اختلاف الآراء حول العولمة الاقتصادية – ما هي مسوغاتها؟
::cck::3359::/cck::
::introtext::
الذي يتابع الندوات والمؤتمرات المتعلقة بالسياسات الإصلاحية وضرورتها، وتطبيقات العولمة كظاهرة تتجه إلى التعميم والتطبيق عالمياً في الأسواق، يجد الآراء التي تتحدث عن الإيجابيات العظيمة والفوائد الكبيرة التي ستجنيها البشرية في ما لو تم تطبيقها، ويهاجمون منتقديها، ومنهم الدكتور علي حرب، إذ يتهمهم بالعجز والفشل في مناهضتهم لظاهرة العولمة، حيث يخلقون المتاريس لكل جديد ثم يسبقهم الحدث فلا يجدي نفعاً اختزال هذه الظاهرة الحضارية وهذه المنجزات التقنية إلى شكل جديد من أشكال النهب والهيمنة، لأننا بذلك تجرفنا العولمة ونتحول إلى جيب تاريخي يقع على هامشها، بقدر ما نتحدث عنها بلغة نضالية خلقية فقدت قدراتها على الفهم والتفسير، ومن يتخلى عن مهمة الفهم لا يحصد سوى العماء.
::/introtext::
::fulltext::
الذي يتابع الندوات والمؤتمرات المتعلقة بالسياسات الإصلاحية وضرورتها، وتطبيقات العولمة كظاهرة تتجه إلى التعميم والتطبيق عالمياً في الأسواق، يجد الآراء التي تتحدث عن الإيجابيات العظيمة والفوائد الكبيرة التي ستجنيها البشرية في ما لو تم تطبيقها، ويهاجمون منتقديها، ومنهم الدكتور علي حرب، إذ يتهمهم بالعجز والفشل في مناهضتهم لظاهرة العولمة، حيث يخلقون المتاريس لكل جديد ثم يسبقهم الحدث فلا يجدي نفعاً اختزال هذه الظاهرة الحضارية وهذه المنجزات التقنية إلى شكل جديد من أشكال النهب والهيمنة، لأننا بذلك تجرفنا العولمة ونتحول إلى جيب تاريخي يقع على هامشها، بقدر ما نتحدث عنها بلغة نضالية خلقية فقدت قدراتها على الفهم والتفسير، ومن يتخلى عن مهمة الفهم لا يحصد سوى العماء.
قد يكون دفاع الدكتور حرب وغيره من الباحثين والمفكرين عن العولمة له من المسوغات والتبريرات الواقعية وخاصة أن العالم العربي لا يسير بالوتيرة التي يمكن التعويل عليها لاستيعاب الطفرة الكبيرة والنظم المعرفية والعلمية المتسارعة والتي ستطرحها العولمة بشروطها! وخاصة في الجانب الاقتصادي الذي تعتمد عليه في سياستها واستراتيجيتها المقبلة.
وبدأت العولمة في المجال الاقتصـادي كنزعـة جديـدة ومخططــة لتعميم اقتصاديات السوق بصورة عالمية وكنتيجة طبيعية لانتهاء الحرب الباردة وسقوط الفكرة الاقتصادية المضادة للرأسمالية الاشتراكية المتمثلة في الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي، وسقوط الحواجز والحدود بفضل التطور الهائل في مجالات نظم الاتصال والمعلومات الفضائية والإعلامية وما تنطوي عليه من مضاميــن ورؤى اقتصادية وسياسية وتكنولوجية جديدة فرضت نفسها عالميــاً وأصبحت واقعاً لا مفر من رفض التعامل معه.
وبدأت فكرة العولمة الاقتصادية في الظهور كاستراتيجية جديدة للغرب عندما توصلت الولايات المتحدة في النصف الثاني من الثمانينات إلى نتيجة مفادها أنها ستحقق مكاسب أكثر لاقتصادها المتغير لو أنها فرضت على حلفائها وشركائها وتوابعها على امتداد العالم سياسة حرية التجارة، فإن ذلك سوف يمثل تطبيقاً نموذجياً لاستراتيجية (فتح الأسواق) كاستراتيجية مفضلة لدى الرأسمالية الكبرى عبر التاريخ المعاصر.
لكن فرنسا وبعض الأوروبيين اعترضوا على مفهوم الاندماج الكلي في فتح الأسواق وسيادة النموذج الأمريكي وذوبان الوطني في العالمي، وتعميق الهيمنة الاقتصادية والسياسية (من خلال الأفلام السمعية البصرية وتكريس القيم الاستهلاكية الأمريكية على حساب لغات أوروبية عريقة كالفرنسية والإيطالية).
ويعرب الأوروبيون عن قلقهم من تمزيق التعددية الثقافية مقابل هيمنة ثقافة الاستهلاك وتسيد الطرف الأقوى اقتصادياً وتهميش دور الطرف الأضعف، حيث يخشى أن تؤدي الوحدة الاقتصادية والسياسية بين دولها إلى إلغاء دور الدولة الوطنية في حفظ وإخصاب الثقافة الوطنية المؤسسة لهويتها كـدول من نـوع الدولــة – الأمة، الأمر الذي يهدد بانبعاث الإثنية والطائفية على مستوى القارة الأوروبية ككل وهي كثيرة ومتنوعة، مما سيجعل أوروبا تتحول من مجموعة من الدول الوطنية المعتزة بثقافتها المتمسكة بهويتها إلى فسيفساء من الإثنيات والطوائف والثقافات الفرعية لا يجمعها سوى سوق اقتصادية مشتركة.
ولعل أخطر الآراء وأقواها في مناقشة ظاهرة العولمة ما طرحته الأديبة الفرنسية (فيفيان فورستر) في كتابها المثير للجدل (الإرهاب الاقتصادي) والذي أثار ضجة في أوروبا وترجم إلى 10 لغات عالمية، وعبرت عن أن الهدف من إصدار هذا الكتاب هو رفع صوت الاحتجاج ضد نظام يمتص الناس حتى النخاع، وترى أن هناك مؤامرة دولية عالمية يحاول رجال السياسة والاقتصاد والمال والمنظمات الدولية إخفاء الحقائق عن الناس، وأن (الإرهاب الاقتصادي) هو نتيجة للمجتمع المادي الذي يهدف إلى الربح فقط، كما أنه نتيجة لتقنية (الأوتوماتية) و(العولمة) الاقتصادية التي تقوم على فكرة إنتاج المزيد من السلع والمنتجات بأقل عدد ممكن من اليد العاملة البشرية.
والسؤال المطروح الآن – كما يقول الدكتور برهان غليون – هو معرفة ما إذا كان معيار المردودية يمكن أن يشكل غاية في ذاته، وإذا كان نظام السوق يتيح وحده إقامة نظام سياسي واجتماعي حقيقي، وإذا كان ممكناً الاعتماد عليه لإطلاق النمو الاقتصادي فلا يمكنه أن يشكل سبب كينونة المجتمع، ولا يعطي معنى لوجود الإنسان، وإذا ما كان التحكم بآليات السوق هو الشرط الأول لإدارة اقتصادية جيدة، فإن التحكم السياسي بالاقتصاد هو الشرط إاقامة نظام اجتماعي قابل للحياة.
وحتى لا تثير موجة الليبرالية الاقتصادية الجديدة رد فعل شبيهاً بالشيوعية التي ولدتها الموجة الليبرالية الأولى للقرن التاسع عشر، ينبغي أن تكون عولمة السوق خاضعة لسياسة عالمية قادرة على ضبط تجاوزاتها، على أن تكون هذه السياسة بمستوى بروز أسرة دولية، أي سياسة يعززها إحساس حقيقي بالمسؤولية الجماعية والتماسك والتضامن.
هذه المخاوف من أنظمة الاقتصاديات الجديدة للعولمة والشكوك والتوجسات من تطبيقاتها الجديدة في ظل التفاوت الكبير بين الشمال المتفوق اقتصادياً والمتقدم تكنولوجياً وعلمياً وبين عالم الجنوب الآخذ في النمو في بعض دوله، والمتخلف في المجالات الصناعية والمعرفية والتقنية في بعض الدول الأخرى تجعل مثل هذا الاندماج كذبة العصر – إن جاز التعبير – ذلك (أن أي اختلال في هذه الإمكانيات يعني اختلالاً في ميزان القوى سيؤثر إيجاباً أو سلباً في قدرة الدول على اللجوء إلى حق النقض. فالفكرة القائلة بأن من يملك قدرة التأثير بسبب امتلاكه القوة يمكنه أن يحدد مسار التعامل تتعمق يومياً داخل الإطار السياسي لكل دولة، حيث يمارس مالكو القوة تأثيراً مباشراً في كل المؤسسات السياسية وفي المصالح وحتى في الثقافة.
وهذا بلا شك إحدى نتائج وآثار عولمة الاقتصاد بصورة عالمية، فالانفتاح الاقتصادي بلا ضوابط أو معالم محددة تحده في انطلاقته العالمية سوف يجلب معه الكثير من المشكلات والتحديات ليس على مستوى العالم النامي، بل العالم كله وبرز هذا في مقولة (روبرت رايخ) عندما قال إن أربعة أخماس البشرية ستدفع إلى براثن الفاقة على يد قوى العولمة. لكن هذا لن يعني أن الخمس الباقي سيزدهر كله. فقط النخبة فيه المرتبطة بديناميات العولمة ستفعل ذلك، ويجب أن ننتظر نشوء عالم ثالث داخل العالم الأول.
لكن البعض يرى أن المرحلة المقبلة من النظام الاقتصادي الجديد الذي تعد العولمة إحدى ثماره البارزة في التعامل مع نتائجه كونياً هي في الواقع ممارسة أو تطبيق لثمار التقدم العلمي والتكنولوجي بأهداف معينة، ويمكن لهذه الأهداف أن تتغير بإرادة وعمل المجتمع البشري وقواه المهيمنة اقتصادياً وسياسياً.
لكن من المهم أيضاً الإشارة إلى المصالح والغايات الاقتصادية التي كانت الدافع الرئيسي لميلادها، ولا سيما بالنسبة للشركات المتعددة الجنسية التي تتمتع اليوم بثمار هذه الظاهرة بمقاييس كبيرة. فهذه الشركات تمثل اليوم العمود الفقري لشبكة العولمة الاقتصادية المتنامية، والدافع الرئيسي لتوسيع وتعميق ظاهرة التدويل في الحياة الاقتصادية.. فهل تنجح في فرضها من دون ردود فعل تحد من نطاق تطبيقها كنموذج ليبرالي مغاير للكثير من الأيديولوجيات والفلسفات الأخرى.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3359::/cck::
::introtext::
الذي يتابع الندوات والمؤتمرات المتعلقة بالسياسات الإصلاحية وضرورتها، وتطبيقات العولمة كظاهرة تتجه إلى التعميم والتطبيق عالمياً في الأسواق، يجد الآراء التي تتحدث عن الإيجابيات العظيمة والفوائد الكبيرة التي ستجنيها البشرية في ما لو تم تطبيقها، ويهاجمون منتقديها، ومنهم الدكتور علي حرب، إذ يتهمهم بالعجز والفشل في مناهضتهم لظاهرة العولمة، حيث يخلقون المتاريس لكل جديد ثم يسبقهم الحدث فلا يجدي نفعاً اختزال هذه الظاهرة الحضارية وهذه المنجزات التقنية إلى شكل جديد من أشكال النهب والهيمنة، لأننا بذلك تجرفنا العولمة ونتحول إلى جيب تاريخي يقع على هامشها، بقدر ما نتحدث عنها بلغة نضالية خلقية فقدت قدراتها على الفهم والتفسير، ومن يتخلى عن مهمة الفهم لا يحصد سوى العماء.
::/introtext::
::fulltext::
الذي يتابع الندوات والمؤتمرات المتعلقة بالسياسات الإصلاحية وضرورتها، وتطبيقات العولمة كظاهرة تتجه إلى التعميم والتطبيق عالمياً في الأسواق، يجد الآراء التي تتحدث عن الإيجابيات العظيمة والفوائد الكبيرة التي ستجنيها البشرية في ما لو تم تطبيقها، ويهاجمون منتقديها، ومنهم الدكتور علي حرب، إذ يتهمهم بالعجز والفشل في مناهضتهم لظاهرة العولمة، حيث يخلقون المتاريس لكل جديد ثم يسبقهم الحدث فلا يجدي نفعاً اختزال هذه الظاهرة الحضارية وهذه المنجزات التقنية إلى شكل جديد من أشكال النهب والهيمنة، لأننا بذلك تجرفنا العولمة ونتحول إلى جيب تاريخي يقع على هامشها، بقدر ما نتحدث عنها بلغة نضالية خلقية فقدت قدراتها على الفهم والتفسير، ومن يتخلى عن مهمة الفهم لا يحصد سوى العماء.
قد يكون دفاع الدكتور حرب وغيره من الباحثين والمفكرين عن العولمة له من المسوغات والتبريرات الواقعية وخاصة أن العالم العربي لا يسير بالوتيرة التي يمكن التعويل عليها لاستيعاب الطفرة الكبيرة والنظم المعرفية والعلمية المتسارعة والتي ستطرحها العولمة بشروطها! وخاصة في الجانب الاقتصادي الذي تعتمد عليه في سياستها واستراتيجيتها المقبلة.
وبدأت العولمة في المجال الاقتصـادي كنزعـة جديـدة ومخططــة لتعميم اقتصاديات السوق بصورة عالمية وكنتيجة طبيعية لانتهاء الحرب الباردة وسقوط الفكرة الاقتصادية المضادة للرأسمالية الاشتراكية المتمثلة في الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي، وسقوط الحواجز والحدود بفضل التطور الهائل في مجالات نظم الاتصال والمعلومات الفضائية والإعلامية وما تنطوي عليه من مضاميــن ورؤى اقتصادية وسياسية وتكنولوجية جديدة فرضت نفسها عالميــاً وأصبحت واقعاً لا مفر من رفض التعامل معه.
وبدأت فكرة العولمة الاقتصادية في الظهور كاستراتيجية جديدة للغرب عندما توصلت الولايات المتحدة في النصف الثاني من الثمانينات إلى نتيجة مفادها أنها ستحقق مكاسب أكثر لاقتصادها المتغير لو أنها فرضت على حلفائها وشركائها وتوابعها على امتداد العالم سياسة حرية التجارة، فإن ذلك سوف يمثل تطبيقاً نموذجياً لاستراتيجية (فتح الأسواق) كاستراتيجية مفضلة لدى الرأسمالية الكبرى عبر التاريخ المعاصر.
لكن فرنسا وبعض الأوروبيين اعترضوا على مفهوم الاندماج الكلي في فتح الأسواق وسيادة النموذج الأمريكي وذوبان الوطني في العالمي، وتعميق الهيمنة الاقتصادية والسياسية (من خلال الأفلام السمعية البصرية وتكريس القيم الاستهلاكية الأمريكية على حساب لغات أوروبية عريقة كالفرنسية والإيطالية).
ويعرب الأوروبيون عن قلقهم من تمزيق التعددية الثقافية مقابل هيمنة ثقافة الاستهلاك وتسيد الطرف الأقوى اقتصادياً وتهميش دور الطرف الأضعف، حيث يخشى أن تؤدي الوحدة الاقتصادية والسياسية بين دولها إلى إلغاء دور الدولة الوطنية في حفظ وإخصاب الثقافة الوطنية المؤسسة لهويتها كـدول من نـوع الدولــة – الأمة، الأمر الذي يهدد بانبعاث الإثنية والطائفية على مستوى القارة الأوروبية ككل وهي كثيرة ومتنوعة، مما سيجعل أوروبا تتحول من مجموعة من الدول الوطنية المعتزة بثقافتها المتمسكة بهويتها إلى فسيفساء من الإثنيات والطوائف والثقافات الفرعية لا يجمعها سوى سوق اقتصادية مشتركة.
ولعل أخطر الآراء وأقواها في مناقشة ظاهرة العولمة ما طرحته الأديبة الفرنسية (فيفيان فورستر) في كتابها المثير للجدل (الإرهاب الاقتصادي) والذي أثار ضجة في أوروبا وترجم إلى 10 لغات عالمية، وعبرت عن أن الهدف من إصدار هذا الكتاب هو رفع صوت الاحتجاج ضد نظام يمتص الناس حتى النخاع، وترى أن هناك مؤامرة دولية عالمية يحاول رجال السياسة والاقتصاد والمال والمنظمات الدولية إخفاء الحقائق عن الناس، وأن (الإرهاب الاقتصادي) هو نتيجة للمجتمع المادي الذي يهدف إلى الربح فقط، كما أنه نتيجة لتقنية (الأوتوماتية) و(العولمة) الاقتصادية التي تقوم على فكرة إنتاج المزيد من السلع والمنتجات بأقل عدد ممكن من اليد العاملة البشرية.
والسؤال المطروح الآن – كما يقول الدكتور برهان غليون – هو معرفة ما إذا كان معيار المردودية يمكن أن يشكل غاية في ذاته، وإذا كان نظام السوق يتيح وحده إقامة نظام سياسي واجتماعي حقيقي، وإذا كان ممكناً الاعتماد عليه لإطلاق النمو الاقتصادي فلا يمكنه أن يشكل سبب كينونة المجتمع، ولا يعطي معنى لوجود الإنسان، وإذا ما كان التحكم بآليات السوق هو الشرط الأول لإدارة اقتصادية جيدة، فإن التحكم السياسي بالاقتصاد هو الشرط إاقامة نظام اجتماعي قابل للحياة.
وحتى لا تثير موجة الليبرالية الاقتصادية الجديدة رد فعل شبيهاً بالشيوعية التي ولدتها الموجة الليبرالية الأولى للقرن التاسع عشر، ينبغي أن تكون عولمة السوق خاضعة لسياسة عالمية قادرة على ضبط تجاوزاتها، على أن تكون هذه السياسة بمستوى بروز أسرة دولية، أي سياسة يعززها إحساس حقيقي بالمسؤولية الجماعية والتماسك والتضامن.
هذه المخاوف من أنظمة الاقتصاديات الجديدة للعولمة والشكوك والتوجسات من تطبيقاتها الجديدة في ظل التفاوت الكبير بين الشمال المتفوق اقتصادياً والمتقدم تكنولوجياً وعلمياً وبين عالم الجنوب الآخذ في النمو في بعض دوله، والمتخلف في المجالات الصناعية والمعرفية والتقنية في بعض الدول الأخرى تجعل مثل هذا الاندماج كذبة العصر – إن جاز التعبير – ذلك (أن أي اختلال في هذه الإمكانيات يعني اختلالاً في ميزان القوى سيؤثر إيجاباً أو سلباً في قدرة الدول على اللجوء إلى حق النقض. فالفكرة القائلة بأن من يملك قدرة التأثير بسبب امتلاكه القوة يمكنه أن يحدد مسار التعامل تتعمق يومياً داخل الإطار السياسي لكل دولة، حيث يمارس مالكو القوة تأثيراً مباشراً في كل المؤسسات السياسية وفي المصالح وحتى في الثقافة.
وهذا بلا شك إحدى نتائج وآثار عولمة الاقتصاد بصورة عالمية، فالانفتاح الاقتصادي بلا ضوابط أو معالم محددة تحده في انطلاقته العالمية سوف يجلب معه الكثير من المشكلات والتحديات ليس على مستوى العالم النامي، بل العالم كله وبرز هذا في مقولة (روبرت رايخ) عندما قال إن أربعة أخماس البشرية ستدفع إلى براثن الفاقة على يد قوى العولمة. لكن هذا لن يعني أن الخمس الباقي سيزدهر كله. فقط النخبة فيه المرتبطة بديناميات العولمة ستفعل ذلك، ويجب أن ننتظر نشوء عالم ثالث داخل العالم الأول.
لكن البعض يرى أن المرحلة المقبلة من النظام الاقتصادي الجديد الذي تعد العولمة إحدى ثماره البارزة في التعامل مع نتائجه كونياً هي في الواقع ممارسة أو تطبيق لثمار التقدم العلمي والتكنولوجي بأهداف معينة، ويمكن لهذه الأهداف أن تتغير بإرادة وعمل المجتمع البشري وقواه المهيمنة اقتصادياً وسياسياً.
لكن من المهم أيضاً الإشارة إلى المصالح والغايات الاقتصادية التي كانت الدافع الرئيسي لميلادها، ولا سيما بالنسبة للشركات المتعددة الجنسية التي تتمتع اليوم بثمار هذه الظاهرة بمقاييس كبيرة. فهذه الشركات تمثل اليوم العمود الفقري لشبكة العولمة الاقتصادية المتنامية، والدافع الرئيسي لتوسيع وتعميق ظاهرة التدويل في الحياة الاقتصادية.. فهل تنجح في فرضها من دون ردود فعل تحد من نطاق تطبيقها كنموذج ليبرالي مغاير للكثير من الأيديولوجيات والفلسفات الأخرى.
::/fulltext::
::cck::3359::/cck::
