اقتصادات دول مجلس التعاون وتحديات انخفاض الدولار

::cck::3419::/cck::
::introtext::

أثار تذبذب سعر صرف الدولار الأمريكي في الأسواق العالمية وانخفاضه على النحو الذي آل إليه مؤخراً جدلاً واسعاً حول مدى فائدة استمرار دول الخليج العربية في ربط عملاتها بالدولار، حيث انخفض سعر صرف الدولار إلى مستوى قياسي مقابل العملات العالمية، ومن المتوقع أن يستمر انخفاضه إلى أن تتمكن الولايات المتحدة من خفض عجز ميزان المدفوعات وعجز الميزانية اللذين بلغا مستويات حرجة.

::/introtext::
::fulltext::

أثار تذبذب سعر صرف الدولار الأمريكي في الأسواق العالمية وانخفاضه على النحو الذي آل إليه مؤخراً جدلاً واسعاً حول مدى فائدة استمرار دول الخليج العربية في ربط عملاتها بالدولار، حيث انخفض سعر صرف الدولار إلى مستوى قياسي مقابل العملات العالمية، ومن المتوقع أن يستمر انخفاضه إلى أن تتمكن الولايات المتحدة من خفض عجز ميزان المدفوعات وعجز الميزانية اللذين بلغا مستويات حرجة.
ففيما يرى كثير من المحللين أن الوقت قد حان لفك ربط العملات الخليجية بالدولار الذي فقد كثيراً من قيمته خلال العامين الماضيين، يدافع بعضهم عن استمرار ارتباط العملات الخليجية بالدولار على أساس أن العملة الأمريكية هي حجر الزاوية في علاقات الخليج مع العالم والقائمة على تسعير النفط بالدولار، بينما ينادي الفريق الثالث بعدم الانجرار وراء سياسات بنك الاحتياطي الأمريكي في تخفيض أسعار الفائدة على الدولار، والنظر في إعادة تقييم أسعار صرف العملات الخليجية لتلافي التداعيات المتعلقة بهذا الانخفاض.
وفي هذا المقال سنحاول التوصل إلى إجابات موضوعية للعديد من التساؤلات المطروحة على الساحة الخليجية في الوقت الراهن، مثل: ما هي آثار انخفاض الدولار على اقتصادات دول مجلس التعاون؟ وهل أصبح فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار أمراً حتمياً بالنسبة لهذه الاقتصادات؟ وهل تحرير العملات الخليجية من الارتباط بالدولار يعني القيام بتغيير تسعير النفط بعملات بديلة عن الدولار؟
أثر انخفاض الدولار في اقتصادات دول المجلس
تراجع الدولار الأمريكي أمام العملات الرئيسية في الأسواق العالمية بشكل لم يسبق له مثيل خلال السنوات الـ 15 عاماً الماضية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يلقي بظلاله على مختلف الجوانب الاقتصادية للدول الخليجية، وتدل كافة المؤشرات الاقتصادية على أن أثر انخفاض الدولار في دول مجلس التعاون مزدوج، فقد عانت دول الخليج من انخفاض الدولار بسبب ارتباط عملاتها به من جهة، وبسبب تسعير النفط به من جهة أخرى، كما يلي:
أولاً- أسعار صرف العملات: بعد انتهاء نظام الذهب، اختلفت دول العالم فيما بينها في كيفية تحديد أسعار صرف عملاتها، فمن الدول من لجأت إلى تحديد معدلات صرفها بشكل حر وفقاً لقوى العرض والطلب، وإن كان في شكل مدار، أو ما يطلق عليه (التعويم المدار)، في حين اتبعت بعض الدول الأخرى ما يسمى سلة العملات، حيث يتم اختيار مجموعة من العملات تعطى وزناً محدداً لكل منها، وغالباً ما يحدد هذا الوزن على أساس متوسط كثافة التجارة مع الدولة التي تصدر هذه العملة، ويتم تعديل الأوزان حسب تطورات التجارة مع تلك الدول، أما النظام الثالث فتمثل في ربط العملة المحلية بعملة واحدة، مثل الدولار.
وفي الوقت الراهن ترتبط كل عملات دول مجلس التعاون الخليجي (باستثناء الكويت التي تحولت في 19 مايو 2007 من الربط بالدولار إلى سلة عملات) بالدولار الأمريكي. وأدى هذا الربط إلى انخفاض قيمة عملات دول المجلس مقابل العملات الرئيسية الأخرى. وأفاد صندوق النقد الدولي بأن أسعار صرف عملات دول مجلس التعاون الخليجي انخفضت فعلياً بنسبة 12.5 في المائة بين عامي (2003 – 2006) بسبب ربطها بالدولار.
ثانياً- معدلات التضخم: التضخم يعني ارتفاعاً مستمراً ومتواصلاً في المستوى العام للأسعار، وهذا الارتفاع في الغالب يقلص المقدرة الشرائية للنقود في أيدي الأفراد، فالتضخم ليس كما يعتقد البعض مجرد ارتفاع في الأسعار يعاني منه الأفراد، ولكن تأثيره يمتد إلى أبعد من ذلك، فهو يؤثر سلباً في كافة الجوانب الاقتصادية وحتى الاجتماعية في الدولة، فهو يضر بالسياحة والنمو الاقتصادي وجذب المستثمرين وحتى العمالة الأجنبية وغيرها، أي أن التضخم يضر بالاقتصاد الوطني بشكل مشابه بإضراره بالأفراد المستهلكين. وهذا التضخم يظهر نتيجة لعاملين مترابطين، هما:
1- التضخم المستورد الناتج عن ارتفاع معدلات الأسعار في الدول التي تستورد منها دول مجلس التعاون بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج، أو ارتفاع سعر صرف عملات هذه الدول، مقارنة بعملات دول المجلس المرتبطة بالدولار.
2- تزايد حجم الإنفاق العام بشكل يتجاوز الطاقة الاستيعابية للاقتصاد المحلي، من أجل تخفيف حدة أثر ارتفاع الأسعار في المواطن الخليجي.
ثالثاً- أسعار النفط: الواقع أنه في حين يظن البعض أن الدول الخليجية استفادت من الزيادات المتصاعدة في أسعار النفط خلال الفترة الماضية، إلا أن هذه الزيادة لم تكن في جانب كبير منها سوى خسارة. بمعنى آخر أن الدولار ـ المسعّر به النفط ـ فقد قدراً كبيراً من قيمته خلال الفترة نفسها التي شهدت تصاعد سعر النفط، وهو ما يعني بصورة أخرى أن اقتصادات الخليج لم تحقق كل المكاسب من ارتفاع أسعار النفط التي ذهبت نتيجة لانخفاض أسعار الدولار، وقد أشار تقرير منظمة أوبك لشهر يوليو 2007 إلى أنه على الرغم من تسجيل أسعار النفط أسعاراً قياسية في يونيو من العام 2007 فإنه عند احتساب معدلات التضخم والتغير في أسعار الصرف العالمي فإن أسعار النفط الحقيقية انخفضت بمقارنتها بأسعار العام الماضي، فإذا كان متوسط سعر البرميل قد زاد إلى 66.76 دولار للبرميل في يونيو مقابل 64.36 دولار في مايو، بنسبة نمو 3.7 في المائة، إلا أن الأسعار الحقيقية بعد احتساب التضخم وأسعار الصرف أشارت إلى ارتفاع متوسط سعر البرميل إلى 43.6 دولار للبرميل خلال يونيو وهو سعر أقل مما كان عليه البرميل خلال الشهر نفسه من العام الماضي حينما بلغ 44.3 دولار للبرميل.
رابعاً- التجارة الخارجية:
الواردات: يترتب على هبوط قيمة الدولار انخفاض قيمة العملات الخليجية المرتبطة به بالنسبة للعملات الأخرى، مما يترتب عليه ارتفاع أسعار الواردات من خارج الولايات المتحدة، وخاصة من دول الاتحاد الأوروبي، التي تستورد منها دول المجلس ما يعادل (30 – 35 في المائة) من مجموع وارداتها. والواردات هنا تنقسم إلى قسمين، النوع الأول: واردات سلع نهائية، والتي ينعكس ارتفاع أسعارها بشكل مباشر على المستهلك، والنوع الثاني: واردات المواد الخام والسلع الوسيطة، وهذه تنعكس أسعارها على ارتفاع أسعار السلع المحلية التي يتم إنتاجها اعتماداً على تلك المواد الخام والسلع الوسيطة، ومن ثم تؤثر أيضاً في ارتفاع الأسعار أو التضخم المستورد، ولكن بدرجة أقل من تأثير التضخم المستورد في الواردات من السلع النهائية. وإذا كان من المعروف أن انخفاض قيمة العملة يؤثر سلباً في نمو الواردات لأنه يرفع أسعارها مقارنة بأسعار السلع المحلية، ما يقلص الطلب عليها لمصلحة السلع المنتجة محلياً، إلا أن هذا المبدأ لا ينطبق على دول مجلس التعاون الخليجي، فاعتماد الأخيرة الكبير على الواردات يعود من جهة إلى ضعف القاعدة الإنتاجية، ومن جهة أخرى إلى ارتفاع الميل الحدي للاستيراد بسبب ارتفاع مستويات الدخل، لذلك فإن انخفاض قيمة العملة الخليجية نتيجة لانخفاض الدولار أدى إلى ارتفاع في أسعار السلع المستوردة. وشهدت واردات دول المجلس ارتفاعاً بنسبة 126 في المائة خلال الفترة من عام 2002 وحتى عام 2006، حيث ارتفعت من 65.7 مليار دولار لتصل إلى 148.4 مليار دولار.
الصادرات: يتم تسعير الصادرات الخليجية الرئيسية، والتي تتمثل في النفط الخام والغاز والبتروكيماويات والمنتجات النفطية، عادة بالدولار، وتتحرك أسعارها بحسب تقلب أسعار الدولار. وفي حين لا يتوقع الكثيرون أن تستفيد دول المجلس من انخفاض أسعار صرف عملاتها بسبب انخفاض الدولار لإنعاش الصادرات غير النفطية على نطاق واسع، إلا أن هذا لا يمنع من أن تستفيد بعض الصناعات الواعدة الموجودة في الكثير من دول المجلس من انخفاض أسعار عملات هذه الدول.
خامساً- القيمة الحقيقية للاحتياطيات النقدية: ما من شك في أن الدولار هو العملة المهيمنة على الاحتياطيات النقدية لدول المجلس، وبالتالي فإن انخفاض سعره لا بد أن يؤثر سلباً في القيمة الحقيقية لهذه الاحتياطيات.
تسعير النفط
في الوقت الذي ترتفع فيه العديد من الأصوات الخليجية التي تطالب بضرورة فصل تسعير النفط عن الدولار، نتيجة للخسائر التي لحقت بالدول الخليجية جراء ذلك، فإنه يجب التأكيد على أن إعادة تسعير النفط بعملة أخرى تحتاج إلى عمليات دراسة وتخطيط مستفيض؛ إذ إن تسعير النفط بالدولار لم يأت هكذا مصادفة، بل هو تعبير عن قوة الولايات المتحدة وقدرتها على التحكم في اقتصادات العالم، وليس من الهين على الولايات المتحدة في الوقت الحالي ترك هذه المهمة، كما أنه من المناسب الإشارة إلى أن 70 في المائة من حجم الدولار الأمريكي موجود خارج الولايات المتحدة، وهو يشكل حلقة الوصل في التجارة الدولية بشكل عام وما يعني أن الاقتصادات العالمية لا تستطيع أن تتخلى بسرعة عن تسعير شريان حياتها النفطي بالدولار حتى لو أرادت ذلك، وبالتالي فإن تسعير النفط بالدولار مرتبط بشكل أساسي بحالة الاقتصاد العالمي، وليس مقروناً باقتصادات الدول الخليجية فقط، فالانتقال إلى عملية تسعير النفط بعملة أخرى هو عملية معقدة، ذلك أن تجارة النفط هي العصب الرئيسي للتجارة العالمية، ومثل هذا القرار قد تكون له تداعيات كبيرة على كافة المستويات الاقتصادية العالمية.
فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار..هل بات ضرورة؟
على أثر الانخفاض الملحوظ الذي مني به الدولار الأمريكي، وما له من آثار سلبية في العملات الخليجية المرتبطة به، جاءت المقترحات العديدة حول تعويم العملات الخليجية أو ربطها بسلة عملات أو إبقاء الارتباط بالدولار مع رفع نسبة الصرف، وأشعل الحديث عن هذا الموضوع ما قامت به الكويت قبل فترة من فك ارتباط عملتها النقدية بالدولار، وربطها بسلة عملات.
وحقيقة الأمر أن فك الارتباط بالدولار الأمريكي سيكون أمراً بالغ الخطورة على اقتصادات الدول الخليجية، في الوقت الذي تتطلع فيه هذه الدول إلى إصدار عملة موحدة في عام 2010، فضلاً عن أن اقتصادات الدول الخليجية ارتبطت خلال عشرات السنين بالدولار الأمريكي الذي يشكل العملة الرئيسية لدخل هذه الدول الناجم عن بيع النفط، إضافة إلى أن معظم استثمارات الدول الخليجية في الخارج مقوّمة بالدولار، كما أن كثيراً من عقود الاستيراد مرتبطة بمنطقة الدولار، التي لا تعني بالضبط الولايات المتحدة، بل كل الدول التي تسعّر صادراتها بالدولار.
وفي هذا السياق فإنه تجدر الإشارة إلى أن أفضل طريقة لتفادي أثر انخفاض الدولار في الاقتصادات الخليجية، هو تنويع مصادر الدخل من جهة، وتنويع مصادر الواردات من جهة أخرى، وإحلال الواردات من الدول التي تتعامل بالدولار محل الواردات من الدول الأخرى.
وإذا كان ثمة إجماع حول تأثير الأزمة الحالية التي يشهدها تدهور سعر صرف الدولار أمام العملات العالمية، إلا أنه من الخطأ أن تقوم دول مجلس التعاون بخطوة مماثلة لما قامت به الكويت من ربط عملتها بسلة عملات، ذلك أن الكويت لم تنتهج سياسة ربط سعر الدينار بالدولار إلا خلال عامين ونصف العام، وهو ما سهّل عليها الانتقال إلى سلة عملات بسهولة وهي حالة غير متوافرة في دول خليجية أخرى.
ومن ثم فإنه يمكن القول إن قرار فك ربط العملات الخليجية بالدولار ليس بالقرار السهل، وإنه يحتاج إلى دراسة معمقة لكيلا تظهر تأثيرات سلبية على اقتصاد المنطقة؛ كما أنه يجب التأكيد على أن هذا القرار هو قرار استراتيجي له ارتباطات سياسية متشعبة وغير مقتصرة على الجوانب الاقتصادية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3419::/cck::
::introtext::

أثار تذبذب سعر صرف الدولار الأمريكي في الأسواق العالمية وانخفاضه على النحو الذي آل إليه مؤخراً جدلاً واسعاً حول مدى فائدة استمرار دول الخليج العربية في ربط عملاتها بالدولار، حيث انخفض سعر صرف الدولار إلى مستوى قياسي مقابل العملات العالمية، ومن المتوقع أن يستمر انخفاضه إلى أن تتمكن الولايات المتحدة من خفض عجز ميزان المدفوعات وعجز الميزانية اللذين بلغا مستويات حرجة.

::/introtext::
::fulltext::

أثار تذبذب سعر صرف الدولار الأمريكي في الأسواق العالمية وانخفاضه على النحو الذي آل إليه مؤخراً جدلاً واسعاً حول مدى فائدة استمرار دول الخليج العربية في ربط عملاتها بالدولار، حيث انخفض سعر صرف الدولار إلى مستوى قياسي مقابل العملات العالمية، ومن المتوقع أن يستمر انخفاضه إلى أن تتمكن الولايات المتحدة من خفض عجز ميزان المدفوعات وعجز الميزانية اللذين بلغا مستويات حرجة.
ففيما يرى كثير من المحللين أن الوقت قد حان لفك ربط العملات الخليجية بالدولار الذي فقد كثيراً من قيمته خلال العامين الماضيين، يدافع بعضهم عن استمرار ارتباط العملات الخليجية بالدولار على أساس أن العملة الأمريكية هي حجر الزاوية في علاقات الخليج مع العالم والقائمة على تسعير النفط بالدولار، بينما ينادي الفريق الثالث بعدم الانجرار وراء سياسات بنك الاحتياطي الأمريكي في تخفيض أسعار الفائدة على الدولار، والنظر في إعادة تقييم أسعار صرف العملات الخليجية لتلافي التداعيات المتعلقة بهذا الانخفاض.
وفي هذا المقال سنحاول التوصل إلى إجابات موضوعية للعديد من التساؤلات المطروحة على الساحة الخليجية في الوقت الراهن، مثل: ما هي آثار انخفاض الدولار على اقتصادات دول مجلس التعاون؟ وهل أصبح فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار أمراً حتمياً بالنسبة لهذه الاقتصادات؟ وهل تحرير العملات الخليجية من الارتباط بالدولار يعني القيام بتغيير تسعير النفط بعملات بديلة عن الدولار؟
أثر انخفاض الدولار في اقتصادات دول المجلس
تراجع الدولار الأمريكي أمام العملات الرئيسية في الأسواق العالمية بشكل لم يسبق له مثيل خلال السنوات الـ 15 عاماً الماضية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يلقي بظلاله على مختلف الجوانب الاقتصادية للدول الخليجية، وتدل كافة المؤشرات الاقتصادية على أن أثر انخفاض الدولار في دول مجلس التعاون مزدوج، فقد عانت دول الخليج من انخفاض الدولار بسبب ارتباط عملاتها به من جهة، وبسبب تسعير النفط به من جهة أخرى، كما يلي:
أولاً- أسعار صرف العملات: بعد انتهاء نظام الذهب، اختلفت دول العالم فيما بينها في كيفية تحديد أسعار صرف عملاتها، فمن الدول من لجأت إلى تحديد معدلات صرفها بشكل حر وفقاً لقوى العرض والطلب، وإن كان في شكل مدار، أو ما يطلق عليه (التعويم المدار)، في حين اتبعت بعض الدول الأخرى ما يسمى سلة العملات، حيث يتم اختيار مجموعة من العملات تعطى وزناً محدداً لكل منها، وغالباً ما يحدد هذا الوزن على أساس متوسط كثافة التجارة مع الدولة التي تصدر هذه العملة، ويتم تعديل الأوزان حسب تطورات التجارة مع تلك الدول، أما النظام الثالث فتمثل في ربط العملة المحلية بعملة واحدة، مثل الدولار.
وفي الوقت الراهن ترتبط كل عملات دول مجلس التعاون الخليجي (باستثناء الكويت التي تحولت في 19 مايو 2007 من الربط بالدولار إلى سلة عملات) بالدولار الأمريكي. وأدى هذا الربط إلى انخفاض قيمة عملات دول المجلس مقابل العملات الرئيسية الأخرى. وأفاد صندوق النقد الدولي بأن أسعار صرف عملات دول مجلس التعاون الخليجي انخفضت فعلياً بنسبة 12.5 في المائة بين عامي (2003 – 2006) بسبب ربطها بالدولار.
ثانياً- معدلات التضخم: التضخم يعني ارتفاعاً مستمراً ومتواصلاً في المستوى العام للأسعار، وهذا الارتفاع في الغالب يقلص المقدرة الشرائية للنقود في أيدي الأفراد، فالتضخم ليس كما يعتقد البعض مجرد ارتفاع في الأسعار يعاني منه الأفراد، ولكن تأثيره يمتد إلى أبعد من ذلك، فهو يؤثر سلباً في كافة الجوانب الاقتصادية وحتى الاجتماعية في الدولة، فهو يضر بالسياحة والنمو الاقتصادي وجذب المستثمرين وحتى العمالة الأجنبية وغيرها، أي أن التضخم يضر بالاقتصاد الوطني بشكل مشابه بإضراره بالأفراد المستهلكين. وهذا التضخم يظهر نتيجة لعاملين مترابطين، هما:
1- التضخم المستورد الناتج عن ارتفاع معدلات الأسعار في الدول التي تستورد منها دول مجلس التعاون بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج، أو ارتفاع سعر صرف عملات هذه الدول، مقارنة بعملات دول المجلس المرتبطة بالدولار.
2- تزايد حجم الإنفاق العام بشكل يتجاوز الطاقة الاستيعابية للاقتصاد المحلي، من أجل تخفيف حدة أثر ارتفاع الأسعار في المواطن الخليجي.
ثالثاً- أسعار النفط: الواقع أنه في حين يظن البعض أن الدول الخليجية استفادت من الزيادات المتصاعدة في أسعار النفط خلال الفترة الماضية، إلا أن هذه الزيادة لم تكن في جانب كبير منها سوى خسارة. بمعنى آخر أن الدولار ـ المسعّر به النفط ـ فقد قدراً كبيراً من قيمته خلال الفترة نفسها التي شهدت تصاعد سعر النفط، وهو ما يعني بصورة أخرى أن اقتصادات الخليج لم تحقق كل المكاسب من ارتفاع أسعار النفط التي ذهبت نتيجة لانخفاض أسعار الدولار، وقد أشار تقرير منظمة أوبك لشهر يوليو 2007 إلى أنه على الرغم من تسجيل أسعار النفط أسعاراً قياسية في يونيو من العام 2007 فإنه عند احتساب معدلات التضخم والتغير في أسعار الصرف العالمي فإن أسعار النفط الحقيقية انخفضت بمقارنتها بأسعار العام الماضي، فإذا كان متوسط سعر البرميل قد زاد إلى 66.76 دولار للبرميل في يونيو مقابل 64.36 دولار في مايو، بنسبة نمو 3.7 في المائة، إلا أن الأسعار الحقيقية بعد احتساب التضخم وأسعار الصرف أشارت إلى ارتفاع متوسط سعر البرميل إلى 43.6 دولار للبرميل خلال يونيو وهو سعر أقل مما كان عليه البرميل خلال الشهر نفسه من العام الماضي حينما بلغ 44.3 دولار للبرميل.
رابعاً- التجارة الخارجية:
الواردات: يترتب على هبوط قيمة الدولار انخفاض قيمة العملات الخليجية المرتبطة به بالنسبة للعملات الأخرى، مما يترتب عليه ارتفاع أسعار الواردات من خارج الولايات المتحدة، وخاصة من دول الاتحاد الأوروبي، التي تستورد منها دول المجلس ما يعادل (30 – 35 في المائة) من مجموع وارداتها. والواردات هنا تنقسم إلى قسمين، النوع الأول: واردات سلع نهائية، والتي ينعكس ارتفاع أسعارها بشكل مباشر على المستهلك، والنوع الثاني: واردات المواد الخام والسلع الوسيطة، وهذه تنعكس أسعارها على ارتفاع أسعار السلع المحلية التي يتم إنتاجها اعتماداً على تلك المواد الخام والسلع الوسيطة، ومن ثم تؤثر أيضاً في ارتفاع الأسعار أو التضخم المستورد، ولكن بدرجة أقل من تأثير التضخم المستورد في الواردات من السلع النهائية. وإذا كان من المعروف أن انخفاض قيمة العملة يؤثر سلباً في نمو الواردات لأنه يرفع أسعارها مقارنة بأسعار السلع المحلية، ما يقلص الطلب عليها لمصلحة السلع المنتجة محلياً، إلا أن هذا المبدأ لا ينطبق على دول مجلس التعاون الخليجي، فاعتماد الأخيرة الكبير على الواردات يعود من جهة إلى ضعف القاعدة الإنتاجية، ومن جهة أخرى إلى ارتفاع الميل الحدي للاستيراد بسبب ارتفاع مستويات الدخل، لذلك فإن انخفاض قيمة العملة الخليجية نتيجة لانخفاض الدولار أدى إلى ارتفاع في أسعار السلع المستوردة. وشهدت واردات دول المجلس ارتفاعاً بنسبة 126 في المائة خلال الفترة من عام 2002 وحتى عام 2006، حيث ارتفعت من 65.7 مليار دولار لتصل إلى 148.4 مليار دولار.
الصادرات: يتم تسعير الصادرات الخليجية الرئيسية، والتي تتمثل في النفط الخام والغاز والبتروكيماويات والمنتجات النفطية، عادة بالدولار، وتتحرك أسعارها بحسب تقلب أسعار الدولار. وفي حين لا يتوقع الكثيرون أن تستفيد دول المجلس من انخفاض أسعار صرف عملاتها بسبب انخفاض الدولار لإنعاش الصادرات غير النفطية على نطاق واسع، إلا أن هذا لا يمنع من أن تستفيد بعض الصناعات الواعدة الموجودة في الكثير من دول المجلس من انخفاض أسعار عملات هذه الدول.
خامساً- القيمة الحقيقية للاحتياطيات النقدية: ما من شك في أن الدولار هو العملة المهيمنة على الاحتياطيات النقدية لدول المجلس، وبالتالي فإن انخفاض سعره لا بد أن يؤثر سلباً في القيمة الحقيقية لهذه الاحتياطيات.
تسعير النفط
في الوقت الذي ترتفع فيه العديد من الأصوات الخليجية التي تطالب بضرورة فصل تسعير النفط عن الدولار، نتيجة للخسائر التي لحقت بالدول الخليجية جراء ذلك، فإنه يجب التأكيد على أن إعادة تسعير النفط بعملة أخرى تحتاج إلى عمليات دراسة وتخطيط مستفيض؛ إذ إن تسعير النفط بالدولار لم يأت هكذا مصادفة، بل هو تعبير عن قوة الولايات المتحدة وقدرتها على التحكم في اقتصادات العالم، وليس من الهين على الولايات المتحدة في الوقت الحالي ترك هذه المهمة، كما أنه من المناسب الإشارة إلى أن 70 في المائة من حجم الدولار الأمريكي موجود خارج الولايات المتحدة، وهو يشكل حلقة الوصل في التجارة الدولية بشكل عام وما يعني أن الاقتصادات العالمية لا تستطيع أن تتخلى بسرعة عن تسعير شريان حياتها النفطي بالدولار حتى لو أرادت ذلك، وبالتالي فإن تسعير النفط بالدولار مرتبط بشكل أساسي بحالة الاقتصاد العالمي، وليس مقروناً باقتصادات الدول الخليجية فقط، فالانتقال إلى عملية تسعير النفط بعملة أخرى هو عملية معقدة، ذلك أن تجارة النفط هي العصب الرئيسي للتجارة العالمية، ومثل هذا القرار قد تكون له تداعيات كبيرة على كافة المستويات الاقتصادية العالمية.
فك ارتباط العملات الخليجية بالدولار..هل بات ضرورة؟
على أثر الانخفاض الملحوظ الذي مني به الدولار الأمريكي، وما له من آثار سلبية في العملات الخليجية المرتبطة به، جاءت المقترحات العديدة حول تعويم العملات الخليجية أو ربطها بسلة عملات أو إبقاء الارتباط بالدولار مع رفع نسبة الصرف، وأشعل الحديث عن هذا الموضوع ما قامت به الكويت قبل فترة من فك ارتباط عملتها النقدية بالدولار، وربطها بسلة عملات.
وحقيقة الأمر أن فك الارتباط بالدولار الأمريكي سيكون أمراً بالغ الخطورة على اقتصادات الدول الخليجية، في الوقت الذي تتطلع فيه هذه الدول إلى إصدار عملة موحدة في عام 2010، فضلاً عن أن اقتصادات الدول الخليجية ارتبطت خلال عشرات السنين بالدولار الأمريكي الذي يشكل العملة الرئيسية لدخل هذه الدول الناجم عن بيع النفط، إضافة إلى أن معظم استثمارات الدول الخليجية في الخارج مقوّمة بالدولار، كما أن كثيراً من عقود الاستيراد مرتبطة بمنطقة الدولار، التي لا تعني بالضبط الولايات المتحدة، بل كل الدول التي تسعّر صادراتها بالدولار.
وفي هذا السياق فإنه تجدر الإشارة إلى أن أفضل طريقة لتفادي أثر انخفاض الدولار في الاقتصادات الخليجية، هو تنويع مصادر الدخل من جهة، وتنويع مصادر الواردات من جهة أخرى، وإحلال الواردات من الدول التي تتعامل بالدولار محل الواردات من الدول الأخرى.
وإذا كان ثمة إجماع حول تأثير الأزمة الحالية التي يشهدها تدهور سعر صرف الدولار أمام العملات العالمية، إلا أنه من الخطأ أن تقوم دول مجلس التعاون بخطوة مماثلة لما قامت به الكويت من ربط عملتها بسلة عملات، ذلك أن الكويت لم تنتهج سياسة ربط سعر الدينار بالدولار إلا خلال عامين ونصف العام، وهو ما سهّل عليها الانتقال إلى سلة عملات بسهولة وهي حالة غير متوافرة في دول خليجية أخرى.
ومن ثم فإنه يمكن القول إن قرار فك ربط العملات الخليجية بالدولار ليس بالقرار السهل، وإنه يحتاج إلى دراسة معمقة لكيلا تظهر تأثيرات سلبية على اقتصاد المنطقة؛ كما أنه يجب التأكيد على أن هذا القرار هو قرار استراتيجي له ارتباطات سياسية متشعبة وغير مقتصرة على الجوانب الاقتصادية.

::/fulltext::
::cck::3419::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *