القيادة الأمريكية والسياسة العالمية بعد الحرب على العراق

::cck::3385::/cck::
::introtext::

وجد الأكاديميون السياسيون وصانعو السياسات أنفسهم أمام معضلة تتعلق بالقيادة الدولية، وذلك أثناء الاستعدادات للحرب الأمريكية على العراق، وشن هذه الحرب دون غطاء من الشرعية الدولية. وقد انقسم العالم بسبب ذلك إلى قسمين: معسكر أحادي الجانب ومعسكر متعدد الجوانب، وأثيرت مخاوف كثيرة خلال الإعداد للحرب الأمريكية على العراق، وذلك بشأن نقص الروابط بين الإرهاب والعراق، وأهمية تطبيق القانون الدولي في هذه الحالة. لكن القيادة الأمريكية للعالم فرضت إرادتها على الجميع، بغض النظر عن فشل سجل الأحادية في مجال بناء الدول وتشجيع نشر الديمقراطية.

::/introtext::
::fulltext::

وجد الأكاديميون السياسيون وصانعو السياسات أنفسهم أمام معضلة تتعلق بالقيادة الدولية، وذلك أثناء الاستعدادات للحرب الأمريكية على العراق، وشن هذه الحرب دون غطاء من الشرعية الدولية. وقد انقسم العالم بسبب ذلك إلى قسمين: معسكر أحادي الجانب ومعسكر متعدد الجوانب، وأثيرت مخاوف كثيرة خلال الإعداد للحرب الأمريكية على العراق، وذلك بشأن نقص الروابط بين الإرهاب والعراق، وأهمية تطبيق القانون الدولي في هذه الحالة. لكن القيادة الأمريكية للعالم فرضت إرادتها على الجميع، بغض النظر عن فشل سجل الأحادية في مجال بناء الدول وتشجيع نشر الديمقراطية.

وقد ثبت بعد ثلاثة أعوام أن هذه المخاوف كانت دقيقة، فلم نشهد قيام ديمقراطية في العراق، وشهدنا تصاعداً في الهجمات الإرهابية التي لم تصب الدول الغربية فحسب، بل أصابت أيضاً الدول العربية والإسلامية. ومن المهم ملاحظة أن المعلومات توضح أن العالم العربي عانى من هجمات إرهابـيـي )القاعدة( أكثر مما عانت الدول الغربية. وغني عن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية خفضت منذ شهر أغسطس 2005 سقف توقعاتها في العراق وبقية أنحاء العالم. وهي الآن ليست متحمسة جداً بشأن نشر الديمقراطية. وقد قال السيناتور جوزيف بيدن في مقابلة معه في نهاية شهر أغسطس 2005. إن الإدارة الأمريكية تفتقر إلى الرؤية والأهداف الاستراتيجية في العراق.

 

لقد قادت القيادة الأمريكية العالم نحو نفق مجهول، ولا أحد يدري إلى أين نسير؟ وتكشف متابعة التصريحات الصادرة عن هذه الإدارة، في الأشهر التالية لمنتصف عام 2005 عن عدم وجود رؤية واضحة وقيادة في هذا العالم.

 

ومعلوم أن الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بقوة أكبر كثيراً من الدول المنافسة الأخرى في العالم، بما في ذلك اليابان وأوروبا والصين وروسيا، لكن يبدو أنها لا تملك رؤية لكيفية استخدام قوتها للتأثير في نتائج التفاعلات الدولية، بحيث يتم التوصل إلى نوع من الشرعية الدولية المقبولة. ولست شخصياً من خصوم الولايات المتحدة، غير أنني أنصحها باستخدام قواها لمصلحتها الذاتية ولمصلحة العالم كله أيضاً، ويجب أن يتصرف قادة العالم، وكأنهم قائد واحد، وإلاّ لن نجد دعماً للمبادرات الأمريكية على الصعيد العالمي.

 

لقد ركزت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية على خيار القوة العسكرية في التعامل مع الإرهاب بدلاً من استخدام بدائل أخرى، مثل الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية، وبخاصة في العالم الإسلامي والعربي، وقد أخافَ هذا الأسلوبُ جميعَ الدول العربية في ما يتعلق بالقيادة الأمريكية لهذا العالم. ويؤكد كثيرون أن الحرب على العراق لم تكن الخيار المناسب للحرب على الإرهاب، بينما يوافق كثيرون على أن القرار في حالة أفغانستان كان صحيحاً. وتتفق دول كثيرة بما فيها أوروبا حول وجهة النظر القائلة باللجوء إلى المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، وعدم استخدام الوسائل والخيارات العسكرية من دون مظلة من القانون الدولي. ومن الجدير بالذكر أن تكاليف حرب العراق تزيد على ضعفي الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية كلها. وتثير تكاليف هذه الحرب تساؤلات عدة تتعلق بالفساد والمصالح الشخصية، كما أنه لم يتم إنفاق ولو جزءاً بسيطاً من هذه الأموال على مكافحة الإيدز أو الفقر أو التلوث أو أي قضايا أمنية حساسة أخرى أو لإعطاء بعض الاهتمام لإفريقيا المهملة بكل ما تواجهه من مشكلات.

 

وتبين أن الحرب على العراق وهدف الولايات المتحدة بشـأن محاربة (محور الشر) قد أخفقا تماماً، وقد كانت إيران والعراق وكوريا الشمالية الأهداف الرئيسية للقيادة الدولية الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، غير أن واشنطن لم تحقق أهدافها، وذلك بعد مرور أعوام على ذلك التاريخ. صحيح أن الأمريكيين غيروا نظام الحكم في العراق إلا أنهم لم يستطيعوا بناء السلام أو البدء في إعادة إعمار العراق، ويتحول الآن حلم الديمقراطية إلى حرب أهلية بين الأطراف الرئيسية الثلاثة في العراق، وتراجع الدعم الشعبي الأمريكي للحرب خلال الأشهر الأخيرة من عام 2005.

ولا تستطيع الولايات المتحدة استخدام القوة في حالة كوريا الشمالية وذلك لأسباب عدة أبسطها الفشل في العراق، كما أن إيران في طريقها إلى أن تصبح قوة نووية، وذلك على الرغم من الاعتراضات الأمريكية، ولم نـرَ قيادة الولايات المتحدة تشجع الديمقراطية في العالم العربي في المسائل الأخرى، بل إنها دفعت بها إلى الخلف.

وأحد أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط هو الإبقاء على تدفق البترول منه إلى العالم، لكن أسعار النفط صعدت إلى مستويات عالية جداً تؤثر سلباً في اقتصاد العالم الثالث، وحققت دخلاً عالياً جداً بالنسبة للدول المنتجة للنفط، سوف تستخدمه في تأخير فرص قيام الديمقراطية. وتـُـرِك الصراع العربي ـ الإسرائيلي، الذي يحتاج إلى القيادة الأمريكية، ليكون وفق رغبات الحكومة اليمينية الإسرائيلية من دون وجود دور للولايات المتحدة.

إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع تحمل الاستمرار في الخسارة، ويحتاج العالم إلى القيادة الأمريكية وإلى التحرك، لكن الولايات المتحدة فشلت حتى الآن لأسباب عدة في تزويد العالم بما يحتاج إليه، كما أن دولاً أخرى لا تملك متطلبات الرغبة في التقدم.

وسوف يواجه العالم مشكلات كثيرة جداً لأن القوى الأخرى فيه لا تملك القدرات اللازمة للتعامل معه. وربما يحتاج العالم كله إلى قيادة أمريكية أكثر من أي وقت مضى، لكن الولايات المتحدة وضعت أولوياتها في المقدمة، وركزت كثيراً على الخيارات العسكرية، أكثر مما اهتمت باستخدام الخيارات الأخرى الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها. والخيار العسكري هو أسهل ما يمكن اتخاذه من خيارات لأنه لا يحتاج إلى رؤية، وهو أداة الضعيف أكثر مما يُعتبـَـر أداة القوي.

وقد دعا كثيرون، وبينهم كوفي أنان الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة إلى وجود ديمقراطية أكثر في المنظمة الدولية، وخاصة في موضوع قبول أعضاء جدد في مجلس الأمن الدولي. وقد واجهت جهود الإصلاح في الأمم المتحدة للتعامل بفاعلية مع المشكلات العالمية معارضة من جانب الولايات المتحدة، وأخذ كثيرون في أرجاء العالم يدركون أن أزمة القيادة التي نواجهها في العالم، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر المأساوية، سببها الولايات المتحدة الأمريكية.

إننا نتفق جميعاً على أن الإرهاب خطر رئيسي يواجهه الأمن العالمي، ولا نتفق جميعاً على أن استخدام الخيار العسكري هو الحل الوحيد لمواجهة الإرهاب في هذا العالم. وقد أكد الوضع في العراق صحة هذه الحقيقة، وأخذ كثير من صانعي السياسة في الولايات المتحدة يتحدثون منذ منتصف عام 2005 عن الحاجة إلى استخدام أدوات أخرى إلى جانب القوة العسكرية للتعامل مع هذه القضية. فليس بالإمكان جعل الصواريخ تحلق في السماء طيلة الوقت.

ومن المعروف أن الإرهاب ليس المشكلة الوحيدة التي واجهها العالم، وأن أهمية القيادة العالمية تأتي من التعامل مع عدد كبير جداً من المشكلات التي يواجهها هذا العالم الذي نعيش فيه جميعاً، فالمجاعة والفقر والتلوث والبطالة وهي عوامل مسببة لغياب الأمن، ما هي إلاّ بعض المشكلات الملحة التي تحتاج إلى قيادة عالمية، لكنها تحظى بالقليل من الاهتمام من جانب قائد العالم الحالي، أي الولايات المتحدة. وقد نتفق مع كثيرين على القول إن الولايات المتحدة هي الطبيب الوحيد في المدينة، وإن على الجميع التعامل مع هذا الطبيب، لكنه يبدو أنه لا يملك المعدات الملائمة، وليس متخصصاً، أو أنه يهتم بنوع واحد من الأمراض، وهو (الإرهاب). ولهذا، فإن التحدي الرئيسي أمامنا، يتمثل في إيجاد وسيلة لإقناع قائد هذا العالم بإعطاء اهتمام أكبر للمشكلات الأخرى التي ستسير في طريق الحل، إذا وجدت العناية الكافية بها.

وتخطر في الذهن اقتراحات عدة عند محاولة مساعدة الولايات المتحدة على مساعدة نفسها ومساعدة العالم. ولأننا نعيش في هذا العالم معاً، ولأن هذا العالم أصبح مسطحاً، كما وصفه أحد الصحافيين الأمريكيين، فإننا نرى جميعاً بعضنا بعضاً، ولا نستطيع أن نتجاهل المشكلات، أو نفترض أنها ليست موجودة.

على الولايات المتحدة أن تعود إلى المجتمع الدولي تحت مظلة هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لدى اتخاذ أي قرار تحرك في المستقبل، ويجب أن تـُـعـاد قضية العراق إلى مجلس الأمن الدولي، وسوف يوفر هذا مخرجاً سياسياً للولايات المتحدة لأن فشلها في العراق سيجعل الأوضاع أكثر سوءاً. ويجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تبدأ مهمة إصلاح صورتها العالمية في أوروبا والعالمين العربي والإسلامي.

كما يجب عليها أن تبدأ في استعادة احترامها وصورتها العالمية التي اكتسبتها خلال فترة الحرب الباردة في مكافحة الشيوعية، وعمليات إعادة إعمار أوروبا واليابان. وأخيراً على الولايات المتحدة إظهار اهتمام أكبر بقضايا الكرامة الإنسانية، وبدء جهود قيام الديمقراطية في العالم العربي، وإلاّ سوف يواجه العالم مشكلات أكثر، وسيكسب الإرهابيون بسبب ضعف فاعلية الشرعية والقيادة الأمريكية.

 

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3385::/cck::
::introtext::

وجد الأكاديميون السياسيون وصانعو السياسات أنفسهم أمام معضلة تتعلق بالقيادة الدولية، وذلك أثناء الاستعدادات للحرب الأمريكية على العراق، وشن هذه الحرب دون غطاء من الشرعية الدولية. وقد انقسم العالم بسبب ذلك إلى قسمين: معسكر أحادي الجانب ومعسكر متعدد الجوانب، وأثيرت مخاوف كثيرة خلال الإعداد للحرب الأمريكية على العراق، وذلك بشأن نقص الروابط بين الإرهاب والعراق، وأهمية تطبيق القانون الدولي في هذه الحالة. لكن القيادة الأمريكية للعالم فرضت إرادتها على الجميع، بغض النظر عن فشل سجل الأحادية في مجال بناء الدول وتشجيع نشر الديمقراطية.

::/introtext::
::fulltext::

وجد الأكاديميون السياسيون وصانعو السياسات أنفسهم أمام معضلة تتعلق بالقيادة الدولية، وذلك أثناء الاستعدادات للحرب الأمريكية على العراق، وشن هذه الحرب دون غطاء من الشرعية الدولية. وقد انقسم العالم بسبب ذلك إلى قسمين: معسكر أحادي الجانب ومعسكر متعدد الجوانب، وأثيرت مخاوف كثيرة خلال الإعداد للحرب الأمريكية على العراق، وذلك بشأن نقص الروابط بين الإرهاب والعراق، وأهمية تطبيق القانون الدولي في هذه الحالة. لكن القيادة الأمريكية للعالم فرضت إرادتها على الجميع، بغض النظر عن فشل سجل الأحادية في مجال بناء الدول وتشجيع نشر الديمقراطية.

وقد ثبت بعد ثلاثة أعوام أن هذه المخاوف كانت دقيقة، فلم نشهد قيام ديمقراطية في العراق، وشهدنا تصاعداً في الهجمات الإرهابية التي لم تصب الدول الغربية فحسب، بل أصابت أيضاً الدول العربية والإسلامية. ومن المهم ملاحظة أن المعلومات توضح أن العالم العربي عانى من هجمات إرهابـيـي )القاعدة( أكثر مما عانت الدول الغربية. وغني عن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية خفضت منذ شهر أغسطس 2005 سقف توقعاتها في العراق وبقية أنحاء العالم. وهي الآن ليست متحمسة جداً بشأن نشر الديمقراطية. وقد قال السيناتور جوزيف بيدن في مقابلة معه في نهاية شهر أغسطس 2005. إن الإدارة الأمريكية تفتقر إلى الرؤية والأهداف الاستراتيجية في العراق.

 

لقد قادت القيادة الأمريكية العالم نحو نفق مجهول، ولا أحد يدري إلى أين نسير؟ وتكشف متابعة التصريحات الصادرة عن هذه الإدارة، في الأشهر التالية لمنتصف عام 2005 عن عدم وجود رؤية واضحة وقيادة في هذا العالم.

 

ومعلوم أن الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بقوة أكبر كثيراً من الدول المنافسة الأخرى في العالم، بما في ذلك اليابان وأوروبا والصين وروسيا، لكن يبدو أنها لا تملك رؤية لكيفية استخدام قوتها للتأثير في نتائج التفاعلات الدولية، بحيث يتم التوصل إلى نوع من الشرعية الدولية المقبولة. ولست شخصياً من خصوم الولايات المتحدة، غير أنني أنصحها باستخدام قواها لمصلحتها الذاتية ولمصلحة العالم كله أيضاً، ويجب أن يتصرف قادة العالم، وكأنهم قائد واحد، وإلاّ لن نجد دعماً للمبادرات الأمريكية على الصعيد العالمي.

 

لقد ركزت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية على خيار القوة العسكرية في التعامل مع الإرهاب بدلاً من استخدام بدائل أخرى، مثل الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية، وبخاصة في العالم الإسلامي والعربي، وقد أخافَ هذا الأسلوبُ جميعَ الدول العربية في ما يتعلق بالقيادة الأمريكية لهذا العالم. ويؤكد كثيرون أن الحرب على العراق لم تكن الخيار المناسب للحرب على الإرهاب، بينما يوافق كثيرون على أن القرار في حالة أفغانستان كان صحيحاً. وتتفق دول كثيرة بما فيها أوروبا حول وجهة النظر القائلة باللجوء إلى المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، وعدم استخدام الوسائل والخيارات العسكرية من دون مظلة من القانون الدولي. ومن الجدير بالذكر أن تكاليف حرب العراق تزيد على ضعفي الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية كلها. وتثير تكاليف هذه الحرب تساؤلات عدة تتعلق بالفساد والمصالح الشخصية، كما أنه لم يتم إنفاق ولو جزءاً بسيطاً من هذه الأموال على مكافحة الإيدز أو الفقر أو التلوث أو أي قضايا أمنية حساسة أخرى أو لإعطاء بعض الاهتمام لإفريقيا المهملة بكل ما تواجهه من مشكلات.

 

وتبين أن الحرب على العراق وهدف الولايات المتحدة بشـأن محاربة (محور الشر) قد أخفقا تماماً، وقد كانت إيران والعراق وكوريا الشمالية الأهداف الرئيسية للقيادة الدولية الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، غير أن واشنطن لم تحقق أهدافها، وذلك بعد مرور أعوام على ذلك التاريخ. صحيح أن الأمريكيين غيروا نظام الحكم في العراق إلا أنهم لم يستطيعوا بناء السلام أو البدء في إعادة إعمار العراق، ويتحول الآن حلم الديمقراطية إلى حرب أهلية بين الأطراف الرئيسية الثلاثة في العراق، وتراجع الدعم الشعبي الأمريكي للحرب خلال الأشهر الأخيرة من عام 2005.

ولا تستطيع الولايات المتحدة استخدام القوة في حالة كوريا الشمالية وذلك لأسباب عدة أبسطها الفشل في العراق، كما أن إيران في طريقها إلى أن تصبح قوة نووية، وذلك على الرغم من الاعتراضات الأمريكية، ولم نـرَ قيادة الولايات المتحدة تشجع الديمقراطية في العالم العربي في المسائل الأخرى، بل إنها دفعت بها إلى الخلف.

وأحد أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط هو الإبقاء على تدفق البترول منه إلى العالم، لكن أسعار النفط صعدت إلى مستويات عالية جداً تؤثر سلباً في اقتصاد العالم الثالث، وحققت دخلاً عالياً جداً بالنسبة للدول المنتجة للنفط، سوف تستخدمه في تأخير فرص قيام الديمقراطية. وتـُـرِك الصراع العربي ـ الإسرائيلي، الذي يحتاج إلى القيادة الأمريكية، ليكون وفق رغبات الحكومة اليمينية الإسرائيلية من دون وجود دور للولايات المتحدة.

إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع تحمل الاستمرار في الخسارة، ويحتاج العالم إلى القيادة الأمريكية وإلى التحرك، لكن الولايات المتحدة فشلت حتى الآن لأسباب عدة في تزويد العالم بما يحتاج إليه، كما أن دولاً أخرى لا تملك متطلبات الرغبة في التقدم.

وسوف يواجه العالم مشكلات كثيرة جداً لأن القوى الأخرى فيه لا تملك القدرات اللازمة للتعامل معه. وربما يحتاج العالم كله إلى قيادة أمريكية أكثر من أي وقت مضى، لكن الولايات المتحدة وضعت أولوياتها في المقدمة، وركزت كثيراً على الخيارات العسكرية، أكثر مما اهتمت باستخدام الخيارات الأخرى الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها. والخيار العسكري هو أسهل ما يمكن اتخاذه من خيارات لأنه لا يحتاج إلى رؤية، وهو أداة الضعيف أكثر مما يُعتبـَـر أداة القوي.

وقد دعا كثيرون، وبينهم كوفي أنان الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة إلى وجود ديمقراطية أكثر في المنظمة الدولية، وخاصة في موضوع قبول أعضاء جدد في مجلس الأمن الدولي. وقد واجهت جهود الإصلاح في الأمم المتحدة للتعامل بفاعلية مع المشكلات العالمية معارضة من جانب الولايات المتحدة، وأخذ كثيرون في أرجاء العالم يدركون أن أزمة القيادة التي نواجهها في العالم، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر المأساوية، سببها الولايات المتحدة الأمريكية.

إننا نتفق جميعاً على أن الإرهاب خطر رئيسي يواجهه الأمن العالمي، ولا نتفق جميعاً على أن استخدام الخيار العسكري هو الحل الوحيد لمواجهة الإرهاب في هذا العالم. وقد أكد الوضع في العراق صحة هذه الحقيقة، وأخذ كثير من صانعي السياسة في الولايات المتحدة يتحدثون منذ منتصف عام 2005 عن الحاجة إلى استخدام أدوات أخرى إلى جانب القوة العسكرية للتعامل مع هذه القضية. فليس بالإمكان جعل الصواريخ تحلق في السماء طيلة الوقت.

ومن المعروف أن الإرهاب ليس المشكلة الوحيدة التي واجهها العالم، وأن أهمية القيادة العالمية تأتي من التعامل مع عدد كبير جداً من المشكلات التي يواجهها هذا العالم الذي نعيش فيه جميعاً، فالمجاعة والفقر والتلوث والبطالة وهي عوامل مسببة لغياب الأمن، ما هي إلاّ بعض المشكلات الملحة التي تحتاج إلى قيادة عالمية، لكنها تحظى بالقليل من الاهتمام من جانب قائد العالم الحالي، أي الولايات المتحدة. وقد نتفق مع كثيرين على القول إن الولايات المتحدة هي الطبيب الوحيد في المدينة، وإن على الجميع التعامل مع هذا الطبيب، لكنه يبدو أنه لا يملك المعدات الملائمة، وليس متخصصاً، أو أنه يهتم بنوع واحد من الأمراض، وهو (الإرهاب). ولهذا، فإن التحدي الرئيسي أمامنا، يتمثل في إيجاد وسيلة لإقناع قائد هذا العالم بإعطاء اهتمام أكبر للمشكلات الأخرى التي ستسير في طريق الحل، إذا وجدت العناية الكافية بها.

وتخطر في الذهن اقتراحات عدة عند محاولة مساعدة الولايات المتحدة على مساعدة نفسها ومساعدة العالم. ولأننا نعيش في هذا العالم معاً، ولأن هذا العالم أصبح مسطحاً، كما وصفه أحد الصحافيين الأمريكيين، فإننا نرى جميعاً بعضنا بعضاً، ولا نستطيع أن نتجاهل المشكلات، أو نفترض أنها ليست موجودة.

على الولايات المتحدة أن تعود إلى المجتمع الدولي تحت مظلة هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لدى اتخاذ أي قرار تحرك في المستقبل، ويجب أن تـُـعـاد قضية العراق إلى مجلس الأمن الدولي، وسوف يوفر هذا مخرجاً سياسياً للولايات المتحدة لأن فشلها في العراق سيجعل الأوضاع أكثر سوءاً. ويجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تبدأ مهمة إصلاح صورتها العالمية في أوروبا والعالمين العربي والإسلامي.

كما يجب عليها أن تبدأ في استعادة احترامها وصورتها العالمية التي اكتسبتها خلال فترة الحرب الباردة في مكافحة الشيوعية، وعمليات إعادة إعمار أوروبا واليابان. وأخيراً على الولايات المتحدة إظهار اهتمام أكبر بقضايا الكرامة الإنسانية، وبدء جهود قيام الديمقراطية في العالم العربي، وإلاّ سوف يواجه العالم مشكلات أكثر، وسيكسب الإرهابيون بسبب ضعف فاعلية الشرعية والقيادة الأمريكية.

 

 

::/fulltext::
::cck::3385::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *