اجتثاث البعث في الممارسة والدستور – رؤية غير بعثية –
::cck::3328::/cck::
::introtext::
حتى 9 أبريل 2003 لم يكن أحد قد سمع بمصطلح (اجتثاث البعث)، بل إن المؤتمرات التي قادتها الأحزاب المعارضة لحكم البعث في العراق كانت تبعث عبر بياناتها تطمينات مباشرة للبعثيين عن تمييزها بينهم وبين نظام صدام. ولعل من بين أسباب ذلك في وقتها هو أنها لم تكن ترغب في استعداء هذه الشريحة من العراقيين الذين قد يندفعون للاستماتة في الدفاع عن نظام وجدوا أنفسهم وإياه في مركب واحد، ولخلق الهوة بين الدائرة المحيطة بصدام وجهازه الحزبي، وبالتالي تحييدهم في حرب كانت تلوح عند الأفق، وكذلك لإظهار نزعة تسامحية لدى هذه الأحزاب بعيدة عن روح الثأر والانتقام بما يكسبها تعاطفاً شعبياً ودولياً.
::/introtext::
::fulltext::
حتى 9 أبريل 2003 لم يكن أحد قد سمع بمصطلح (اجتثاث البعث)، بل إن المؤتمرات التي قادتها الأحزاب المعارضة لحكم البعث في العراق كانت تبعث عبر بياناتها تطمينات مباشرة للبعثيين عن تمييزها بينهم وبين نظام صدام. ولعل من بين أسباب ذلك في وقتها هو أنها لم تكن ترغب في استعداء هذه الشريحة من العراقيين الذين قد يندفعون للاستماتة في الدفاع عن نظام وجدوا أنفسهم وإياه في مركب واحد، ولخلق الهوة بين الدائرة المحيطة بصدام وجهازه الحزبي، وبالتالي تحييدهم في حرب كانت تلوح عند الأفق، وكذلك لإظهار نزعة تسامحية لدى هذه الأحزاب بعيدة عن روح الثأر والانتقام بما يكسبها تعاطفاً شعبياً ودولياً.
الأكثر من ذلك، فإن الراجح هو أن اجتثاث البعث لم يكن قد خطر في خلد الإدارة الأمريكية وهي تعد نفسها لغزو العراق، بدليل أن قائمة المطلوبين لم تكن لتشتمل على أكثر من 55 شخصاً من الدائرة العائلية والحزبية الضيقة المحيطة بصدام والتي اعتبرت أن مجرد اعتقالهم أو قتلهم يعد كافياً لإعلان إنهاء تنظيم البعث المترهل أصلا. وقيل على لسان عدد من الذين عملوا في المعارضة العراقية بأن واشنطن قد اعترضت حينها على قائمة مطلوبين ضمت أسماء 500 شخص من كبار رجال الدولة قدمت لها من بعض الأحزاب العراقية، واعتبرت أن هذا الرقم مبالغ به و أنه لا يوجد مبرر لهذه القائمة المطولة في نظام كانت شعبيته متآكلة.
جذور الاجتثاث
بيد أن مؤتمر الناصرية الذي عقد منتصف أبريل بعيد احتلال العراق وضم عدداً من قادة الأحزاب المعارضة قد شهد لأول مرة تداول اصطلاح (اجتثاث البعث) وكان الدكتور أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي هو أكثر من دافع عنه يومذاك مطالبا بأن يكون الاجتثاث حجر الزاوية في التخلص من مخلفات نظام صدام.
وسرعان ما تداولت الأحزاب السياسية النافذة الأخرى هذا المصطلح حتى أصبح عنواناً لمرحلة جديدة بدت كأنها إيحاء بالإذن لتصفية البعثيين جسدياً والتخلص منهم وهو ما تم عمليا عبر عمليات الاغتيال التي طاولت عدداً منهم.
والجدير بالإشارة أن من كان يصر على اجتثاث البعث هو الأحزاب الشيعية ((المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، حزب الدعوة، حزب الله، إضافة إلى المؤتمر الوطني العراقي)) في حين كان الأكراد أكثر ميلا إلى لغة الصفح والتسامح وكثيرا ما استدلوا بذلك على تجربتهم في كردستان العراق بعد عام 1991 عندما تركوا الذين ارتبطوا بالبعث ونظامه السياسي من دون عقاب واكتفوا منهم بالاعتذار. أما الأحزاب العلمانية والقومية والإسلامية السنية فقد كان لها موقفها المناهض لسياسة الاجتثاث وبضمنها أحزاب رئيسية كانت في المعارضة كحركة الوفاق الوطني التي يرأسها الدكتور إياد علاوي – ذو الخلفية البعثية – بل إن هذه الأحزاب اعترضت حتى على المسمى ذاته واعتبرت أن لفظة الاجتثاث تحمل معنى التصفية والاقتلاع وهي إيحاءات سادية غير مبررة لأنها تدخل البلاد في دوامة عنف متبادل.
على أية حال، استطاع الجلبي بما كانت له من صلات وتأثير واسع في الإدارة الأمريكية فيما يخص الملف العراقي وقتذاك أن يقنع واشنطن بجدوى الاجتثاث بحيث كان ذلك من أوائل القرارات التي أصدرها بول بريمر الحاكم الأمريكي في العراق عندما أنشأ (الهيئة العليا لاجتثاث البعث) والتي أناط إلى الجلبي مهمة الإشراف عليها وإلى مثال الألوسي منصب مدير عام الهيئة.
نص قانون الهيئة على اتخاذ إجراءات إدارية رادعة بحق البعثيين ممن هم بدرجة عضو فرقة صعودا بفصلهم من عملهم الوظيفي بغض النظر عن سجلهم الشخصي أو الجنائي وسمح فقط لمن هو (عضو فرقة) حصراً بحق استئناف القرار أمام الهيئة على أن يثبت بأنه كان مغرراً به وبأنه لم يرتكب جناية ما، وقبلها تم توزيع استمارات على الموظفين منهم ليعلنوا فيها براءتهم من البعث وصدام.
وقد صدرت قوائم تتضمن فصل عشرات الآلاف ممن تبوأوا هذه الدرجات الحزبية التي وصفت بأنها قيادية الأمر الذي أدى إلى إحداث الإرباك في عمل الدولة العراقية ومؤسساتها إذ إن معظم هؤلاء كانوا يمثلون عصب الدولة العراقية خصوصا أن عددا كبيرا منهم كانوا من حملة الشهادات العليا والاختصاصات النادرة مما أفرغ الجامعات العراقية من العديد من كوادرها.
واجهت سياسة الاجتثاث انتقادات واسعة ليس من البعثيين وحسب، وإنما من قبل عدد من السياسيين والقادة العسكريين الأمريكيين، فإليها ينسبون أحد أهم أسباب اندلاع المقاومة العراقية واتساع نطاقها، وبأن الاجتثاث جعل البعثيين يتخندقون من جديد حول أنفسهم بعد أن شعروا بالخطر الذي يهدد حياتهم وأرزاقهم. وقد كانت لهذه الانتقادات مبرراتها المنطقية خصوصاً إذا ما أضفنا لذلك طرد وتسريح مئات الآلاف من منتسبي الجيش العراقي والأجهزة الأمنية ووزارة الإعلام. وقد تماثلت هذه الرؤية مع تلك التي تبنتها جامعة الدول العربية على لسان أمينها العام عمرو موسى والأخضر الإبراهيمي ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في بغداد.
وبسبب من ذلك تم التراخي فيما بعد في تطبيق إجراءات الاجتثاث خصوصاً أنها جاءت على خلفية انهيار الثقة التي كانت بين الإدارة الأمريكية وأحمد الجلبي والذي اتهمه مسؤولون أمريكيون بأنه كان السبب في جر أمريكا إلى ورطة الحرب باجتراح الأكاذيب.
وعندما همَّ بريمر بمغادرة العراق في 28 يونيو 2004 كان قرار إلغاء هيئة اجتثاث البعث هو من بين آخر القرارات التي وقعها، وهو الأمر الذي وقفت منه الكتلة الشيعية باستنكار مرددة بأن بريمر لا يملك حق اتخاذ هكذا قرار لأن هيئة الاجتثاث هي هيئة حكومية نص عليها قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت.
لكن حكومة إياد علاوي التي تشكلت أثناء ذلك تجاهلت إلى حد ما هذه الاعتراضات وهمشت عن عمد عمل الهيئة، وأكثر من ذلك فإن وزارته قد ضمت في تشكيلتها بعض الوزراء الذين كانوا حتى وقت قريب يعدون من صفوة البعثيين. كما صدرت وقتذاك قرارات عديدة بقوائم ألفية تضم أسماء الذين أعيدوا إلى الخدمة من البعثيين المجتثين والذين وجدوا في حكومة علاوي أفضل الخيارات المتاحة أمامهم، ولذلك لم يكن غريباً أن تصدر العديد من التقارير التي تشير إلى التحاق عدد من الكوادر البعثية الوسيطة أو ممن كانوا قد تركوا العمل الحزبي سابقاً لحركة الوفاق الوطني التي يرأسها علاوي كملاذ آمن يقيهم سياسة الاجتثاث، مثلما وجد علاوي في البعثيين تنظيماً جاهزاً مدرباً على العمل الحزبي لكي ينافس به خصومه الذين لديهم قواعد شعبية وبالذات الأحزاب الإسلامية. وتداولت الأوساط السياسية العراقية آنذاك _ ولم تزل _ فكرة (المصالحة الوطنية) كبديل عن سياسة الاجتثاث وهو ما ينسجم مع قرارات الأمم المتحدة والجامعة العربية وبيانات مؤتمرات دول جوار العراق الدورية التي شددت جميعها على أهمية فكرة المصالحة، الأمر الذي وقفت منه الأحزاب الطائفية الشيعية موقفاً مناوئاً ومشككاً بجدوى المصالحة.
لكن الانتخابات التي جرت في أبريل 2005 وشهدت فوز الكتلة الشيعية بأكثر من نصف مقاعد البرلمان وتشكيل حكومة شيعية –كردية بعد مخاض عسير، بدت وكأنها جاءت لتجتث آمال البعثيين من جديد، الذين وجدوا أنفسهم ثانية عرضة لحملة اجتثاث متصاعدة يقودها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة اللذان ظلا يعلنان أن العمليات الإرهابية التي تحدث في العراق إنما هي من تدبير البعثيين الذين اخترقوا كذلك أجهزة الدولة وبالذات الأمنية والتي يرون أنه بات من الضروري أن تخضع للتطهير والتنقية مجددا لتخليصها من بقايا البعثيين.
على الرغم من الجدل الذي ظل يدور حول اجتثاث البعث وتأثيره في العملية السياسية في العراق إلا أن مروجي فكرة الاجتثاث ظلوا يراوغون في الإجابة عن المدى الذي ينبغي أن تبلغه سياسة الاجتثاث ولمن يوجه الاجتثاث هل إلى البعث ككيان سياسي ومنظومة حزبية، أم إلى أفكاره القومية، أم إلى البعثيين أنفسهم؟
ومع عدم وجود إجابة ما عن هذه الأسئلة إلا أن الثابت هو أن الممارسات العملية تفصح بأن الاجتثاث ينصرف إلى هذه المكونات الثلاث، البنية التنظيمية والفكر القومي العروبي والحزبيين أنفسهم.
الاجتثاث ومسودة الدستور العراقي
ومع استمرار الجدل الدائر حول الدستور الذي تم التصويت عليه في منتصف سبتمبر 2005 عادت قضية الاجتثاث لتحتل الصدارة ثانية إلى جانب موضوعات الفيدرالية ووحدة العراق وهويته العربية، فالكتلة الشيعية اعتبرت الاجتثاث من بين أهم أولوياتها التي لا سبيل إلى المساومة حولها، بيد أن الإصرار الدولي على إشراك السنة العرب في لجنة كتابة الدستور من خلال تعيين خمسة عشر عضواً فيها قد خفف من الوطأة ولو بشكل جزئي، حيث إن جماعة (الخمسة عشر) أصرت على ضرورة التمييز بين المدانين من البعثيين وغيرهم من الذين لم يقترفوا ذنباً يحاسب عليه القانون، والتمييز كذلك بين حزب البعث ككيان سياسي وممارسات نظام صدام، لكن الكتلة الشيعية كانت مصرة على موقفها وأعلنت أن أقصى تنازل يمكن أن تقدمه هو ما صيغ في المادة (7) الفقرة الاولى من مسودة الدستور والتي نصت على:
(يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت أي مسمى كان، ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون).
لكن عبارة البعث الصدامي تظل هلامية وبلا مضمون حقيقي إذ كيف يمكن التمييز بين من هو بعثي ومن هو بعثي صدامي وما مواصفات البعث الصدامي وكيف يتم التمييز في التعامل بين البعثي والبعث الصدامي، ويبدو أنه بانتظار أن ينظم ذلك بقانون فإن إجراءات الاجتثاث ستبقى على ما هي عليه خصوصاً أن المادة (132) تؤكد بقاء هيئة اجتثاث البعث عندما نصت على:
((أولاًـ تواصل الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث أعمالها بوصفها هيئة مستقلة وبالتنسيق مع السلطة القضائية والأجهزة التنفيذية في إطار القوانين المنظمة لعملها وترتبط بمجلس النواب.
ثانياًـ لمجلس النواب حل هذه الهيئة بعد انتهاء مهمتها بالأغلبية المطلقة.
ثالثاًـ يشترط في المرشح لمنصب رئيس الجمهورية ورئيس وأعضاء مجلس الوزراء ورئيس وأعضاء مجلس النواب ورئيس وأعضاء مجلس الاتحاد والمواقع المتناظرة في الأقاليم وأعضاء الهيئات القضائية والمناصب الأخرى المشمولة باجتثاث البعث وفقا للقانون أن يكون غير مشمول بأحكام اجتثاث البعث.
رابعاً ـ يستمر العمل بالشروط المذكورة في البند (ثالثا) من هذه المادة ما لم يلغ بقانون)).
مناقشة لمبررات اجتثاث البعث
بالإضافة إلى ما نصت عليه المادة السابعة في توصيف البعث الصدامي والتي اعتبرتها كافية لاجتثاثه فإن تصريحات المدافعين عن هذه السياسة تكاد تنحصر مبرراتهم في الأمور الآتية:
1- قيام البعثيين بارتكاب جرائم جنائية بحق العراقيين والتي كانت المقابر الجماعية أوضح صورها.
2- قيام البعثيين بالاستيلاء على المال العام والإثراء على حساب الشعب العراقي.
3- أن الفكر البعثي هو فكر عنصري
4- إنه فكر شمولي اقصائي.
5- إن ممارسات البعثيين تحمل معنى التطهير الطائفي.
لا غرو أن نظرة أولية للمبررات التي تساق لتبرير اجتثاث البعث تبدو لها وجاهتها المنطقية خصوصاً في ما يتعلق بالممارسات القمعية والإقصائية التي مارسها البعث طيلة وجوده في السلطة، لكن متابعة دقيقة تكشف لنا أنه إذا كان لبعض هذه المبررات منطقيتها فإن هذا التوصيف لا يقتصر على البعثيين وحدهم فلماذا يجتثون دون سواهم، فضلا عن أنها تساوي بين البعث كفكر والبعث كنظام سياسي ولنتناول ذلك بشيء من التفصيل:
القول بأن البعثيين قاموا بارتكاب جرائم جنائية ضد العراقيين فإن هذا تعميم يخل بمبدأ العدالة، إذ ماذا عن البعثيين الذين لم يرتكبوا الجرائم؟ وهل هذه الجرائم التي ارتكبت كانت من ضمن اختصاصات السلطات الأمنية المعروفة في معظم بلدان العالم الثالث لمواجهة حالات التمرد أو لتهديدات السلم الأهلي، أم أنها كانت إرهاب دولة منظم؟ والسؤال الأهم ماذا عن غير البعثيين من الذين ارتكبوا الجرائم ذاتها؟ ولماذا يتم النص على البعثيين دون سواهم؟ ولو كانت هذه الجرائم تتمثل في إبادة الشعب العراقي والمقابر الجماعية، فإن التساؤل المنطقي الذي سيبدو عندها هو ماذا عن المقابر الجماعية الكبيرة التي استحدثت في زمن الاحتلال؟ وماذا عن إرهاب الدولة الذي تقوم به مؤسسات السلطة الأمنية الحالية؟ والتي أصبحت حوادث يومية مألوفة. ولماذا يحاسب المسؤولون في عهد صدام عن جرائمهم- وينبغي أن يحاسبوا – ولا يحاسب المسؤولون الجدد؟ ولماذا لا يترك ذلك للقضاء العراقي ليحاسب كل من تلطخت يده بدماء العراقيين من البعثيين وسواهم حيث يفترض أن يتساوى الجميع في ذلك؟
ثم إن هذه الضجة الكبرى التي أثيرت حول جرائم البعثيين لم تجعلنا نرى حتى الآن دعوى قضائية ضد بعثي بصفته الحزبية وقد نظرت أمام المحاكم العراقية سوى ما يتردد عن قرب محاكمة كبار المسؤولين كصدام وأقرب أعوانه.
أما عن قيام البعثيين بالاستيلاء على المال العام وإهداره فإن ذلك ولاشك تهمة تقتضي المتابعة القضائية، خصوصا أن المال العام ملك للشعب العراقي، وأهدر في وقت كان العراقيون فيه يتضورون جوعاً بسبب الحصار الأمريكي على الشعب العراقي، ولكن بعض المسؤولين من المتهمين بإهدار المال العام هم ليسوا من البعثيين فهل سيتم استثناءهم؟ فيما الآخرون المتهمون بسرقات المال العام من البعثيين السابقين قد أصبحوا اليوم من رجالات العهد الجديد فهل سيعفون من العقوبة، بعد أن تركوا البعث والتحقوا بصفوف المعارضة؟ والأهم من ذلك لماذا يجرم البعثيون وحدهم في حين ان قضايا الفساد المالي بعد الاحتلال أصبحت أمراً شائعاً والاتهامات المتبادلة بين المسؤولين العراقيين الحاليين على قدم وساق، بل إن منظمة الشفافية الدولية قد وضعت العراق على رأس قائمة الدول التي يتفشى فيها الفساد والرشى وإهدار المال العام. و يبقى سؤال بلا إجابة وافية هو لماذا يقتصر العقاب على البعثيين؟
القول بأن الفكر البعثي فكر عنصري قد يكون حقيقيا إذا كان المقصود بذلك أنه كان تعبيرا أو تمثيلا عن العنصر العربي أو الطموحات والتطلعات العربية، وهو ما لا أظنها تهمة خصوصا إذا ما علمنا بأن هنالك في الحكومة الحالية أحزاباً عنصرية مثل حزب البعث كالأحزاب الكردية والآشورية والتركمانية والكلدانية وغيرها. فلماذا تعتبر العنصرية والعرقية تهمة للبعثيين فيما الآخرون يفاخرون بأن برامج أحزابهم عنصرية الطابع.
أما القول بأن البعث فكر شمولي إقصائي فهو تهمة لا سبيل لردها ولكنها بالمقابل تصطدم مع وجود أحزاب وتيارات لا تقل شمولية وإقصائية عن البعث وهي تمارس العمل السياسي وتتبوأ مكانتها على الخارطة الحكومية، فالأحزاب الإسلامية والشيوعية لا يمكن إلا أن توصف بأنها شمولية فلماذا يستثنى البعث وحده؟ ولو جاز اتهام البعث بالإقصائية فإن الأحزاب الحالية تمارس السياسة ذاتها إزاء البعثيين عندما تصر على إبعادهم عن العمل السياسي. إنها بالفعل مفارقة.
ولو راجعنا تهمة أن ممارسات البعثيين الصداميين تحمل معنى التطهير الطائفي فإنها تهمة من اليسير دفعها، فالقصد الواضح من النص على ذلك هو للإيحاء بأن البعث كان حزباً سنياً ومارس التطهير الطائفي ضد الشيعة، فهل هذه التهمة صحيحة؟
لعله من قبيل المسلمات أن قادة البعث الأوائل إنما هم من الشيعة العرب الذين كانوا ولا يزالون من رواد الفكر القومي في العراق، ولا أظن أن أحداً يستطيع أن ينكر أن عددا غير قليل من قيادات نظام صدام إنما كانوا من الشيعة، فنظام صدام كان يعاقب ويكافئ ليس على الهوية الطائفية وإنما على مدى الولاء له ولنظامه وحسب، أليس الأكراد الذين تعرضوا إلى القمع هم من السنة؟ ثم ألم يكن السنة العرب من أوائل من تعرضوا إلى قسوة نظام صدام بسبب موقفهم السياسي؟ ألم يقم نظام صدام بأكثر من حملة تطهير داخل صفوف البعث ذاته؟ ألم يقدم صدام على إعدام أقاربه وأبناء عشيرته عندما أحس منهم عدم الولاء؟ ألم يقدم صدام على معاقبة مدينة الفلوجة أكثر من مرة بسبب محاولة بعض كبار الضباط الفلوجيين القيام بانقلاب عسكري، ولم يتردد في مهاجمة المدينة رغم أنها سنية؟ هل كان قمع صدام للشيعة لأنهم شيعة أم لأنهم تمردوا يوما ما على نظامه؟
إن إطلاق الوصف على عواهنه بأن نظام صدام مارس التطهير الطائفي قد أوجد قدرا غير قليل من الشعور بالبغضاء بين العراقيين، حيث إن ذلك كان إشارة لاتهام صريح للسنة العرب من دون وجه حق بأنهم هم ولا أحد سواهم الذين مارسوا التطهير الطائفي إزاء الشيعة.
وعلى خلفية ذلك اعتبرت القيادات السنية أن هذا التفسير قد جعل من اجتثاث البعث اللافتة التي يجري تحتها (اجتثاث السنة العرب) بل وحتى تصفيتهم الجسدية من قبل دوائر الدولة وأجهزتها الأمنية التي تشكل ميليشيا الأحزاب الشيعية الموالية لإيران عصبها الرئيسي.
ولو راودنا الشك حول طائفية صدام فإن اليقين الذي لا مراء فيه هو طائفية النظام السياسي الحالي في العراق، حيث المحاصصة الطائفية والاستئثار بالسلطة وفق مقاييس طائفية تعد العنوان الأبرز لهذه المرحلة، ولو أضفنا لذلك بأن العمليات العسكرية لقوات الاحتلال والقوات الحكومية العراقية إنما تجري في المدن السنية العربية تحديداً لأدركنا كم هي حالة الاحتقان الطائفي التي بلغها العراق في ظل هذه الممارسات.
إن المسكوت عنه في الاجتثاث هو المبرر الحقيقي لهذه السياسة، وهو أن الأحزاب الحالية المساندة للاجتثاث تعتقد بأن ترك الحرية للبعثيين في العمل الحزبي لن يكون في صالح مستقبلها السياسي حيث سيبدو البعث حينذاك نداً قوياً لهم بسبب خبرة البعثيين في العمل السياسي وكثرة أعدادهم وتغلغلهم في بنية الدولة العراقية، والمساندة التي يحظون بها في الوسط الشعبي العربي، وامتداداتهم التنظيمية القومية، والخطاب السياسي الوطني للبعث بخلاف الأحزاب الطائفية المنتشرة اليوم والتي تقصر نداءاتها وعضويتها على طائفتها وحسب، وبالتالي فإن ترك البعثيين بلا اجتثاث قد يحملهم سريعاً إلى السلطة ثانية، وهو ما تخشاه الأحزاب الحاكمة أكثر من أي شيء آخر.
مستقبل البعث
تشير التقارير شبه المؤكدة القادمة من العراق إلى أن البعثيين عادوا من جديد لتنظيم صفوفهم بعد أن شعروا بالخطر الذي يتهددهم وقد انتخبوا قيادة قطرية جديدة لهم بعد أن تم إلقاء القبض على معظم قياداتهم السابقة، كما أنهم تخلصوا من الترهل التنظيمي الذي كانوا يعانونه، حيث يعود إلى صفوف البعث فقط أولئك الذين يؤمنون بأفكاره وسياساته، ويظهرون استعداداً عالياً للتضحية، وهم يلقون الشعبية بشكل يتناسب طرديا مع الإخفاقات المزمنة للحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال. وقد برهنوا على إمكانية عودتهم للظهور وتحدي السلطات الأمنية من خلال المظاهرات التي خرجوا فيها ورفعوا خلالها صور الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
وهكذا يبدو لنا أن سياسة الاجتثاث قد عملت من حيث لا تقصد على تقوية البعث ورص تنظيماته بدلاً من اقتلاعه. ولو كانت لدى البعثيين الجرأة على انتقاد ممارساتهم السابقة وخلق قيادات جديدة تستطيع التكيف مع الظروف الراهنة، وأن يعلنوا تمسكهم بالعمل السياسي إلى جانب الأحزاب الأخرى فالأغلب أنهم قد يجعلون الآخرين يلقون خلف ظهورهم – مكرهين- سياسة الاجتثاث.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3328::/cck::
::introtext::
حتى 9 أبريل 2003 لم يكن أحد قد سمع بمصطلح (اجتثاث البعث)، بل إن المؤتمرات التي قادتها الأحزاب المعارضة لحكم البعث في العراق كانت تبعث عبر بياناتها تطمينات مباشرة للبعثيين عن تمييزها بينهم وبين نظام صدام. ولعل من بين أسباب ذلك في وقتها هو أنها لم تكن ترغب في استعداء هذه الشريحة من العراقيين الذين قد يندفعون للاستماتة في الدفاع عن نظام وجدوا أنفسهم وإياه في مركب واحد، ولخلق الهوة بين الدائرة المحيطة بصدام وجهازه الحزبي، وبالتالي تحييدهم في حرب كانت تلوح عند الأفق، وكذلك لإظهار نزعة تسامحية لدى هذه الأحزاب بعيدة عن روح الثأر والانتقام بما يكسبها تعاطفاً شعبياً ودولياً.
::/introtext::
::fulltext::
حتى 9 أبريل 2003 لم يكن أحد قد سمع بمصطلح (اجتثاث البعث)، بل إن المؤتمرات التي قادتها الأحزاب المعارضة لحكم البعث في العراق كانت تبعث عبر بياناتها تطمينات مباشرة للبعثيين عن تمييزها بينهم وبين نظام صدام. ولعل من بين أسباب ذلك في وقتها هو أنها لم تكن ترغب في استعداء هذه الشريحة من العراقيين الذين قد يندفعون للاستماتة في الدفاع عن نظام وجدوا أنفسهم وإياه في مركب واحد، ولخلق الهوة بين الدائرة المحيطة بصدام وجهازه الحزبي، وبالتالي تحييدهم في حرب كانت تلوح عند الأفق، وكذلك لإظهار نزعة تسامحية لدى هذه الأحزاب بعيدة عن روح الثأر والانتقام بما يكسبها تعاطفاً شعبياً ودولياً.
الأكثر من ذلك، فإن الراجح هو أن اجتثاث البعث لم يكن قد خطر في خلد الإدارة الأمريكية وهي تعد نفسها لغزو العراق، بدليل أن قائمة المطلوبين لم تكن لتشتمل على أكثر من 55 شخصاً من الدائرة العائلية والحزبية الضيقة المحيطة بصدام والتي اعتبرت أن مجرد اعتقالهم أو قتلهم يعد كافياً لإعلان إنهاء تنظيم البعث المترهل أصلا. وقيل على لسان عدد من الذين عملوا في المعارضة العراقية بأن واشنطن قد اعترضت حينها على قائمة مطلوبين ضمت أسماء 500 شخص من كبار رجال الدولة قدمت لها من بعض الأحزاب العراقية، واعتبرت أن هذا الرقم مبالغ به و أنه لا يوجد مبرر لهذه القائمة المطولة في نظام كانت شعبيته متآكلة.
جذور الاجتثاث
بيد أن مؤتمر الناصرية الذي عقد منتصف أبريل بعيد احتلال العراق وضم عدداً من قادة الأحزاب المعارضة قد شهد لأول مرة تداول اصطلاح (اجتثاث البعث) وكان الدكتور أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي هو أكثر من دافع عنه يومذاك مطالبا بأن يكون الاجتثاث حجر الزاوية في التخلص من مخلفات نظام صدام.
وسرعان ما تداولت الأحزاب السياسية النافذة الأخرى هذا المصطلح حتى أصبح عنواناً لمرحلة جديدة بدت كأنها إيحاء بالإذن لتصفية البعثيين جسدياً والتخلص منهم وهو ما تم عمليا عبر عمليات الاغتيال التي طاولت عدداً منهم.
والجدير بالإشارة أن من كان يصر على اجتثاث البعث هو الأحزاب الشيعية ((المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، حزب الدعوة، حزب الله، إضافة إلى المؤتمر الوطني العراقي)) في حين كان الأكراد أكثر ميلا إلى لغة الصفح والتسامح وكثيرا ما استدلوا بذلك على تجربتهم في كردستان العراق بعد عام 1991 عندما تركوا الذين ارتبطوا بالبعث ونظامه السياسي من دون عقاب واكتفوا منهم بالاعتذار. أما الأحزاب العلمانية والقومية والإسلامية السنية فقد كان لها موقفها المناهض لسياسة الاجتثاث وبضمنها أحزاب رئيسية كانت في المعارضة كحركة الوفاق الوطني التي يرأسها الدكتور إياد علاوي – ذو الخلفية البعثية – بل إن هذه الأحزاب اعترضت حتى على المسمى ذاته واعتبرت أن لفظة الاجتثاث تحمل معنى التصفية والاقتلاع وهي إيحاءات سادية غير مبررة لأنها تدخل البلاد في دوامة عنف متبادل.
على أية حال، استطاع الجلبي بما كانت له من صلات وتأثير واسع في الإدارة الأمريكية فيما يخص الملف العراقي وقتذاك أن يقنع واشنطن بجدوى الاجتثاث بحيث كان ذلك من أوائل القرارات التي أصدرها بول بريمر الحاكم الأمريكي في العراق عندما أنشأ (الهيئة العليا لاجتثاث البعث) والتي أناط إلى الجلبي مهمة الإشراف عليها وإلى مثال الألوسي منصب مدير عام الهيئة.
نص قانون الهيئة على اتخاذ إجراءات إدارية رادعة بحق البعثيين ممن هم بدرجة عضو فرقة صعودا بفصلهم من عملهم الوظيفي بغض النظر عن سجلهم الشخصي أو الجنائي وسمح فقط لمن هو (عضو فرقة) حصراً بحق استئناف القرار أمام الهيئة على أن يثبت بأنه كان مغرراً به وبأنه لم يرتكب جناية ما، وقبلها تم توزيع استمارات على الموظفين منهم ليعلنوا فيها براءتهم من البعث وصدام.
وقد صدرت قوائم تتضمن فصل عشرات الآلاف ممن تبوأوا هذه الدرجات الحزبية التي وصفت بأنها قيادية الأمر الذي أدى إلى إحداث الإرباك في عمل الدولة العراقية ومؤسساتها إذ إن معظم هؤلاء كانوا يمثلون عصب الدولة العراقية خصوصا أن عددا كبيرا منهم كانوا من حملة الشهادات العليا والاختصاصات النادرة مما أفرغ الجامعات العراقية من العديد من كوادرها.
واجهت سياسة الاجتثاث انتقادات واسعة ليس من البعثيين وحسب، وإنما من قبل عدد من السياسيين والقادة العسكريين الأمريكيين، فإليها ينسبون أحد أهم أسباب اندلاع المقاومة العراقية واتساع نطاقها، وبأن الاجتثاث جعل البعثيين يتخندقون من جديد حول أنفسهم بعد أن شعروا بالخطر الذي يهدد حياتهم وأرزاقهم. وقد كانت لهذه الانتقادات مبرراتها المنطقية خصوصاً إذا ما أضفنا لذلك طرد وتسريح مئات الآلاف من منتسبي الجيش العراقي والأجهزة الأمنية ووزارة الإعلام. وقد تماثلت هذه الرؤية مع تلك التي تبنتها جامعة الدول العربية على لسان أمينها العام عمرو موسى والأخضر الإبراهيمي ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في بغداد.
وبسبب من ذلك تم التراخي فيما بعد في تطبيق إجراءات الاجتثاث خصوصاً أنها جاءت على خلفية انهيار الثقة التي كانت بين الإدارة الأمريكية وأحمد الجلبي والذي اتهمه مسؤولون أمريكيون بأنه كان السبب في جر أمريكا إلى ورطة الحرب باجتراح الأكاذيب.
وعندما همَّ بريمر بمغادرة العراق في 28 يونيو 2004 كان قرار إلغاء هيئة اجتثاث البعث هو من بين آخر القرارات التي وقعها، وهو الأمر الذي وقفت منه الكتلة الشيعية باستنكار مرددة بأن بريمر لا يملك حق اتخاذ هكذا قرار لأن هيئة الاجتثاث هي هيئة حكومية نص عليها قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت.
لكن حكومة إياد علاوي التي تشكلت أثناء ذلك تجاهلت إلى حد ما هذه الاعتراضات وهمشت عن عمد عمل الهيئة، وأكثر من ذلك فإن وزارته قد ضمت في تشكيلتها بعض الوزراء الذين كانوا حتى وقت قريب يعدون من صفوة البعثيين. كما صدرت وقتذاك قرارات عديدة بقوائم ألفية تضم أسماء الذين أعيدوا إلى الخدمة من البعثيين المجتثين والذين وجدوا في حكومة علاوي أفضل الخيارات المتاحة أمامهم، ولذلك لم يكن غريباً أن تصدر العديد من التقارير التي تشير إلى التحاق عدد من الكوادر البعثية الوسيطة أو ممن كانوا قد تركوا العمل الحزبي سابقاً لحركة الوفاق الوطني التي يرأسها علاوي كملاذ آمن يقيهم سياسة الاجتثاث، مثلما وجد علاوي في البعثيين تنظيماً جاهزاً مدرباً على العمل الحزبي لكي ينافس به خصومه الذين لديهم قواعد شعبية وبالذات الأحزاب الإسلامية. وتداولت الأوساط السياسية العراقية آنذاك _ ولم تزل _ فكرة (المصالحة الوطنية) كبديل عن سياسة الاجتثاث وهو ما ينسجم مع قرارات الأمم المتحدة والجامعة العربية وبيانات مؤتمرات دول جوار العراق الدورية التي شددت جميعها على أهمية فكرة المصالحة، الأمر الذي وقفت منه الأحزاب الطائفية الشيعية موقفاً مناوئاً ومشككاً بجدوى المصالحة.
لكن الانتخابات التي جرت في أبريل 2005 وشهدت فوز الكتلة الشيعية بأكثر من نصف مقاعد البرلمان وتشكيل حكومة شيعية –كردية بعد مخاض عسير، بدت وكأنها جاءت لتجتث آمال البعثيين من جديد، الذين وجدوا أنفسهم ثانية عرضة لحملة اجتثاث متصاعدة يقودها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة اللذان ظلا يعلنان أن العمليات الإرهابية التي تحدث في العراق إنما هي من تدبير البعثيين الذين اخترقوا كذلك أجهزة الدولة وبالذات الأمنية والتي يرون أنه بات من الضروري أن تخضع للتطهير والتنقية مجددا لتخليصها من بقايا البعثيين.
على الرغم من الجدل الذي ظل يدور حول اجتثاث البعث وتأثيره في العملية السياسية في العراق إلا أن مروجي فكرة الاجتثاث ظلوا يراوغون في الإجابة عن المدى الذي ينبغي أن تبلغه سياسة الاجتثاث ولمن يوجه الاجتثاث هل إلى البعث ككيان سياسي ومنظومة حزبية، أم إلى أفكاره القومية، أم إلى البعثيين أنفسهم؟
ومع عدم وجود إجابة ما عن هذه الأسئلة إلا أن الثابت هو أن الممارسات العملية تفصح بأن الاجتثاث ينصرف إلى هذه المكونات الثلاث، البنية التنظيمية والفكر القومي العروبي والحزبيين أنفسهم.
الاجتثاث ومسودة الدستور العراقي
ومع استمرار الجدل الدائر حول الدستور الذي تم التصويت عليه في منتصف سبتمبر 2005 عادت قضية الاجتثاث لتحتل الصدارة ثانية إلى جانب موضوعات الفيدرالية ووحدة العراق وهويته العربية، فالكتلة الشيعية اعتبرت الاجتثاث من بين أهم أولوياتها التي لا سبيل إلى المساومة حولها، بيد أن الإصرار الدولي على إشراك السنة العرب في لجنة كتابة الدستور من خلال تعيين خمسة عشر عضواً فيها قد خفف من الوطأة ولو بشكل جزئي، حيث إن جماعة (الخمسة عشر) أصرت على ضرورة التمييز بين المدانين من البعثيين وغيرهم من الذين لم يقترفوا ذنباً يحاسب عليه القانون، والتمييز كذلك بين حزب البعث ككيان سياسي وممارسات نظام صدام، لكن الكتلة الشيعية كانت مصرة على موقفها وأعلنت أن أقصى تنازل يمكن أن تقدمه هو ما صيغ في المادة (7) الفقرة الاولى من مسودة الدستور والتي نصت على:
(يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت أي مسمى كان، ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون).
لكن عبارة البعث الصدامي تظل هلامية وبلا مضمون حقيقي إذ كيف يمكن التمييز بين من هو بعثي ومن هو بعثي صدامي وما مواصفات البعث الصدامي وكيف يتم التمييز في التعامل بين البعثي والبعث الصدامي، ويبدو أنه بانتظار أن ينظم ذلك بقانون فإن إجراءات الاجتثاث ستبقى على ما هي عليه خصوصاً أن المادة (132) تؤكد بقاء هيئة اجتثاث البعث عندما نصت على:
((أولاًـ تواصل الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث أعمالها بوصفها هيئة مستقلة وبالتنسيق مع السلطة القضائية والأجهزة التنفيذية في إطار القوانين المنظمة لعملها وترتبط بمجلس النواب.
ثانياًـ لمجلس النواب حل هذه الهيئة بعد انتهاء مهمتها بالأغلبية المطلقة.
ثالثاًـ يشترط في المرشح لمنصب رئيس الجمهورية ورئيس وأعضاء مجلس الوزراء ورئيس وأعضاء مجلس النواب ورئيس وأعضاء مجلس الاتحاد والمواقع المتناظرة في الأقاليم وأعضاء الهيئات القضائية والمناصب الأخرى المشمولة باجتثاث البعث وفقا للقانون أن يكون غير مشمول بأحكام اجتثاث البعث.
رابعاً ـ يستمر العمل بالشروط المذكورة في البند (ثالثا) من هذه المادة ما لم يلغ بقانون)).
مناقشة لمبررات اجتثاث البعث
بالإضافة إلى ما نصت عليه المادة السابعة في توصيف البعث الصدامي والتي اعتبرتها كافية لاجتثاثه فإن تصريحات المدافعين عن هذه السياسة تكاد تنحصر مبرراتهم في الأمور الآتية:
1- قيام البعثيين بارتكاب جرائم جنائية بحق العراقيين والتي كانت المقابر الجماعية أوضح صورها.
2- قيام البعثيين بالاستيلاء على المال العام والإثراء على حساب الشعب العراقي.
3- أن الفكر البعثي هو فكر عنصري
4- إنه فكر شمولي اقصائي.
5- إن ممارسات البعثيين تحمل معنى التطهير الطائفي.
لا غرو أن نظرة أولية للمبررات التي تساق لتبرير اجتثاث البعث تبدو لها وجاهتها المنطقية خصوصاً في ما يتعلق بالممارسات القمعية والإقصائية التي مارسها البعث طيلة وجوده في السلطة، لكن متابعة دقيقة تكشف لنا أنه إذا كان لبعض هذه المبررات منطقيتها فإن هذا التوصيف لا يقتصر على البعثيين وحدهم فلماذا يجتثون دون سواهم، فضلا عن أنها تساوي بين البعث كفكر والبعث كنظام سياسي ولنتناول ذلك بشيء من التفصيل:
القول بأن البعثيين قاموا بارتكاب جرائم جنائية ضد العراقيين فإن هذا تعميم يخل بمبدأ العدالة، إذ ماذا عن البعثيين الذين لم يرتكبوا الجرائم؟ وهل هذه الجرائم التي ارتكبت كانت من ضمن اختصاصات السلطات الأمنية المعروفة في معظم بلدان العالم الثالث لمواجهة حالات التمرد أو لتهديدات السلم الأهلي، أم أنها كانت إرهاب دولة منظم؟ والسؤال الأهم ماذا عن غير البعثيين من الذين ارتكبوا الجرائم ذاتها؟ ولماذا يتم النص على البعثيين دون سواهم؟ ولو كانت هذه الجرائم تتمثل في إبادة الشعب العراقي والمقابر الجماعية، فإن التساؤل المنطقي الذي سيبدو عندها هو ماذا عن المقابر الجماعية الكبيرة التي استحدثت في زمن الاحتلال؟ وماذا عن إرهاب الدولة الذي تقوم به مؤسسات السلطة الأمنية الحالية؟ والتي أصبحت حوادث يومية مألوفة. ولماذا يحاسب المسؤولون في عهد صدام عن جرائمهم- وينبغي أن يحاسبوا – ولا يحاسب المسؤولون الجدد؟ ولماذا لا يترك ذلك للقضاء العراقي ليحاسب كل من تلطخت يده بدماء العراقيين من البعثيين وسواهم حيث يفترض أن يتساوى الجميع في ذلك؟
ثم إن هذه الضجة الكبرى التي أثيرت حول جرائم البعثيين لم تجعلنا نرى حتى الآن دعوى قضائية ضد بعثي بصفته الحزبية وقد نظرت أمام المحاكم العراقية سوى ما يتردد عن قرب محاكمة كبار المسؤولين كصدام وأقرب أعوانه.
أما عن قيام البعثيين بالاستيلاء على المال العام وإهداره فإن ذلك ولاشك تهمة تقتضي المتابعة القضائية، خصوصا أن المال العام ملك للشعب العراقي، وأهدر في وقت كان العراقيون فيه يتضورون جوعاً بسبب الحصار الأمريكي على الشعب العراقي، ولكن بعض المسؤولين من المتهمين بإهدار المال العام هم ليسوا من البعثيين فهل سيتم استثناءهم؟ فيما الآخرون المتهمون بسرقات المال العام من البعثيين السابقين قد أصبحوا اليوم من رجالات العهد الجديد فهل سيعفون من العقوبة، بعد أن تركوا البعث والتحقوا بصفوف المعارضة؟ والأهم من ذلك لماذا يجرم البعثيون وحدهم في حين ان قضايا الفساد المالي بعد الاحتلال أصبحت أمراً شائعاً والاتهامات المتبادلة بين المسؤولين العراقيين الحاليين على قدم وساق، بل إن منظمة الشفافية الدولية قد وضعت العراق على رأس قائمة الدول التي يتفشى فيها الفساد والرشى وإهدار المال العام. و يبقى سؤال بلا إجابة وافية هو لماذا يقتصر العقاب على البعثيين؟
القول بأن الفكر البعثي فكر عنصري قد يكون حقيقيا إذا كان المقصود بذلك أنه كان تعبيرا أو تمثيلا عن العنصر العربي أو الطموحات والتطلعات العربية، وهو ما لا أظنها تهمة خصوصا إذا ما علمنا بأن هنالك في الحكومة الحالية أحزاباً عنصرية مثل حزب البعث كالأحزاب الكردية والآشورية والتركمانية والكلدانية وغيرها. فلماذا تعتبر العنصرية والعرقية تهمة للبعثيين فيما الآخرون يفاخرون بأن برامج أحزابهم عنصرية الطابع.
أما القول بأن البعث فكر شمولي إقصائي فهو تهمة لا سبيل لردها ولكنها بالمقابل تصطدم مع وجود أحزاب وتيارات لا تقل شمولية وإقصائية عن البعث وهي تمارس العمل السياسي وتتبوأ مكانتها على الخارطة الحكومية، فالأحزاب الإسلامية والشيوعية لا يمكن إلا أن توصف بأنها شمولية فلماذا يستثنى البعث وحده؟ ولو جاز اتهام البعث بالإقصائية فإن الأحزاب الحالية تمارس السياسة ذاتها إزاء البعثيين عندما تصر على إبعادهم عن العمل السياسي. إنها بالفعل مفارقة.
ولو راجعنا تهمة أن ممارسات البعثيين الصداميين تحمل معنى التطهير الطائفي فإنها تهمة من اليسير دفعها، فالقصد الواضح من النص على ذلك هو للإيحاء بأن البعث كان حزباً سنياً ومارس التطهير الطائفي ضد الشيعة، فهل هذه التهمة صحيحة؟
لعله من قبيل المسلمات أن قادة البعث الأوائل إنما هم من الشيعة العرب الذين كانوا ولا يزالون من رواد الفكر القومي في العراق، ولا أظن أن أحداً يستطيع أن ينكر أن عددا غير قليل من قيادات نظام صدام إنما كانوا من الشيعة، فنظام صدام كان يعاقب ويكافئ ليس على الهوية الطائفية وإنما على مدى الولاء له ولنظامه وحسب، أليس الأكراد الذين تعرضوا إلى القمع هم من السنة؟ ثم ألم يكن السنة العرب من أوائل من تعرضوا إلى قسوة نظام صدام بسبب موقفهم السياسي؟ ألم يقم نظام صدام بأكثر من حملة تطهير داخل صفوف البعث ذاته؟ ألم يقدم صدام على إعدام أقاربه وأبناء عشيرته عندما أحس منهم عدم الولاء؟ ألم يقدم صدام على معاقبة مدينة الفلوجة أكثر من مرة بسبب محاولة بعض كبار الضباط الفلوجيين القيام بانقلاب عسكري، ولم يتردد في مهاجمة المدينة رغم أنها سنية؟ هل كان قمع صدام للشيعة لأنهم شيعة أم لأنهم تمردوا يوما ما على نظامه؟
إن إطلاق الوصف على عواهنه بأن نظام صدام مارس التطهير الطائفي قد أوجد قدرا غير قليل من الشعور بالبغضاء بين العراقيين، حيث إن ذلك كان إشارة لاتهام صريح للسنة العرب من دون وجه حق بأنهم هم ولا أحد سواهم الذين مارسوا التطهير الطائفي إزاء الشيعة.
وعلى خلفية ذلك اعتبرت القيادات السنية أن هذا التفسير قد جعل من اجتثاث البعث اللافتة التي يجري تحتها (اجتثاث السنة العرب) بل وحتى تصفيتهم الجسدية من قبل دوائر الدولة وأجهزتها الأمنية التي تشكل ميليشيا الأحزاب الشيعية الموالية لإيران عصبها الرئيسي.
ولو راودنا الشك حول طائفية صدام فإن اليقين الذي لا مراء فيه هو طائفية النظام السياسي الحالي في العراق، حيث المحاصصة الطائفية والاستئثار بالسلطة وفق مقاييس طائفية تعد العنوان الأبرز لهذه المرحلة، ولو أضفنا لذلك بأن العمليات العسكرية لقوات الاحتلال والقوات الحكومية العراقية إنما تجري في المدن السنية العربية تحديداً لأدركنا كم هي حالة الاحتقان الطائفي التي بلغها العراق في ظل هذه الممارسات.
إن المسكوت عنه في الاجتثاث هو المبرر الحقيقي لهذه السياسة، وهو أن الأحزاب الحالية المساندة للاجتثاث تعتقد بأن ترك الحرية للبعثيين في العمل الحزبي لن يكون في صالح مستقبلها السياسي حيث سيبدو البعث حينذاك نداً قوياً لهم بسبب خبرة البعثيين في العمل السياسي وكثرة أعدادهم وتغلغلهم في بنية الدولة العراقية، والمساندة التي يحظون بها في الوسط الشعبي العربي، وامتداداتهم التنظيمية القومية، والخطاب السياسي الوطني للبعث بخلاف الأحزاب الطائفية المنتشرة اليوم والتي تقصر نداءاتها وعضويتها على طائفتها وحسب، وبالتالي فإن ترك البعثيين بلا اجتثاث قد يحملهم سريعاً إلى السلطة ثانية، وهو ما تخشاه الأحزاب الحاكمة أكثر من أي شيء آخر.
مستقبل البعث
تشير التقارير شبه المؤكدة القادمة من العراق إلى أن البعثيين عادوا من جديد لتنظيم صفوفهم بعد أن شعروا بالخطر الذي يتهددهم وقد انتخبوا قيادة قطرية جديدة لهم بعد أن تم إلقاء القبض على معظم قياداتهم السابقة، كما أنهم تخلصوا من الترهل التنظيمي الذي كانوا يعانونه، حيث يعود إلى صفوف البعث فقط أولئك الذين يؤمنون بأفكاره وسياساته، ويظهرون استعداداً عالياً للتضحية، وهم يلقون الشعبية بشكل يتناسب طرديا مع الإخفاقات المزمنة للحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال. وقد برهنوا على إمكانية عودتهم للظهور وتحدي السلطات الأمنية من خلال المظاهرات التي خرجوا فيها ورفعوا خلالها صور الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
وهكذا يبدو لنا أن سياسة الاجتثاث قد عملت من حيث لا تقصد على تقوية البعث ورص تنظيماته بدلاً من اقتلاعه. ولو كانت لدى البعثيين الجرأة على انتقاد ممارساتهم السابقة وخلق قيادات جديدة تستطيع التكيف مع الظروف الراهنة، وأن يعلنوا تمسكهم بالعمل السياسي إلى جانب الأحزاب الأخرى فالأغلب أنهم قد يجعلون الآخرين يلقون خلف ظهورهم – مكرهين- سياسة الاجتثاث.
::/fulltext::
::cck::3328::/cck::
