مقاربة أولية لقضية الدفاع الجوي في دول المنطقة

::cck::3408::/cck::
::introtext::

لا ريب في أن كل مراقب بإمكانه أن يتلمس اليوم، وعلى نحو واضح، سعياً حثيثاً من دول المنطقة لتعزيز قدراتها الدفاعية، الجوية منها على وجه خاص. وعلى الرغم من ذلك، تبدو ثمة ضرورة متزايدة لتعزيز قدرات الردع، وبصفة خاصة الردع الصاروخي، حيث إن العلاقة بين الدفاع والردع ليست ذات طبيعة تفاضلية، بل هي بالضرورة ذات منحى تكاملي، ولا بد لأية دولة من السعي إلى تعزيز هذا التكامل. وفي التحليل الأخير، فإن ذلك يبقى تحدياً حضارياً بالدرجة الأولى، ولكننا سوف نكتفي هنا بالحديث عن قضية الدفاع الجوي.

::/introtext::
::fulltext::

لا ريب في أن كل مراقب بإمكانه أن يتلمس اليوم، وعلى نحو واضح، سعياً حثيثاً من دول المنطقة لتعزيز قدراتها الدفاعية، الجوية منها على وجه خاص. وعلى الرغم من ذلك، تبدو ثمة ضرورة متزايدة لتعزيز قدرات الردع، وبصفة خاصة الردع الصاروخي، حيث إن العلاقة بين الدفاع والردع ليست ذات طبيعة تفاضلية، بل هي بالضرورة ذات منحى تكاملي، ولا بد لأية دولة من السعي إلى تعزيز هذا التكامل. وفي التحليل الأخير، فإن ذلك يبقى تحدياً حضارياً بالدرجة الأولى، ولكننا سوف نكتفي هنا بالحديث عن قضية الدفاع الجوي.
سوف نتناول ثلاث قضايا هي أنظمة الدفاع الجوي التكتيكي، القريب والمتوسط المدى، وفكرة الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ، وأخيراً خيارات قضية حماية الطائرات المدنية من الصواريخ المحمولة على الكتف.
الدفاع الجوي
إن نظام الدفاع الجوي المتكامل، وخاصة على الارتفاعات المنخفضة (LLADS) أصبح اليوم عنصراً حيوياً ومهماً لأية أمة، فقد باتت طائرات الهجوم الجوي قادرة على الطيران بارتفاعات منخفضة جداً بفضل رادارات تجنب التضاريس الأرضية، مع استغلال هذه التضاريس كوسيلة حجب ضد وسائل الرادار في الدفاعات الجوية. ومما يزيد الموقف تعقيداً تزايد التهديد الذي تشكله الطائرات المسيرة من دون طيار (UAVS) وطائرات الإخفاء (Stealth Fighters).
وتتطلب حماية المراكز الحيوية أنظمة دفاع جوي للارتفاعات المنخفضة (LLADs) قادرة على صد التهديدات المتمثلة في أسلحة الهجوم عن بعد، والأمر ذاته ينطبق على القوات المتحركة ذات التكاليف الباهظة، مثل المدرعات أثناء تحركها أو إعادة تموين قوافل الأرتال العسكرية.
وتعاني أنظمة الدفاع الجوي المتوافرة حالياً لدى غالبية دول المنطقة من محدودية في الأداء لجهة الارتفاعات المنخفضة والمدى القصير، ويمكن أن تستغل هذه الثغرات الطائرات الثابتة الجناح والطائرات العمودية للدخول إلى المناطق الأمامية للمعركة أو الوصول إلى أهدافها في العمق.
لقد كشفت التجارب بشكل جلي مدى صعوبة اعتراض صواريخ العمليات التكتيكية بصورة فعالة، وذلك بسبب ضآلة فترة الوصول إلى الهدف والسرعة الجنونية بما يقارب 3 كيلومترات في الثانية. وفي حالة القذائف الصاروخية من طراز(BM – 21) الكثيرة العدد في أنحاء الشرق الأوسط ،التي حولها (الحرفيون) إلى أنظمة صاروخية صغيرة، فإن من المستحيل التصدي لها بفاعلية من دون استخدام السلاح العالي الدقة بصورة مكثفة.
ووفقاً للمعطيات الأمريكية لحرب الخليج الأولى عام 1991، لم يتجاوز الوقت الوسطي بين كشف الصاروخ واعتراضه مدة أربع دقائق وثلاثين ثانية تقريباً بالنسبة لصواريخ سكود ب (Scud B) الأولية ومشتقاتها العراقية، التي يبلغ مداها 300 إلى 600 كم، مقابل دقيقة وثلاثين ثانية عام 2003 بالنسبة للصاروخين العراقيين (الصمود) و(أبابيل – 100) بمدى يقل عن 150 كيلومتراً، إذاً فالمهلة قصيرة للغاية ولا تترك هامشاً كبيراً لمواجهة التهديد، علماً أن هذه تحتاج إلى مهام متعددة متشابكة: الكشف، وتعيين التهديد، وحساب المسار، وتوقع نقطة الصدم، والرمي، ومن ثم الاعتراض. وتحسب عملية الالتقاء مع هامش خطأ متر واحد تقريباً وعشرة أضعاف سرعة الصوت، وحيث تؤخذ بالحسبان سرعة الصاروخ المستهدف وسرعة صاروخ الاعتراض.
وبالنسبة للصواريخ الجوالة بوجه خاص، فإن أهم مشكلة تواجه عملية اكتشافها تتمثل في صغر المقطع الراداري (Radar Cross Section)، فالمقاطع الرادارية التي تبلغ مساحتها من 5 إلى 10 أمتار مربعة (أي في حجم المقاتلة F-15) كانت خلال عقود مضت مقبول بالنسبة لرادار طائرات (أواكس) (E-3)، وبالمقارنة فإن المقطع الراداري لصاروخ (توما هوك) يبلغ متراً مربعاً واحداً، في حين أن المقطع الراداري لمركبة جوية آلية خفية أو لصاروخ جوال خفي يبلغ بضع بوصات مربعة فقط.
وإذا كان هناك هدف تصل مساحة مقطعه الراداري إلى متر مربع واحد، فيمكن اكتشافه بواسطة طائرات (أواكس)، وهو على بعد 55 ميلاً بحرياً أو أكثر. أما إذا تم تقليل مساحة المقطع الراداري إلى جزء من عشرة من المتر المربع، وهو ما يعتبر في مفهوم الإخفاء رقماً متوسطاً، فإن المدى اللازم للاكتشاف ينخفض ليصبح 6- 20 ميلاً أو أكثر قليلاً ( معتمداً على زاوية ميل الصاروخ بالنسبة لشعاع الرادار الساقط عليه، وحساسية نظام الاستقبال في الرادار، وسرعة الصاروخ).
خيارات أنظمة الدفاع الجوي التكتيكي
وبصفة عامة، يمكن لدول الخليج أن تقوم بنشر نظام للدفاع الجوي ثلاثي المستويات، يتمثل المستوى الأول في وضع مجموعة من بطاريات باتريوت (PAC-3)في قواعد جوية متعددة في أنحاء المنطقة.
ويتمثل المستوى الثاني في نشر مجموعة بطاريات صواريخ (S-300PMU1)، وهو أحد الأنظمة الصاروخية التي صممت لاعتراض الصواريخ الجوالة والبالستية، بالإضافة إلى الطائرات والمروحيات.
والمستوى الثالث، هو أنظمة Tor M- 1)) للدفاع الجوي القريب المدى.
وإضافة إلى الميزات الخاصة التي توفرها صواريخ باتريوت (PAC-3)، التي يمكن نشرها ضمن ارتفاعات متعددة، يمكن أن يسند نظام الدفاع الجوي إلى صواريخ (S-300PMU1)، ويستعين بصواريخ ( Tor M- 1) في حماية أنظمة (S-300PMU1) من الصواريخ المضادة للرادار.
إن مدى صواريخ ( Tor M- 1) لا يزيد على 12 كيلومتراً، كما أنها لا تصيب الأهداف الجوية على ارتفاع يزيد على ستة كيلومترات، أي أنها تستطيع التصدي لما تطلقه الطائرة المهاجمة من صواريخ وقنابل موجهة، لكنها لا تستهدف الطائرة نفسها. أما صاروخ (S-300PMU1) فإنه يستطيع إسقاط الطائرة المهاجمة، لأن مداه يبلغ 300 كيلومتر، ويستطيع إصابة الأهداف الجوية على ارتفاع 27 كيلومتراً.

الدرع الصاروخية
تعتمد الأنظمة المضادة للصواريخ على تكنولوجيا بالغة الدقة (لإصابة رصاصة برصاصة). وبدل استخدام رأس حربية متفجرة، تصطدم القذيفة المعترضة بصاروخ عابر للقارات أثناء تحليقه على ارتفاع أدنى من ارتفاعه المداري، وتؤدي قوة الاصطدام إلى تدمير القذيفتين، أي الصاروخ القادم والصاروخ المعترض. والنجاح في استهداف مثل هذا الصاروخ يتطلب اتخاذ إجراءات الرد خلال فترة تتراوح بين دقيقتين و15 دقيقة، وهي فترة زمنية أقصر كثيراً من إجراءات الردع النووي في حقبة الحرب الباردة، حينما كانت الدول النووية تجد أن لديها ما يصل إلى 30 دقيقة لتوجيه الضربة الانتقامية – أو الضربة الثانية. وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول إن مهمة اعتراض الرؤوس النووية العابرة للقارات في الفضاء، تقع عملياً عند حدود المستحيل، إذ يتحرك الهدف بسرعة 24 ألف كيلومتر في الساعة محاطاً بوسائل خداع متعددة.
وكانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قد توصلا منذ أكثر من 35 عاماً إلى استنتاج مفاده أن تعزيز الدفاع الاستراتيجي لأحد الطرفين يقلل على نحو ملموس من القدرة الدفاعية للطرف الآخر، ولهذا فرضت معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ التي وقعها الطرفان في عام 1972 والبروتوكول الملحق بها في عام 1974 قيوداً شديدة على تطوير وسائل الدفاع الاستراتيجي كما على توزيعها الجغرافي. وقد خرجت واشنطن في عام 2001 من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ لعام 1972، وأعلنت عن برنامج مستقبلي لمنظومة وطنية متكاملة للدفاع ضد الصواريخ، بيد أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر دفعت، ضمن أمور أخرى، باتجاه إعادة توجيه هذا البرنامج، وأضحى الحديث يدور منذ أواخر عام 2002 حول منظومة محددة للدفاع عن أراض معينة تقع بشكل أو آخر في منطقة مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وقد تمت الإشارة إلى هذا التحوّل رسمياً في مذكرة (السياسة الوطنية في مجال الدفاع المضاد للصواريخ) الصادرة في مايو 2003.
وتتضمن منظومة الدفاع الأمريكية المضاد للصواريخ في الوقت الراهن 18 صاروخاً اعتراضياً تنطلق من منصات فوق سطح الأرض، منها 16 صاروخاً في ألاسكا وصاروخان في كاليفورنيا. وتعتزم واشنطن رفع هذا العدد بحلول عام 2013 إلى 54 صاروخاً، منها 40 في ألاسكا، وأربعة في كاليفورنيا، وعشرة في بولندا.وتقوم شركة (بوينغ)، التي تشرف على صناعة صواريخ الاعتراض الأمريكية، ببناء عدد إضافي من هذه الصواريخ، كما تنوي هذه الشركة، الرائدة في صناعة الأجهزة الجوية والفضائية، تركيز جهودها على دمج نظام الرادار (SBX) والليزر المركب على المنصة الجوية في منظومة الدفاع الصاروخي الوطني.
وتتجه الولايات المتحدة لنشر منشآت الدفاع المضاد للصواريخ في منطقة القوقاز،وذلك وفق ما أعلنه في مارس 2007 الفريق هنري أوبرينغ، رئيس الوكالة الأمريكية للدفاع المضاد للصواريخ. وظهرت في الموقع الإلكتروني لهذه الوكالة صورة لرادار سيّار على خريطة منطقة بحر قزوين. وسوف يتيح هذا الرادار، الذي يمكن نصبه على منصة سيارة على الأرض أو على سطح الماء، ضمان الحصول على الإنذار المبكر لعمليات إطلاق الصواريخ واعتراضها، وهو سيكون قادراً على رصد الصواريخ الإيرانية.
وعلى صعيد منطقة الخليج، بدأت الولايات المتحدة تحضيراتها لنظام إقليمي في المنطقة للدفاع ضد الصواريخ منذ عام 1997، وكان ذلك في قاعدة فورت بلاس، أثناء مناورات الرمال المتحركة ( Moving Sands)، التي تمت فيها تجربة صواريخ (باتريوت) و (هوك) ونظام (الليزر المجوقل)، كما تعاونت القيادة المركزية الأمريكية مع قطاعات من بعض جيوش المنطقة لإدماج وتكامل نظام باتريوت في قوة المهام المشتركة التي تعرف اختصاراً باسم (JTF)، كما قامت الولايات المتحدة بتطوير تكنولوجيا القتال الجوي حتى يتسنى لها استخدام هذا النظام على أفضل وجه ممكن، حيث طورت قدرة التكامل القتالي (CIC) التي تسمح بتطوير عملية الدفاع السلبي والايجابي والهجومي، وطورت برنامج لإنتاج نظام متعقب الصواريخ الحاذق (EMT) الذي يستخدمه نظامها الراداري (TPS-75)، ويمكن لهذا البرنامج أن يحدد مصدر انطلاق الصاروخ المعادي وهدفه. وكذلك، طورت واشنطن نظامين آخرين هما: نظام القيادة والسيطرة العالمي GCCS الذي يدمج المدخلات التي توفرها الوحدات البرية والجوية والبحرية في صورة عامة لموقف العمليات، ونظام مراقبة مصادر التهديد العالمية (WTOS) الذي يستخدم أنظمة استشعار متعددة لحساب العدد الكلي لعمليات إطلاق الصواريخ، وهذا النظام يكتسب عدداً من الميزات، خاصة في حالة الإطلاق عالي الكثافة للصواريخ. وقد حصلت بعض دول المنطقة في إطار هذا النظام على مقاتلات
(AH-64A Apache، AH-64D Apache، Boeing 376, 601, 702 satellites، F/A-18 Hornet، F-15 Eagle) .
وأعلن وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس خلال ندوة عقدت في المنامة في ديسمبر الماضي، عزم بلاده على إعادة بحث مشروع الدرع الصاروخية في المنطقة.
ومن جهة أخرى، أولت الولايات المتحدة حاملات طائراتها أهمية أساسية لتأمين السيطرة الجوية وحماية الأسطول من الطيران المعادي، وأنتجت لهذه الغاية صاروخ (فونيكس) جو/جو لمدى أبعد من مائة كيلومتر، محمول على طائرات (إف – 14 – توم كات)، الجاثمة على حاملات الطائرات لهذا الغرض، واعتمدت الولايات المتحدة نظام (AEGIS) للدفاع الجوي عن الأسطول، وهو مكون من أربعة أنظمة فرعية، كما سعت إلى تأمين الدفاع الجوي المتعدد الطبقات حتى ضد الصواريخ البالستية، فأنتجت مدمرة فئة (CG-47) زنة 9.500 طن ومدمرة فئة (DDG-51) زنة 9.030 طن مزودتين بصواريخ بعيدة المدى للدفاع عن مسرح العمليات (TBMD)، والدفاع الجوي هو المهمة الأولى لهذه السفن، فضلاً عن مهام أخرى، وهي تعتمد نظام (AEGIS).
ويمكن لأنواع المقاتلات الثلاثة (F-16, EA-6B, F/A-18) التي سيتم استخدامها لإحباط الدفاعات الجوية المعادية أن تستخدم الصواريخ المضادة للإشعاع، بالإضافة إلى أن مقاتلات (EA-6B) مجهزة بنظم الإعاقة المتكاملة من النوع (AN/ALQ-99F).
وتم تجهيز أكثر من 100 طائرة من النوع (F-16) بجهاز التسديد للصاروخ عالي السرعة المضاد للإشعاع (HARM TARGETING SYSTEM- HTS) طراز (ASQ-213). ويمكن لهذا الجهاز الذي يزن 40 كيلوغراماً أن يكتشف، ويتعرف إلى، ويحدد مكان الرادارات المعادية، ويقوم ببرمجة الصاروخ المضاد للإشعاع لمهاجمة تلك الرادارات.
حماية الطيران المدني
على صعيد حماية الطيران المدني من خطر الصواريخ التي يمكن حملها على الكتف أو نصبها على بعض التلال أو وضعها على شاحنات متحركة، يمكن أن نلحظ غياباً للبرامج الدفاعية الخاصة بمواجهة هذا التحدي.
واتجهت بعض دول العالم إلى صنع نظام يركب على متن الطائرات المدنية لمقاومة الصواريخ. وهناك حالياً نظام حماية يعمل بالأشعة تحت الحمراء ويركب على الطائرات، فبعد كشف إطلاق صاروخ من الأرض يرسل هذا النظام أمراً إلى الصاروخ المضاد المثبت تحت جناح الطائرة لينفصل عنها ويطير في اتجاه معاكس، مما يجعل الصاروخ المهاجم ينحرف عن مساره الأصلي ويصيب الهدف الكاذب. بيد أن نظام الدفاع العامل على الأشعة تحت الحمراء قليل الفاعلية في ما يتعلق بمقاومة الأنظمة الصاروخية المنقولة. ونظراً لذلك جرت على مدى الأعوام الأخيرة أعمال لصنع نظام جديد مبدئياً لحماية الطائرات المدنية من الصواريخ المضادة للجو يعمل بأشعة الليزر. ويتلخص عمل الجهاز الليزري الخاص بمقاومة الصواريخ المضادة للجو المنقولة في أنه يصدر بعد كشف إطلاق صاروخ من الأرض شعاعاً ليزرياً يعطل جهاز التوجيه الذاتي للصاروخ المهاجم، مما يجعله يضيع الهدف. ودول الخليج معنية بمقاربة أحد هذه الخيارات واعتمادها سبيلاً لصون أمن الطيران المدني في المنطقة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3408::/cck::
::introtext::

لا ريب في أن كل مراقب بإمكانه أن يتلمس اليوم، وعلى نحو واضح، سعياً حثيثاً من دول المنطقة لتعزيز قدراتها الدفاعية، الجوية منها على وجه خاص. وعلى الرغم من ذلك، تبدو ثمة ضرورة متزايدة لتعزيز قدرات الردع، وبصفة خاصة الردع الصاروخي، حيث إن العلاقة بين الدفاع والردع ليست ذات طبيعة تفاضلية، بل هي بالضرورة ذات منحى تكاملي، ولا بد لأية دولة من السعي إلى تعزيز هذا التكامل. وفي التحليل الأخير، فإن ذلك يبقى تحدياً حضارياً بالدرجة الأولى، ولكننا سوف نكتفي هنا بالحديث عن قضية الدفاع الجوي.

::/introtext::
::fulltext::

لا ريب في أن كل مراقب بإمكانه أن يتلمس اليوم، وعلى نحو واضح، سعياً حثيثاً من دول المنطقة لتعزيز قدراتها الدفاعية، الجوية منها على وجه خاص. وعلى الرغم من ذلك، تبدو ثمة ضرورة متزايدة لتعزيز قدرات الردع، وبصفة خاصة الردع الصاروخي، حيث إن العلاقة بين الدفاع والردع ليست ذات طبيعة تفاضلية، بل هي بالضرورة ذات منحى تكاملي، ولا بد لأية دولة من السعي إلى تعزيز هذا التكامل. وفي التحليل الأخير، فإن ذلك يبقى تحدياً حضارياً بالدرجة الأولى، ولكننا سوف نكتفي هنا بالحديث عن قضية الدفاع الجوي.
سوف نتناول ثلاث قضايا هي أنظمة الدفاع الجوي التكتيكي، القريب والمتوسط المدى، وفكرة الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ، وأخيراً خيارات قضية حماية الطائرات المدنية من الصواريخ المحمولة على الكتف.
الدفاع الجوي
إن نظام الدفاع الجوي المتكامل، وخاصة على الارتفاعات المنخفضة (LLADS) أصبح اليوم عنصراً حيوياً ومهماً لأية أمة، فقد باتت طائرات الهجوم الجوي قادرة على الطيران بارتفاعات منخفضة جداً بفضل رادارات تجنب التضاريس الأرضية، مع استغلال هذه التضاريس كوسيلة حجب ضد وسائل الرادار في الدفاعات الجوية. ومما يزيد الموقف تعقيداً تزايد التهديد الذي تشكله الطائرات المسيرة من دون طيار (UAVS) وطائرات الإخفاء (Stealth Fighters).
وتتطلب حماية المراكز الحيوية أنظمة دفاع جوي للارتفاعات المنخفضة (LLADs) قادرة على صد التهديدات المتمثلة في أسلحة الهجوم عن بعد، والأمر ذاته ينطبق على القوات المتحركة ذات التكاليف الباهظة، مثل المدرعات أثناء تحركها أو إعادة تموين قوافل الأرتال العسكرية.
وتعاني أنظمة الدفاع الجوي المتوافرة حالياً لدى غالبية دول المنطقة من محدودية في الأداء لجهة الارتفاعات المنخفضة والمدى القصير، ويمكن أن تستغل هذه الثغرات الطائرات الثابتة الجناح والطائرات العمودية للدخول إلى المناطق الأمامية للمعركة أو الوصول إلى أهدافها في العمق.
لقد كشفت التجارب بشكل جلي مدى صعوبة اعتراض صواريخ العمليات التكتيكية بصورة فعالة، وذلك بسبب ضآلة فترة الوصول إلى الهدف والسرعة الجنونية بما يقارب 3 كيلومترات في الثانية. وفي حالة القذائف الصاروخية من طراز(BM – 21) الكثيرة العدد في أنحاء الشرق الأوسط ،التي حولها (الحرفيون) إلى أنظمة صاروخية صغيرة، فإن من المستحيل التصدي لها بفاعلية من دون استخدام السلاح العالي الدقة بصورة مكثفة.
ووفقاً للمعطيات الأمريكية لحرب الخليج الأولى عام 1991، لم يتجاوز الوقت الوسطي بين كشف الصاروخ واعتراضه مدة أربع دقائق وثلاثين ثانية تقريباً بالنسبة لصواريخ سكود ب (Scud B) الأولية ومشتقاتها العراقية، التي يبلغ مداها 300 إلى 600 كم، مقابل دقيقة وثلاثين ثانية عام 2003 بالنسبة للصاروخين العراقيين (الصمود) و(أبابيل – 100) بمدى يقل عن 150 كيلومتراً، إذاً فالمهلة قصيرة للغاية ولا تترك هامشاً كبيراً لمواجهة التهديد، علماً أن هذه تحتاج إلى مهام متعددة متشابكة: الكشف، وتعيين التهديد، وحساب المسار، وتوقع نقطة الصدم، والرمي، ومن ثم الاعتراض. وتحسب عملية الالتقاء مع هامش خطأ متر واحد تقريباً وعشرة أضعاف سرعة الصوت، وحيث تؤخذ بالحسبان سرعة الصاروخ المستهدف وسرعة صاروخ الاعتراض.
وبالنسبة للصواريخ الجوالة بوجه خاص، فإن أهم مشكلة تواجه عملية اكتشافها تتمثل في صغر المقطع الراداري (Radar Cross Section)، فالمقاطع الرادارية التي تبلغ مساحتها من 5 إلى 10 أمتار مربعة (أي في حجم المقاتلة F-15) كانت خلال عقود مضت مقبول بالنسبة لرادار طائرات (أواكس) (E-3)، وبالمقارنة فإن المقطع الراداري لصاروخ (توما هوك) يبلغ متراً مربعاً واحداً، في حين أن المقطع الراداري لمركبة جوية آلية خفية أو لصاروخ جوال خفي يبلغ بضع بوصات مربعة فقط.
وإذا كان هناك هدف تصل مساحة مقطعه الراداري إلى متر مربع واحد، فيمكن اكتشافه بواسطة طائرات (أواكس)، وهو على بعد 55 ميلاً بحرياً أو أكثر. أما إذا تم تقليل مساحة المقطع الراداري إلى جزء من عشرة من المتر المربع، وهو ما يعتبر في مفهوم الإخفاء رقماً متوسطاً، فإن المدى اللازم للاكتشاف ينخفض ليصبح 6- 20 ميلاً أو أكثر قليلاً ( معتمداً على زاوية ميل الصاروخ بالنسبة لشعاع الرادار الساقط عليه، وحساسية نظام الاستقبال في الرادار، وسرعة الصاروخ).
خيارات أنظمة الدفاع الجوي التكتيكي
وبصفة عامة، يمكن لدول الخليج أن تقوم بنشر نظام للدفاع الجوي ثلاثي المستويات، يتمثل المستوى الأول في وضع مجموعة من بطاريات باتريوت (PAC-3)في قواعد جوية متعددة في أنحاء المنطقة.
ويتمثل المستوى الثاني في نشر مجموعة بطاريات صواريخ (S-300PMU1)، وهو أحد الأنظمة الصاروخية التي صممت لاعتراض الصواريخ الجوالة والبالستية، بالإضافة إلى الطائرات والمروحيات.
والمستوى الثالث، هو أنظمة Tor M- 1)) للدفاع الجوي القريب المدى.
وإضافة إلى الميزات الخاصة التي توفرها صواريخ باتريوت (PAC-3)، التي يمكن نشرها ضمن ارتفاعات متعددة، يمكن أن يسند نظام الدفاع الجوي إلى صواريخ (S-300PMU1)، ويستعين بصواريخ ( Tor M- 1) في حماية أنظمة (S-300PMU1) من الصواريخ المضادة للرادار.
إن مدى صواريخ ( Tor M- 1) لا يزيد على 12 كيلومتراً، كما أنها لا تصيب الأهداف الجوية على ارتفاع يزيد على ستة كيلومترات، أي أنها تستطيع التصدي لما تطلقه الطائرة المهاجمة من صواريخ وقنابل موجهة، لكنها لا تستهدف الطائرة نفسها. أما صاروخ (S-300PMU1) فإنه يستطيع إسقاط الطائرة المهاجمة، لأن مداه يبلغ 300 كيلومتر، ويستطيع إصابة الأهداف الجوية على ارتفاع 27 كيلومتراً.

الدرع الصاروخية
تعتمد الأنظمة المضادة للصواريخ على تكنولوجيا بالغة الدقة (لإصابة رصاصة برصاصة). وبدل استخدام رأس حربية متفجرة، تصطدم القذيفة المعترضة بصاروخ عابر للقارات أثناء تحليقه على ارتفاع أدنى من ارتفاعه المداري، وتؤدي قوة الاصطدام إلى تدمير القذيفتين، أي الصاروخ القادم والصاروخ المعترض. والنجاح في استهداف مثل هذا الصاروخ يتطلب اتخاذ إجراءات الرد خلال فترة تتراوح بين دقيقتين و15 دقيقة، وهي فترة زمنية أقصر كثيراً من إجراءات الردع النووي في حقبة الحرب الباردة، حينما كانت الدول النووية تجد أن لديها ما يصل إلى 30 دقيقة لتوجيه الضربة الانتقامية – أو الضربة الثانية. وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول إن مهمة اعتراض الرؤوس النووية العابرة للقارات في الفضاء، تقع عملياً عند حدود المستحيل، إذ يتحرك الهدف بسرعة 24 ألف كيلومتر في الساعة محاطاً بوسائل خداع متعددة.
وكانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قد توصلا منذ أكثر من 35 عاماً إلى استنتاج مفاده أن تعزيز الدفاع الاستراتيجي لأحد الطرفين يقلل على نحو ملموس من القدرة الدفاعية للطرف الآخر، ولهذا فرضت معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ التي وقعها الطرفان في عام 1972 والبروتوكول الملحق بها في عام 1974 قيوداً شديدة على تطوير وسائل الدفاع الاستراتيجي كما على توزيعها الجغرافي. وقد خرجت واشنطن في عام 2001 من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ لعام 1972، وأعلنت عن برنامج مستقبلي لمنظومة وطنية متكاملة للدفاع ضد الصواريخ، بيد أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر دفعت، ضمن أمور أخرى، باتجاه إعادة توجيه هذا البرنامج، وأضحى الحديث يدور منذ أواخر عام 2002 حول منظومة محددة للدفاع عن أراض معينة تقع بشكل أو آخر في منطقة مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وقد تمت الإشارة إلى هذا التحوّل رسمياً في مذكرة (السياسة الوطنية في مجال الدفاع المضاد للصواريخ) الصادرة في مايو 2003.
وتتضمن منظومة الدفاع الأمريكية المضاد للصواريخ في الوقت الراهن 18 صاروخاً اعتراضياً تنطلق من منصات فوق سطح الأرض، منها 16 صاروخاً في ألاسكا وصاروخان في كاليفورنيا. وتعتزم واشنطن رفع هذا العدد بحلول عام 2013 إلى 54 صاروخاً، منها 40 في ألاسكا، وأربعة في كاليفورنيا، وعشرة في بولندا.وتقوم شركة (بوينغ)، التي تشرف على صناعة صواريخ الاعتراض الأمريكية، ببناء عدد إضافي من هذه الصواريخ، كما تنوي هذه الشركة، الرائدة في صناعة الأجهزة الجوية والفضائية، تركيز جهودها على دمج نظام الرادار (SBX) والليزر المركب على المنصة الجوية في منظومة الدفاع الصاروخي الوطني.
وتتجه الولايات المتحدة لنشر منشآت الدفاع المضاد للصواريخ في منطقة القوقاز،وذلك وفق ما أعلنه في مارس 2007 الفريق هنري أوبرينغ، رئيس الوكالة الأمريكية للدفاع المضاد للصواريخ. وظهرت في الموقع الإلكتروني لهذه الوكالة صورة لرادار سيّار على خريطة منطقة بحر قزوين. وسوف يتيح هذا الرادار، الذي يمكن نصبه على منصة سيارة على الأرض أو على سطح الماء، ضمان الحصول على الإنذار المبكر لعمليات إطلاق الصواريخ واعتراضها، وهو سيكون قادراً على رصد الصواريخ الإيرانية.
وعلى صعيد منطقة الخليج، بدأت الولايات المتحدة تحضيراتها لنظام إقليمي في المنطقة للدفاع ضد الصواريخ منذ عام 1997، وكان ذلك في قاعدة فورت بلاس، أثناء مناورات الرمال المتحركة ( Moving Sands)، التي تمت فيها تجربة صواريخ (باتريوت) و (هوك) ونظام (الليزر المجوقل)، كما تعاونت القيادة المركزية الأمريكية مع قطاعات من بعض جيوش المنطقة لإدماج وتكامل نظام باتريوت في قوة المهام المشتركة التي تعرف اختصاراً باسم (JTF)، كما قامت الولايات المتحدة بتطوير تكنولوجيا القتال الجوي حتى يتسنى لها استخدام هذا النظام على أفضل وجه ممكن، حيث طورت قدرة التكامل القتالي (CIC) التي تسمح بتطوير عملية الدفاع السلبي والايجابي والهجومي، وطورت برنامج لإنتاج نظام متعقب الصواريخ الحاذق (EMT) الذي يستخدمه نظامها الراداري (TPS-75)، ويمكن لهذا البرنامج أن يحدد مصدر انطلاق الصاروخ المعادي وهدفه. وكذلك، طورت واشنطن نظامين آخرين هما: نظام القيادة والسيطرة العالمي GCCS الذي يدمج المدخلات التي توفرها الوحدات البرية والجوية والبحرية في صورة عامة لموقف العمليات، ونظام مراقبة مصادر التهديد العالمية (WTOS) الذي يستخدم أنظمة استشعار متعددة لحساب العدد الكلي لعمليات إطلاق الصواريخ، وهذا النظام يكتسب عدداً من الميزات، خاصة في حالة الإطلاق عالي الكثافة للصواريخ. وقد حصلت بعض دول المنطقة في إطار هذا النظام على مقاتلات
(AH-64A Apache، AH-64D Apache، Boeing 376, 601, 702 satellites، F/A-18 Hornet، F-15 Eagle) .
وأعلن وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس خلال ندوة عقدت في المنامة في ديسمبر الماضي، عزم بلاده على إعادة بحث مشروع الدرع الصاروخية في المنطقة.
ومن جهة أخرى، أولت الولايات المتحدة حاملات طائراتها أهمية أساسية لتأمين السيطرة الجوية وحماية الأسطول من الطيران المعادي، وأنتجت لهذه الغاية صاروخ (فونيكس) جو/جو لمدى أبعد من مائة كيلومتر، محمول على طائرات (إف – 14 – توم كات)، الجاثمة على حاملات الطائرات لهذا الغرض، واعتمدت الولايات المتحدة نظام (AEGIS) للدفاع الجوي عن الأسطول، وهو مكون من أربعة أنظمة فرعية، كما سعت إلى تأمين الدفاع الجوي المتعدد الطبقات حتى ضد الصواريخ البالستية، فأنتجت مدمرة فئة (CG-47) زنة 9.500 طن ومدمرة فئة (DDG-51) زنة 9.030 طن مزودتين بصواريخ بعيدة المدى للدفاع عن مسرح العمليات (TBMD)، والدفاع الجوي هو المهمة الأولى لهذه السفن، فضلاً عن مهام أخرى، وهي تعتمد نظام (AEGIS).
ويمكن لأنواع المقاتلات الثلاثة (F-16, EA-6B, F/A-18) التي سيتم استخدامها لإحباط الدفاعات الجوية المعادية أن تستخدم الصواريخ المضادة للإشعاع، بالإضافة إلى أن مقاتلات (EA-6B) مجهزة بنظم الإعاقة المتكاملة من النوع (AN/ALQ-99F).
وتم تجهيز أكثر من 100 طائرة من النوع (F-16) بجهاز التسديد للصاروخ عالي السرعة المضاد للإشعاع (HARM TARGETING SYSTEM- HTS) طراز (ASQ-213). ويمكن لهذا الجهاز الذي يزن 40 كيلوغراماً أن يكتشف، ويتعرف إلى، ويحدد مكان الرادارات المعادية، ويقوم ببرمجة الصاروخ المضاد للإشعاع لمهاجمة تلك الرادارات.
حماية الطيران المدني
على صعيد حماية الطيران المدني من خطر الصواريخ التي يمكن حملها على الكتف أو نصبها على بعض التلال أو وضعها على شاحنات متحركة، يمكن أن نلحظ غياباً للبرامج الدفاعية الخاصة بمواجهة هذا التحدي.
واتجهت بعض دول العالم إلى صنع نظام يركب على متن الطائرات المدنية لمقاومة الصواريخ. وهناك حالياً نظام حماية يعمل بالأشعة تحت الحمراء ويركب على الطائرات، فبعد كشف إطلاق صاروخ من الأرض يرسل هذا النظام أمراً إلى الصاروخ المضاد المثبت تحت جناح الطائرة لينفصل عنها ويطير في اتجاه معاكس، مما يجعل الصاروخ المهاجم ينحرف عن مساره الأصلي ويصيب الهدف الكاذب. بيد أن نظام الدفاع العامل على الأشعة تحت الحمراء قليل الفاعلية في ما يتعلق بمقاومة الأنظمة الصاروخية المنقولة. ونظراً لذلك جرت على مدى الأعوام الأخيرة أعمال لصنع نظام جديد مبدئياً لحماية الطائرات المدنية من الصواريخ المضادة للجو يعمل بأشعة الليزر. ويتلخص عمل الجهاز الليزري الخاص بمقاومة الصواريخ المضادة للجو المنقولة في أنه يصدر بعد كشف إطلاق صاروخ من الأرض شعاعاً ليزرياً يعطل جهاز التوجيه الذاتي للصاروخ المهاجم، مما يجعله يضيع الهدف. ودول الخليج معنية بمقاربة أحد هذه الخيارات واعتمادها سبيلاً لصون أمن الطيران المدني في المنطقة.

::/fulltext::
::cck::3408::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *