المرأة الإماراتية على طريق التمكين
::cck::3416::/cck::
::introtext::
مما لا شك فيه أن أوضاع المرأة الخليجية عامة – والمرأة في مجتمع الإمارات خاصة – تمر بتحولات وتطورات جمة منذ ستينات القرن العشرين بطريقة موازية للتحولات التي حدثت في جوانب المجتمع الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ومن الأهمية بمكان تتبع تلك التحولات ورصد انعكاساتها على أوضاع المرأة، لما في ذلك من ضرورة في الكشف عن حقوق المرأة التي تجاهلها المجتمع لفترات طويلة مضت.
::/introtext::
::fulltext::
مما لا شك فيه أن أوضاع المرأة الخليجية عامة – والمرأة في مجتمع الإمارات خاصة – تمر بتحولات وتطورات جمة منذ ستينات القرن العشرين بطريقة موازية للتحولات التي حدثت في جوانب المجتمع الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ومن الأهمية بمكان تتبع تلك التحولات ورصد انعكاساتها على أوضاع المرأة، لما في ذلك من ضرورة في الكشف عن حقوق المرأة التي تجاهلها المجتمع لفترات طويلة مضت.
إن التطور الاقتصادي الناجم عن اكتشاف النفط زاد من الدخل العام للدولة مما أدى إلى أن تكون دولة الإمارات من الدول مرتفعة مستوى المعيشة، وهذا الوضع ألقى بآثاره الواضحة على وضع المرأة، حيث تغيرت النظرة إليها إلى حد ما وخاصة مع التغيرات الثقافية التي تحققت بشكل جزئي في ما يتعلق بوضع المرأة نتيجة للانفتاح على المجتمعات الأخرى، فلقد أسهم التعليم في زيادة وعي المرأة ومطالبتها كحق العمل واختيار شريك الحياة بعيداً عن سلطة العادات والتقاليد التي مارست تأثيراً قوياً ولفترة طويلة على حقوق المرأة في المجتمع العربي على نحو شامل.
وعلى الرغم من كل الصعوبات والمعوقات التي تواجه المرأة الإماراتية، إلا أنها استطاعت خلال السنوات الأخيرة تحقيق العديد من المكاسب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فلقد استطاعت الوصول إلى مواقع التأثير والسلطة في العديد من مجالات العمل التي كانت قاصرة على الرجال من قبل، كالقطاعين الحكومي والخاص ووسائل الإعلام ومراكز اتخاذ القرار.. إلخ.
ومن ثم لم يعد الحديث حول ما إذا كان مسموحاً لها القيام بدور أم غير مسموح لها، وإنما صار الحديث حول طبيعة هذا الدور ومداه ومجالاته، وهو ما يعني حدوث تطور نوعي على صعيد المجتمع بصدد المرأة وقضاياها. ولعله من الضروري الوقوف على العوامل التي ساهمت في تصعيد قضايا المرأة لتحتل مكانة متقدمة في أولويات العمل الوطني، ويأتي في مقدمة هذه العوامل:
1- الاهتمام الدولي بمسألة تمكين المرأة من منظور حقوقي، لاسيما في الدول النامية وهو اهتمام تجاوز المنظور الرعائي والخدمي الضيق الذي ظل سائداً لفترة ليست بالقصيرة، الأمر الذي أصبحت معه قضايا المرأة على قمة أولويات الأجندة الدولية وأحد المحاور الرئيسية للعديد من المؤتمرات الدولية التي تنظمها الأمم المتحدة.
2- توجه غالبية الدول العربية نحو إعطاء مزيد من الحقوق للمرأة، حتى أصبح موضوع تمكين المرأة من حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إحدى أبرز آليات عملية الإصلاح في غالبية البلدان العربية.
3- نمو المجتمع المدني العربي، وتطور الجمعيات النسائية من داخله، أديا إلى تزايد الوعي المجتمعي والنسائي بأهمية مواجهة المشكلات والصعوبات التي تعوق دورها كشريك للرجل في الحياة، كما وفرت آليات مجتمعية جديدة لمواجهة قيود الموروث الثقافي والاجتماعي بالإضافة إلى التوافق مع المنظور العالمي لحقوق الإنسان.
ويعتبر النمو الحضاري المتزايد وتغيير المؤسسات والأبنية التقليدية، فضلاً عن تغيير بنية التدرج الاجتماعي بعد اكتشاف النفط وتسويقه، من أهم التغيرات الاجتماعية، فقد بدأ التحول السكاني والحركة من البادية إلى المدينة يأخذان شكلاً مغايراً. هذا بالإضافة إلى المدينة ذاتها، التي أخذت تقوم بوظائف اقتصادية وسياسية جديدة، مما أدى إلى تغيير الصورة. هذا النمو الحضري لم يكن طبيعياً، فقد أدى هذا الانتقال السريع إلى اهتزاز العديد من القيم والعادات والمفاهيم التي تربط القبائل بشبكة من العلاقات الاجتماعية التقليدية، كما أدى إلى ظهور قيم جديدة ترتبط بالجانب المادي لتؤثر في بقية أنشطة الحياة بصورة مباشرة ومن بين هذه القيم تغيير النظرة نحو تعليم وعمل المرأة.
وعلى هذا تم إنشاء العديد من المدارس الخاصة بالفتيات، كما التحق العديد منهن بالتعليم العالي في الجامعات، وأتيح لهن ولأول مرة السفر إلى الخارج لتلقي العلم والمعرفة، وصاحب ذلك تغيير كبير في ثقافة المرأة الإماراتية ونظرتها للحياة، غير أنها أصبحت بعد الثورة النفطية مستقلة اقتصادياً نوعاً ما، إلا أنها لم تتحول بعد للحرية الكاملة في نواحي الحياة الأخرى، حيث لا تزال تتحكم فيها بعض القيود التقليدية القبلية رغم ما أدت إليه الطفرة النفطية من تغيرات.
الدور التنموي
لا يختلف وضع المرأة في الخليج عنه في بقية الدول العربية، ولا تشذ المرأة الإماراتية عن المرأة العربية لأنها تشاركها معظم الهموم باستثناء أقرب إلى الكم عن الكيف. فلقد كان الاقتصاد يعتمد على الزراعة وصيد اللؤلؤ والتجارة ورعي الأغنام ويعطي تقسيم العمل آنذاك أهمية خاصة للمرأة نتيجة لمشاركتها في هذه الأعمال بطرق مختلفة. ومع بداية الحقبة النفطية فقدت المرأة دورها تدريجياً نظراً لتدهور قيمة العمل نفسه الذي أخذت تتولاه العمالة الوافدة، مما أفقد المرأة دورها الاجتماعي الذي اكتسبته من خلال العمل في فترة سابقة، ولكن هذا التراجع لم يكن إلا تراجعاً مؤقتاً، فلقد شهدت المنطقة في سبعينات القرن العشرين حركة نشطة في التعليم لكل أفراد المجتمع بما في ذلك المرأة التي انخفضت نسبة أميتها بوتائر مرتفعة وازداد الاهتمام الاجتماعي بضرورة تعليم الإناث، وتشير الإحصائيات إلى حدوث تطور في عدد المدارس الخاصة بتعليم الإناث، ففي عام 1983 بلغت نسبة مدارس البنات 42 في المائة، ارتفعت في عام 1992 إلى 44 في المائة ثم إلى 46 في المائة في عام (2002-2003)، كما بلغ معدل المتعلمات من الإناث 88.7 في المائة مقارنة بـ 82.6 في المائة بين الذكور من العام نفسه.
ومن هنا فقد وضعت الدولة على عاتقها منذ قيام الاتحاد قضية التعليم في مقدمة أولوياتها، وذلك لارتباطها الواضح بالتعليم والتنمية، لقد كان لتلك السياسة التعليمية التي انتهجتها الدولة تجاه تعليم الإناث أثر كبير في الدفع بهن إلى سوق العمل، فقد بلغت نسبة مشاركة المرأة من إجمالي قوة العمل بالدولة وفقاً لإحصائيات وزارة التخطيط 13.7 في المائة فقط في عام 2001 محققة بذلك تطورات متلاحقة مقارنة بالفترة الممتدة من عام 1985 إلى 1995 في كافة المجالات مثل (التعليم، الصحة، الإعلام والاتصالات، القانون والتجارة)، حيث بلغت مشاركتهن حوالي 59 في المائة من قوة العمل المواطنة من بينها 30 في المائة في الوظائف العليا القيادية المرتبطة باتخاذ القرار كوكيل وزارة وبعض المناصب الدبلوماسية، كما تشغل 60 في المائة من الوظائف الفنية وحوالي 15 في المائة من مقاعد هيئة التدريس في جامعة الإمارات.
وكذلك من ضمن مؤشرات تسارع مشاركة المرأة الإماراتية في قطاعات الأعمال، زيادة نسبة التراخيص التجارية الصادرة للإماراتيات، إذ بلغت 6.7 في المائة من إجمالي التراخيص الممنوحة عموماً للإماراتيين، وتركزت معظم هذه الاستثمارات في قطاعات التجارة والأعمال المصرفية وشركات الصيانة والعقارات والسياحة والفنادق فضلاً عن الأعمال الحرفية البسيطة.
وفي مايو عام 2003 تأسس مجلس سيدات الأعمال الإماراتيات والذي يعمل في إطار غرف التجارة والصناعة بالدولة، والذي يهدف إلى تطوير المهارات الشخصية لدى سيدات الأعمال وزيادة الثقة بأنفسهن في إدارة أعمالهن بما يسهم في دعم الاقتصاد، وذلك يهدف إلى تطوير القدرات المهنية للمرأة الإماراتية وتحفيزها على دراسة التخصصات العلمية المناسبة لتلبية متطلبات السوق والمشاركة في دعم الاقتصاد الوطني للدولة إلى جانب توعيتها بأهمية ترشيد الاستهلاك وتنظيم ميزانية الأسرة وغرس السلوك الاستهلاكي السليم في النشء الجديد لتصبح عملية الترشيد جزءاً من العادات الاجتماعية.
الجدير بالذكر أن حجم الاستثمارات في الأعمال التي تديرها إماراتيات بصورة كاملة عام 2002 بلغ حوالي 3.5 مليار دولار مقابل نصف هذا الرقم قبل عقد من الزمان؛ وهو يعد إسهاماً بارزاً للمرأة في أحد المجتمعات الخليجية. وكذلك تشير إحصائيات دائرة التنمية الاقتصادية في دبي إلى أن الدائرة تتلقى نحو 15 طلباً يومياً من سيدات للحصول على تراخيص تجارية تتنوع أنشطتها بين الديكور والتصميم الهندسي وصالونات التجميل، وحتى شركات التجارة العامة وتكنولوجيا المعلومات.
المشاركة السياسية
يمكن اعتبار الحركة النسائية في تلك الفترة داخل مجتمع الإمارات أحد أنواع المشاركة السياسية للمرأة، حيث ترتب على ذلك، وجود جبهة واعية تدافع عن حقوق المرأة الإماراتية. فالنهضة النسائية الشاملة التي تعم مظاهرها كل مرافق مجتمع الإمارات تعتبر تجربة رائدة تختلف عن سائر تجارب الحركات النسائية الأخرى، لأنها تمتاز بقصر المدة الزمنية وشمولية المكاسب التي تحققت.
وشهدت السنوات الأخيرة دخول النساء الإماراتيات إلى قطاعات كانت تعتبر في السابق حكراً على الرجال، فقد بلغ عدد الدبلوماسيات عام 2004 اللائي يعملن في وزارة الخارجية 23 دبلوماسية بينهن وزيرات مفوضات. واستطاعت المرأة الإماراتية تحقيق نقلة في وضعها بالمجتمع عام 2001، بتمثيلها في المجلس الاستشاري الوطني لإمارة الشارقة، بخمس سيدات في أول مشاركة نسائية في العمل البرلماني في الدولة وحضورها جلسات المجلس الوطني الاتحادي وطرح مناقشة كافة القضايا الوطنية ليبرز الدور السياسي للمرأة الإماراتية.
ومنذ قيام حكومة الاتحاد، ظلت الحكومات المتعاقبة تخلو من أي حضور نسائي في مجلس الوزراء، وفي شهر نوفمبر 2004 حظيت المرأة الإماراتية بمنصب وزيرة، حيث تم تعيين الشيخة لبنى القاسمي وزيرة للاقتصاد والتخطيط. وفي فبراير 2006 تم تعيين مريم الرومي وزيرة للشؤون الاجتماعية. وفي سابقة تعد الأولى في تاريخ الإمارات السياسي، ومع إجراء أول انتخابات تشريعية في البلاد (ديسمبر 2006) فازت ولأول مرة امرأة في جولة الانتخابات الأولى للمجلس الوطني الاتحادي عن إمارة أبوظبي، إلى جانب ثماني نساء أخريات عينهنّ حكام الإمارات في المجلس وفقاً للدستور الذي ينص على تعيين عشرين عضواً.
الجدير بالذكر أن الانتخابات الإماراتية جاءت تالية لأول انتخابات لمجلس الأمة الكويتي خاصة بعد إقرار الحقوق السياسية للمرأة الكويتية في 2005، وسابقة لانتخابات مجلس الشورى العماني 2007. ومن الملاحظ أنه في كلتا التجربتين الانتخابيتين أخفقت المرشحات في الفوز بأي مقعد سواء مجلس الأمة الكويتي أو مجلس الشورى العماني. وبذلك تعد دولة الإمارات الأولى عربياً من حيث نسبة مشاركة المرأة في البرلمان بنسبة 22.5 في المائة من مجموع الأعضاء، حسب ما أشار تقرير التنمية البشرية في العالم لعام (2007 – 2008)، كما احتلت دولة الإمارات المرتبة الرابعة والعشرين ضمن مجموعة دول التنمية البشرية العالمية البالغ عددها سبعين دولة.
إن مشاركة المرأة في هذا المجال السياسي محدودة، وتتأثر كثيراً بمفاهيم وقيم الأسرة والمجتمع ولذلك نلاحظ في أكثر المجتمعات ديمقراطية وتقدماً غياب المرأة في المجال السياسي بشكل واضح مع استثناء بعض الحالات القليلة، ومن ثم فإن افتقاد الحق السياسي والعمل السياسي بالنسبة لنساء العالم هو ظاهرة عامة، وإن كان بدرجات ونسب مختلفة تبعاً لروح الديمقراطية التي تخيم على الجو العام للمجتمع وطبيعة العرف السائد كحالة دولة الإمارات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3416::/cck::
::introtext::
مما لا شك فيه أن أوضاع المرأة الخليجية عامة – والمرأة في مجتمع الإمارات خاصة – تمر بتحولات وتطورات جمة منذ ستينات القرن العشرين بطريقة موازية للتحولات التي حدثت في جوانب المجتمع الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ومن الأهمية بمكان تتبع تلك التحولات ورصد انعكاساتها على أوضاع المرأة، لما في ذلك من ضرورة في الكشف عن حقوق المرأة التي تجاهلها المجتمع لفترات طويلة مضت.
::/introtext::
::fulltext::
مما لا شك فيه أن أوضاع المرأة الخليجية عامة – والمرأة في مجتمع الإمارات خاصة – تمر بتحولات وتطورات جمة منذ ستينات القرن العشرين بطريقة موازية للتحولات التي حدثت في جوانب المجتمع الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ومن الأهمية بمكان تتبع تلك التحولات ورصد انعكاساتها على أوضاع المرأة، لما في ذلك من ضرورة في الكشف عن حقوق المرأة التي تجاهلها المجتمع لفترات طويلة مضت.
إن التطور الاقتصادي الناجم عن اكتشاف النفط زاد من الدخل العام للدولة مما أدى إلى أن تكون دولة الإمارات من الدول مرتفعة مستوى المعيشة، وهذا الوضع ألقى بآثاره الواضحة على وضع المرأة، حيث تغيرت النظرة إليها إلى حد ما وخاصة مع التغيرات الثقافية التي تحققت بشكل جزئي في ما يتعلق بوضع المرأة نتيجة للانفتاح على المجتمعات الأخرى، فلقد أسهم التعليم في زيادة وعي المرأة ومطالبتها كحق العمل واختيار شريك الحياة بعيداً عن سلطة العادات والتقاليد التي مارست تأثيراً قوياً ولفترة طويلة على حقوق المرأة في المجتمع العربي على نحو شامل.
وعلى الرغم من كل الصعوبات والمعوقات التي تواجه المرأة الإماراتية، إلا أنها استطاعت خلال السنوات الأخيرة تحقيق العديد من المكاسب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فلقد استطاعت الوصول إلى مواقع التأثير والسلطة في العديد من مجالات العمل التي كانت قاصرة على الرجال من قبل، كالقطاعين الحكومي والخاص ووسائل الإعلام ومراكز اتخاذ القرار.. إلخ.
ومن ثم لم يعد الحديث حول ما إذا كان مسموحاً لها القيام بدور أم غير مسموح لها، وإنما صار الحديث حول طبيعة هذا الدور ومداه ومجالاته، وهو ما يعني حدوث تطور نوعي على صعيد المجتمع بصدد المرأة وقضاياها. ولعله من الضروري الوقوف على العوامل التي ساهمت في تصعيد قضايا المرأة لتحتل مكانة متقدمة في أولويات العمل الوطني، ويأتي في مقدمة هذه العوامل:
1- الاهتمام الدولي بمسألة تمكين المرأة من منظور حقوقي، لاسيما في الدول النامية وهو اهتمام تجاوز المنظور الرعائي والخدمي الضيق الذي ظل سائداً لفترة ليست بالقصيرة، الأمر الذي أصبحت معه قضايا المرأة على قمة أولويات الأجندة الدولية وأحد المحاور الرئيسية للعديد من المؤتمرات الدولية التي تنظمها الأمم المتحدة.
2- توجه غالبية الدول العربية نحو إعطاء مزيد من الحقوق للمرأة، حتى أصبح موضوع تمكين المرأة من حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إحدى أبرز آليات عملية الإصلاح في غالبية البلدان العربية.
3- نمو المجتمع المدني العربي، وتطور الجمعيات النسائية من داخله، أديا إلى تزايد الوعي المجتمعي والنسائي بأهمية مواجهة المشكلات والصعوبات التي تعوق دورها كشريك للرجل في الحياة، كما وفرت آليات مجتمعية جديدة لمواجهة قيود الموروث الثقافي والاجتماعي بالإضافة إلى التوافق مع المنظور العالمي لحقوق الإنسان.
ويعتبر النمو الحضاري المتزايد وتغيير المؤسسات والأبنية التقليدية، فضلاً عن تغيير بنية التدرج الاجتماعي بعد اكتشاف النفط وتسويقه، من أهم التغيرات الاجتماعية، فقد بدأ التحول السكاني والحركة من البادية إلى المدينة يأخذان شكلاً مغايراً. هذا بالإضافة إلى المدينة ذاتها، التي أخذت تقوم بوظائف اقتصادية وسياسية جديدة، مما أدى إلى تغيير الصورة. هذا النمو الحضري لم يكن طبيعياً، فقد أدى هذا الانتقال السريع إلى اهتزاز العديد من القيم والعادات والمفاهيم التي تربط القبائل بشبكة من العلاقات الاجتماعية التقليدية، كما أدى إلى ظهور قيم جديدة ترتبط بالجانب المادي لتؤثر في بقية أنشطة الحياة بصورة مباشرة ومن بين هذه القيم تغيير النظرة نحو تعليم وعمل المرأة.
وعلى هذا تم إنشاء العديد من المدارس الخاصة بالفتيات، كما التحق العديد منهن بالتعليم العالي في الجامعات، وأتيح لهن ولأول مرة السفر إلى الخارج لتلقي العلم والمعرفة، وصاحب ذلك تغيير كبير في ثقافة المرأة الإماراتية ونظرتها للحياة، غير أنها أصبحت بعد الثورة النفطية مستقلة اقتصادياً نوعاً ما، إلا أنها لم تتحول بعد للحرية الكاملة في نواحي الحياة الأخرى، حيث لا تزال تتحكم فيها بعض القيود التقليدية القبلية رغم ما أدت إليه الطفرة النفطية من تغيرات.
الدور التنموي
لا يختلف وضع المرأة في الخليج عنه في بقية الدول العربية، ولا تشذ المرأة الإماراتية عن المرأة العربية لأنها تشاركها معظم الهموم باستثناء أقرب إلى الكم عن الكيف. فلقد كان الاقتصاد يعتمد على الزراعة وصيد اللؤلؤ والتجارة ورعي الأغنام ويعطي تقسيم العمل آنذاك أهمية خاصة للمرأة نتيجة لمشاركتها في هذه الأعمال بطرق مختلفة. ومع بداية الحقبة النفطية فقدت المرأة دورها تدريجياً نظراً لتدهور قيمة العمل نفسه الذي أخذت تتولاه العمالة الوافدة، مما أفقد المرأة دورها الاجتماعي الذي اكتسبته من خلال العمل في فترة سابقة، ولكن هذا التراجع لم يكن إلا تراجعاً مؤقتاً، فلقد شهدت المنطقة في سبعينات القرن العشرين حركة نشطة في التعليم لكل أفراد المجتمع بما في ذلك المرأة التي انخفضت نسبة أميتها بوتائر مرتفعة وازداد الاهتمام الاجتماعي بضرورة تعليم الإناث، وتشير الإحصائيات إلى حدوث تطور في عدد المدارس الخاصة بتعليم الإناث، ففي عام 1983 بلغت نسبة مدارس البنات 42 في المائة، ارتفعت في عام 1992 إلى 44 في المائة ثم إلى 46 في المائة في عام (2002-2003)، كما بلغ معدل المتعلمات من الإناث 88.7 في المائة مقارنة بـ 82.6 في المائة بين الذكور من العام نفسه.
ومن هنا فقد وضعت الدولة على عاتقها منذ قيام الاتحاد قضية التعليم في مقدمة أولوياتها، وذلك لارتباطها الواضح بالتعليم والتنمية، لقد كان لتلك السياسة التعليمية التي انتهجتها الدولة تجاه تعليم الإناث أثر كبير في الدفع بهن إلى سوق العمل، فقد بلغت نسبة مشاركة المرأة من إجمالي قوة العمل بالدولة وفقاً لإحصائيات وزارة التخطيط 13.7 في المائة فقط في عام 2001 محققة بذلك تطورات متلاحقة مقارنة بالفترة الممتدة من عام 1985 إلى 1995 في كافة المجالات مثل (التعليم، الصحة، الإعلام والاتصالات، القانون والتجارة)، حيث بلغت مشاركتهن حوالي 59 في المائة من قوة العمل المواطنة من بينها 30 في المائة في الوظائف العليا القيادية المرتبطة باتخاذ القرار كوكيل وزارة وبعض المناصب الدبلوماسية، كما تشغل 60 في المائة من الوظائف الفنية وحوالي 15 في المائة من مقاعد هيئة التدريس في جامعة الإمارات.
وكذلك من ضمن مؤشرات تسارع مشاركة المرأة الإماراتية في قطاعات الأعمال، زيادة نسبة التراخيص التجارية الصادرة للإماراتيات، إذ بلغت 6.7 في المائة من إجمالي التراخيص الممنوحة عموماً للإماراتيين، وتركزت معظم هذه الاستثمارات في قطاعات التجارة والأعمال المصرفية وشركات الصيانة والعقارات والسياحة والفنادق فضلاً عن الأعمال الحرفية البسيطة.
وفي مايو عام 2003 تأسس مجلس سيدات الأعمال الإماراتيات والذي يعمل في إطار غرف التجارة والصناعة بالدولة، والذي يهدف إلى تطوير المهارات الشخصية لدى سيدات الأعمال وزيادة الثقة بأنفسهن في إدارة أعمالهن بما يسهم في دعم الاقتصاد، وذلك يهدف إلى تطوير القدرات المهنية للمرأة الإماراتية وتحفيزها على دراسة التخصصات العلمية المناسبة لتلبية متطلبات السوق والمشاركة في دعم الاقتصاد الوطني للدولة إلى جانب توعيتها بأهمية ترشيد الاستهلاك وتنظيم ميزانية الأسرة وغرس السلوك الاستهلاكي السليم في النشء الجديد لتصبح عملية الترشيد جزءاً من العادات الاجتماعية.
الجدير بالذكر أن حجم الاستثمارات في الأعمال التي تديرها إماراتيات بصورة كاملة عام 2002 بلغ حوالي 3.5 مليار دولار مقابل نصف هذا الرقم قبل عقد من الزمان؛ وهو يعد إسهاماً بارزاً للمرأة في أحد المجتمعات الخليجية. وكذلك تشير إحصائيات دائرة التنمية الاقتصادية في دبي إلى أن الدائرة تتلقى نحو 15 طلباً يومياً من سيدات للحصول على تراخيص تجارية تتنوع أنشطتها بين الديكور والتصميم الهندسي وصالونات التجميل، وحتى شركات التجارة العامة وتكنولوجيا المعلومات.
المشاركة السياسية
يمكن اعتبار الحركة النسائية في تلك الفترة داخل مجتمع الإمارات أحد أنواع المشاركة السياسية للمرأة، حيث ترتب على ذلك، وجود جبهة واعية تدافع عن حقوق المرأة الإماراتية. فالنهضة النسائية الشاملة التي تعم مظاهرها كل مرافق مجتمع الإمارات تعتبر تجربة رائدة تختلف عن سائر تجارب الحركات النسائية الأخرى، لأنها تمتاز بقصر المدة الزمنية وشمولية المكاسب التي تحققت.
وشهدت السنوات الأخيرة دخول النساء الإماراتيات إلى قطاعات كانت تعتبر في السابق حكراً على الرجال، فقد بلغ عدد الدبلوماسيات عام 2004 اللائي يعملن في وزارة الخارجية 23 دبلوماسية بينهن وزيرات مفوضات. واستطاعت المرأة الإماراتية تحقيق نقلة في وضعها بالمجتمع عام 2001، بتمثيلها في المجلس الاستشاري الوطني لإمارة الشارقة، بخمس سيدات في أول مشاركة نسائية في العمل البرلماني في الدولة وحضورها جلسات المجلس الوطني الاتحادي وطرح مناقشة كافة القضايا الوطنية ليبرز الدور السياسي للمرأة الإماراتية.
ومنذ قيام حكومة الاتحاد، ظلت الحكومات المتعاقبة تخلو من أي حضور نسائي في مجلس الوزراء، وفي شهر نوفمبر 2004 حظيت المرأة الإماراتية بمنصب وزيرة، حيث تم تعيين الشيخة لبنى القاسمي وزيرة للاقتصاد والتخطيط. وفي فبراير 2006 تم تعيين مريم الرومي وزيرة للشؤون الاجتماعية. وفي سابقة تعد الأولى في تاريخ الإمارات السياسي، ومع إجراء أول انتخابات تشريعية في البلاد (ديسمبر 2006) فازت ولأول مرة امرأة في جولة الانتخابات الأولى للمجلس الوطني الاتحادي عن إمارة أبوظبي، إلى جانب ثماني نساء أخريات عينهنّ حكام الإمارات في المجلس وفقاً للدستور الذي ينص على تعيين عشرين عضواً.
الجدير بالذكر أن الانتخابات الإماراتية جاءت تالية لأول انتخابات لمجلس الأمة الكويتي خاصة بعد إقرار الحقوق السياسية للمرأة الكويتية في 2005، وسابقة لانتخابات مجلس الشورى العماني 2007. ومن الملاحظ أنه في كلتا التجربتين الانتخابيتين أخفقت المرشحات في الفوز بأي مقعد سواء مجلس الأمة الكويتي أو مجلس الشورى العماني. وبذلك تعد دولة الإمارات الأولى عربياً من حيث نسبة مشاركة المرأة في البرلمان بنسبة 22.5 في المائة من مجموع الأعضاء، حسب ما أشار تقرير التنمية البشرية في العالم لعام (2007 – 2008)، كما احتلت دولة الإمارات المرتبة الرابعة والعشرين ضمن مجموعة دول التنمية البشرية العالمية البالغ عددها سبعين دولة.
إن مشاركة المرأة في هذا المجال السياسي محدودة، وتتأثر كثيراً بمفاهيم وقيم الأسرة والمجتمع ولذلك نلاحظ في أكثر المجتمعات ديمقراطية وتقدماً غياب المرأة في المجال السياسي بشكل واضح مع استثناء بعض الحالات القليلة، ومن ثم فإن افتقاد الحق السياسي والعمل السياسي بالنسبة لنساء العالم هو ظاهرة عامة، وإن كان بدرجات ونسب مختلفة تبعاً لروح الديمقراطية التي تخيم على الجو العام للمجتمع وطبيعة العرف السائد كحالة دولة الإمارات.
::/fulltext::
::cck::3416::/cck::
