام 1983. ووفقاً للبرنامج الزمني الذي وضعه المجلس الأعلى لدول المجلس لتحقيق التكامل الاقتصادي، فقد تقررت إقامة السوق الخليجية المشتركة بحلول عام 2007، ثم الاتحاد النقدي والعملة الخليجية الموحدة بحلول عام 2010.

::/introtext::
::fulltext::

في الأول من يناير عام 2003 تم الإعلان عن قيام الاتحاد الجمركي بين دول مجلس التعاون الخليجي الست. ويُعد قيام هذا الاتحاد هو الخطوة الثانية في مسيرة التكامل الاقتصادي لدول المجلس، وذلك بعد إقامة منطقة التجارة الحرة بين دول المجلس، وذلك في مارس عام 1983. ووفقاً للبرنامج الزمني الذي وضعه المجلس الأعلى لدول المجلس لتحقيق التكامل الاقتصادي، فقد تقررت إقامة السوق الخليجية المشتركة بحلول عام 2007، ثم الاتحاد النقدي والعملة الخليجية الموحدة بحلول عام 2010.
وبوجه عام، يقصد بمفهوم التكامل الاقتصادي هو تلك العملية التي تتضمن إزالة العقبات كافة، التي من شأنها اعتراض مسيرة التجارة القائمة بين مجموعة الدول الأعضاء في مشروع التكامل الاقتصادي، وكذلك العقبات التي تعوق انسياب وحركة رأس المال وانتقال العمالة والسلع بين الدول الأعضاء. أما عملية الوحدة الاقتصادية فهي تلك العملية التي تنطوي على توحيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتجارية والنقدية كافة، وكذلك سياسات التوزيع بين الدول المعنية، بحيث يفترض أن يكون هناك بنك مركزي واحد وعملة موحدة، وهو ما يتطلب إنشاء نوع من المؤسسات فوق الدولية، بحيث تكون وظيفتها إصدار قرارات ملزمة للدول المعنية كافة في هذا المجال. وفي هذا السياق تعد الوحدة الاقتصادية هي آخر مراحل عملية التكامل أو الاندماج الاقتصادي التي تبدأ بمنطقة تجارة حرة، ثم الاتحاد الجمركي، ثم السوق المشتركة، وأخيراً، الاتحاد النقدي.
وتطرح عملية الاندماج الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي مجموعتين من التساؤلات، تتعلق المجموعة الأولى بواقع هذا التكامل الاقتصادي للدول الخليجية من حيث التعرف إلى أهم إنجازات التكامل الاقتصادي لدول المجلس، وأيضاً أهم العقبات التي تقف حائلاً أمام تحقيق الاندماج الاقتصادي لدول المجلس، وسبل مواجهتها استناداً إلى الخبرات الدولية ذات الشأن. أما المجموعة الثانية من التساؤلات فتتعلق بمستقبل عملية الوحدة الاقتصادية لدول المجلس وبوجه خاص العملة الخليجية الموحدة التي أثير بشأنها قدر من الجدل حول مدى إمكانية التوصل إليها، وكذلك تأثيرها في الاقتصادات الخليجية، وتدور تلك التساؤلات حول طبيعة المكاسب التي يمكن لدول المجلس أن تجنيها في سياق اتخاذها عملة موحدة، وكذلك طبيعة المعضلات التي قد تحد من قدرة دول المجلس على تحقيق الاستفادة القصوى من تبني عملة موحدة وسبل مواجهتها.
وفي واقع الأمر، تتبدى أهمية مناقشة هذا الأمر في سياق التحولات الإقليمية والعالمية التي تشهدها البيئة الأمنية في الآونة الأخيرة، وهو ما تتطلبه من وجود قدر أكبر من الاندماج الاقتصادي لتحقيق قدر أكبر من المكاسب في هذا الصدد. فوفقاً لأحكام منظمة التجارة العالمية، فإنه ينظر لمجموعة الدول المندمجة اقتصادياً في أي من أشكال التكامل الاقتصادي، سالفة الذكر، كوحدة واحدة. وعلى هذا الأساس تستثنى تلك المجموعة الاقتصادية من تطبيق شرط الدولة الأولى بالرعاية.
وبتتبع مسيرة التكامل الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي الست، نجد أنه في نوفمبر عام 1981 وقعت دول مجلس التعاون الخليجي الست على (الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول المجلس)، وذلك بعد ستة أشهر من إنشاء المجلس ذاته، وفى 10 مارس من العام التالي دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ. وقد أرست الاتفاقية الاقتصادية الموحدة قواعد العلاقات الاقتصادية بين هذه الدول، وبموجبها تم إنشاء منطقة للتجارة الحرة بين هذه الدول وذلك في مارس عام 1983. وبموجب الأخيرة أيضاً تم الاتفاق على إلغاء القيود الجمركية على حركة التجارة الحرة بين الدول الأعضاء بشكل تدريجي مع حق دول المجلس في الاحتفاظ بتعريفاتها الجمركية إزاء الدول الأخرى، ويتمثل الهدف من وضع هذه التعرفة في إيجاد حماية للمنتجات الوطنية. وبقيام الاتحاد الجمركي بين دول المجلس، فهذا يعني حق الأخيرة في فرض ضريبة موحدة ضد المنتجات والسلع الأجنبية.
وفي الواقع شكل دخول تلك الاتفاقية حيز التنفيذ، الخطوة الأولى نحو الوصول لمرحلة التكامل الاقتصادي بين دول المجلس، إذ نصت المادة العاشرة منها على أن تعمل الدول الأعضاء على تحقيق التنسيق والتجانس بين خططها الإنمائية بغية تحقيق التكامل بين اقتصاداتها، كما رسمت الاتفاقية خريطة طريق وصولاً لمرحلة الوحدة الاقتصادية بين دول المجلس وذلك من خلال البدء بمنطقة تجارة حرة بين دول المجلس، مروراً بقيام اتحاد جمركي وإقامة سوق خليجية مشتركة وصولاً إلى إقامة اتحاد نقدي وعملة خليجية موحدة. وبوجه عام، فقد أسهمت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في تحقيق بعض النتائج الإيجابية التي تمثلت في إلغاء الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية والحيوانية ومنتجات الثروات الطبيعية والمنتجات الصناعية ذات المنشأ الوطني اعتباراً من مارس عام 1983، وكذلك توحيد المواقف بين الشركاء الخليجيين على المستوى الدولي وفي مواجهة الشركاء التجاريين، فقد أقرت الاتفاقية حدوداً دنيا للتعريفة الجمركية بلغت 4 في المائة، كما نصت الاتفاقية على إعطاء الأولوية للاتفاقية في مواجهة القوانين الوضعية المطبقة من قبل دول المجلس. والأهم من ذلك ما نصت عليه الاتفاقية من استحداث آلية لتسوية المنازعات بين دول المجلس. وتتمثل أهم الأحكام الموضوعية للاتفاقية في التنسيق الإنمائي بين الدول الأعضاء، وتشجيع التبادل التجاري بين الدول الأعضاء، وإعفاء المنتجات ذات المنشأ الوطني من الرسوم الجمركية، وحرية انتقال الأموال والأفراد بين دول المجلس، والتنسيق الصناعي بين دول المجلس، والسياسات الاستثمارية المشتركة، وتشجيع المشروعات المشتركة في المجالات كافة، وتنسيق السياسات المالية والنقدية والمصرفية. وفي هذا السياق، فقد أقر المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون في عام 1988 نظاماً موحداً لحماية المنتجات الصناعية ذات المنشأ الوطني وذلك بغية تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المحلية، وتشجيع الصناعات الوطنية الناشئة لاكتساب الخبرة والمهارات الفنية والإدارية، هذا إلى جانب زيادة معدلات التجارة في مجال المنتجات الصناعية، بالإضافة إلى توجيه الاستثمارات والمواد الأولية نحو منتجات صناعية تتفق وأولويات برامج التصنيع المحلية والتكاملية.
وقد هدفت دول المجلس من قيام الاتحاد الجمركي فيما بينها إلى تحقيق نتائج عدة تمثلت في الرغبة في تحقيق التنمية الاقتصادية لدول المجلس، وخفض تكاليف الإنتاج اعتماداً على وفورات الكم الكبير، وكذلك زيادة حجم الاستثمارات داخل دول المجلس، بالإضافة إلى وضع برنامج لحسن توزيع تلك الاستثمارات.
وبوجه عام، فإن هناك مجموعة من المقومات التي يمكن أن نطلق عليها مقومات إيجابية لنجاح عملية التكامل الاقتصادي لدول المجلس تتمثل في أن الدول الأعضاء تضم شعوباً متجانسةً لم تفرق بينها من الناحية العلمية حدود فاصلةُ، كما تجمع شعوب الدول الست وحدة الأصل والتاريخ وتشابه الظروف المناخية، وتمر تقريباً تلك الدول بمراحل متشابهة في نموها الاقتصادي، بالإضافة إلى تشابه هياكلها الإنتاجية، إذ تتسم بأنها دولُ أحادية الإنتاج تعتمد على إنتاج سلعة واحدة وهي النفط. يضاف إلى ذلك أن العدد الصغير من الدول يضمن نجاح التكتل الاقتصادي.
ومن أهم مزايا التكامل الاقتصادي بين دول المجلس هو أنه من شأنه تخفيف حدة المنافسة بين دول المجلس، إضافة إلى ترشيد استخدام عوامل الإنتاج، وكذلك التنسيق في إقامة المشروعات. بالإضافة إلى أن هذا التكامل الاقتصادي للدول الخليجية ضرورة تفرضها التطورات الإقليمية والعالمية في عصر العولمة، ومما يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد أنه يمكن للمشروعات الخليجية المشتركة الاستفادة من وجود الأسواق العربية الكبيرة، وأخيراً فهو أسهل وسيلة لزيادة القدرة التفاوضية لدول التكتل في مواجهة الأطراف الخارجية.
ورغم توافر المقومات الإيجابية سالفة الذكر، ووجود مزايا عدة للعملية التكاملية، إلا أن النظر إلى طبيعة العملية التكاملية لدول مجلس التعاون يكشف أنها تمر ببطء شديد، فقد استغرق الأمر عشرين عاماً للانتقال للاتحاد الجمركي، وهو ما يمكن أن يجد له تفسيراً بأن الدول الخليجية تخشى من الانتقاص من السيادة الوطنية كنتيجة لعملية التكامل الاقتصادي. وعلى هذا الأساس لا يمكن الفصل بين الأبعاد السياسية والاقتصادية للعملية التكاملية، فالدول الخليجية عليها أولاً حل مشكلاتها السياسية، ومشكلات الحدود، وهو الأمر الذي من شأنه دفع علمية التكامل الاقتصادي. ومن ثم فهناك حاجة لنظام أمني جماعي خليجي يكفل تثبيت الحدود السياسية، ويوفر آلية لحل المنازعات مما يمهد المسيرة في طريق التكامل الاقتصادي.
يضاف إلى ذلك أن هناك مجموعة من المشكلات التي تحتاج دول المجلس لمواجهتها أولاً، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والعالمية، ومن أهم تلك المشكلات أن الهياكل الإنتاجية لدول المجلس تتسم بأنها متنافسة وليست متكاملة، إذ تتسم الدول الخليجية بأنها متنافسة في إنتاج سلعة واحدة هي النفط، وذات طبيعة أولية، مما يؤدي إلى تشابه الهياكل الإنتاجية، الأمر الذي أسهم في محدودية التبادل التجاري بين دول المجلس، كما أن محدودية عدد سكان دول المجلس من شأنها أن تضعف السوق المحلية، بالإضافة أن الدول الخليجية تفتقر لقاعدة صناعية إنتاجية قوية، وفي ما يتعلق بصناعة البتروكيماويات، فإن أسواقها الرئيسية تقع خارج المنطقة الخليجية. ومن ثم فإن الدول الخليجية عليها تنويع هياكلها الإنتاجية بحيث تكون محلاً للتبادل التجاري.
وفي ما يتعلق بالعملة الخليجية الموحدة، فقد نصت المادة (22) من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة على (أن الدول الأعضاء ستعمل على تنسيق سياستها المالية والنقدية والمصرفية وتعزيز التعاون بين مؤسساتها النقدية ومصارفها المركزية بما فيها السعي لتوحيد العملة بهدف تعزيز التكامل الاقتصادي). ويتطلب تحقيق الاتحاد النقدي بين دول المجلس إحراز مستوى عال من التقارب بين الدول الأعضاء في السياسات الاقتصادية كافة، خاصة السياسات المالية والنقدية، ووضع المعايير الملائمة التي من شأنها تقريب معدلات الأداء الاقتصادي لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي.
وبوجه عام، فهناك تقارب بين سياسات سعر الصرف التي تتبناها الدول الست وذلك في ما يخص عملاتها الوطنية، إذ ترتبط غالبية عملات تلك الدول بالدولار. ومن أهم مزايا تبني الدول الخليجية لعملة موحدة، كما تشير التقارير المتخصصة، التخلص من أعباء الصرف التي تتحملها الشركات الخليجية في صفقاتها البينية، وكذلك إزالة أي غموض في ما يتعلق باحتمالات تقلب أسعار الصرف، الأمر الذي من شأنه نمو القطاعات الاقتصادية غير النفطية، كما يسهم في إزالة الغموض في ما يتعلق بأسعار الصرف. بالإضافة إلى وجود بعض المزايا التي تتمتع به الدول الخليجية والتي من شأنها جعل سلبيات أو مضار تبني عملية موحدة أقل ما يكون، ومن تلك المزايا أن الدول الخليجية لم تلجأ إلا في القليل النادر لتعديل سعر صرف عملتها وهو ما يجعل اللجوء إلى هذا البديل محدوداً في المستقبل، كما أن هناك تشابهاً بين الاقتصادات الخليجية مما يعني أن الصدمات التي ستواجهها الدول الخليجية ستكون ذات طبيعة مشتركة، كما أن مرونة سوق العمل في دول المجلس والاعتماد على العمالة الوافدة يجعلان هناك سهولة في التكيف مع الصدمات من دون الحاجة إلى إحداث تغيرات في أسعار الصرف. والأهم من ذلك أن دول المجلس تملك أصولاً أجنبية ضخمة تجعل بديل اللجوء لطباعة نقود احتمالاً ضئيلاً. ومن ثم فإن من شأن هذه المزايا زيادة المبادلات التجارية والاستثمارية بين دول المجلس في المدى البعيد، خاصة عندما تتعزز بجهد تكاملي اقتصادي وسياسي أوسع.
ومع هذا، فإن هناك بعض العقبات التي لا تزال تواجه دول المجلس في سبيل تبني عملة موحدة منها أن جني منافع من هذا الأمر يرتبط بعدد عمليات الصرف وأهميتها، وكذلك حجم التجارة البينية بين دول المجلس التي تتسم بالمحدودية الشديدة. بالإضافة إلى بعض المعضلات التي قد تؤثر في هذا الصدد، ومن أهمها ما يمكن أن نشير إليه بتعبير (عدوى الأزمات) أو (عدوى الانتشار) فأي اختلالات في الاقتصاد الكلي لأية دولة ما ستؤثر في الدول الأخرى، كما قد تؤدي المصاعب المالية لدولة ما إلى حدوث انهيار عام في الثقة إزاء ترتيبات الصرف، مما قد يؤثر في السيولة وأسعار الفائدة في الدول الأخرى، كما أنه لن يكون بمقدور أية دولة اللجوء إلى البديل الخاص بطباعة نقود لمواجهة أي أزمة في الوضع المالي للبلد المعني، يضاف إلى ذلك أن كل دولة ستضطر إلى التخلي عن حرية إحداث أي تغيير في سعر صرف عملتها في ضوء أي أزمات مالية قد تضطر بها لإحداث تعديل في القيمة الاسمية لعملتها، لكن مع تبني عملة موحدة لن يكون بمقدور تلك الدولة اتخاذ هذا القرار.
وعلى هذا الأساس، وفي سياق ما يمكن أن تجنيه دول المجلس من مكاسب من وراء توحيد عملتها وفي سياق المعضلات التي تواجهها الدول الخليجية في هذا الصدد، وفي ضوء الفترة الزمنية المتاحة أمام الدول الخليجية لترتيب أوضاعها في هذا الصدد، فإن جني مكاسب التكامل الاقتصادي والعملة الموحدة يتطلب من الدول الخليجية العمل على تكامل اقتصاداتها، والعمل أيضاً على زيادة التجارة والاستثمارات البينية، فرغم محدودية حجم التجارة البينية إلا أن المكاسب التي قد تتحقق في التعامل مع العالم الخارجي بعملة موحدة أمر جيد، ومع تزايد حجم التجارة البينية ستزداد المكاسب المتوقعة، مما يتطلب ضرورة التنسيق الكامل في السياسة النقدية والتجارية وتوفير الخبرات المطلوبة لها. ومن ثم فعلى الدول الخليجية النظر في إمكانية طرح مبادرات لتوحيد النظم الضريبية وأسواق العمل وسياسات القطاعات المالية وتجنب التعرض لاختلالات الاقتصاد الكلي.

::/fulltext::
::cck::3286::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *