“فرق بين الشيعة والسنة تسد”

::cck::3327::/cck::
::introtext::

أخيراً عاد الاستعمار إلى الشرق الأوسط وهو لم يغب عنه منذ الحرب العالمية الأولى إما بطريقة مباشرة من خلال الاحتلال المباشر للقوى الاستعمارية الأوروبية لبلدان ومناطق شاسعة في الشرق الأوسط أو بطريقة غير مباشرة من خلال تنصيب حكام موالين لهذه القوى الاستعمارية في بعض بلدان الشرق الأوسط بعد اضطرار هذه القوى للانسحاب رسمياً من هذه المستعمرات بسبب تنامي روح الوطنية المناهضة للاستعمار فيها وظهور الحرب الباردة ونظام القطبين بعد الحرب العالمية الثانية.

::/introtext::
::fulltext::

أخيراً عاد الاستعمار إلى الشرق الأوسط وهو لم يغب عنه منذ الحرب العالمية الأولى إما بطريقة مباشرة من خلال الاحتلال المباشر للقوى الاستعمارية الأوروبية لبلدان ومناطق شاسعة في الشرق الأوسط أو بطريقة غير مباشرة من خلال تنصيب حكام موالين لهذه القوى الاستعمارية في بعض بلدان الشرق الأوسط بعد اضطرار هذه القوى للانسحاب رسمياً من هذه المستعمرات بسبب تنامي روح الوطنية المناهضة للاستعمار فيها وظهور الحرب الباردة ونظام القطبين بعد الحرب العالمية الثانية.

نعم عاد الاستعمار إلى الشرق الأوسط ولكن بهوية جديدة ووجه جديد، إذ هو هذه المرة بالدرجة الأولى عبارة عن تحالف أمريكي-إسرائيلي حل محل الاستعمار الأوروبي السابق بدأ بتنفيذ مخططاته الاستعمارية منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر السوفييتي في نهاية ثمانينات القرن الماضي.

 

إنه استعمار جديد من حيث الهوية ولكنه قديم  من حيث السياسة والأهداف والأساليب،

فهو جديد لأنه استعمار إسرائيلي-أمريكي حل محل الاستعمار الأوروبي القديم في الشرق الأوسط، ولكنه قديم بحيث يدعي نشر الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط بينما كان الاستعمار القديم يدعي نشر الحضارة الأوروبية المتفوقة وسط الشعوب المتأخرة.

فهو قديم وجديد لادعائه مكافحة الإرهاب الإسلامي، ونجح في رسم صورة مشوهة للمسلمين في العالم كأمة همجية سافكة للدماء كحملة عنصرية على أساس ديني تمهيدا لغزو أراضيها، بينما كان سلفه أي الاستعمار الأوروبي القديم يصف الشعوب التي كان هذا الاستعمار يستعد لغزو أراضيها بشعوب بربرية نصف متوحشة لتبرئة جرائمها التي كان يخطط لها. ونجح الاستعمار القديم في تشويه صورة الشعوب الآسيوية والإفريقية كما نجح التحالف الصهيوني-الأمريكي  في تشويه سمعة المسلمين في العالم والا ماذا يفسر  تنامي ظاهرة التفرقة العنصرية ضد المسلمين في أوروبا وأمريكا؟

وهو أيضاً جديد وقديم لأن احتلال أراضي الشعوب يشكل جريمة بحق الإنسانية لها دوافع عنصرية إذ كان الاستعمار القديم يدعي تفوق الجنس الأبيض الأوروبي على الأجناس الأخرى، ولكن الاستعمار الجديد يعتمد على أيدولوجية الداروينية الاجتماعية أي البقاء هو للأقوى والأذكى. وفي نظر تابعي هذه النظرية نحن شعوب الشرق الأوسط ضعفاء وأغبياء وحتى جبناء لا نستحق العيش وثرواتنا الطبيعية هي ليست إلا هبة من الطبيعة توجد مصادفة في المكان غير الصحيح، لذا الاستلاء عليها له شرعيته. الفرق الوحيد  هنا بين الاستعمار القديم والجديد هو أن النفط حل محل الذهب والفضة والبهارات والأخشاب النادرة التي كان المستعمرون الأوروبيون يلهثون وراءها.

 هو استعمار قديم وجديد لأنه يجابه مقاومة الشعوب بكل أنواعه السلمية والمسلحة. فإن الإسرائيليين تعلموا درساً في فلسطين لم تكتمل فصوله بعد، والأمريكيون ومن وراءهم هم الآن دخلوا المرحلة الدراسية في العراق ليتعلموا بأن شعوب الشرق الأوسط ليسوا بشرا من الأغبياء ولا ضعفاء ولا هم بجبناء وهم كأي إنسان آخر في العالم فإن الحياة لا تعني بالنسبة لهم شيئاً تحت الاحتلال والعبودية ومن يسعى إلى استعبادنا عليه أن يقفز فوق أجسادنا.

وأخيراً فهو استعمار قديم وجديد لأنه يطبق نفس الأساليب للسيطرة على الشعوب المستعبدة وكسر شوكة مقاومتها ومن بين أكثر الأساليب انتشارا سياسة (فرق تسد).

فرق تغزو

فرق تسد

يبدو أن سياسة (فرق تسد) تأتي بعد مرحلة (فرق تغزو) لأن استعباد شعب ما والاستيلاء على أراضيه وثرواته يتطلبان أولاً إنهاك  قواه العسكرية والاقتصادية لغرض تسهيل العملية وتقليص تكاليفها. وهذا يتم عادة من خلال إثارة الفتنة الطائفية والتحريض على العنصرية ونشر روح الانتقام بين الطوائف والطبقات المكونة لهذا الشعب وإشعال حروب داخلية وخارجية تنتهي بإنهاك كافة الأطراف.

والعراق منذ تأسيسه في بداية العشرينات القرن الماضي وإلى الآن  يشكل مثالا ميدانيا لهذا السياسة الاستعمارية بحيث يمكن استنباط صحة نظرية فرق تغزو من هذا التجربة العراقية.

إن الاستعمار البريطاني في بداية تأسيسه لهذه الدولة اعتمد على الطائفية كما جاء من رسائل المسز بيل عميلة المخابرات البريطانية التي لعبت الدور الرئيسي في تأسيس الدولة العراقية ورسم حدودها الدولية بشكلها الحالي. هذا الأساس الطائفي وطريقة رسم الحدود ما كان إلا أن يؤدي إلى نشر الكراهية بين الطوائف الدينية والعرقية والمذهبية في العراق وإشعال حروب ونزاعات داخلية وخارجية مستمرة.

و فعلا نجحت سياسة (فرق تغزو) اذ انغمس العراق في حروب داخلية وخارجية مع بعض الدول الجوار لعدة عقود انهكت قواه العسكرية والاقتصادية وثم تم فيما بعد وكنتيجة لهذه الحروب فرض حصار على العراق كان هدفه الرئيسي إنهاك قوى الشعب العراقي من خلال الجوع والمرض لكسر شوكة المقاومة في روحه وتدجين الانسان العراقي للعيش في حياة العبودية، كما خططت لها و تمهيدا لتحقيق خطة غزو العراق الذي أجل بسبب الحرب الباردة وتم تطبيقها اخيرا عام 2003 لأن القوى الاستعمارية الطامعة في أرض وثروات العراق لم تكن تعتبر النظام العراقي السابق عرقلة في طريقها لان القدرة العسكرية لهذا النظام لم تكن في يوم من الأيام تشكل خطرا على تحقيق خطة غزو العراق من قبل أعظم قوة في العالم، بل خوف هؤلاء كان من الشعب العراقي العريق بحضارته وحبه للحرية والكرامة وكرهه للمحتل.

فالعراق هو ليس المثال الوحيد لسياسة (فرق تغزو) بل إن الإسرائيليين طبقوا هذه السياسة في لبنان منذ منتصف السبعينات القرن الماضي إلى أن قاموا بغزوها عام 1982 ليطردهم اللبنانيون فيما بعد شر طردة.

والآن بعد تطبيق سياسة (فرق تغزو) بنجاح في العراق، جاء دور سياسة (فرق تسد) لإدامة هذا الغزو والاستيلاء على ثروات العراق واستعباد شعبه بأقل التكاليف البشرية والمادية.

وسياسة فرق تسد هي ليست سياسة جديدة بل هي قديمة قدم السياسة نفسها، حيث طبقها السومريون والمصريون واليونانيون القدماء لتفكيك قوى أعدائهم  وتحييد هذه القوى من خلال توجيهها  داخلياً واحدة ضد الأخرى.

والاستعمار على شكله الحالي ومنذ نشوئه في بداية السبعينات من القرن التاسع عشر طبق هذا الاسلوب القديم في السياسة لنفس الأغراض والأهداف ومن أجل إضفاء الشرعية على احتلاله لبلد ما من خلال الظهور بمظهر الحكم المستقل الذي يفصل بين الأطراف المتنازعة في هذا البلد ويحافظ على الأمن والسلام. ويبدو أن هذه السياسة طبقت بنجاح في فترات معينة في التاريخ الاستعماري.

فمثلا سياسة فرق تسد هي السر وراء نجاح عدد قليل نسبياً من القوات البريطانية في الهيمنة على 300 مليون هندي لمدة أكثر من قرن من الزمن، حيث نجح البريطانيون حينها في إقناع الهنود بأن وجودهم في هذا البلد هو ضروري لمنع الحرب الأهلية بين المسلمين والهندوس وبهذا نجحوا بإضفاء نوع من الشرعية على وجودهم في الهند ولو لمدة محددة. وهناك من يدعي هذه الأيام أن وجوده ضروري في العراق لإنهاء العنف ومنع النزاعات الطائفية. فما أشبه اليوم بالأمس!

و كان للانكليز قبل الهند تجربة طويلة مع سياسة فرق تسد اذ طبقوها في ايرلندا منذ عام 1692 حينما أصدروا قوانين منحوا بموجبها امتيازات للطائفة البروتستانتية على حساب الطائفة الكاثوليكية، ثم استفادوا من الدورس المستخلصة من هذه التجارب خلال حقبتهم الاستعمارية في إفريقيا وآسيا الشرق الأوسط من خلال إثارتهم للخلافات الدينية والعرقية والمذهبية والقبلية في المناطق اللمحتلة  بحيث لم يكونوا بحاجة إلى بنادق للهيمنة على هذه الشعوب إلا نادرا ولا تزال هذه المناطق وإلى يومنا هذا تعاني من أثار سياسة فرق تسد هذه.

 

والاستعمار أينما وجد يتصرف حسب منهج علمي ومدروس يشترك في إدارته العلماء من شتى مجالات علم النفس وعلم الانسان والطب وكافة المجالات الأخرى المتعلقة بحياة الشعوب وعاداتها وتقاليدها لغرض تشخيص نقاط الضعف والحساسيات  في شخصية هذه الشعوب واستغلالها من أجل الوصول إلى الأهداف الاستعمارية. وإذا أخفقوا في تشخيص النقاط الضعف هذه قاموا بإيجادها بصورة اصطناعية. فمثلا عند فشل الاستعمار البلجيكي في تشخيص خلافات طائفية بين الهوتو والتوتسي في رواندا لغرض استغلالها، قاموا بإيجاد هذه الخلافات بصورة اصطناعية، حيث قاموا بإقناع طائفة التوتسي بأنهم متفوقون عرقياً على الهوتو بسبب كون التوتسي ينحدرون من أصل أثيوبي، ولذلك يحق لهم الحصول على امتيازات على حساب الهوتو، وفعلا منحت لهم هذه الامتيازات وكما قامت السلطات الاستعمارية البلجيكية في الوقت نفسه بإصدار هويات شخصية لمواطني رواندا يظهر عليها الانتماء الطائفي لحامليها. هذه الفتنة الطائفية التي أشعلها الاستعمار البلجيكي في رواندا انتهت بحرب الإبادة العرقية في رواندا فيما بعد.

سياسة فرق تسد أيضاً كانت تطبق حتى ضد شريحة من الناس، متساوون في الخصائص الرئيسية. فمثلا ضد طبقة العبيد التي يكون عادة أعضاؤها متساوين في وضعهم القانوني كعبيد مسلوبي الإرادة يتم التعامل معهم كأنهم بضائع وذلك عن طريق تفضيل بعضهم على البعض من خلال تشغيل قسم منهم في المزارع حيث الأشغال الشاقة وتشغيل الموالين جداً للسادة كخدم في بيوت هؤلاء السادة. هذه السياسة نفسها يطبقها الأمريكيون حاليا في العراق حيث يحصل المتعاونون مع الاحتلال الأمريكي على وظائف ومناصب مغرية في الدولة العراقية ويتم حرمان الآخرين الرافضين التعاون مع الاحتلال من مصادر الرزق أو حتى يجبروا على ترك العراق، وبما أن كل العراقيين متساوون الآن في وضعيتهم القانونية  كأعضاء لشعب مستعبد مسلوب الإرادة من قبل الاستعمار.

من أهم مكونات سياسة فرق تسد هو منح امتيازات لجماعة معينة على حساب جماعة أخرى وجعل الجماعة الأولى تعمل كل شيء من أجل الحفاظ على هذه الامتيازات بما فيها التعاون غير المشروط مع الاحتلال.

ولعل سياسة فرق تسد في منهجها وأساليبها وتطبيقها وجدواها في يومنا هذا يمكن دراستها على أحسن حال في الحالة العراقية.

هل ستنجح سياسة فرق تسد في العراق؟

سياسة فرق تسد في العراق كسياسة تستهدف إضعاف القوى الداخلية للعراقيين وتفكيك هذه القوى بشكل يتم تحييدها من خلال توجيهها باتجاهات مضادة تصطدم ببعضها البعض بدل أن تتحول إلى رزمة موحدة قوية يمكن أن توجه إلى الوجود الاستعماري في العراق وذلك لهدف جعل الطوائف العراقية المختلفة تتشكك ببعضها لمنعها من الاتحاد من أجل هدف واحد وهو تحرير البلاد من الاحتلال الأجنبي والعراقيين من العبودية والتبعية.

وعندما نتحدث عن الاستعمار في العراق يجب أن نمتلك الجرأة الكافية للاعتراف بأن العراق الحالي هو في الحقيقة ليس إلا مستعمرة أمريكية، والصهيونية العالمية هي أيضاً طرف في هذه الحملة الاستعمارية الجديدة.

وهذه الحملة الجديدة للاستعمار على العراق التي يحمل رايتها المحافظون الجدد لا تختلف من الناحية السياسية والعنصرية والاقتصادية والدينية شيئاً عن أي نوع آخر من الاستعمار سابقاً وحاضراً وبالرغم من قرارات مجلس الأمن كالقرار 1546 الذي يصف القوات الأجنبية في العراق بقوات متعددة الجنسيات تساعد العراقيين على استتباب الأمن لأن هذه القوات والسلطات الأمريكية والبريطانية تتحكم في الواقع بكل صغيرة وكبيرة في هذا البلد ولها السلطة والحصانة المطلقة لتفعل ما تشاء من أعمال قتل وتعذيب ودهم واختطاف وضد من يريد ومن دون حساب أو رقيب وهم الأسياد الحقيقيون في البلاد والهدف هو فرض إرادة الأجنبي على العراقيين عن طريق القوة تمهيدا لنهب ثرواته النفطية التي ستتحول إلى مادة شحيحة جداً في المستقبل القريب نظراً لزيادة الطلب عليه خاصة من الصين والدول الصناعية الحديثة الأخرى. إذاً ما تريده أمريكا من العراق ستنفذه في العقود المقبلة، ووجودها الحالي في العراق ليس إلا تمهيدا لتحقيق هذا الهدف.

فتم حاليا تقسيم العراقيين من قبل السلطات الاستعمارية إلى شرائح مختلفة حسب ولائهم للوجود الأجنبي في العراق. فالموالون لهذا الوجود تتم مكافأتهم بشتى الوسائل فالمعارضون يكون نصيبهم الاغتيالات والاعتقالات أو في أحسن الأحوال إجبارهم على التهجير من بلدهم لفسح المجال أمام العملاء لتنفيذ خطط أسيادهم وبعض من هؤلاء الموالين تمت تهيئتهم منذ عقود لتسلم المسؤوليات بعد الاحتلال. وثروات البلاد ومواردها وضعت تحت تصرف هؤلاء لسرقتها كمكافأة لولائهم.

و لكن كما يبدو فإن استعمال القوة المفرطة من قبل الأمريكيين ضد العراقيين وشراء الذمم لم يؤديا إلى النتيجة المطلوبة إذ أصبح الأمريكيون منعزلين عن الشعب العراقي بعد فترة قليلة جدا من احتلالهم للعراق، وغضب العراقيين ضد هذا الاحتلال يتخذ أشكالا عدة بعضها لا يمكن وصفها إلا بالإرهاب نظراً لاستهدافها لمراكز العبادة والمدنيين والقيام بأعمال منافية للأخلاق والدين. ومنها أشكال مقاومة حضارية على شكل أحزاب تناهض الوجود الأجنبي في العراق ومنها أحزاب عربية شيعية وسنية وكردية وتركمانية، كما يجب ألا ننسى الموقف المشرف لمسيحيي العراق ضد الاحتلال الأجنبي للعراق. وهناك شكل آخر من المقاومة يطبقه بعض رجال الدين من الشيعة والسنة وهو مقاطعة سلطات الاحتلال، وما رفض سماحة آية الله السيستاني استقبال ممثلي سلطات الاحتلال إلا نوع من هذه المقاومة الفعالة لمنع إضفاء الشرعية على الاحتلال الأجنبي للعراق وكطريقة للتعبير عن رفض العراقيين لهذا الاحتلال.

و على المستوى الأمريكي الداخلي تتعرض السياسة الأمريكية في العراق إلى انتقادات حادة من قبل الأكثرية الساحقة من المواطنين الأمريكيين كما تظهرها استطلاعات الرأي وكذلك عبر الكثير من المثقفين والساسة الأمريكيين عن خشيتهم من النوايا الأمريكية الحقيقية في العراق.

و في ظل هذه الظروف الصعبة للأمريكيين في العراق فلا بد لأمريكا من إيجاد مخرج لتبرير وجودها في العراق وإقناع الأمريكيين بأن الخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي تتكبدها في العراق هي من أجل سلامتهم ورفاهيتهم.

وهذا المخرج لا يمكن أن يكون في الوقت الحالي إلا السياسة الاستعمارية القديمة المجربة، أي سياسة فرق تسد من خلال إثارة الفتنة الطائفية في العراق. وإثارة الفتنة الطائفية هذه لا تقتصر فقط على السنة والشيعة في العراق، بل تشمل الأكراد والتركمان والمسيحيين واليزيديين أيضاً لكي تصبح حرب الكل ضد الكل. ولكن التركيز الأمريكي موجه بالدرجة الأولى إلى إثارة الفتنة الطائفية بين الشيعة والسنة العرب لكون هاتين الطائفتين تشكلان حوالي 75 في المائة من الشعب العراقي وهما طائفتان معروفتان بتقيدهما بالتراث العربي الإسلامي ومناهضتهما للاستعمار والصهيونية ولذلك تشكلان الخطر الحقيقي على المخططات الاستعمارية في العراق، وكذلك لهما القوة والاستعداد الكافيان لتقديم كل التضحيات ولو بأساليب مختلفة حسب المرحلة الزمنية كالمقاومة المسلحة أو المقاطعة مثلا. صحيح أن السنة العرب هم الآن في الجبهة الأمامية لطرد الاستعمار من العراق ولكن هذا لا يعني أن الشيعة هم من المتواطئين مع الاستعمار بل بالعكس فإن أطرافاً شيعية جربت الأسلوب المسلح ولكنه كاد أن يؤدي إلى كارثة في العتبات المقدسة لو لم يكن التصرف العقلاني لرجال الدين الشيعة، لذلك فإنه يمكن وصف تعامل الشيعة مع الوجود الاستعماري في العراق بالعقلانية لأن رجال السياسة والدين من الشيعة هم على يقين بأن الأمريكيين يمكن أن يلجأوا إلى استعمال أبشع الأساليب ضد العراقيين إذا حصروا في زاوية ضيقة تذكرهم بفشلهم في فيتنام. ولهذا فإن الاستراتيجية الشيعية في العراق تعتمد على مسارين: الصبر والمقاطعة. الصبر إلى حين ظهور الفرصة المناسبة كخسارة شعبية هذه الحرب في داخل أمريكا أو حتى الانتخابات المقبلة حيث على جورج بوش أن يذهب وثم طرد الاحتلال بشكل أو بآخر. والمقاطعة لمنع إضفاء أي نوع من الشرعية على الاحتلال الأجنبي للعراق. وتاريخ الشيعة بصورة عامة في الماضي والحاضر هو خير دليل على مناهضتهم لكافة أنواع الاحتلال.

و لا يمكن وصف الأكراد كشعب بالموالين للاحتلال لأن تعاون بعض الأحزاب الكردية مع الأمريكيين والإسرائيليين يعود إلى سوء فهم قيادات هذه الأحزاب بان الأمريكيين هم باقون في العراق لمدة طويلة، لذا يجب التعامل معهم من أجل الحفاظ على سلطة هذه القيادات وهي أكثرها قيادات عشائرية سبق لها أن تعاونت مع تركيا وإيران وسوريا وحتى النظام العراقي السابق وحسب الضرورة. ولكن هناك أيضاً شخصيات سياسية كردية ذاقت مرارة سجون الاحتلال الأمريكي في العراق وأن شعبا بكامله لا يمكن أن يكون مسؤولا عن تصرفات بعض قيادات الأحزاب السياسية أو المسؤولين الحكوميين كما أن شعوب بعض دول العربية هي غير مسؤولة عن علاقات أنظمتها مع إسرائيل.

و ما يدفع ببعض الأكراد إلى الحضن الأمريكي والإسرائيلي هو خوف الأكراد من تكرار جرائم الإبادة الجماعية بحقهم وهذا تخوف مشروع نظراً لمواقف بعض الأطراف في العراق تجاه الحقوق المشروعة للشعب الكردي. وأن التعاون مع أمريكا وإسرائيل لا يمكن أن يكون سبباً لاضطهاد الشعب الكردي بصورة عامة لأن هذا الاضطهاد هو موجود في الدول التي يعيش فيها الأكراد بالرغم من عدم وجود أمريكيين أو إسرائيليين في هذه البلدان وبالعكس يتهم الأكراد هناك في بعض المرات باليسارية والشيوعية  لتبرير اضطهادهم.

و غالباً ما يكون الأمريكيون والإسرائيليون هم وراء فبركة الادعاءات حول تعاون الأكراد مع إسرائيل وأمريكا لغرض دفعهم إلى الحضن الأمريكي-الإسرائيلي وإثارة الفتنة الطائفية بين الأكراد والشعوب الأخرى في المنطقة. فمثلا الصحف الأمريكية هي التي كانت وراء نشر الادعاءات حول الوجود الإسرائيلي في العراق وهذه الصحف نفسها هي التي نشرت خبر اختطاف أشخاص من العرب والتركمان في كركوك ونقلهم إلى سجون أربيل والسليمانية في كردستان العراق، بينما الحقيقة كانت تقول إن الأمريكيين هم الذين قاموا باختطاف هؤلاء ونقلهم إلى هذه السجون لإثارة النعرة الطائفية بين الأكراد والعرب والتركمان.

 

هذه السياسات كلها ومن ضمنها اغتيال رجال الدين والهجمات على دور العبادة الشيعية والسنية وأعمال القتل على الهوية هي ليست إلا محاولات لإثارة الفتنة الطائفية في العراق في إطار سياسة فرق تسد.

 

و لكن خطة إثارة الفتنة الطائفية في العراق فشلت إلى الآن لأن العراقيين يعرفون أن هناك خطة لإثارة هذه الفتنة، وللشيعة فضل علينا في فشل هذه الخطة إلى الآن من خلال صبرهم وتحملهم للتضحيات الجسيمة وعدم الرد على  الاستفزازات المتكررة.

إن العراق هو ليس البلد الوحيد الذي يتعرض لهذه المؤامرة الخبيثة حالياً بل تسعى إسرائيل جاهدة إلى إثارة الحرب الأهلية بين الجماعات الفلسطينية المقاومة من جهة والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى.

 

إن فشل محاولات الفتنة الطائفية في العراق إلى الآن لا يعني فشله في المستقبل أيضاً لذا يجب بذل كافة الجهود لإفشال هذه الخطة الاستعمارية ومنها:

 

1-  يجب نشر التوعية السياسية بين المواطنين العراقيين وشرح مغزى هذه المؤامرة ضدهم لإبعادهم عن الانفعالات العاطفية والتصرف بالمنطق.

2-       تشكيل هيئة تحكيم مكونة من ممثلي كافة الطوائف العراقية للنظر والفصل في كافة القضايا ذات الطابع الطائفي.

3-       التركيز على القواسم والقيم المشتركة بين كافة الطوائف العراقية إذ إن العربي السني والعربي الشيعي تجمعهما القومية، والكردي والعربي والتركماني يجمعهم الدين، والمسيحي واليزيدي والمسلم يجمعهم التاريخ المشترك والحضارة المشتركة والمواطنة في العراق.

ليكن مهاتما غاندي مثالاً لنا نقتدي به حينما انضم إلى حركة مولانا محمد على الإسلامية المناهضة للاستعمار البريطاني في الهند لتوحيد الجهود بغض النظر عن الاختلافات الدينية وذلك لتعبئة كل القوى ضد الاستعمار البريطاني.

 

إن التنازل لطائفة عراقية هو خير من التنازل للأجنبي المحتل وأن الأكثرية يجب أن تكون أوسع صدرا من الأقلية التي تخاف من مستقبلها وتهميشها من قبل الأكثرية. وإلا سيصبح العراق بويرتوريكو ثانية حيث احتلها الأمريكيون  عام 1898 وحولوها إلى مستعمرة لهم إلى الآن وأصبح مواطنوها مواطنين أمريكيين من الدرجة الثانية لعجزهم على تحرير أنفسهم من الاستعمار.

أو علينا أن نسلك مسلك الفيتناميين وبعد فوات الأوان ونقدم أكثر من ثلاثة ملايين من الشهداء لتحرير بلادنا من الاستعمار.

وعلينا أن نتفادى الأخطاء الآن فأي من الخيارين هو الأفضل: العقلانية أم العاطفية؟

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3327::/cck::
::introtext::

أخيراً عاد الاستعمار إلى الشرق الأوسط وهو لم يغب عنه منذ الحرب العالمية الأولى إما بطريقة مباشرة من خلال الاحتلال المباشر للقوى الاستعمارية الأوروبية لبلدان ومناطق شاسعة في الشرق الأوسط أو بطريقة غير مباشرة من خلال تنصيب حكام موالين لهذه القوى الاستعمارية في بعض بلدان الشرق الأوسط بعد اضطرار هذه القوى للانسحاب رسمياً من هذه المستعمرات بسبب تنامي روح الوطنية المناهضة للاستعمار فيها وظهور الحرب الباردة ونظام القطبين بعد الحرب العالمية الثانية.

::/introtext::
::fulltext::

أخيراً عاد الاستعمار إلى الشرق الأوسط وهو لم يغب عنه منذ الحرب العالمية الأولى إما بطريقة مباشرة من خلال الاحتلال المباشر للقوى الاستعمارية الأوروبية لبلدان ومناطق شاسعة في الشرق الأوسط أو بطريقة غير مباشرة من خلال تنصيب حكام موالين لهذه القوى الاستعمارية في بعض بلدان الشرق الأوسط بعد اضطرار هذه القوى للانسحاب رسمياً من هذه المستعمرات بسبب تنامي روح الوطنية المناهضة للاستعمار فيها وظهور الحرب الباردة ونظام القطبين بعد الحرب العالمية الثانية.

نعم عاد الاستعمار إلى الشرق الأوسط ولكن بهوية جديدة ووجه جديد، إذ هو هذه المرة بالدرجة الأولى عبارة عن تحالف أمريكي-إسرائيلي حل محل الاستعمار الأوروبي السابق بدأ بتنفيذ مخططاته الاستعمارية منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر السوفييتي في نهاية ثمانينات القرن الماضي.

 

إنه استعمار جديد من حيث الهوية ولكنه قديم  من حيث السياسة والأهداف والأساليب،

فهو جديد لأنه استعمار إسرائيلي-أمريكي حل محل الاستعمار الأوروبي القديم في الشرق الأوسط، ولكنه قديم بحيث يدعي نشر الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط بينما كان الاستعمار القديم يدعي نشر الحضارة الأوروبية المتفوقة وسط الشعوب المتأخرة.

فهو قديم وجديد لادعائه مكافحة الإرهاب الإسلامي، ونجح في رسم صورة مشوهة للمسلمين في العالم كأمة همجية سافكة للدماء كحملة عنصرية على أساس ديني تمهيدا لغزو أراضيها، بينما كان سلفه أي الاستعمار الأوروبي القديم يصف الشعوب التي كان هذا الاستعمار يستعد لغزو أراضيها بشعوب بربرية نصف متوحشة لتبرئة جرائمها التي كان يخطط لها. ونجح الاستعمار القديم في تشويه صورة الشعوب الآسيوية والإفريقية كما نجح التحالف الصهيوني-الأمريكي  في تشويه سمعة المسلمين في العالم والا ماذا يفسر  تنامي ظاهرة التفرقة العنصرية ضد المسلمين في أوروبا وأمريكا؟

وهو أيضاً جديد وقديم لأن احتلال أراضي الشعوب يشكل جريمة بحق الإنسانية لها دوافع عنصرية إذ كان الاستعمار القديم يدعي تفوق الجنس الأبيض الأوروبي على الأجناس الأخرى، ولكن الاستعمار الجديد يعتمد على أيدولوجية الداروينية الاجتماعية أي البقاء هو للأقوى والأذكى. وفي نظر تابعي هذه النظرية نحن شعوب الشرق الأوسط ضعفاء وأغبياء وحتى جبناء لا نستحق العيش وثرواتنا الطبيعية هي ليست إلا هبة من الطبيعة توجد مصادفة في المكان غير الصحيح، لذا الاستلاء عليها له شرعيته. الفرق الوحيد  هنا بين الاستعمار القديم والجديد هو أن النفط حل محل الذهب والفضة والبهارات والأخشاب النادرة التي كان المستعمرون الأوروبيون يلهثون وراءها.

 هو استعمار قديم وجديد لأنه يجابه مقاومة الشعوب بكل أنواعه السلمية والمسلحة. فإن الإسرائيليين تعلموا درساً في فلسطين لم تكتمل فصوله بعد، والأمريكيون ومن وراءهم هم الآن دخلوا المرحلة الدراسية في العراق ليتعلموا بأن شعوب الشرق الأوسط ليسوا بشرا من الأغبياء ولا ضعفاء ولا هم بجبناء وهم كأي إنسان آخر في العالم فإن الحياة لا تعني بالنسبة لهم شيئاً تحت الاحتلال والعبودية ومن يسعى إلى استعبادنا عليه أن يقفز فوق أجسادنا.

وأخيراً فهو استعمار قديم وجديد لأنه يطبق نفس الأساليب للسيطرة على الشعوب المستعبدة وكسر شوكة مقاومتها ومن بين أكثر الأساليب انتشارا سياسة (فرق تسد).

فرق تغزو

فرق تسد

يبدو أن سياسة (فرق تسد) تأتي بعد مرحلة (فرق تغزو) لأن استعباد شعب ما والاستيلاء على أراضيه وثرواته يتطلبان أولاً إنهاك  قواه العسكرية والاقتصادية لغرض تسهيل العملية وتقليص تكاليفها. وهذا يتم عادة من خلال إثارة الفتنة الطائفية والتحريض على العنصرية ونشر روح الانتقام بين الطوائف والطبقات المكونة لهذا الشعب وإشعال حروب داخلية وخارجية تنتهي بإنهاك كافة الأطراف.

والعراق منذ تأسيسه في بداية العشرينات القرن الماضي وإلى الآن  يشكل مثالا ميدانيا لهذا السياسة الاستعمارية بحيث يمكن استنباط صحة نظرية فرق تغزو من هذا التجربة العراقية.

إن الاستعمار البريطاني في بداية تأسيسه لهذه الدولة اعتمد على الطائفية كما جاء من رسائل المسز بيل عميلة المخابرات البريطانية التي لعبت الدور الرئيسي في تأسيس الدولة العراقية ورسم حدودها الدولية بشكلها الحالي. هذا الأساس الطائفي وطريقة رسم الحدود ما كان إلا أن يؤدي إلى نشر الكراهية بين الطوائف الدينية والعرقية والمذهبية في العراق وإشعال حروب ونزاعات داخلية وخارجية مستمرة.

و فعلا نجحت سياسة (فرق تغزو) اذ انغمس العراق في حروب داخلية وخارجية مع بعض الدول الجوار لعدة عقود انهكت قواه العسكرية والاقتصادية وثم تم فيما بعد وكنتيجة لهذه الحروب فرض حصار على العراق كان هدفه الرئيسي إنهاك قوى الشعب العراقي من خلال الجوع والمرض لكسر شوكة المقاومة في روحه وتدجين الانسان العراقي للعيش في حياة العبودية، كما خططت لها و تمهيدا لتحقيق خطة غزو العراق الذي أجل بسبب الحرب الباردة وتم تطبيقها اخيرا عام 2003 لأن القوى الاستعمارية الطامعة في أرض وثروات العراق لم تكن تعتبر النظام العراقي السابق عرقلة في طريقها لان القدرة العسكرية لهذا النظام لم تكن في يوم من الأيام تشكل خطرا على تحقيق خطة غزو العراق من قبل أعظم قوة في العالم، بل خوف هؤلاء كان من الشعب العراقي العريق بحضارته وحبه للحرية والكرامة وكرهه للمحتل.

فالعراق هو ليس المثال الوحيد لسياسة (فرق تغزو) بل إن الإسرائيليين طبقوا هذه السياسة في لبنان منذ منتصف السبعينات القرن الماضي إلى أن قاموا بغزوها عام 1982 ليطردهم اللبنانيون فيما بعد شر طردة.

والآن بعد تطبيق سياسة (فرق تغزو) بنجاح في العراق، جاء دور سياسة (فرق تسد) لإدامة هذا الغزو والاستيلاء على ثروات العراق واستعباد شعبه بأقل التكاليف البشرية والمادية.

وسياسة فرق تسد هي ليست سياسة جديدة بل هي قديمة قدم السياسة نفسها، حيث طبقها السومريون والمصريون واليونانيون القدماء لتفكيك قوى أعدائهم  وتحييد هذه القوى من خلال توجيهها  داخلياً واحدة ضد الأخرى.

والاستعمار على شكله الحالي ومنذ نشوئه في بداية السبعينات من القرن التاسع عشر طبق هذا الاسلوب القديم في السياسة لنفس الأغراض والأهداف ومن أجل إضفاء الشرعية على احتلاله لبلد ما من خلال الظهور بمظهر الحكم المستقل الذي يفصل بين الأطراف المتنازعة في هذا البلد ويحافظ على الأمن والسلام. ويبدو أن هذه السياسة طبقت بنجاح في فترات معينة في التاريخ الاستعماري.

فمثلا سياسة فرق تسد هي السر وراء نجاح عدد قليل نسبياً من القوات البريطانية في الهيمنة على 300 مليون هندي لمدة أكثر من قرن من الزمن، حيث نجح البريطانيون حينها في إقناع الهنود بأن وجودهم في هذا البلد هو ضروري لمنع الحرب الأهلية بين المسلمين والهندوس وبهذا نجحوا بإضفاء نوع من الشرعية على وجودهم في الهند ولو لمدة محددة. وهناك من يدعي هذه الأيام أن وجوده ضروري في العراق لإنهاء العنف ومنع النزاعات الطائفية. فما أشبه اليوم بالأمس!

و كان للانكليز قبل الهند تجربة طويلة مع سياسة فرق تسد اذ طبقوها في ايرلندا منذ عام 1692 حينما أصدروا قوانين منحوا بموجبها امتيازات للطائفة البروتستانتية على حساب الطائفة الكاثوليكية، ثم استفادوا من الدورس المستخلصة من هذه التجارب خلال حقبتهم الاستعمارية في إفريقيا وآسيا الشرق الأوسط من خلال إثارتهم للخلافات الدينية والعرقية والمذهبية والقبلية في المناطق اللمحتلة  بحيث لم يكونوا بحاجة إلى بنادق للهيمنة على هذه الشعوب إلا نادرا ولا تزال هذه المناطق وإلى يومنا هذا تعاني من أثار سياسة فرق تسد هذه.

 

والاستعمار أينما وجد يتصرف حسب منهج علمي ومدروس يشترك في إدارته العلماء من شتى مجالات علم النفس وعلم الانسان والطب وكافة المجالات الأخرى المتعلقة بحياة الشعوب وعاداتها وتقاليدها لغرض تشخيص نقاط الضعف والحساسيات  في شخصية هذه الشعوب واستغلالها من أجل الوصول إلى الأهداف الاستعمارية. وإذا أخفقوا في تشخيص النقاط الضعف هذه قاموا بإيجادها بصورة اصطناعية. فمثلا عند فشل الاستعمار البلجيكي في تشخيص خلافات طائفية بين الهوتو والتوتسي في رواندا لغرض استغلالها، قاموا بإيجاد هذه الخلافات بصورة اصطناعية، حيث قاموا بإقناع طائفة التوتسي بأنهم متفوقون عرقياً على الهوتو بسبب كون التوتسي ينحدرون من أصل أثيوبي، ولذلك يحق لهم الحصول على امتيازات على حساب الهوتو، وفعلا منحت لهم هذه الامتيازات وكما قامت السلطات الاستعمارية البلجيكية في الوقت نفسه بإصدار هويات شخصية لمواطني رواندا يظهر عليها الانتماء الطائفي لحامليها. هذه الفتنة الطائفية التي أشعلها الاستعمار البلجيكي في رواندا انتهت بحرب الإبادة العرقية في رواندا فيما بعد.

سياسة فرق تسد أيضاً كانت تطبق حتى ضد شريحة من الناس، متساوون في الخصائص الرئيسية. فمثلا ضد طبقة العبيد التي يكون عادة أعضاؤها متساوين في وضعهم القانوني كعبيد مسلوبي الإرادة يتم التعامل معهم كأنهم بضائع وذلك عن طريق تفضيل بعضهم على البعض من خلال تشغيل قسم منهم في المزارع حيث الأشغال الشاقة وتشغيل الموالين جداً للسادة كخدم في بيوت هؤلاء السادة. هذه السياسة نفسها يطبقها الأمريكيون حاليا في العراق حيث يحصل المتعاونون مع الاحتلال الأمريكي على وظائف ومناصب مغرية في الدولة العراقية ويتم حرمان الآخرين الرافضين التعاون مع الاحتلال من مصادر الرزق أو حتى يجبروا على ترك العراق، وبما أن كل العراقيين متساوون الآن في وضعيتهم القانونية  كأعضاء لشعب مستعبد مسلوب الإرادة من قبل الاستعمار.

من أهم مكونات سياسة فرق تسد هو منح امتيازات لجماعة معينة على حساب جماعة أخرى وجعل الجماعة الأولى تعمل كل شيء من أجل الحفاظ على هذه الامتيازات بما فيها التعاون غير المشروط مع الاحتلال.

ولعل سياسة فرق تسد في منهجها وأساليبها وتطبيقها وجدواها في يومنا هذا يمكن دراستها على أحسن حال في الحالة العراقية.

هل ستنجح سياسة فرق تسد في العراق؟

سياسة فرق تسد في العراق كسياسة تستهدف إضعاف القوى الداخلية للعراقيين وتفكيك هذه القوى بشكل يتم تحييدها من خلال توجيهها باتجاهات مضادة تصطدم ببعضها البعض بدل أن تتحول إلى رزمة موحدة قوية يمكن أن توجه إلى الوجود الاستعماري في العراق وذلك لهدف جعل الطوائف العراقية المختلفة تتشكك ببعضها لمنعها من الاتحاد من أجل هدف واحد وهو تحرير البلاد من الاحتلال الأجنبي والعراقيين من العبودية والتبعية.

وعندما نتحدث عن الاستعمار في العراق يجب أن نمتلك الجرأة الكافية للاعتراف بأن العراق الحالي هو في الحقيقة ليس إلا مستعمرة أمريكية، والصهيونية العالمية هي أيضاً طرف في هذه الحملة الاستعمارية الجديدة.

وهذه الحملة الجديدة للاستعمار على العراق التي يحمل رايتها المحافظون الجدد لا تختلف من الناحية السياسية والعنصرية والاقتصادية والدينية شيئاً عن أي نوع آخر من الاستعمار سابقاً وحاضراً وبالرغم من قرارات مجلس الأمن كالقرار 1546 الذي يصف القوات الأجنبية في العراق بقوات متعددة الجنسيات تساعد العراقيين على استتباب الأمن لأن هذه القوات والسلطات الأمريكية والبريطانية تتحكم في الواقع بكل صغيرة وكبيرة في هذا البلد ولها السلطة والحصانة المطلقة لتفعل ما تشاء من أعمال قتل وتعذيب ودهم واختطاف وضد من يريد ومن دون حساب أو رقيب وهم الأسياد الحقيقيون في البلاد والهدف هو فرض إرادة الأجنبي على العراقيين عن طريق القوة تمهيدا لنهب ثرواته النفطية التي ستتحول إلى مادة شحيحة جداً في المستقبل القريب نظراً لزيادة الطلب عليه خاصة من الصين والدول الصناعية الحديثة الأخرى. إذاً ما تريده أمريكا من العراق ستنفذه في العقود المقبلة، ووجودها الحالي في العراق ليس إلا تمهيدا لتحقيق هذا الهدف.

فتم حاليا تقسيم العراقيين من قبل السلطات الاستعمارية إلى شرائح مختلفة حسب ولائهم للوجود الأجنبي في العراق. فالموالون لهذا الوجود تتم مكافأتهم بشتى الوسائل فالمعارضون يكون نصيبهم الاغتيالات والاعتقالات أو في أحسن الأحوال إجبارهم على التهجير من بلدهم لفسح المجال أمام العملاء لتنفيذ خطط أسيادهم وبعض من هؤلاء الموالين تمت تهيئتهم منذ عقود لتسلم المسؤوليات بعد الاحتلال. وثروات البلاد ومواردها وضعت تحت تصرف هؤلاء لسرقتها كمكافأة لولائهم.

و لكن كما يبدو فإن استعمال القوة المفرطة من قبل الأمريكيين ضد العراقيين وشراء الذمم لم يؤديا إلى النتيجة المطلوبة إذ أصبح الأمريكيون منعزلين عن الشعب العراقي بعد فترة قليلة جدا من احتلالهم للعراق، وغضب العراقيين ضد هذا الاحتلال يتخذ أشكالا عدة بعضها لا يمكن وصفها إلا بالإرهاب نظراً لاستهدافها لمراكز العبادة والمدنيين والقيام بأعمال منافية للأخلاق والدين. ومنها أشكال مقاومة حضارية على شكل أحزاب تناهض الوجود الأجنبي في العراق ومنها أحزاب عربية شيعية وسنية وكردية وتركمانية، كما يجب ألا ننسى الموقف المشرف لمسيحيي العراق ضد الاحتلال الأجنبي للعراق. وهناك شكل آخر من المقاومة يطبقه بعض رجال الدين من الشيعة والسنة وهو مقاطعة سلطات الاحتلال، وما رفض سماحة آية الله السيستاني استقبال ممثلي سلطات الاحتلال إلا نوع من هذه المقاومة الفعالة لمنع إضفاء الشرعية على الاحتلال الأجنبي للعراق وكطريقة للتعبير عن رفض العراقيين لهذا الاحتلال.

و على المستوى الأمريكي الداخلي تتعرض السياسة الأمريكية في العراق إلى انتقادات حادة من قبل الأكثرية الساحقة من المواطنين الأمريكيين كما تظهرها استطلاعات الرأي وكذلك عبر الكثير من المثقفين والساسة الأمريكيين عن خشيتهم من النوايا الأمريكية الحقيقية في العراق.

و في ظل هذه الظروف الصعبة للأمريكيين في العراق فلا بد لأمريكا من إيجاد مخرج لتبرير وجودها في العراق وإقناع الأمريكيين بأن الخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي تتكبدها في العراق هي من أجل سلامتهم ورفاهيتهم.

وهذا المخرج لا يمكن أن يكون في الوقت الحالي إلا السياسة الاستعمارية القديمة المجربة، أي سياسة فرق تسد من خلال إثارة الفتنة الطائفية في العراق. وإثارة الفتنة الطائفية هذه لا تقتصر فقط على السنة والشيعة في العراق، بل تشمل الأكراد والتركمان والمسيحيين واليزيديين أيضاً لكي تصبح حرب الكل ضد الكل. ولكن التركيز الأمريكي موجه بالدرجة الأولى إلى إثارة الفتنة الطائفية بين الشيعة والسنة العرب لكون هاتين الطائفتين تشكلان حوالي 75 في المائة من الشعب العراقي وهما طائفتان معروفتان بتقيدهما بالتراث العربي الإسلامي ومناهضتهما للاستعمار والصهيونية ولذلك تشكلان الخطر الحقيقي على المخططات الاستعمارية في العراق، وكذلك لهما القوة والاستعداد الكافيان لتقديم كل التضحيات ولو بأساليب مختلفة حسب المرحلة الزمنية كالمقاومة المسلحة أو المقاطعة مثلا. صحيح أن السنة العرب هم الآن في الجبهة الأمامية لطرد الاستعمار من العراق ولكن هذا لا يعني أن الشيعة هم من المتواطئين مع الاستعمار بل بالعكس فإن أطرافاً شيعية جربت الأسلوب المسلح ولكنه كاد أن يؤدي إلى كارثة في العتبات المقدسة لو لم يكن التصرف العقلاني لرجال الدين الشيعة، لذلك فإنه يمكن وصف تعامل الشيعة مع الوجود الاستعماري في العراق بالعقلانية لأن رجال السياسة والدين من الشيعة هم على يقين بأن الأمريكيين يمكن أن يلجأوا إلى استعمال أبشع الأساليب ضد العراقيين إذا حصروا في زاوية ضيقة تذكرهم بفشلهم في فيتنام. ولهذا فإن الاستراتيجية الشيعية في العراق تعتمد على مسارين: الصبر والمقاطعة. الصبر إلى حين ظهور الفرصة المناسبة كخسارة شعبية هذه الحرب في داخل أمريكا أو حتى الانتخابات المقبلة حيث على جورج بوش أن يذهب وثم طرد الاحتلال بشكل أو بآخر. والمقاطعة لمنع إضفاء أي نوع من الشرعية على الاحتلال الأجنبي للعراق. وتاريخ الشيعة بصورة عامة في الماضي والحاضر هو خير دليل على مناهضتهم لكافة أنواع الاحتلال.

و لا يمكن وصف الأكراد كشعب بالموالين للاحتلال لأن تعاون بعض الأحزاب الكردية مع الأمريكيين والإسرائيليين يعود إلى سوء فهم قيادات هذه الأحزاب بان الأمريكيين هم باقون في العراق لمدة طويلة، لذا يجب التعامل معهم من أجل الحفاظ على سلطة هذه القيادات وهي أكثرها قيادات عشائرية سبق لها أن تعاونت مع تركيا وإيران وسوريا وحتى النظام العراقي السابق وحسب الضرورة. ولكن هناك أيضاً شخصيات سياسية كردية ذاقت مرارة سجون الاحتلال الأمريكي في العراق وأن شعبا بكامله لا يمكن أن يكون مسؤولا عن تصرفات بعض قيادات الأحزاب السياسية أو المسؤولين الحكوميين كما أن شعوب بعض دول العربية هي غير مسؤولة عن علاقات أنظمتها مع إسرائيل.

و ما يدفع ببعض الأكراد إلى الحضن الأمريكي والإسرائيلي هو خوف الأكراد من تكرار جرائم الإبادة الجماعية بحقهم وهذا تخوف مشروع نظراً لمواقف بعض الأطراف في العراق تجاه الحقوق المشروعة للشعب الكردي. وأن التعاون مع أمريكا وإسرائيل لا يمكن أن يكون سبباً لاضطهاد الشعب الكردي بصورة عامة لأن هذا الاضطهاد هو موجود في الدول التي يعيش فيها الأكراد بالرغم من عدم وجود أمريكيين أو إسرائيليين في هذه البلدان وبالعكس يتهم الأكراد هناك في بعض المرات باليسارية والشيوعية  لتبرير اضطهادهم.

و غالباً ما يكون الأمريكيون والإسرائيليون هم وراء فبركة الادعاءات حول تعاون الأكراد مع إسرائيل وأمريكا لغرض دفعهم إلى الحضن الأمريكي-الإسرائيلي وإثارة الفتنة الطائفية بين الأكراد والشعوب الأخرى في المنطقة. فمثلا الصحف الأمريكية هي التي كانت وراء نشر الادعاءات حول الوجود الإسرائيلي في العراق وهذه الصحف نفسها هي التي نشرت خبر اختطاف أشخاص من العرب والتركمان في كركوك ونقلهم إلى سجون أربيل والسليمانية في كردستان العراق، بينما الحقيقة كانت تقول إن الأمريكيين هم الذين قاموا باختطاف هؤلاء ونقلهم إلى هذه السجون لإثارة النعرة الطائفية بين الأكراد والعرب والتركمان.

 

هذه السياسات كلها ومن ضمنها اغتيال رجال الدين والهجمات على دور العبادة الشيعية والسنية وأعمال القتل على الهوية هي ليست إلا محاولات لإثارة الفتنة الطائفية في العراق في إطار سياسة فرق تسد.

 

و لكن خطة إثارة الفتنة الطائفية في العراق فشلت إلى الآن لأن العراقيين يعرفون أن هناك خطة لإثارة هذه الفتنة، وللشيعة فضل علينا في فشل هذه الخطة إلى الآن من خلال صبرهم وتحملهم للتضحيات الجسيمة وعدم الرد على  الاستفزازات المتكررة.

إن العراق هو ليس البلد الوحيد الذي يتعرض لهذه المؤامرة الخبيثة حالياً بل تسعى إسرائيل جاهدة إلى إثارة الحرب الأهلية بين الجماعات الفلسطينية المقاومة من جهة والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى.

 

إن فشل محاولات الفتنة الطائفية في العراق إلى الآن لا يعني فشله في المستقبل أيضاً لذا يجب بذل كافة الجهود لإفشال هذه الخطة الاستعمارية ومنها:

 

1-  يجب نشر التوعية السياسية بين المواطنين العراقيين وشرح مغزى هذه المؤامرة ضدهم لإبعادهم عن الانفعالات العاطفية والتصرف بالمنطق.

2-       تشكيل هيئة تحكيم مكونة من ممثلي كافة الطوائف العراقية للنظر والفصل في كافة القضايا ذات الطابع الطائفي.

3-       التركيز على القواسم والقيم المشتركة بين كافة الطوائف العراقية إذ إن العربي السني والعربي الشيعي تجمعهما القومية، والكردي والعربي والتركماني يجمعهم الدين، والمسيحي واليزيدي والمسلم يجمعهم التاريخ المشترك والحضارة المشتركة والمواطنة في العراق.

ليكن مهاتما غاندي مثالاً لنا نقتدي به حينما انضم إلى حركة مولانا محمد على الإسلامية المناهضة للاستعمار البريطاني في الهند لتوحيد الجهود بغض النظر عن الاختلافات الدينية وذلك لتعبئة كل القوى ضد الاستعمار البريطاني.

 

إن التنازل لطائفة عراقية هو خير من التنازل للأجنبي المحتل وأن الأكثرية يجب أن تكون أوسع صدرا من الأقلية التي تخاف من مستقبلها وتهميشها من قبل الأكثرية. وإلا سيصبح العراق بويرتوريكو ثانية حيث احتلها الأمريكيون  عام 1898 وحولوها إلى مستعمرة لهم إلى الآن وأصبح مواطنوها مواطنين أمريكيين من الدرجة الثانية لعجزهم على تحرير أنفسهم من الاستعمار.

أو علينا أن نسلك مسلك الفيتناميين وبعد فوات الأوان ونقدم أكثر من ثلاثة ملايين من الشهداء لتحرير بلادنا من الاستعمار.

وعلينا أن نتفادى الأخطاء الآن فأي من الخيارين هو الأفضل: العقلانية أم العاطفية؟

::/fulltext::
::cck::3327::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *