النووي الإيراني ونفاد صبر المجتمع الدولي

::cck::3366::/cck::
::introtext::

عادت أزمة الملف النووي الإيراني تتصاعد من جديد بعد أن كادت تجد حلاً يرضي الجميع مع الاقتراح الروسي بتأسيس منشأة مشتركة روسية – إيرانية على الأراضي الروسية تقوم بتخصيب اليورانيوم اللازم لتشغيل المحطات النووية الإيرانية، هذا الاقتراح الذي وافق عليه الأوروبيون ويلقى قبولاً من واشنطن، حيث يضمن عدم امتلاك إيران لدورة الوقود النووي الكاملة بحيث يمكنها الحصول على وقود مخصب بدرجة منخفضة لا تزيد على 5 في المائة يصلح لتشغيل المحطة النووية لكنه لا يصلح لتصنيع القنبلة النووية التي تحتاج ليورانيوم مخصب بدرجة أكثر من 30 في المائة، وقد أثار الرفض الإيراني للاقتراح الروسي تساؤلات وشكوكاً كثيرة حول نوايا طهران وأهداف برنامجها النووي، وزاد من حدة هذه الشكوك والمخاوف التصاعد الحاد في تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم تصريحات الرئيس أحمدي نجاد المستمرة ضد اليهود وإسرائيل والسياسة الأمريكية، الأمر الذي جعل المجتمع الدولي يزداد قلقه وشكوكه نحو إيران وجعل صبر الدوائر الغربية والوكالة الدولية للطاقة الذرية يكاد ينفد ويدفع باتجاه اتخاذ قرار حاسم ضد إيران وبتحويل ملفها النووي لمجلس الأمن الدولي.

::/introtext::
::fulltext::

عادت أزمة الملف النووي الإيراني تتصاعد من جديد بعد أن كادت تجد حلاً يرضي الجميع مع الاقتراح الروسي بتأسيس منشأة مشتركة روسية – إيرانية على الأراضي الروسية تقوم بتخصيب اليورانيوم اللازم لتشغيل المحطات النووية الإيرانية، هذا الاقتراح الذي وافق عليه الأوروبيون ويلقى قبولاً من واشنطن، حيث يضمن عدم امتلاك إيران لدورة الوقود النووي الكاملة بحيث يمكنها الحصول على وقود مخصب بدرجة منخفضة لا تزيد على 5 في المائة يصلح لتشغيل المحطة النووية لكنه لا يصلح لتصنيع القنبلة النووية التي تحتاج ليورانيوم مخصب بدرجة أكثر من 30 في المائة، وقد أثار الرفض الإيراني للاقتراح الروسي تساؤلات وشكوكاً كثيرة حول نوايا طهران وأهداف برنامجها النووي، وزاد من حدة هذه الشكوك والمخاوف التصاعد الحاد في تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم تصريحات الرئيس أحمدي نجاد المستمرة ضد اليهود وإسرائيل والسياسة الأمريكية، الأمر الذي جعل المجتمع الدولي يزداد قلقه وشكوكه نحو إيران وجعل صبر الدوائر الغربية والوكالة الدولية للطاقة الذرية يكاد ينفد ويدفع باتجاه اتخاذ قرار حاسم ضد إيران وبتحويل ملفها النووي لمجلس الأمن الدولي.
السعودية تتهم الغرب
على الجانب العربي تتصدر المملكة العربية السعودية حملة المعارضة والقلق من البرنامج النووي الإيراني وإن كانت الرياض لا ترغب في توقيع عقوبات على إيران وتعارض بشدة أي عمل عسكري ضدها، وهذا ما صرح به وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل الذي لم يتردد في تحميل الغرب نفسه المسؤولية عن تطور طموحات إيران النووية بسماحه لإسرائيل بامتلاك السلاح النووي، وأكد الفيصل على ضرورة الحل الدبلوماسي للأزمة وإن لم يخف تشاؤمه وتخوفه من فشل الحل الدبلوماسي. ودعا الفيصل الرئيس الإيراني نجاد إلى اتباع سياسة معتدلة، كما دعا إلى جعل منطقة الخليج خالية من أسلحة الدمار الشامل، وليس الغرب والعرب فقط بل أيضاً الصين واليابان اللتان أبديتا لأول مرة قلقهما تجاه النووي الإيراني، ورغم هذا لم تتراجع طهران بل زادت من حدة تصريحاتها وهددت في حالة إحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي بقطع علاقاتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهددت أيضاً بالانسحاب من المعاهدة الدولية الخاصة بحذر انتشار الأسلحة النووية والبروتوكول الملحق بها، وقررت الدول الأعضاء الخمس الدائمة في مجلس الأمن عقد اجتماع طارئ في لندن بحضور ألمانيا وممثلين للاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وخصص الاجتماع لبحث اتخاذ خطوة حاسمة لردع إيران وإجبارها على العدول عن قرارها. وتوقع الكثيرون أن يسفر هذا الاجتماع عن قرار حاسم مثل تحويل الملف النووي الإيراني لمجلس الأمن الدولي، وقبل انعقاد الاجتماع بساعات قليلة حذر الرئيس الروسي بوتين من اتخاذ أي موقف حاد ضد إيران، وقال إنه سيكون خطأ كبيراً، وأشار بوتين إلى أن إيران لم تبت نهائياً بعد بالاقتراح الروسي، وفي التوقيت نفسه تحدث وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في مؤتمر صحفي في لندن محذراً أيضاً من اتخاذ أي قرار بعقوبات ضد إيران، مفضلاً الاستمرار في المساعي الدبلوماسية.
تصميم على التخصيب
هذا التصعيد المفاجئ من جانب طهران يثير تساؤلات كثيرة، خاصة أن إيران كانت قد سبق ووافقت على عدم تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وتم الاتفاق على ذلك في المباحثات التي جرت في عام 2004 بين إيران والترويكا الأوروبية (بريطانيا – فرنسا – ألمانيا) وأيضاً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبناء على هذا الاتفاق تم إغلاق أربعة منشآت نووية في إيران كانت معدة لتخصيب اليورانيوم، وتم وضع الأختام الدولية عليها، واقترح الأوروبيون على طهران تزويدها بالوقود النووي اللازم لتشغيل محطاتها للأغراض السلمية، وأبدت إيران قبولاً وتفهماً للمقترحات الأوروبية، ولكنها عادت في يناير المنصرم لتتراجع عن اتفاقها، وقررت رفع الأختام الدولية عن المنشآت استعداداً لتشغيلها في عمليات التخصيب. وصرح رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني علاء الدين بورجردي بأن إيران لن تتنازل عن تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وأنها تسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية لمنشآت التخصيب الموجودة على أراضيها، وكان مقرراً أن تجرى مباحثات بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا في الخامس من يناير المنصرم، وتوجه بالفعل وفد إيراني إلى النمسا برئاسة محمد سعيدي نائب مدير المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، ولكن المباحثات لم تجر. وأعلنت المتحدثة باسم الوكالة الدولية (ميليسا فيلمينج) أن الوكالة رفضت إجراء المباحثات لأنها تعلم القرار الإيراني مسبقا، ولم يتحدد موعد آخر لهذه المباحثات، في التوقيت نفسه كان وفد روسي يزور طهران لإجراء مباحثات حول المقترح الروسي بشأن تخصيب اليورانيوم على الأراضي الروسية، وعاد الوفد لموسكو من دون تحقيق نتائج إيجابية وإن كان من المقرر أن يسافر وفد إيراني إلى موسكو في منتصف فبراير لإجراء جولة أخرى من المباحثات يأمل الكثيرون في أن تأتي بنتائج إيجابية.
وحول التصعيد الإيراني والاقتراح أو المبادرة الروسية يثور جدل كثير، البعض يتصور أن روسيا قررت أخيراً التدخل وفي هذا التوقيت بالتحديد بمبادرتها سعياً منها لتحسين سمعتها وتبرئة ساحتها حيال ما يثور حول توجهات سياستها الخارجية في مجال تصدير الطاقة وما يثار حول البرنامج النووي الإيراني من شكوك ومخاوف، وكتبت صحيفة (سيفودنيا) الروسية المستقلة تقول في هذا الشأن: (إن روسيا التي استلمت قيادة مجموعة الدول الثماني الكبار في مطلع العام الجاري ولمدة عام كامل قررت أن تنضم للمجتمع الدولي وللدول الكبرى في موقفها من البرنامج النووي الإيراني، رغم أنها هي القائمة على تنفيذه، لكنها هي نفسها لا تستطيع ضمان سلمية هذا البرنامج في المستقبل في حالة امتلاك إيران لدورة التخصيب الكامل للوقود النووي، خاصة أن موسكو أعلنت أنها ستطرح قضية أمن الطاقة على رأس جدول أعمال قمة الثمانية الكبار هذا العام).
واشنطن وتسييس الأزمة
رأي آخر يرى أن روسيا بمبادرتها هذه تسعى لفرض نفوذها من الآن وإلى أمد بعيد على البرنامج النووي الإيراني كوسيلة للحفاظ على ولاء إيران لموسكو وجعلها حليفة دائمة لها، وهذا الرأي تؤيده الدوائر المناهضة لروسيا في الغرب وخاصة في الكونجرس الأمريكي، كما يؤيده بعض أحزاب المعارضة الروسية، وقد كتبت صحيفة (لنتا ريو) المستقلة والمعارضة في روسيا تقول: (إن موسكو لا تستطيع أن تضع ثقتها الكاملة في إيران، وخاصة في ظل الظروف الدولية الحالية والضغوط الشديدة التي تتعرض لها إيران من قبل واشنطن التي تضع النظام الإيراني على رأس الأنظمة التي يجب تغييرها، وفي حالة تغيير النظام في إيران أو حدوث تغييرات في توجهات سياسة النظام القائم الآن فمن المرجح أن الأمور لن تكون في صالح روسيا، ولهذا تسعى روسيا لربط إيران بها من الآن بفرض هيمنتها على برنامجها النووي عن طريق تحكمها في وقود تشغيله، ولهذا قررت طرح مبادرتها هذه بتخصيب اليورانيوم على أراضيها). هذا الرأي الذي تروج له بعض الدوائر الأمريكية والمعارضة الروسية الرافضة لسياسات الرئيس فلاديمير بوتين يرفضه الكثيرون من المؤيدين لسياسة بوتين وتوجهاته، ومنهم المحلل السياسي الروسي ليف شيستاكوف الذي يقول: (إن صعود نجم روسيا في أسواق الطاقة العالمية في عهد الرئيس بوتين، سواء بتوجهات النفط الروسي في آسيا أو الغاز الروسي في أوروبا يثير قلق ومخاوف دوائر غربية كثيرة وخاصة في واشنطن التي تخشى من تغلغل النفوذ الروسي في العالم وخاصة في أوروبا عن طريق الطاقة، خاصة أن أوروبا أصبحت تعتمد على روسيا في أكثر من 60 في المائة من مستلزماتها من الغاز الطبيعي، وتحاول الجهات المناهضة لروسيا تشويه سمعتها في هذا المجال، وقد استغلت هذه الجهات بالفعل أزمة الغاز التي وقعت بين روسيا وأوكرانيا في مطلع العام الحالي وتهديدات موسكو بقطع الغاز عن أوكرانيا بسبب تعديل الأسعار، وحاولت واشنطن تسييس الأزمة ضد موسكو متهمة إياها بأنها تستخدم الطاقة لأغراض سياسية، وتهدف واشنطن من هذه الدعاية إلى إضعاف ثقة الأوروبيين في روسيا).
أزمة بين موسكو وطهران
رأي آخر يرى أن هناك بالفعل أزمة في العلاقات بين موسكو وطهران وخاصة بعد رفض موسكو واستنكارها لتصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد حول اليهود وإسرائيل، وتصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الذي استنكر فيه بشدة تمنيات الرئيس نجاد لشارون بالموت، وانتقد توجهات السياسة الإيرانية، ويرى أصحاب هذا الرأي أن طهران لا تثق بموسكو ثقة كاملة، وتعلم أن لروسيا مصالح كثيرة ومهمة مع الولايات المتحدة وأوروبا، ولا تريد طهران أن تضع مستقبل برنامجها النووي رهناً لتوجهات سياسات موسكو، التي لن ترجح في الغالب مصالحها مع إيران على مصالحها مع الغرب. ويقول مدير المركز الروسي للدراسات الإيرانية رجب صفروف الذي زار إيران مع تصاعد الأزمة: (إن البرنامج النووي يشكل بالنسبة للإيرانيين ليس مجرد مصدر للطاقة فقط، بل هو رمز قومي يتمسك به الجميع في إيران، ولهذا فإن إيران ترفض المقترح الروسي لأنه لا يضمن لها مستقبل هذا البرنامج ويجعله رهناً للمتغيرات السياسية في العالم) ويشير صفروف إلى أن الأوروبيين كانوا قد عرضوا على إيران عروضا مشابهة، ومنها توفير الوقود النووي لها من دول أوروبية، كما عرضوا عليها إغراءات أخرى مثل دعمها للانضمام لاتفاقية التجارة الحرة وإقامة علاقات تجارية واقتصادية معها وأيضاً تحسين علاقاتها مع واشنطن، ولكن إيران رفضت كل هذه العروض والإغراءات، وصممت على امتلاكها لدورة التخصيب الكامل لليورانيوم، ويرى صفروف أن إيران لن تقبل الاقتراح الروسي برمته، وأنه من الأرجح أن تصر إيران على الأقل على تخصيب جزء من اليورانيوم على أراضيها والباقي في روسيا.
تمثيلية روسية – إيرانية
الرأي الأخير الذي ربما يكون أكثر غرابة من الآراء السابقة، والذي تتبناه أيضاً جهات معارضة في روسيا وجهات مناهضة لروسيا في الغرب يقول إن هناك تمثيلية متفقاً عليها بين موسكو وطهران على تصعيد الأزمة في هذا التوقيت بالتحديد، وروسيا على أبواب رئاستها لقمة الثماني الكبار حتى يتسنى لروسيا إبداء بعض التشدد المتفق عليه مع طهران حول قضية التخصيب، حتى لا تتهم موسكو بأنها تقف ضد إرادة المجتمع الدولي، وأن المبادرة الروسية بالتخصيب على الأراضي الروسية متفق عليها مسبقاً مع إيران ومتفق أيضاً على رفضها من جانب إيران في البداية ثم الموافقة عليها بعد ذلك، وبهذا تبرأ ساحة كل من روسيا وإيران أمام المجتمع الدولي، ولا يبقى أمام الأوروبيين وواشنطن سوى قبول الأوضاع القائمة والأمر الواقع مادامت روسيا ستضمن لهم الإشراف الكامل على الوقود النووي اللازم لإيران بما يضمن لهم تماماً سلامة وسلمية البرنامج النووي الإيراني. ويقول أصحاب هذا الرأي إن موسكو وطهران نجحتا من وراء هذه التمثيلية في حصر قضية النووي الإيراني في السؤال حول (مكان تخصيب اليورانيوم)، بينما القضية كانت في الأساس رفض البرنامج النووي الإيراني ككل حسبما تريد واشنطن وإسرائيل، حيث ترى واشنطن أن حسم قضية مكان التخصيب لا يحل المشكلة، لأن مكان التخصيب خارج إيران ممكن أن ينتقل في المستقبل داخل إيران مادام البرنامج النووي قائماً ويعمل، ويثير أصحاب هذا الرأي الشكوك حول جهات أوروبية تدعم هذه التمثيلية ومشتركة فيها، ومنها فرنسا وربما ألمانيا المعارضتان لتوجهات واشنطن بعد الحرب على العراق.
العرب والنووي الإيراني
أيا كانت الآراء وأياً كان الجدل حول تصاعد أزمة النووي الإيراني، فإنه لا أحد ينكر أن الأزمة قائمة وتتصاعد وتثير مخاوف الكثيرين، وأن فرص الحلول للأزمة تقل وتتضاءل وتدعو للتشاؤم – كما قال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، – وأن العرب وخاصة دول الخليج العربية ليسوا بعيدين عن الأزمة بل هم جزء منها ومتأثرون بها إلى حد كبير، وأن وجود برنامج نووي كبير لدى إيران أيا كانت مصداقية سلميته يشكل (آجلاً أو عاجلاً) مصدر مخاوف وتهديدات لجيرانها العرب مثلما أشار إلى ذلك الأمير سعود الفيصل عندما تحدث في لندن عن حادثة مفاعل (تشيرنوبل) الذي انفجر في أوكرانيا عام 1986 وسبب أضراراً بالغة لمساحات شاسعة من الأراضي المحيطة به، وعلى العرب أن يكون لهم موقف محدد وواضح من هذه القضية من الآن قبل فوات الآوان، ولا أحد ينكر الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية في هذا المجال، سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي، وأيضاً على صعيد علاقاتها الطيبة والمتطورة دائماً بشكل ملحوظ مع روسيا، والتي أرست دعائمها زيارة خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى موسكو في سبتمبر عام 2003 عندما كان ولياً للعهد، هذه الزيارة وهذه العلاقة التي توليها موسكو أهمية كبيرة، ويمكن أن تلعب دوراً كبيراً في إيجاد التوازن مع العلاقات الروسية – الإيرانية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3366::/cck::
::introtext::

عادت أزمة الملف النووي الإيراني تتصاعد من جديد بعد أن كادت تجد حلاً يرضي الجميع مع الاقتراح الروسي بتأسيس منشأة مشتركة روسية – إيرانية على الأراضي الروسية تقوم بتخصيب اليورانيوم اللازم لتشغيل المحطات النووية الإيرانية، هذا الاقتراح الذي وافق عليه الأوروبيون ويلقى قبولاً من واشنطن، حيث يضمن عدم امتلاك إيران لدورة الوقود النووي الكاملة بحيث يمكنها الحصول على وقود مخصب بدرجة منخفضة لا تزيد على 5 في المائة يصلح لتشغيل المحطة النووية لكنه لا يصلح لتصنيع القنبلة النووية التي تحتاج ليورانيوم مخصب بدرجة أكثر من 30 في المائة، وقد أثار الرفض الإيراني للاقتراح الروسي تساؤلات وشكوكاً كثيرة حول نوايا طهران وأهداف برنامجها النووي، وزاد من حدة هذه الشكوك والمخاوف التصاعد الحاد في تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم تصريحات الرئيس أحمدي نجاد المستمرة ضد اليهود وإسرائيل والسياسة الأمريكية، الأمر الذي جعل المجتمع الدولي يزداد قلقه وشكوكه نحو إيران وجعل صبر الدوائر الغربية والوكالة الدولية للطاقة الذرية يكاد ينفد ويدفع باتجاه اتخاذ قرار حاسم ضد إيران وبتحويل ملفها النووي لمجلس الأمن الدولي.

::/introtext::
::fulltext::

عادت أزمة الملف النووي الإيراني تتصاعد من جديد بعد أن كادت تجد حلاً يرضي الجميع مع الاقتراح الروسي بتأسيس منشأة مشتركة روسية – إيرانية على الأراضي الروسية تقوم بتخصيب اليورانيوم اللازم لتشغيل المحطات النووية الإيرانية، هذا الاقتراح الذي وافق عليه الأوروبيون ويلقى قبولاً من واشنطن، حيث يضمن عدم امتلاك إيران لدورة الوقود النووي الكاملة بحيث يمكنها الحصول على وقود مخصب بدرجة منخفضة لا تزيد على 5 في المائة يصلح لتشغيل المحطة النووية لكنه لا يصلح لتصنيع القنبلة النووية التي تحتاج ليورانيوم مخصب بدرجة أكثر من 30 في المائة، وقد أثار الرفض الإيراني للاقتراح الروسي تساؤلات وشكوكاً كثيرة حول نوايا طهران وأهداف برنامجها النووي، وزاد من حدة هذه الشكوك والمخاوف التصاعد الحاد في تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم تصريحات الرئيس أحمدي نجاد المستمرة ضد اليهود وإسرائيل والسياسة الأمريكية، الأمر الذي جعل المجتمع الدولي يزداد قلقه وشكوكه نحو إيران وجعل صبر الدوائر الغربية والوكالة الدولية للطاقة الذرية يكاد ينفد ويدفع باتجاه اتخاذ قرار حاسم ضد إيران وبتحويل ملفها النووي لمجلس الأمن الدولي.
السعودية تتهم الغرب
على الجانب العربي تتصدر المملكة العربية السعودية حملة المعارضة والقلق من البرنامج النووي الإيراني وإن كانت الرياض لا ترغب في توقيع عقوبات على إيران وتعارض بشدة أي عمل عسكري ضدها، وهذا ما صرح به وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل الذي لم يتردد في تحميل الغرب نفسه المسؤولية عن تطور طموحات إيران النووية بسماحه لإسرائيل بامتلاك السلاح النووي، وأكد الفيصل على ضرورة الحل الدبلوماسي للأزمة وإن لم يخف تشاؤمه وتخوفه من فشل الحل الدبلوماسي. ودعا الفيصل الرئيس الإيراني نجاد إلى اتباع سياسة معتدلة، كما دعا إلى جعل منطقة الخليج خالية من أسلحة الدمار الشامل، وليس الغرب والعرب فقط بل أيضاً الصين واليابان اللتان أبديتا لأول مرة قلقهما تجاه النووي الإيراني، ورغم هذا لم تتراجع طهران بل زادت من حدة تصريحاتها وهددت في حالة إحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي بقطع علاقاتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهددت أيضاً بالانسحاب من المعاهدة الدولية الخاصة بحذر انتشار الأسلحة النووية والبروتوكول الملحق بها، وقررت الدول الأعضاء الخمس الدائمة في مجلس الأمن عقد اجتماع طارئ في لندن بحضور ألمانيا وممثلين للاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وخصص الاجتماع لبحث اتخاذ خطوة حاسمة لردع إيران وإجبارها على العدول عن قرارها. وتوقع الكثيرون أن يسفر هذا الاجتماع عن قرار حاسم مثل تحويل الملف النووي الإيراني لمجلس الأمن الدولي، وقبل انعقاد الاجتماع بساعات قليلة حذر الرئيس الروسي بوتين من اتخاذ أي موقف حاد ضد إيران، وقال إنه سيكون خطأ كبيراً، وأشار بوتين إلى أن إيران لم تبت نهائياً بعد بالاقتراح الروسي، وفي التوقيت نفسه تحدث وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في مؤتمر صحفي في لندن محذراً أيضاً من اتخاذ أي قرار بعقوبات ضد إيران، مفضلاً الاستمرار في المساعي الدبلوماسية.
تصميم على التخصيب
هذا التصعيد المفاجئ من جانب طهران يثير تساؤلات كثيرة، خاصة أن إيران كانت قد سبق ووافقت على عدم تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وتم الاتفاق على ذلك في المباحثات التي جرت في عام 2004 بين إيران والترويكا الأوروبية (بريطانيا – فرنسا – ألمانيا) وأيضاً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبناء على هذا الاتفاق تم إغلاق أربعة منشآت نووية في إيران كانت معدة لتخصيب اليورانيوم، وتم وضع الأختام الدولية عليها، واقترح الأوروبيون على طهران تزويدها بالوقود النووي اللازم لتشغيل محطاتها للأغراض السلمية، وأبدت إيران قبولاً وتفهماً للمقترحات الأوروبية، ولكنها عادت في يناير المنصرم لتتراجع عن اتفاقها، وقررت رفع الأختام الدولية عن المنشآت استعداداً لتشغيلها في عمليات التخصيب. وصرح رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني علاء الدين بورجردي بأن إيران لن تتنازل عن تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وأنها تسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية لمنشآت التخصيب الموجودة على أراضيها، وكان مقرراً أن تجرى مباحثات بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا في الخامس من يناير المنصرم، وتوجه بالفعل وفد إيراني إلى النمسا برئاسة محمد سعيدي نائب مدير المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، ولكن المباحثات لم تجر. وأعلنت المتحدثة باسم الوكالة الدولية (ميليسا فيلمينج) أن الوكالة رفضت إجراء المباحثات لأنها تعلم القرار الإيراني مسبقا، ولم يتحدد موعد آخر لهذه المباحثات، في التوقيت نفسه كان وفد روسي يزور طهران لإجراء مباحثات حول المقترح الروسي بشأن تخصيب اليورانيوم على الأراضي الروسية، وعاد الوفد لموسكو من دون تحقيق نتائج إيجابية وإن كان من المقرر أن يسافر وفد إيراني إلى موسكو في منتصف فبراير لإجراء جولة أخرى من المباحثات يأمل الكثيرون في أن تأتي بنتائج إيجابية.
وحول التصعيد الإيراني والاقتراح أو المبادرة الروسية يثور جدل كثير، البعض يتصور أن روسيا قررت أخيراً التدخل وفي هذا التوقيت بالتحديد بمبادرتها سعياً منها لتحسين سمعتها وتبرئة ساحتها حيال ما يثور حول توجهات سياستها الخارجية في مجال تصدير الطاقة وما يثار حول البرنامج النووي الإيراني من شكوك ومخاوف، وكتبت صحيفة (سيفودنيا) الروسية المستقلة تقول في هذا الشأن: (إن روسيا التي استلمت قيادة مجموعة الدول الثماني الكبار في مطلع العام الجاري ولمدة عام كامل قررت أن تنضم للمجتمع الدولي وللدول الكبرى في موقفها من البرنامج النووي الإيراني، رغم أنها هي القائمة على تنفيذه، لكنها هي نفسها لا تستطيع ضمان سلمية هذا البرنامج في المستقبل في حالة امتلاك إيران لدورة التخصيب الكامل للوقود النووي، خاصة أن موسكو أعلنت أنها ستطرح قضية أمن الطاقة على رأس جدول أعمال قمة الثمانية الكبار هذا العام).
واشنطن وتسييس الأزمة
رأي آخر يرى أن روسيا بمبادرتها هذه تسعى لفرض نفوذها من الآن وإلى أمد بعيد على البرنامج النووي الإيراني كوسيلة للحفاظ على ولاء إيران لموسكو وجعلها حليفة دائمة لها، وهذا الرأي تؤيده الدوائر المناهضة لروسيا في الغرب وخاصة في الكونجرس الأمريكي، كما يؤيده بعض أحزاب المعارضة الروسية، وقد كتبت صحيفة (لنتا ريو) المستقلة والمعارضة في روسيا تقول: (إن موسكو لا تستطيع أن تضع ثقتها الكاملة في إيران، وخاصة في ظل الظروف الدولية الحالية والضغوط الشديدة التي تتعرض لها إيران من قبل واشنطن التي تضع النظام الإيراني على رأس الأنظمة التي يجب تغييرها، وفي حالة تغيير النظام في إيران أو حدوث تغييرات في توجهات سياسة النظام القائم الآن فمن المرجح أن الأمور لن تكون في صالح روسيا، ولهذا تسعى روسيا لربط إيران بها من الآن بفرض هيمنتها على برنامجها النووي عن طريق تحكمها في وقود تشغيله، ولهذا قررت طرح مبادرتها هذه بتخصيب اليورانيوم على أراضيها). هذا الرأي الذي تروج له بعض الدوائر الأمريكية والمعارضة الروسية الرافضة لسياسات الرئيس فلاديمير بوتين يرفضه الكثيرون من المؤيدين لسياسة بوتين وتوجهاته، ومنهم المحلل السياسي الروسي ليف شيستاكوف الذي يقول: (إن صعود نجم روسيا في أسواق الطاقة العالمية في عهد الرئيس بوتين، سواء بتوجهات النفط الروسي في آسيا أو الغاز الروسي في أوروبا يثير قلق ومخاوف دوائر غربية كثيرة وخاصة في واشنطن التي تخشى من تغلغل النفوذ الروسي في العالم وخاصة في أوروبا عن طريق الطاقة، خاصة أن أوروبا أصبحت تعتمد على روسيا في أكثر من 60 في المائة من مستلزماتها من الغاز الطبيعي، وتحاول الجهات المناهضة لروسيا تشويه سمعتها في هذا المجال، وقد استغلت هذه الجهات بالفعل أزمة الغاز التي وقعت بين روسيا وأوكرانيا في مطلع العام الحالي وتهديدات موسكو بقطع الغاز عن أوكرانيا بسبب تعديل الأسعار، وحاولت واشنطن تسييس الأزمة ضد موسكو متهمة إياها بأنها تستخدم الطاقة لأغراض سياسية، وتهدف واشنطن من هذه الدعاية إلى إضعاف ثقة الأوروبيين في روسيا).
أزمة بين موسكو وطهران
رأي آخر يرى أن هناك بالفعل أزمة في العلاقات بين موسكو وطهران وخاصة بعد رفض موسكو واستنكارها لتصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد حول اليهود وإسرائيل، وتصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الذي استنكر فيه بشدة تمنيات الرئيس نجاد لشارون بالموت، وانتقد توجهات السياسة الإيرانية، ويرى أصحاب هذا الرأي أن طهران لا تثق بموسكو ثقة كاملة، وتعلم أن لروسيا مصالح كثيرة ومهمة مع الولايات المتحدة وأوروبا، ولا تريد طهران أن تضع مستقبل برنامجها النووي رهناً لتوجهات سياسات موسكو، التي لن ترجح في الغالب مصالحها مع إيران على مصالحها مع الغرب. ويقول مدير المركز الروسي للدراسات الإيرانية رجب صفروف الذي زار إيران مع تصاعد الأزمة: (إن البرنامج النووي يشكل بالنسبة للإيرانيين ليس مجرد مصدر للطاقة فقط، بل هو رمز قومي يتمسك به الجميع في إيران، ولهذا فإن إيران ترفض المقترح الروسي لأنه لا يضمن لها مستقبل هذا البرنامج ويجعله رهناً للمتغيرات السياسية في العالم) ويشير صفروف إلى أن الأوروبيين كانوا قد عرضوا على إيران عروضا مشابهة، ومنها توفير الوقود النووي لها من دول أوروبية، كما عرضوا عليها إغراءات أخرى مثل دعمها للانضمام لاتفاقية التجارة الحرة وإقامة علاقات تجارية واقتصادية معها وأيضاً تحسين علاقاتها مع واشنطن، ولكن إيران رفضت كل هذه العروض والإغراءات، وصممت على امتلاكها لدورة التخصيب الكامل لليورانيوم، ويرى صفروف أن إيران لن تقبل الاقتراح الروسي برمته، وأنه من الأرجح أن تصر إيران على الأقل على تخصيب جزء من اليورانيوم على أراضيها والباقي في روسيا.
تمثيلية روسية – إيرانية
الرأي الأخير الذي ربما يكون أكثر غرابة من الآراء السابقة، والذي تتبناه أيضاً جهات معارضة في روسيا وجهات مناهضة لروسيا في الغرب يقول إن هناك تمثيلية متفقاً عليها بين موسكو وطهران على تصعيد الأزمة في هذا التوقيت بالتحديد، وروسيا على أبواب رئاستها لقمة الثماني الكبار حتى يتسنى لروسيا إبداء بعض التشدد المتفق عليه مع طهران حول قضية التخصيب، حتى لا تتهم موسكو بأنها تقف ضد إرادة المجتمع الدولي، وأن المبادرة الروسية بالتخصيب على الأراضي الروسية متفق عليها مسبقاً مع إيران ومتفق أيضاً على رفضها من جانب إيران في البداية ثم الموافقة عليها بعد ذلك، وبهذا تبرأ ساحة كل من روسيا وإيران أمام المجتمع الدولي، ولا يبقى أمام الأوروبيين وواشنطن سوى قبول الأوضاع القائمة والأمر الواقع مادامت روسيا ستضمن لهم الإشراف الكامل على الوقود النووي اللازم لإيران بما يضمن لهم تماماً سلامة وسلمية البرنامج النووي الإيراني. ويقول أصحاب هذا الرأي إن موسكو وطهران نجحتا من وراء هذه التمثيلية في حصر قضية النووي الإيراني في السؤال حول (مكان تخصيب اليورانيوم)، بينما القضية كانت في الأساس رفض البرنامج النووي الإيراني ككل حسبما تريد واشنطن وإسرائيل، حيث ترى واشنطن أن حسم قضية مكان التخصيب لا يحل المشكلة، لأن مكان التخصيب خارج إيران ممكن أن ينتقل في المستقبل داخل إيران مادام البرنامج النووي قائماً ويعمل، ويثير أصحاب هذا الرأي الشكوك حول جهات أوروبية تدعم هذه التمثيلية ومشتركة فيها، ومنها فرنسا وربما ألمانيا المعارضتان لتوجهات واشنطن بعد الحرب على العراق.
العرب والنووي الإيراني
أيا كانت الآراء وأياً كان الجدل حول تصاعد أزمة النووي الإيراني، فإنه لا أحد ينكر أن الأزمة قائمة وتتصاعد وتثير مخاوف الكثيرين، وأن فرص الحلول للأزمة تقل وتتضاءل وتدعو للتشاؤم – كما قال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، – وأن العرب وخاصة دول الخليج العربية ليسوا بعيدين عن الأزمة بل هم جزء منها ومتأثرون بها إلى حد كبير، وأن وجود برنامج نووي كبير لدى إيران أيا كانت مصداقية سلميته يشكل (آجلاً أو عاجلاً) مصدر مخاوف وتهديدات لجيرانها العرب مثلما أشار إلى ذلك الأمير سعود الفيصل عندما تحدث في لندن عن حادثة مفاعل (تشيرنوبل) الذي انفجر في أوكرانيا عام 1986 وسبب أضراراً بالغة لمساحات شاسعة من الأراضي المحيطة به، وعلى العرب أن يكون لهم موقف محدد وواضح من هذه القضية من الآن قبل فوات الآوان، ولا أحد ينكر الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية في هذا المجال، سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي، وأيضاً على صعيد علاقاتها الطيبة والمتطورة دائماً بشكل ملحوظ مع روسيا، والتي أرست دعائمها زيارة خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى موسكو في سبتمبر عام 2003 عندما كان ولياً للعهد، هذه الزيارة وهذه العلاقة التي توليها موسكو أهمية كبيرة، ويمكن أن تلعب دوراً كبيراً في إيجاد التوازن مع العلاقات الروسية – الإيرانية.

::/fulltext::
::cck::3366::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *