الليبرالية وبناء الشخصية الفردية
::cck::3418::/cck::
::introtext::
الليبرالية هي مصطلح ذو أصل لاتيني (Liberalism)، وترجمتها المباشرة عن اللغة الإنكليزية؛ (التحررية)، اتخذ هذا المصطلح جملة من المضامين والاستخدامات في مختلف الحقول، فعلى الصعيد السياسي يقوم على الإيمان بالتقدم والحرية الفردية وحماية الحقوق السياسية والمدنية، أما على الصعيد الاقتصادي فإنه يقوم على حرية المبادرة الفردية والمنافسة الحرة المستندة إلى قاعدة التبادل الذهني.
::/introtext::
::fulltext::
الليبرالية هي مصطلح ذو أصل لاتيني (Liberalism)، وترجمتها المباشرة عن اللغة الإنكليزية؛ (التحررية)، اتخذ هذا المصطلح جملة من المضامين والاستخدامات في مختلف الحقول، فعلى الصعيد السياسي يقوم على الإيمان بالتقدم والحرية الفردية وحماية الحقوق السياسية والمدنية، أما على الصعيد الاقتصادي فإنه يقوم على حرية المبادرة الفردية والمنافسة الحرة المستندة إلى قاعدة التبادل الذهني.
ارتبطت المفردة على صعيد التداول الشعبي بالمهنة الحرة، مثل الطبيب والمحاسب والمحامي، فيما يتجلى مضمونها الفكري في الحرية القصوى للفرد، من دون أن يكون للدولة أي تدخل في شؤونه الاقتصادية، باعتبار الاستناد إلى التنافس الذي يحكم العلاقات الطبقية في المجتمع الرأسمالي.
وكان للتطورات السياسية التي شهدتها أوروبا الغربية أثرها العميق في ولادة الموجهات إلى فكرة الحرية المدنية والقائمة على حرية التعبير عن الرأي والعقيدة والفكر والملكية، استناداً إلى الضمانات التي تمثلها الحكومة الدستورية، والمتوجهة إلى حماية حقوق المواطن. وعلى الرغم من الخطوات الدائبة إلى تمكين الحياة الدستورية، إلا أن الأحداث التي أعقبت الثورة الفرنسية والمغامرات (النابليونية)، كان لها الأثر المعطل في مسيرة التحولات، تلك التي تعرضت لنكسة مريعة، والتي تمثلت في رفع شعار إعادة القديم إلى قدمه، بعد أن تحالفت القوى القديمة لدحر نابليون. ومنذ عام 1815، وعقد مؤتمر لندن، صار الاتجاه إلى تفعيل مدى الإصلاح السياسي بحذر. والواقع أن مسيرة الإصلاح لم تكن متعلقة بالمسار السياسي، بقدر ما كان النهوض، وقد استند إلى الدور الذي اضطلعت به الطبقة الوسطى في إدارة التغيير، حيث الدور الصناعي والتجاري الذي مهّد لها أن تتصدر المجال السياسي.
وتبرز خصوصية التجربة الليبرالية في إنكلترا من حالة الارتباط الوثيق بمجال التصنيع وحركة المخترعات العلمية ومنذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، والتي أهلتها لأن تتخذ موقعاً مميزاً في مجال الثورة الصناعية التي راحت تعم الغرب. ولم يقف التصنيع لولادة طبقة من التكنوقراط والفنيين، بقدر ما رافقت تلك العملية الواسعة جملة من الإجراءات التنظيمية والإدارية والدستورية، المتطلعة إلى تكريس مجال حرية الصناعيين، ذلك الذي اعتبر حقاً مقدساً في سبيل بلوغ الأهداف والغايات، والذي ترافق مع حصول البورجوازيين على حقوقهم المدنية، وما ترافق من حصول الطبقة العاملة على حق الانتخاب منذ عام 1830، بل إن الخطوة الأهم كانت قد تمثلت في السعي إلى دمج مفهوم الإنتاج على مختلف الحقول والقطاعات والمصالح الصناعية منها والزراعية، إنه المسعى إلى تمثل مفهوم (الخير العام) لعموم المجتمع، من دون فصل أو تمييز، ومن هذا اتخذ النمو الاقتصادي كلاً موحداً يقوم على تفعيل قطاعات (الزراعة والصناعة والتجارة) من دون أن تكون ثمة فواصل بين حقل اقتصادي أو آخر، ليبرز مجال تشكل الوعي الموحد للإرادة الجماعية للأمة، الأمر الذي ساهم في نقل مفهوم الليبرالية من مصالح الطبقة البورجوازية، ليجعل منها منسجمة مع مجمل مصالح المجتمع.
وإذا كان السؤال يتركز حول التجارب المجاورة للجزر البريطانية ومدى تقبلها للفكر الليبرالي، فإن ألمانيا عاشت تجربتها السياسية الخاصة، انطلاقاً من هيمنة فلسفة الدولة الوطنية، والتطلعات السياسية التي ألحت على بسمارك صاحب الفكر المحافظ، وصانع المجد الألماني من خلال فلسفة الحديد والقوة، والذي لم يتردد برفضه للنظام الديمقراطي خلال أحداث ثورة 1848م، فيما كانت توجهاته بعد حصوله على منصب المستشارية، قد تمثلت في النصر الحربي الكبير الذي تحقق له على فرنسا، وقيام الوحدة الألمانية عام 1871، وتوجهه إلى عسكرة الاقتصاد من أجل الولوج في ميدان المنافسة الاقتصادية، من خلال العمل على الدقة والانضباط في الأداء، باعتبار حرمان ألمانيا من المستعمرات، التي يمكن لها أن توفر السوق والمواد الأولية، وحتى إجباره على الاستقالة من منصب المستشارية عام 1890، فإن التوجهات السياسية لألمانيا كانت قد انصبت على محاولات تجييش الإمكانات الكاملة للبلاد إلى تعزيز مجال المغامرات السياسية، التي تطلعت إلى عزل فرنسا عن جوارها الأوروبي، والحرص على توقيع اتفاقيات مع روسيا وإمبراطورية النمسا والمجر. أما فرنسا فإن التحالف الذي برز للعيان بين البورجوازيين وكبار ملاك الأراضي، كان له الدور البالغ في تنامي ردة الفعل من قبل الطبقة العاملة التي توجهت إلى تبني مواقف قوامها الرفض ومحاولة البحث عن الخلاص من واقع الاستغلال والهيمنة. فكانت خيبة الأمل بشعارات الثورة المنادية بالحرية والإخاء والمساواة.
لقد وجد الغرب طريقه إلى البناء الليبرالي عن طريق جملة من الإجراءات والخطوات التي تمثلت في:
1- الاستناد إلى العلاقة الدستورية التي تحدد مضمون الحقوق والواجبات بين الحكومة والشعب.
2- الاعتماد على تفعيل مجال الإدارة المرنة المتطلعة إلى تطوير الإمكانات والقدرات الخبرات وتوظيفها في مجمل القطاعات، النائية بنفسها عن البيروقراطية.
3- العمل على فصل السلطات، والتأكيد على استقلال القضاء، بوصفه سلطة لا يمكن المساس بها.
4- تعزيز دور الرقابة الصحية والإدارية والتوجه إلى تفعيل مفهوم الرقابة بوصفها مسؤولية.
5- الاعتماد على التفكير والبحث العلمي بوصفه الطريق إلى التقدم.
6- الوعي بروح القوانين والتشريعات، واعتبارها الوصفة التي تقود إلى الخير العام.
النزعة التجريبية
يبرز ديفيد هيوم (1711- 1776) الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي، كأحد أبرز رواد النزعة التجريبية، الذي أشار إلى أن المعرفة لا تقوم على الفهم بقدر ما تستند إلى أهمية دورها في توجيه الواقع، حيث يشار إلى أن قوام المعرفة ما هو إلا تمثيل للخبرات الشخصية تلك التي تتراكم بفعل التواصل والتفاعل مع العالم الخارجي. ومن هذا القوام فإنه يؤكد على أولوية الحسي على الفكري، انطلاقاً من البحث في العلاقة القائمة بين العلة والمعلول (Cause & Effect)، عامداً إلى تفكيك مفهوم العلة الذي وجد فيه أنه يقوم على ثلاثية (السبق، المكان، الضرورة)، وكان التأكيد على أن فكرة العلة تقوم على الخبرة، ومن هذا فإنها تصور بعدي وليس قبلياً، بحساب أنها علاقة غير ضرورية، لكن تراكمات العقل تجعل الاعتقاد بضرورة التصور.
وكان توقف هيوم عند مسألة العلاقة التي تحدد مسار المجتمع، والتي تتمثل في المشاعر المستندة إلى العرف والتي تتوافق والطبيعة الراسخة في الذات البشرية، تلك التي تمثل الدالة الرابطة المتوجهة إلى توثيق المجتمع وتعزيز تماسكه. ومن واقع الملاحظة العلمية الدقيقة كان الوقوف على مضمون الربط بين التجربة الاجتماعية والتطور، مشترطاً في ذلك جملة من القوانين الساعية إلى تعزيز السلم الاجتماعي، وعبر إقراره لجملة من القوانين؛ ( ثبات الملكية، انتقال الملكية بالقبول، الالتزام بالعهود)، فيما كان تركيزه على أن العقل يكمن دوره في الخضوع للعواطف الإنسانية.
ومن واقع دراساته فإن هيوم عمد إلى تطبيق منهجه على المفاهيم السياسية، حيث أعلن رفضه مفهوم العقد الاجتماعي، ونظرية الحق الإلهي للملوك، حتى إنه تساءل حول الفضل الذي يتأتى لإنسان كي يتم من خلاله التمييز بين الحاكم والمحكوم، وكانت إشارته إلى أن المجتمع بسعيه إلى تنظيم العلاقة من خلال العقد الاجتماعي باعتبار محاولة الخلاص من حالة الفوضى والاضطراب، فإن هذه الحال تبقى بمثابة العرض الزائل، والحل لديه يقوم على حالة التضامن الاجتماعي الذي يتم من خلاله توفير الحاجات الأساسية للفرد ضمن مجموعته التي يعيش فيها. هذا بحساب أن الإنسان تقوده غرائزه إلى إشباعها ضمن العلاقة مع أعراف المجموع، فتبرز رابطة الزواج، وهي (العلاقة النووية) التي تؤدي إلى منظومة الأسرة، وما يترتب عليها من توسع للمجموعة البشرية، لتبرز سلطة الأب باعتبار ما تمثله من رابطة عاطفية مع الأبناء، حيث التفاعل لدى الأسلاف الذين يسعون إلى تعزيز لحمة الوحدة فيما بينهم سعياً إلى بناء المجتمع، لكن هذا البناء لا يمكن له أن يحيا ويتواصل من دون الاستناد إلى القواعد المشتركة التي تصقلها التجربة وسيادة روح العدالة.
ويشير (هيوم) إلى أن روح التضامن والالتزام بالعرف الجماعي يمثلان الأصل في العلاقة القائمة داخل المجتمع، حيث السعي إلى تحقيق المصلحة العامة، وما يترتب عليها من تنظيمات تتعلق بالسلطة الناظمة. وهذا ما يدعوه بالعقد الأصلي الذي يشكل المصدر لمجمل السلطات التي يتوافق حولها الناس من خلال القبول والرضا حول التنازل عن حريتهم في سبيل ضمان اشتغال الأعراف والنظم الساعية إلى إحلال الطمأنينة والأمن العام من دون التوجه إلى كتابتها، إنها سلطة الأعراف التي تشكل أساس التجمع البشري.
إن القراءة المدققة التي تصدى لها (هيوم) في أصل التفاعل الإنساني، جعلت منه ساعياً للبحث عن حاجته الأساسية للأمن، ومن هذا كان التطلع إلى توحيد الجهود في سبيل الحصول على الحماية والأمن وتبادل الخبرات والتكافل والتعايش، فيما تكون الإشارة إلى أن اللحظة التي تبدت فيها ملامح الحكومات كانت قد ارتبطت بالقوة والبطش والحروب والسيطرة. ومن هذا فإن العقد الاجتماعي لدى هيوم، هو ما يقوم على العرف الذي أسس المجتمع له بنفسه، فيما يبقى العقد القائم بين الحاكم والمحكوم مجرد وثيقة حكومية قوامها علاقة القوة والهيمنة.
وتنبع علاقة الفرد بالبحث عن الهيئة الناظمة لمجمل العمل الاجتماعي انطلاقاً من الاستناد إلى الموجه الأخلاقي الأصيل الكامن في النفس البشرية، فحالة التعاطف الإنساني تبقى حاضرة في التعاطف مع المظلوم والوفاء بالعهود وحب الخير والانسجام مع الآخر، فيما تبقى مبادئ الالتزام دائمة الحضور في النفس البشرية السوية، باعتبار احترام العدالة أو الملكية الخاصة. ومن واقع تقرير الحقيقة الإنسانية المتعلقة بالنزعة الأنانية وحب الذات والبحث عن المصالح الخاصة، فإن التجربة البشرية أثبتت أمام كل هذه النزعات أهمية التفكير بالواجب والمسؤولية، تلك التي تمثل مساحة الانسجام والتوافق داخل المجموعة البشرية، وتبرز أهمية التجربة في إبراز الدور الذي تضطلع به الهيئة الحكومية القادرة على الإمساك بالسلطة وتنظيم علاقات النظام العام، وهكذا تشير التجربة إلى أن المحصلة الإيجابية تكمن في الخضوع لسلطة الحكومة.
ويمكن تحديد الموجهات الفكرية لدى ديفيد هيوم بالأسس التالية:
1- كان للبيئة البريطانية دورها في طبع تفكيره بالمحافظة السياسية ونبذ التبدلات والتغيرات، حيث السعي إلى ثبات الحياة السياسية.
2- اعتبار المجتمع بمثابة الأصل الذي تدور في فلكه السلطة.
3- مفهوم الحرية يرتبط باحترام الدستور والتفاعلات الاجتماعية.
4- الدستور بوصفه الوثيقة التي تحدد مسار العلاقة بين المجتمع والحكومة، والأهمية تبقى منوطة بمسؤولية الأجيال القادمة في ترسيخ الحياة الدستورية.
5- الربط الصارم بين الثورة ومفهوم العدالة، وأهمية إمعان النظر في العواقب التي يمكن أن تحدثها الثورة من فوضى واضطراب.
6- وثوق العلاقة بين الحرية والاقتصاد، فالحرية شرط للتقدم والتفاعل والاتصال والتبادل.
7- رفض الملكية المطلقة، والنظام الديمقراطي، والسعي إلى إقامة الملكية المقيدة بالدستور.
8- أهمية الدور الذي تلعبه المعارضة الحزبية البرلمانية، باعتبارها الوسيلة الناجعة لإبراز مجال التعددية والاختلاف، سعياً إلى دعم الحياة الدستورية.
ادموند بيرك وسلطة العرف والتاريخ
في مسعاه لتثبيت حقوق الشعوب لم يتردد الفيلسوف السياسي بيرك (1729 – 1797) الأيرلندي الأصل بتوجيه نقده للحكومة البريطانية بسبب سياستها القائمة إزاء المستعمرات في أمريكا الشمالية. وبالقدر الذي برز فيه كمدافع عن الحرية وتقرير المصير، إلا أن موقفه من الثورة الفرنسية كان يقوم على الرفض باعتبار حالة الفوضى التي أفرزتها في أعقاب تداخل المواقع الاجتماعية والطبقية ويتجلى موقف بيرك بالرفض إزاء فكرة المساواة، التي اعتبرها فرضية غير قابلة للتطبيق على صعيد الواقع، وأن المجتمع يخضع لسلطة الأعراف ذات الانسجام والتواصل مع العادات والتقاليد الاجتماعية. وكان التأكيد على أن المجتمع من خلق الله، وعلى هذا فإن دور الأفراد يبقى مستنداً إلى طبيعة الممارسة والتعود على التقاليد، التي تساهم في رسم ملامح التطور الساعي إلى إبراز المجتمع المدني، ولهذا فإن بيرك يرفض مقولة العقد الاجتماعي.
وآمن بيرك بقدم العلاقات الاجتماعية، ونزوع الإنسان إلى التنظيم من أجل إشباع حاجة الأمن والسلام والتواصل، لكن التغير الذي يطرأ على الحاجات يجعل من الضروري التغير والتحول، لكنه التغير المتناسق وليس الفجائي، إنه الخضوع لسلطة الأعراف والتاريخ، حيث الرسوخ للتقاليد الطويلة داخل المجتمع، والتي تمثل القاعدة الذهبية للاستقرار واستمرار تداول المصالح بين الأفراد. ومن هنا فإن ما يقرره بيرك يقوم على (أن النظام شيء غير قابل للابتكار بل يقوم على التعايش والتنمية).
يقر بيرك بسطوة التاريخ وقدرته على تحديد مسار التجربة السياسية والاجتماعية، حيث الإشارة إلى طبيعة الدستور البريطاني، الذي جاء كنتيجة لخصوصية التجربة البريطانية ورسوخ تقاليدها، حتى كان التوافق مع العادات والتقاليد ليصبح جزءاً من إرادة الأمة البريطانية. والواقع أن نظرته المحافظة، كانت قد انعكست على صعيد الممارسة البرلمانية، حيث الإشارة إلى أن البرلمان ما هو إلا ( هيئة حاكمة، وليس تمثيلية)، ولهذا تمثلت مطالبته في رفض التمثيل الشعبي أو تأثير الأغلبية في صنع القرار السياسي، بحساب البحث عن الهيمنة الحزبية الساعية إلى تقديم الرؤى المنسجمة مع الصالح العام. وكانت نظرته تقوم على أن الممثل البرلماني لا يختص بتمثيل دائرته الانتخابية بقدر ما يمثل مصالح الأمة. فتقاليد الحكم يجب ألا تخضع لنفوذ المنتخبين الذين يمثلون مشارب واتجاهات وميولاً شتى.
وتوقف بيرك ملياً عند أهمية العامل الديني، الذي اعتبره الأصل في الانسجام الاجتماعي وتثبيت روح الفضيلة، بل إن احترام العدالة وطاعة الدستور إنما يأتيان من واقع الفهم العميق للإرادة الإلهية، ومن هنا راح يعقد المقارنة مع الواقع الذي أفرزته ملابسات الثورة الفرنسية، فيما كانت إشادته بالطبقة الأرستقراطية باعتبار التزامها الديني الذي كان له الدور في استقرار التقاليد في بريطانيا.
جيرمي بنتام والمنفعة
تطلع جيرمي بنتام (1748-1832) الإنكليزي الأصل إلى ضرورة السعي إلى العمل على إصلاح النظام التشريعي للبرلمان، من خلال فلسفته القائمة على مبدأ المنفعة، تلك التي توجهت إلى التوفيق بين المصالح الفردية والمصالح العامة. وتقوم فلسفته على عنصري (اللذة والألم) اللذين يلازمان الموجهات الذاتية للفرد الإنساني. فالالتزام الأخلاقي يفرض على المرء أن يحدد معياري الخير والشر، فيما تطلع بنتام إلى قياس درجة المنفعة التي يتحصلها الفرد سعياً إلى السعادة. وكان مسعاه إلى وضع قياس اللذة والألم باعتبارهما مؤثرين فاعلين في السلوك الإنساني، ومن هنا توقف عند المظاهر الأربعة والمتمثلة في ( قوتها، استمرارها، انتشارها، آثارها الزمنية). ومن واقع حالة التبادل القائم بين اللذة والألم، فإن بنتام توقف ملياً عند تأثير مظهر الانتشار بحساب البحث عن حالة السعادة التي تستهدف الأغلبية، وليس الأقلية.
لقد ربط بنتام بين المنفعة باعتبارها الطريق إلى تعميم السعادة، وأهمية البحث في النظام التشريعي والقانوني البريطاني، باعتبار أن المشرع القانوني لديه القدرة على المبادرة إلى صياغة الموجهات إلى فرض القانون الذي يكفل الحياة المنضبطة والقادرة على إدارة سلوكيات الأفراد داخل المجموع بما يضمن السلام الاجتماعي، حيث التأكيد على أهمية تجاوز حالة التداخل بين المصالح الفردية والصالح العام. ومن هنا فإنه سعى إلى إخضاع سلطة العرف إلى الإصلاح والتعديل القانوني.
وتبرز قيم السعادة من خلال مدى انتشارها في التداول الاجتماعي، وعلى هذا فإن دور التشريع يبرز في أهمية التوفيق بين سعادة الفرد والمجتمع. ومن أجل تأمين السعادة للقطاع الأكبر من المجتمع، فإن دور الحكومة يتمثل في السيطرة على التفاعل الاجتماعي عبر تقنين عنصري (اللذة والألم)، من خلال مبدأي الثواب والعقاب، والتطلع إلى تخفيف مجال الألم داخل المنظومة الاجتماعية. ومن أجل تفعيل مجال الصالح العام، فإن الأمل كان معقوداً على أهمية السعي إلى الإصلاح الدستوري، الذي لا يمكن له أن يرى النور إلا من خلال توسيع نطاق الانتخاب ليشمل مجمل الطبقات الاجتماعية، والحرص على جعل العضو البرلماني مندوباً عن الإرادة الشعبية، وليس ممثلاً عنها، وتوسيع دور البرلمان في الرقابة على السلطة التنفيذية، وتوسيع دور الرقابة الشعبية على الهيئات والمصالح الحكومية.
جون ستيوارت ميل: الدولة والحرية الفردية
عاش المفكر السياسي الإنكليزي جون ستيوارت ميل (1806- 1873)، مرحلة الانتقال في العلاقات الصناعية التي شهدتها إنكلترا، حيث التوسع الكبير الذي طال المدن الصناعية، وما ترتب عليه من ظروف عمل شاقة وقاسية واستغلال بحق العمال، تتمثل في تشغيل الأطفال وطول ساعات العمل والأوضاع الصحية المزرية التي كانت تحيط بظروف العمل. ومن هذا برزت الدعوات المنادية بأهمية أن يتصدى البرلمان للتغيير من خلال العمل على تنظيم مجال التشريع الذي يحد من نطاق فكرة الفردية، والعمل على تجديد مسار الفكر الليبرالي من خلال طرح فكرة الصالح العام.
وكان للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها بريطانيا دورها في تنامي فكرة الحث على الجماعية، بعد أن كان القوام يستند إلى فكرة الفردية، بل إن المطالبة بأهمية أن تتدخل أجهزة التشريع في دعم الفئات الاجتماعية التي بدأت تعاني من ويلات الاستغلال من قبل كبار الصناعيين والمستثمرين، فكان النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد شهد بروز نخبة من المفكرين السياسيين، كان من بينهم جون ستيوارت ميل، الذي حدد برنامجه السياسي بعد وصوله إلى قبة البرلمان عام 1865 بالمطالبة بإصلاح عملية الانتخابات، ومنح المرأة حق التصويت، والسعي إلى وضع تشريعات جديدة تسير إلى تحسين أوضاع العمل. والواقع أن برنامجه هذا كان يقوم على جملة من الأسس التاريخية التي تسهم في تطلع الجنس البشري إلى الحرية، باعتبارها القوام الأصل في مجمل تطلعاته وتوجهاته، وأن العلاقات السوية إنما تقوم على فسح المجال أمام الفرد أن يعيش حياته وفقاً لإرادته الحرة النائية عن التصادم مع مصالح الآخرين من دون فرض الوصاية من قبل أية سلطة. وعلى هذا فإن قواعد الليبرالية لديه تقوم على:
1- الحرية السياسية النابذة لكل أشكال التسلط من قبل الحكام أو السياسيين.
2- الحرية الفكرية المستندة إلى روح البحث العلمي والإنساني.
3- الحرية الشخصية المتحررة من قيود الوصاية التي تفرضها مجموعات الضغط الاجتماعي.
لقد ارتبط مفهوم الحرية لدى (ميل)، بأهمية الممارسة العامة الشاملة التي تقدم دور المشاركة الفاعلة على البقية من الموجهات، بمعنى أن الليبرالية كفكرة لا يمكن لها أن تعيش من دون السعي إلى جعلها في صلب الوعي الاجتماعي، ومن هنا فإن النقاش الحر والمشاركة السياسية واحترام المعتقدات، تبقى مرتبطة بنهج الممارسة التي تقرها الروح الجماعية، التي تمثلها الدولة الراعية، حيث العناية بتوفير المناخ الذي يساهم في إنضاج الممارسة من خلال العناية بتعليم المواطن، الذي أراد له أن يكون إلزامياً ومجانياً، سعياً إلى خلق المواطن القادر على الأداء بفاعلية ونضج أكبر، فمواطن متنور خير من مواطن جاهل. هذا بحساب أن الحكم الليبرالي لا يمكن له أن يقوم ما لم يستند إلى مجتمع ليبرالي. ومن هنا فإن المعالجة تبقى مرهونة بأهمية البحث في المؤثرات، التي تبرزها حركة القوى السياسية والاجتماعية. فالحكومة وبما تملكه من قدرات وإمكانات واسعة يكون لها القدر الأوسع من التأثير في الرأي العام، مما يخلق حالة من التواطؤ بينها ومصالح الأغلبية، الأمر الذي يتبدى في بروز حالة من العسف والقهر بحق الأقلية.
لقد توقف ميل عند الدور الذي يلعبه الرأي العام، في وقف مسار التغيير نظراً لما يمثله من سلطة تقف في وجه التغيير، من خلال الثقل الذي يتم وضعه على أكتاف التطلعات الفردية، باعتبار الخضوع لرأي الأغلبية. ومن هنا فإن دعوته كانت تركزت حول أهمية السعي إلى تعديل التمثيل النيابي، من خلال الخضوع لفكرة التمثيل النسبي، المستند إلى القدرات العلمية والذهنية التي يمتلكها الممثل النيابي، هذا بحساب أن قوة المجتمع تقوم على القوة التي يتمتع بها أفراده، فيما يشير الواقع إلى أن الممارسة السياسية باتت تعيش حالة من التوافق القائم مع الأغلبية على حساب الأقلية، التي لا بد أن تحظى بحماية حقوقها الأساسية المتمثلة في حرية العقيدة، والحرية الشخصية، وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات.
ولاحظ ميل أهمية البحث في طريقة تنظيم عملية الانتخاب، من خلال عقد المقارنة المباشرة بين الفئتين الجاهلة والمتعلمة، واضعاً السؤال الاستنكاري حول طريقة التساوي في التصويت لدى الطرفين، على الرغم من الفارق النوعي بينهما، ولهذا كانت دعوته إلى التمثيل النسبي الذي يسعى إلى منع الأميين من المشاركة في الانتخابات، لكنه لم يغفل عن معالجة هذه الحالة، حين دعا إلى أهمية التوجه إلى رعاية الأميين من خلال السعي إلى تعميم التعليم ونشر المعرفة. ويبقى الدور الأهم ممثلاً في توسيع مجال المشاركة للفنيين والخبراء على صعيد الإدارة، باعتبارها الطريق المؤدي إلى تنشيط مفاصل عمل الحكومة، فيما أكد أن البرلمان يتركز دوره في الرقابة على عمل الحكومة وليس ممارسة الحكم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3418::/cck::
::introtext::
الليبرالية هي مصطلح ذو أصل لاتيني (Liberalism)، وترجمتها المباشرة عن اللغة الإنكليزية؛ (التحررية)، اتخذ هذا المصطلح جملة من المضامين والاستخدامات في مختلف الحقول، فعلى الصعيد السياسي يقوم على الإيمان بالتقدم والحرية الفردية وحماية الحقوق السياسية والمدنية، أما على الصعيد الاقتصادي فإنه يقوم على حرية المبادرة الفردية والمنافسة الحرة المستندة إلى قاعدة التبادل الذهني.
::/introtext::
::fulltext::
الليبرالية هي مصطلح ذو أصل لاتيني (Liberalism)، وترجمتها المباشرة عن اللغة الإنكليزية؛ (التحررية)، اتخذ هذا المصطلح جملة من المضامين والاستخدامات في مختلف الحقول، فعلى الصعيد السياسي يقوم على الإيمان بالتقدم والحرية الفردية وحماية الحقوق السياسية والمدنية، أما على الصعيد الاقتصادي فإنه يقوم على حرية المبادرة الفردية والمنافسة الحرة المستندة إلى قاعدة التبادل الذهني.
ارتبطت المفردة على صعيد التداول الشعبي بالمهنة الحرة، مثل الطبيب والمحاسب والمحامي، فيما يتجلى مضمونها الفكري في الحرية القصوى للفرد، من دون أن يكون للدولة أي تدخل في شؤونه الاقتصادية، باعتبار الاستناد إلى التنافس الذي يحكم العلاقات الطبقية في المجتمع الرأسمالي.
وكان للتطورات السياسية التي شهدتها أوروبا الغربية أثرها العميق في ولادة الموجهات إلى فكرة الحرية المدنية والقائمة على حرية التعبير عن الرأي والعقيدة والفكر والملكية، استناداً إلى الضمانات التي تمثلها الحكومة الدستورية، والمتوجهة إلى حماية حقوق المواطن. وعلى الرغم من الخطوات الدائبة إلى تمكين الحياة الدستورية، إلا أن الأحداث التي أعقبت الثورة الفرنسية والمغامرات (النابليونية)، كان لها الأثر المعطل في مسيرة التحولات، تلك التي تعرضت لنكسة مريعة، والتي تمثلت في رفع شعار إعادة القديم إلى قدمه، بعد أن تحالفت القوى القديمة لدحر نابليون. ومنذ عام 1815، وعقد مؤتمر لندن، صار الاتجاه إلى تفعيل مدى الإصلاح السياسي بحذر. والواقع أن مسيرة الإصلاح لم تكن متعلقة بالمسار السياسي، بقدر ما كان النهوض، وقد استند إلى الدور الذي اضطلعت به الطبقة الوسطى في إدارة التغيير، حيث الدور الصناعي والتجاري الذي مهّد لها أن تتصدر المجال السياسي.
وتبرز خصوصية التجربة الليبرالية في إنكلترا من حالة الارتباط الوثيق بمجال التصنيع وحركة المخترعات العلمية ومنذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، والتي أهلتها لأن تتخذ موقعاً مميزاً في مجال الثورة الصناعية التي راحت تعم الغرب. ولم يقف التصنيع لولادة طبقة من التكنوقراط والفنيين، بقدر ما رافقت تلك العملية الواسعة جملة من الإجراءات التنظيمية والإدارية والدستورية، المتطلعة إلى تكريس مجال حرية الصناعيين، ذلك الذي اعتبر حقاً مقدساً في سبيل بلوغ الأهداف والغايات، والذي ترافق مع حصول البورجوازيين على حقوقهم المدنية، وما ترافق من حصول الطبقة العاملة على حق الانتخاب منذ عام 1830، بل إن الخطوة الأهم كانت قد تمثلت في السعي إلى دمج مفهوم الإنتاج على مختلف الحقول والقطاعات والمصالح الصناعية منها والزراعية، إنه المسعى إلى تمثل مفهوم (الخير العام) لعموم المجتمع، من دون فصل أو تمييز، ومن هذا اتخذ النمو الاقتصادي كلاً موحداً يقوم على تفعيل قطاعات (الزراعة والصناعة والتجارة) من دون أن تكون ثمة فواصل بين حقل اقتصادي أو آخر، ليبرز مجال تشكل الوعي الموحد للإرادة الجماعية للأمة، الأمر الذي ساهم في نقل مفهوم الليبرالية من مصالح الطبقة البورجوازية، ليجعل منها منسجمة مع مجمل مصالح المجتمع.
وإذا كان السؤال يتركز حول التجارب المجاورة للجزر البريطانية ومدى تقبلها للفكر الليبرالي، فإن ألمانيا عاشت تجربتها السياسية الخاصة، انطلاقاً من هيمنة فلسفة الدولة الوطنية، والتطلعات السياسية التي ألحت على بسمارك صاحب الفكر المحافظ، وصانع المجد الألماني من خلال فلسفة الحديد والقوة، والذي لم يتردد برفضه للنظام الديمقراطي خلال أحداث ثورة 1848م، فيما كانت توجهاته بعد حصوله على منصب المستشارية، قد تمثلت في النصر الحربي الكبير الذي تحقق له على فرنسا، وقيام الوحدة الألمانية عام 1871، وتوجهه إلى عسكرة الاقتصاد من أجل الولوج في ميدان المنافسة الاقتصادية، من خلال العمل على الدقة والانضباط في الأداء، باعتبار حرمان ألمانيا من المستعمرات، التي يمكن لها أن توفر السوق والمواد الأولية، وحتى إجباره على الاستقالة من منصب المستشارية عام 1890، فإن التوجهات السياسية لألمانيا كانت قد انصبت على محاولات تجييش الإمكانات الكاملة للبلاد إلى تعزيز مجال المغامرات السياسية، التي تطلعت إلى عزل فرنسا عن جوارها الأوروبي، والحرص على توقيع اتفاقيات مع روسيا وإمبراطورية النمسا والمجر. أما فرنسا فإن التحالف الذي برز للعيان بين البورجوازيين وكبار ملاك الأراضي، كان له الدور البالغ في تنامي ردة الفعل من قبل الطبقة العاملة التي توجهت إلى تبني مواقف قوامها الرفض ومحاولة البحث عن الخلاص من واقع الاستغلال والهيمنة. فكانت خيبة الأمل بشعارات الثورة المنادية بالحرية والإخاء والمساواة.
لقد وجد الغرب طريقه إلى البناء الليبرالي عن طريق جملة من الإجراءات والخطوات التي تمثلت في:
1- الاستناد إلى العلاقة الدستورية التي تحدد مضمون الحقوق والواجبات بين الحكومة والشعب.
2- الاعتماد على تفعيل مجال الإدارة المرنة المتطلعة إلى تطوير الإمكانات والقدرات الخبرات وتوظيفها في مجمل القطاعات، النائية بنفسها عن البيروقراطية.
3- العمل على فصل السلطات، والتأكيد على استقلال القضاء، بوصفه سلطة لا يمكن المساس بها.
4- تعزيز دور الرقابة الصحية والإدارية والتوجه إلى تفعيل مفهوم الرقابة بوصفها مسؤولية.
5- الاعتماد على التفكير والبحث العلمي بوصفه الطريق إلى التقدم.
6- الوعي بروح القوانين والتشريعات، واعتبارها الوصفة التي تقود إلى الخير العام.
النزعة التجريبية
يبرز ديفيد هيوم (1711- 1776) الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي، كأحد أبرز رواد النزعة التجريبية، الذي أشار إلى أن المعرفة لا تقوم على الفهم بقدر ما تستند إلى أهمية دورها في توجيه الواقع، حيث يشار إلى أن قوام المعرفة ما هو إلا تمثيل للخبرات الشخصية تلك التي تتراكم بفعل التواصل والتفاعل مع العالم الخارجي. ومن هذا القوام فإنه يؤكد على أولوية الحسي على الفكري، انطلاقاً من البحث في العلاقة القائمة بين العلة والمعلول (Cause & Effect)، عامداً إلى تفكيك مفهوم العلة الذي وجد فيه أنه يقوم على ثلاثية (السبق، المكان، الضرورة)، وكان التأكيد على أن فكرة العلة تقوم على الخبرة، ومن هذا فإنها تصور بعدي وليس قبلياً، بحساب أنها علاقة غير ضرورية، لكن تراكمات العقل تجعل الاعتقاد بضرورة التصور.
وكان توقف هيوم عند مسألة العلاقة التي تحدد مسار المجتمع، والتي تتمثل في المشاعر المستندة إلى العرف والتي تتوافق والطبيعة الراسخة في الذات البشرية، تلك التي تمثل الدالة الرابطة المتوجهة إلى توثيق المجتمع وتعزيز تماسكه. ومن واقع الملاحظة العلمية الدقيقة كان الوقوف على مضمون الربط بين التجربة الاجتماعية والتطور، مشترطاً في ذلك جملة من القوانين الساعية إلى تعزيز السلم الاجتماعي، وعبر إقراره لجملة من القوانين؛ ( ثبات الملكية، انتقال الملكية بالقبول، الالتزام بالعهود)، فيما كان تركيزه على أن العقل يكمن دوره في الخضوع للعواطف الإنسانية.
ومن واقع دراساته فإن هيوم عمد إلى تطبيق منهجه على المفاهيم السياسية، حيث أعلن رفضه مفهوم العقد الاجتماعي، ونظرية الحق الإلهي للملوك، حتى إنه تساءل حول الفضل الذي يتأتى لإنسان كي يتم من خلاله التمييز بين الحاكم والمحكوم، وكانت إشارته إلى أن المجتمع بسعيه إلى تنظيم العلاقة من خلال العقد الاجتماعي باعتبار محاولة الخلاص من حالة الفوضى والاضطراب، فإن هذه الحال تبقى بمثابة العرض الزائل، والحل لديه يقوم على حالة التضامن الاجتماعي الذي يتم من خلاله توفير الحاجات الأساسية للفرد ضمن مجموعته التي يعيش فيها. هذا بحساب أن الإنسان تقوده غرائزه إلى إشباعها ضمن العلاقة مع أعراف المجموع، فتبرز رابطة الزواج، وهي (العلاقة النووية) التي تؤدي إلى منظومة الأسرة، وما يترتب عليها من توسع للمجموعة البشرية، لتبرز سلطة الأب باعتبار ما تمثله من رابطة عاطفية مع الأبناء، حيث التفاعل لدى الأسلاف الذين يسعون إلى تعزيز لحمة الوحدة فيما بينهم سعياً إلى بناء المجتمع، لكن هذا البناء لا يمكن له أن يحيا ويتواصل من دون الاستناد إلى القواعد المشتركة التي تصقلها التجربة وسيادة روح العدالة.
ويشير (هيوم) إلى أن روح التضامن والالتزام بالعرف الجماعي يمثلان الأصل في العلاقة القائمة داخل المجتمع، حيث السعي إلى تحقيق المصلحة العامة، وما يترتب عليها من تنظيمات تتعلق بالسلطة الناظمة. وهذا ما يدعوه بالعقد الأصلي الذي يشكل المصدر لمجمل السلطات التي يتوافق حولها الناس من خلال القبول والرضا حول التنازل عن حريتهم في سبيل ضمان اشتغال الأعراف والنظم الساعية إلى إحلال الطمأنينة والأمن العام من دون التوجه إلى كتابتها، إنها سلطة الأعراف التي تشكل أساس التجمع البشري.
إن القراءة المدققة التي تصدى لها (هيوم) في أصل التفاعل الإنساني، جعلت منه ساعياً للبحث عن حاجته الأساسية للأمن، ومن هذا كان التطلع إلى توحيد الجهود في سبيل الحصول على الحماية والأمن وتبادل الخبرات والتكافل والتعايش، فيما تكون الإشارة إلى أن اللحظة التي تبدت فيها ملامح الحكومات كانت قد ارتبطت بالقوة والبطش والحروب والسيطرة. ومن هذا فإن العقد الاجتماعي لدى هيوم، هو ما يقوم على العرف الذي أسس المجتمع له بنفسه، فيما يبقى العقد القائم بين الحاكم والمحكوم مجرد وثيقة حكومية قوامها علاقة القوة والهيمنة.
وتنبع علاقة الفرد بالبحث عن الهيئة الناظمة لمجمل العمل الاجتماعي انطلاقاً من الاستناد إلى الموجه الأخلاقي الأصيل الكامن في النفس البشرية، فحالة التعاطف الإنساني تبقى حاضرة في التعاطف مع المظلوم والوفاء بالعهود وحب الخير والانسجام مع الآخر، فيما تبقى مبادئ الالتزام دائمة الحضور في النفس البشرية السوية، باعتبار احترام العدالة أو الملكية الخاصة. ومن واقع تقرير الحقيقة الإنسانية المتعلقة بالنزعة الأنانية وحب الذات والبحث عن المصالح الخاصة، فإن التجربة البشرية أثبتت أمام كل هذه النزعات أهمية التفكير بالواجب والمسؤولية، تلك التي تمثل مساحة الانسجام والتوافق داخل المجموعة البشرية، وتبرز أهمية التجربة في إبراز الدور الذي تضطلع به الهيئة الحكومية القادرة على الإمساك بالسلطة وتنظيم علاقات النظام العام، وهكذا تشير التجربة إلى أن المحصلة الإيجابية تكمن في الخضوع لسلطة الحكومة.
ويمكن تحديد الموجهات الفكرية لدى ديفيد هيوم بالأسس التالية:
1- كان للبيئة البريطانية دورها في طبع تفكيره بالمحافظة السياسية ونبذ التبدلات والتغيرات، حيث السعي إلى ثبات الحياة السياسية.
2- اعتبار المجتمع بمثابة الأصل الذي تدور في فلكه السلطة.
3- مفهوم الحرية يرتبط باحترام الدستور والتفاعلات الاجتماعية.
4- الدستور بوصفه الوثيقة التي تحدد مسار العلاقة بين المجتمع والحكومة، والأهمية تبقى منوطة بمسؤولية الأجيال القادمة في ترسيخ الحياة الدستورية.
5- الربط الصارم بين الثورة ومفهوم العدالة، وأهمية إمعان النظر في العواقب التي يمكن أن تحدثها الثورة من فوضى واضطراب.
6- وثوق العلاقة بين الحرية والاقتصاد، فالحرية شرط للتقدم والتفاعل والاتصال والتبادل.
7- رفض الملكية المطلقة، والنظام الديمقراطي، والسعي إلى إقامة الملكية المقيدة بالدستور.
8- أهمية الدور الذي تلعبه المعارضة الحزبية البرلمانية، باعتبارها الوسيلة الناجعة لإبراز مجال التعددية والاختلاف، سعياً إلى دعم الحياة الدستورية.
ادموند بيرك وسلطة العرف والتاريخ
في مسعاه لتثبيت حقوق الشعوب لم يتردد الفيلسوف السياسي بيرك (1729 – 1797) الأيرلندي الأصل بتوجيه نقده للحكومة البريطانية بسبب سياستها القائمة إزاء المستعمرات في أمريكا الشمالية. وبالقدر الذي برز فيه كمدافع عن الحرية وتقرير المصير، إلا أن موقفه من الثورة الفرنسية كان يقوم على الرفض باعتبار حالة الفوضى التي أفرزتها في أعقاب تداخل المواقع الاجتماعية والطبقية ويتجلى موقف بيرك بالرفض إزاء فكرة المساواة، التي اعتبرها فرضية غير قابلة للتطبيق على صعيد الواقع، وأن المجتمع يخضع لسلطة الأعراف ذات الانسجام والتواصل مع العادات والتقاليد الاجتماعية. وكان التأكيد على أن المجتمع من خلق الله، وعلى هذا فإن دور الأفراد يبقى مستنداً إلى طبيعة الممارسة والتعود على التقاليد، التي تساهم في رسم ملامح التطور الساعي إلى إبراز المجتمع المدني، ولهذا فإن بيرك يرفض مقولة العقد الاجتماعي.
وآمن بيرك بقدم العلاقات الاجتماعية، ونزوع الإنسان إلى التنظيم من أجل إشباع حاجة الأمن والسلام والتواصل، لكن التغير الذي يطرأ على الحاجات يجعل من الضروري التغير والتحول، لكنه التغير المتناسق وليس الفجائي، إنه الخضوع لسلطة الأعراف والتاريخ، حيث الرسوخ للتقاليد الطويلة داخل المجتمع، والتي تمثل القاعدة الذهبية للاستقرار واستمرار تداول المصالح بين الأفراد. ومن هنا فإن ما يقرره بيرك يقوم على (أن النظام شيء غير قابل للابتكار بل يقوم على التعايش والتنمية).
يقر بيرك بسطوة التاريخ وقدرته على تحديد مسار التجربة السياسية والاجتماعية، حيث الإشارة إلى طبيعة الدستور البريطاني، الذي جاء كنتيجة لخصوصية التجربة البريطانية ورسوخ تقاليدها، حتى كان التوافق مع العادات والتقاليد ليصبح جزءاً من إرادة الأمة البريطانية. والواقع أن نظرته المحافظة، كانت قد انعكست على صعيد الممارسة البرلمانية، حيث الإشارة إلى أن البرلمان ما هو إلا ( هيئة حاكمة، وليس تمثيلية)، ولهذا تمثلت مطالبته في رفض التمثيل الشعبي أو تأثير الأغلبية في صنع القرار السياسي، بحساب البحث عن الهيمنة الحزبية الساعية إلى تقديم الرؤى المنسجمة مع الصالح العام. وكانت نظرته تقوم على أن الممثل البرلماني لا يختص بتمثيل دائرته الانتخابية بقدر ما يمثل مصالح الأمة. فتقاليد الحكم يجب ألا تخضع لنفوذ المنتخبين الذين يمثلون مشارب واتجاهات وميولاً شتى.
وتوقف بيرك ملياً عند أهمية العامل الديني، الذي اعتبره الأصل في الانسجام الاجتماعي وتثبيت روح الفضيلة، بل إن احترام العدالة وطاعة الدستور إنما يأتيان من واقع الفهم العميق للإرادة الإلهية، ومن هنا راح يعقد المقارنة مع الواقع الذي أفرزته ملابسات الثورة الفرنسية، فيما كانت إشادته بالطبقة الأرستقراطية باعتبار التزامها الديني الذي كان له الدور في استقرار التقاليد في بريطانيا.
جيرمي بنتام والمنفعة
تطلع جيرمي بنتام (1748-1832) الإنكليزي الأصل إلى ضرورة السعي إلى العمل على إصلاح النظام التشريعي للبرلمان، من خلال فلسفته القائمة على مبدأ المنفعة، تلك التي توجهت إلى التوفيق بين المصالح الفردية والمصالح العامة. وتقوم فلسفته على عنصري (اللذة والألم) اللذين يلازمان الموجهات الذاتية للفرد الإنساني. فالالتزام الأخلاقي يفرض على المرء أن يحدد معياري الخير والشر، فيما تطلع بنتام إلى قياس درجة المنفعة التي يتحصلها الفرد سعياً إلى السعادة. وكان مسعاه إلى وضع قياس اللذة والألم باعتبارهما مؤثرين فاعلين في السلوك الإنساني، ومن هنا توقف عند المظاهر الأربعة والمتمثلة في ( قوتها، استمرارها، انتشارها، آثارها الزمنية). ومن واقع حالة التبادل القائم بين اللذة والألم، فإن بنتام توقف ملياً عند تأثير مظهر الانتشار بحساب البحث عن حالة السعادة التي تستهدف الأغلبية، وليس الأقلية.
لقد ربط بنتام بين المنفعة باعتبارها الطريق إلى تعميم السعادة، وأهمية البحث في النظام التشريعي والقانوني البريطاني، باعتبار أن المشرع القانوني لديه القدرة على المبادرة إلى صياغة الموجهات إلى فرض القانون الذي يكفل الحياة المنضبطة والقادرة على إدارة سلوكيات الأفراد داخل المجموع بما يضمن السلام الاجتماعي، حيث التأكيد على أهمية تجاوز حالة التداخل بين المصالح الفردية والصالح العام. ومن هنا فإنه سعى إلى إخضاع سلطة العرف إلى الإصلاح والتعديل القانوني.
وتبرز قيم السعادة من خلال مدى انتشارها في التداول الاجتماعي، وعلى هذا فإن دور التشريع يبرز في أهمية التوفيق بين سعادة الفرد والمجتمع. ومن أجل تأمين السعادة للقطاع الأكبر من المجتمع، فإن دور الحكومة يتمثل في السيطرة على التفاعل الاجتماعي عبر تقنين عنصري (اللذة والألم)، من خلال مبدأي الثواب والعقاب، والتطلع إلى تخفيف مجال الألم داخل المنظومة الاجتماعية. ومن أجل تفعيل مجال الصالح العام، فإن الأمل كان معقوداً على أهمية السعي إلى الإصلاح الدستوري، الذي لا يمكن له أن يرى النور إلا من خلال توسيع نطاق الانتخاب ليشمل مجمل الطبقات الاجتماعية، والحرص على جعل العضو البرلماني مندوباً عن الإرادة الشعبية، وليس ممثلاً عنها، وتوسيع دور البرلمان في الرقابة على السلطة التنفيذية، وتوسيع دور الرقابة الشعبية على الهيئات والمصالح الحكومية.
جون ستيوارت ميل: الدولة والحرية الفردية
عاش المفكر السياسي الإنكليزي جون ستيوارت ميل (1806- 1873)، مرحلة الانتقال في العلاقات الصناعية التي شهدتها إنكلترا، حيث التوسع الكبير الذي طال المدن الصناعية، وما ترتب عليه من ظروف عمل شاقة وقاسية واستغلال بحق العمال، تتمثل في تشغيل الأطفال وطول ساعات العمل والأوضاع الصحية المزرية التي كانت تحيط بظروف العمل. ومن هذا برزت الدعوات المنادية بأهمية أن يتصدى البرلمان للتغيير من خلال العمل على تنظيم مجال التشريع الذي يحد من نطاق فكرة الفردية، والعمل على تجديد مسار الفكر الليبرالي من خلال طرح فكرة الصالح العام.
وكان للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها بريطانيا دورها في تنامي فكرة الحث على الجماعية، بعد أن كان القوام يستند إلى فكرة الفردية، بل إن المطالبة بأهمية أن تتدخل أجهزة التشريع في دعم الفئات الاجتماعية التي بدأت تعاني من ويلات الاستغلال من قبل كبار الصناعيين والمستثمرين، فكان النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد شهد بروز نخبة من المفكرين السياسيين، كان من بينهم جون ستيوارت ميل، الذي حدد برنامجه السياسي بعد وصوله إلى قبة البرلمان عام 1865 بالمطالبة بإصلاح عملية الانتخابات، ومنح المرأة حق التصويت، والسعي إلى وضع تشريعات جديدة تسير إلى تحسين أوضاع العمل. والواقع أن برنامجه هذا كان يقوم على جملة من الأسس التاريخية التي تسهم في تطلع الجنس البشري إلى الحرية، باعتبارها القوام الأصل في مجمل تطلعاته وتوجهاته، وأن العلاقات السوية إنما تقوم على فسح المجال أمام الفرد أن يعيش حياته وفقاً لإرادته الحرة النائية عن التصادم مع مصالح الآخرين من دون فرض الوصاية من قبل أية سلطة. وعلى هذا فإن قواعد الليبرالية لديه تقوم على:
1- الحرية السياسية النابذة لكل أشكال التسلط من قبل الحكام أو السياسيين.
2- الحرية الفكرية المستندة إلى روح البحث العلمي والإنساني.
3- الحرية الشخصية المتحررة من قيود الوصاية التي تفرضها مجموعات الضغط الاجتماعي.
لقد ارتبط مفهوم الحرية لدى (ميل)، بأهمية الممارسة العامة الشاملة التي تقدم دور المشاركة الفاعلة على البقية من الموجهات، بمعنى أن الليبرالية كفكرة لا يمكن لها أن تعيش من دون السعي إلى جعلها في صلب الوعي الاجتماعي، ومن هنا فإن النقاش الحر والمشاركة السياسية واحترام المعتقدات، تبقى مرتبطة بنهج الممارسة التي تقرها الروح الجماعية، التي تمثلها الدولة الراعية، حيث العناية بتوفير المناخ الذي يساهم في إنضاج الممارسة من خلال العناية بتعليم المواطن، الذي أراد له أن يكون إلزامياً ومجانياً، سعياً إلى خلق المواطن القادر على الأداء بفاعلية ونضج أكبر، فمواطن متنور خير من مواطن جاهل. هذا بحساب أن الحكم الليبرالي لا يمكن له أن يقوم ما لم يستند إلى مجتمع ليبرالي. ومن هنا فإن المعالجة تبقى مرهونة بأهمية البحث في المؤثرات، التي تبرزها حركة القوى السياسية والاجتماعية. فالحكومة وبما تملكه من قدرات وإمكانات واسعة يكون لها القدر الأوسع من التأثير في الرأي العام، مما يخلق حالة من التواطؤ بينها ومصالح الأغلبية، الأمر الذي يتبدى في بروز حالة من العسف والقهر بحق الأقلية.
لقد توقف ميل عند الدور الذي يلعبه الرأي العام، في وقف مسار التغيير نظراً لما يمثله من سلطة تقف في وجه التغيير، من خلال الثقل الذي يتم وضعه على أكتاف التطلعات الفردية، باعتبار الخضوع لرأي الأغلبية. ومن هنا فإن دعوته كانت تركزت حول أهمية السعي إلى تعديل التمثيل النيابي، من خلال الخضوع لفكرة التمثيل النسبي، المستند إلى القدرات العلمية والذهنية التي يمتلكها الممثل النيابي، هذا بحساب أن قوة المجتمع تقوم على القوة التي يتمتع بها أفراده، فيما يشير الواقع إلى أن الممارسة السياسية باتت تعيش حالة من التوافق القائم مع الأغلبية على حساب الأقلية، التي لا بد أن تحظى بحماية حقوقها الأساسية المتمثلة في حرية العقيدة، والحرية الشخصية، وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات.
ولاحظ ميل أهمية البحث في طريقة تنظيم عملية الانتخاب، من خلال عقد المقارنة المباشرة بين الفئتين الجاهلة والمتعلمة، واضعاً السؤال الاستنكاري حول طريقة التساوي في التصويت لدى الطرفين، على الرغم من الفارق النوعي بينهما، ولهذا كانت دعوته إلى التمثيل النسبي الذي يسعى إلى منع الأميين من المشاركة في الانتخابات، لكنه لم يغفل عن معالجة هذه الحالة، حين دعا إلى أهمية التوجه إلى رعاية الأميين من خلال السعي إلى تعميم التعليم ونشر المعرفة. ويبقى الدور الأهم ممثلاً في توسيع مجال المشاركة للفنيين والخبراء على صعيد الإدارة، باعتبارها الطريق المؤدي إلى تنشيط مفاصل عمل الحكومة، فيما أكد أن البرلمان يتركز دوره في الرقابة على عمل الحكومة وليس ممارسة الحكم.
::/fulltext::
::cck::3418::/cck::
