محددات السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي

::cck::3428::/cck::
::introtext::

تعتبر السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي الأكثر غموضاً واستقراراً عبر السنوات الماضية، كما أن هذه السياسات تتشابه إلى حد كبير من حيث الميزات العامة لهذه السياسات وهدوئها وابتعادها عن الانفعال والتعصب وافتعال الأزمات، وتصب هذه السياسات ضمن توجهات ما يطلق عليه المعسكر الغربي، وتتماشى بشكل كبير مع توجهات الولايات المتحدة الأمريكية. وتتفاوت السياسات الخارجية من حيث تأثيرها في التفاعلات الدولية، وتتمحور في تركيزها على البعد الاقتصادي المتمثل في النفط وأهميته كسلعة عامة دولية تهم جميع دول العالم خاصة دول العالم الثالث الذي يشهد حاجة كبرى إلى نفط دول الخليج، والعنصر الآخر المهم في السياسات الخارجية في دول الخليج هو أهمية بعضها في التوازن الإقليمي من منظور أمريكي، فدائماً كانت تنظر الولايات المتحدة إلى المملكة العربية السعودية كدولة مهمة في معادلة التوازن الإقليمي، وعليه يمكن اعتبار هذين العاملين من أهم ميزات السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي: النفط والتوازن الإقليمي في ظل التطورات الإقليمية والأمنية والتطورات الدولية الاقتصادية. أما غير ذلك فإن السياسات الخارجية ومدى تأثيرها تبقى محدودة الأثر وبحاجة إلى مزيد من الفهم والتمحيص، وإن كان هناك تفاوت في السياسات الخارجية لدول المجلس مع أنها تتوافق بشكل عام في التوجه والأداء مع وجود (صبغة سعودية) على السياسات الخارجية لمجلس التعاون الخليجي.

::/introtext::
::fulltext::

تعتبر السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي الأكثر غموضاً واستقراراً عبر السنوات الماضية، كما أن هذه السياسات تتشابه إلى حد كبير من حيث الميزات العامة لهذه السياسات وهدوئها وابتعادها عن الانفعال والتعصب وافتعال الأزمات، وتصب هذه السياسات ضمن توجهات ما يطلق عليه المعسكر الغربي، وتتماشى بشكل كبير مع توجهات الولايات المتحدة الأمريكية. وتتفاوت السياسات الخارجية من حيث تأثيرها في التفاعلات الدولية، وتتمحور في تركيزها على البعد الاقتصادي المتمثل في النفط وأهميته كسلعة عامة دولية تهم جميع دول العالم خاصة دول العالم الثالث الذي يشهد حاجة كبرى إلى نفط دول الخليج، والعنصر الآخر المهم في السياسات الخارجية في دول الخليج هو أهمية بعضها في التوازن الإقليمي من منظور أمريكي، فدائماً كانت تنظر الولايات المتحدة إلى المملكة العربية السعودية كدولة مهمة في معادلة التوازن الإقليمي، وعليه يمكن اعتبار هذين العاملين من أهم ميزات السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي: النفط والتوازن الإقليمي في ظل التطورات الإقليمية والأمنية والتطورات الدولية الاقتصادية. أما غير ذلك فإن السياسات الخارجية ومدى تأثيرها تبقى محدودة الأثر وبحاجة إلى مزيد من الفهم والتمحيص، وإن كان هناك تفاوت في السياسات الخارجية لدول المجلس مع أنها تتوافق بشكل عام في التوجه والأداء مع وجود (صبغة سعودية) على السياسات الخارجية لمجلس التعاون الخليجي.
وسنناقش في هذا المقال المحددات الداخلية والإقليمية والدولية للسياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي مع أنه لا يمكن في ظل التطورات الراهنة الفصل بين ما هو داخلي وإقليمي أو دولي، لكن سنحاول وضع فواصل نظرية بين هذه العوامل. ولا يمكن القول بتأثير محدد أكثر من الآخر مع العلم أن منظري النظام الدولي يعتقدون أن النظام الدولي هو الذي يحدد السياسات الخارجية للدول بغض النظر عن المحددات الإقليمية والداخلية، كما لابد من الأخذ في الاعتبار أن التأثير العام للسياسات الخارجية يتفاوت في التأثير في البعد الإقليمي عن ذلك في البعد الدولي.
المحددات المحلية للسياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي:
تعتبر جميع السياسات سياسات محلية، وعليه فإن المحلل للسياسات الخارجية لأية دولة من دول العالم يأخذ في الاعتبار المحددات الداخلية ولكثرة هذه المحددات التي يمكن أن تصل إلى عشرات بل مئات المحددات فقد اختار العلماء ومن بينهم جيمس روزنو ما أطلق عليه (ما قبل النظرية) في تحليل السياسة الخارجية المقارنة عدداً محدداً من هذه المحددات تشمل السياسية والاقتصادية والديموغرافية. لذا لا يمكن أن تكون كل المحددات لها التأثير نفسه، بل لابد من التركيز على أهم هذه المحددات ومن ثم اختبارها بشكل علمي لمعرفة مدى تأثيرها بمعزل عن العوامل الإقليمية والدولية، كما أن التحليل العلمي يشير إلى أن مشكلة مستوى التحليل قد تكون غاية في الأهمية عند مقارنة السياسات الخارجية للدول ودول الخليج العربية، بالإضافة إلى ما سبق فإن المحددات السياسية الداخلية المؤثرة في سياسات دول الخليج العربية تتضمن عدداً كبيراً من المحددات تقع حسب التعريفات ونظريات العلاقات الدولية في المجالات الثلاثة: المحددات السياسية، والمحددات الاقتصادية، والمحددات الديموغرافية.
وفي ما يتعلق بالمحددات السياسية فهي تشمل طبيعة الأنظمة السياسية وفي دول الخليج العربي فإن معظم هذه الدول لم تصل إلى الآن إلى مرحلة يمكن أن يطلق عليها بأنها أنظمة ديمقراطية بما يحتوي ذلك من وجود للسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهذا يعني غياب المواطن عن صناعة القرار لغياب الأحزاب السياسية والجمعيات السياسية وجماعات الضغظ السياسية التي يمكن أن يلعب المواطن فيها دوراً في التأثير في السياسات الخارجية لهذه الدول. كما أن معظم هذه الدول حكومات تقوم على الوراثة في مبدأ علاقة تبعية من المواطن، فهذه الأنظمة تقوم على تبادل الشرعية مقابل الفاعلية من خلال أنظمة اقتصادية ريعية يتم فيها تنظيم شرعية النظام السياسي في هذه البلدان، وإن كانت بعض البلدان قد شهدت نوعاً من الإصلاحات السياسية مثل الانتخابات البلدية في المملكة العربية السعودية ومحاولات الإصلاح في بقية دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن تأثير المحددات السياسية يبقى فقط في ظل إدراك النخب الحاكمة وخصائصها الشخصية التي تلعب دوراً مهماً في تحديد السياسات الخارجية لهذه الدول.
لكن الأنظمة السياسية تغيب عنها الديمقراطية والمشاركة الشعبية، فمعظم القرارات في السياسات الخارجية تلعب فيها الدور الكبير مؤسسات الحكم. وعليه يمكن القول إن تأثير المحدد السياسي، كما تم تبيانه آنفاً، متشابه بين دول مجلس التعاون الخليجي وعليه يكون له الأثر نفسه من حيث تأثيره المحدود في السياسات الخارجية لأن بقاء هذه الأنظمة السياسية فترة طويلة يشير إلى عدم تأثير المحددات السياسية أو إلى استقرار السياسة الخارجية لهذه الدول بغض النظر عن مستويات تحليل أخرى في محاولة فهمنا لهذه السياسات كالمحددات الإقليمية والدولية.
أما المحددات الاقتصادية فتلعب دوراً كبيراً في التأثير في السياسات الخارجية من حيث إن عامل النفط يلعب دوراً كبيراً وذا علاقة بكافة المتغيرات السياسية والديموغرافية وغيرها مثل المحددات الإقليمية والدولية، وبما أن النفط يشكل العمود الفقري لاقتصادات هذه الدول، فإن ذلك يحدد على هذه العوامل استقراراً في السياسات الخارجية لأن استقرارها سيضمن استقراراً لمبيعات النفط وعوائده، كما أن هذا المحدد على أهميته الكبيرة لهذه الدول إلا أنه يشكل عائقاً في حرية تصرف الدول إقليمياً ودولياً، بحيث يفرض على صناع القرار الإبقاء على علاقات دولية معينة واتباع سياسات خارجية معينة رغماً عن عدم قناعة صناع القرار، لأن النفط أولاً بالنسبة لهذه الدول، لذا نجد مؤخراً محاولة خليجية للحد من هذه المعضلة في السياسات الخارجية وذلك بتوزيع صادرات النفط وتوزيع الدول المستوردة لإعطائها نوعاً من المرونة وحتى لا يكون النفط محدداً سلبياً في حرية السلوك في السياسة الخارجية. مع العلم أن الخروج من هذه المعضلة سيدخلها في معضلات تتعلق بالأمن ستتم مناقشتها لاحقاً خاصة علاقة هذه الدول مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي مجال المحددات الديموغرافية، فستتم مناقشة محددات أساسية في هذا المجال تشمل السكان، العمالة الأجنبية، والموقع الجغرافي. ويشكل عامل السكان أثراً كبيراً في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون، ففي معظم هذه الدول ماعدا السعودية وعُمان، يعتبر السكان الأصليون هم الأقلية بالمقارنة مع العمالة الوافدة في تلك الدول التي تؤثر في طبيعة السياسات الخارجية لهذه الدول مع دول العمالة الوافدة. كما أن عامل الأمن الداخلي يقلق كثيراً من هذه الدول، خاصة جيوشها التي تلعب دوراً كبيراً في تنفيذ السياسات الخارجية لا سيما بالنسبة للدول الكبرى والتي لم تجرب إلى الآن في هذه الدول.
ويلعب الموقع الجغرافي دوراً مؤثراً لهذه الدول التي تقع في منطقة ذات أهمية استراتيجية ومن حيث سيطرتها على أكبر مخزون نفطي، كما أنه يقع في قلب الصراع الدائر في العراق والتنافس الإقليمي في المنطقة، فإن كل ذلك يشكل عامل ضغط على سلوك هذه الدول في السياسة الخارجية.
المحددات الإقليمية: وتتلخص هذه المحددات في عدة عوامل مشتركة ومتداخلة تشمل: الجوار الأمني الأمريكي لدول الخليج العربية والدور الإيراني والنزاعات الحدودية بين دول مجلس التعاون مع دول الجوار.
ويلعب الجوار الأمني الأمريكي لدول مجلس التعاون دوراً مؤثراً في سياسات دول الخليج العربية، فقد وقفت كل هذه الدول مع الولايات المتحدة في حرب تحرير الكويت تحت مظلة الشرعية الدولية، كما وقفت كلها أيضاً مع الحرب الأمريكية على العراق للتخلص من نظام صدام حسين والسيطرة على المنطقة سيطرة مباشرة من دون الحاجة إلى القواعد العسكرية في هذه الدول مع أن قطر تحوي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية موجودة في المنطقة بعد الوجود العسكري الأمريكي في العراق، لكن ذلك سيتغير بعد استقرار الوضع في العراق إن حدث ذلك على المدى البعيد. لذلك فإن هذه الدول ترى أن الجوار الأمني الأمريكي يشكل عامل ضغط قوياً عليها للاستمرار في سياسات خارجية وداخلية أصبحت حرجة للأنظمة السياسية في هذه البلدان، وأدى إلى قلق هذه الدول من الذي سيحدث بعد انتهاء الاحتلال الأمريكي للعراق وخاصة ما يتعلق بالعلاقات الأمريكية- الإيرانية، لأن أي شكل لهذه العلاقات سيؤثر في سياسات هذه الدول. فكما أثر سحب القوات العسكرية من السعودية في إعادة النظر بالنواحي الأمنية لهذه الدول، فإن حصول تحسن في العلاقات الإيرانية-الأمريكية سيؤثر في منظور دول الخليج العربية للولايات المتحدة الأمريكية، كما أن سوء هذه العلاقات سيؤثر في تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة، لذا فإن المحددات الإقليمية دائمة ومستمرة التأثير، وشكلت في السنوات الثلاث الماضية حالة من القلق لدى دول مجلس التعاون الخليجي.
كما أن الطموح الإيراني إلى السيطرة على منطقة الخليج العربي وذلك من خلال سعيها لامتلاك سلاح نووي سيؤثر بشكل كبير في سلوك دول الخليج العربية، فمن ناحية وجود عامل سني وشيعي، والاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية، ومحاولة إثارة الفتن الداخلية في الدول ذات الأقليات الشيعية وهناك عدم ثقة متبادلة بالدور الإيراني في المنطقة، وهذا قد يؤدي بدول الخليج العربية خاصة في ظل تراجع اعتمادها الأمني على أمريكا إلى أن تسعى إلى تطوير أسلحتها وجيوشها مما سيقود المنطقة إلى سباق تسلح قد يؤثر سلباً في أهداف التنمية الداخلية في هذه الدول. ولذلك تعتبر البيئة الإقليمية ذات أهمية في تحديد السياسات الخارجية للدول.
إن النزاعات الداخلية في دول مجلس التعاون تؤثر في إدراك الدول الخارجية لها، وبالرغم من حل معظم هذه النزاعات إلا أنه تبقى بعض النزاعات مع الدول المجاورة لها والتي قد تتحول إلى نزاعات مسلحة بين هذه الدول مما يقود المنطقة إلى مزيد من عدم الاستقرار. أما بالنسبة للصراع العربي-الإسرائيلي فهو يؤثر بشكل أساسي في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون من حيث إن هذه القضية تعتبر ذات ارتباط ديني وقوي، وكانت السياسات الخارجية إلى مدى قصير تعتمد على تقديم المساعدات المالية إلى الفلسطينيين إلا أن المبادرة العربية التي قدمها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (كان آنذاك ولياً للعهد) تعتبر إنجازاً غير مسبوق على المستوى الخليجي، مع العلم أن بعض الدول الخليجية تحاول أن تلعب دوراً فاعلاً يتعدى سياسة المساعدات الاقتصادية فقط، خاصة أن مفتاح العلاقات الدولية مع الولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة للدول العربية هو إسرائيل.
المحددات الدولية:
ولعبت العلاقات الخليجية-الأمريكية دوراً كبيراً في التأثير في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي، فقد ارتبطت دول مجلس التعاون مع أمريكا بعلاقات قامت على مبدأ أن تقوم أمريكا بتقديم الحماية الأمنية والعسكرية لدول مجلس التعاون، وتمثل ذلك بالقوات العسكرية الأمريكية وتحرير الكويت ومبيعات الأسلحة إلى دول مجلس التعاون وذلك مقابل تأمين تدفق النفط الخليجي إلى أمريكا والدول الغربية، لذلك بقيت السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون مستقرة لفترة طويلة حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، خاصة عندما بدأت المملكة العربية السعودية بالتفكير في إعادة النظر في سياستها الخارجية تجاه الولايات المتحدة والنظر ببدائل استراتيجية جديدة مثل التوجه إلى الصين والهند وغيرها، مما أعطى دول مجلس التعاون حرية التصرف في سياساتها الخارجية. لذلك فإن العالم يجمع على أهمية دول مجلس التعاون الخليجي بسبب عامل النفط، وأن هذه الدول تسعى بشكل كبير إلى الإبقاء على علاقات جيدة معها مما يعطي دول مجلس التعاون حرية في التصرف، خاصة أن الحلفاء الجدد لا يطالبون بإصلاحات داخلية وتغييرات، كما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لذلك.
وباختصار فإن السياسات الخارجية ماعدا الدور المهم للمملكة العربية السعودية يبقى أثرها محدوداً جداً في مخرجات العلاقات الدولية بغض النظر عما تقوم به قطر أحياناً عبر محاولة لفت النظر إليها من خلال تحالفات غير محدودة مع أمريكا وعلاقات مع إسرائيل من أجل الحصول على الاهتمام الإعلامي الدولي، لكن تبقى المملكة العربية السعودية أكبر دولة خليجية ذات تأثير كبير في سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، وتبقى هي الأكثر أهمية في التأثير في التطورات الإقليمية سواء المرتبطة بالتنافس الإقليمي السعودي-الإيراني، أو الدور الإسلامي الدولي أو الصراع العربي-الإسرائيلي، فقد لعبت محددات السعودية الداخلية، كونها تحتوي على الحرمين الشريفين للعالم الإسلامي وأكبر مخزون نفطي وأكبر مساحة وعدد سكان، دوراً كبيراً لتبقى الدولة المواصلة لإضفاء صبغتها في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي، وتبقى سياسات هذه الدول تابعة للسياسة الخارجية السعودية أو تنبثق منها. وبالرغم مما ذكر يبقى تأثير السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي مرتبطاً بمعضلة النفط-الأمن وبالتالي بالمحدد الداخلي-الخارجي.

الآراء الواردة في هذه المقالة تعبر عن آراء صاحبها فقط

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3428::/cck::
::introtext::

تعتبر السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي الأكثر غموضاً واستقراراً عبر السنوات الماضية، كما أن هذه السياسات تتشابه إلى حد كبير من حيث الميزات العامة لهذه السياسات وهدوئها وابتعادها عن الانفعال والتعصب وافتعال الأزمات، وتصب هذه السياسات ضمن توجهات ما يطلق عليه المعسكر الغربي، وتتماشى بشكل كبير مع توجهات الولايات المتحدة الأمريكية. وتتفاوت السياسات الخارجية من حيث تأثيرها في التفاعلات الدولية، وتتمحور في تركيزها على البعد الاقتصادي المتمثل في النفط وأهميته كسلعة عامة دولية تهم جميع دول العالم خاصة دول العالم الثالث الذي يشهد حاجة كبرى إلى نفط دول الخليج، والعنصر الآخر المهم في السياسات الخارجية في دول الخليج هو أهمية بعضها في التوازن الإقليمي من منظور أمريكي، فدائماً كانت تنظر الولايات المتحدة إلى المملكة العربية السعودية كدولة مهمة في معادلة التوازن الإقليمي، وعليه يمكن اعتبار هذين العاملين من أهم ميزات السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي: النفط والتوازن الإقليمي في ظل التطورات الإقليمية والأمنية والتطورات الدولية الاقتصادية. أما غير ذلك فإن السياسات الخارجية ومدى تأثيرها تبقى محدودة الأثر وبحاجة إلى مزيد من الفهم والتمحيص، وإن كان هناك تفاوت في السياسات الخارجية لدول المجلس مع أنها تتوافق بشكل عام في التوجه والأداء مع وجود (صبغة سعودية) على السياسات الخارجية لمجلس التعاون الخليجي.

::/introtext::
::fulltext::

تعتبر السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي الأكثر غموضاً واستقراراً عبر السنوات الماضية، كما أن هذه السياسات تتشابه إلى حد كبير من حيث الميزات العامة لهذه السياسات وهدوئها وابتعادها عن الانفعال والتعصب وافتعال الأزمات، وتصب هذه السياسات ضمن توجهات ما يطلق عليه المعسكر الغربي، وتتماشى بشكل كبير مع توجهات الولايات المتحدة الأمريكية. وتتفاوت السياسات الخارجية من حيث تأثيرها في التفاعلات الدولية، وتتمحور في تركيزها على البعد الاقتصادي المتمثل في النفط وأهميته كسلعة عامة دولية تهم جميع دول العالم خاصة دول العالم الثالث الذي يشهد حاجة كبرى إلى نفط دول الخليج، والعنصر الآخر المهم في السياسات الخارجية في دول الخليج هو أهمية بعضها في التوازن الإقليمي من منظور أمريكي، فدائماً كانت تنظر الولايات المتحدة إلى المملكة العربية السعودية كدولة مهمة في معادلة التوازن الإقليمي، وعليه يمكن اعتبار هذين العاملين من أهم ميزات السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي: النفط والتوازن الإقليمي في ظل التطورات الإقليمية والأمنية والتطورات الدولية الاقتصادية. أما غير ذلك فإن السياسات الخارجية ومدى تأثيرها تبقى محدودة الأثر وبحاجة إلى مزيد من الفهم والتمحيص، وإن كان هناك تفاوت في السياسات الخارجية لدول المجلس مع أنها تتوافق بشكل عام في التوجه والأداء مع وجود (صبغة سعودية) على السياسات الخارجية لمجلس التعاون الخليجي.
وسنناقش في هذا المقال المحددات الداخلية والإقليمية والدولية للسياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي مع أنه لا يمكن في ظل التطورات الراهنة الفصل بين ما هو داخلي وإقليمي أو دولي، لكن سنحاول وضع فواصل نظرية بين هذه العوامل. ولا يمكن القول بتأثير محدد أكثر من الآخر مع العلم أن منظري النظام الدولي يعتقدون أن النظام الدولي هو الذي يحدد السياسات الخارجية للدول بغض النظر عن المحددات الإقليمية والداخلية، كما لابد من الأخذ في الاعتبار أن التأثير العام للسياسات الخارجية يتفاوت في التأثير في البعد الإقليمي عن ذلك في البعد الدولي.
المحددات المحلية للسياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي:
تعتبر جميع السياسات سياسات محلية، وعليه فإن المحلل للسياسات الخارجية لأية دولة من دول العالم يأخذ في الاعتبار المحددات الداخلية ولكثرة هذه المحددات التي يمكن أن تصل إلى عشرات بل مئات المحددات فقد اختار العلماء ومن بينهم جيمس روزنو ما أطلق عليه (ما قبل النظرية) في تحليل السياسة الخارجية المقارنة عدداً محدداً من هذه المحددات تشمل السياسية والاقتصادية والديموغرافية. لذا لا يمكن أن تكون كل المحددات لها التأثير نفسه، بل لابد من التركيز على أهم هذه المحددات ومن ثم اختبارها بشكل علمي لمعرفة مدى تأثيرها بمعزل عن العوامل الإقليمية والدولية، كما أن التحليل العلمي يشير إلى أن مشكلة مستوى التحليل قد تكون غاية في الأهمية عند مقارنة السياسات الخارجية للدول ودول الخليج العربية، بالإضافة إلى ما سبق فإن المحددات السياسية الداخلية المؤثرة في سياسات دول الخليج العربية تتضمن عدداً كبيراً من المحددات تقع حسب التعريفات ونظريات العلاقات الدولية في المجالات الثلاثة: المحددات السياسية، والمحددات الاقتصادية، والمحددات الديموغرافية.
وفي ما يتعلق بالمحددات السياسية فهي تشمل طبيعة الأنظمة السياسية وفي دول الخليج العربي فإن معظم هذه الدول لم تصل إلى الآن إلى مرحلة يمكن أن يطلق عليها بأنها أنظمة ديمقراطية بما يحتوي ذلك من وجود للسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهذا يعني غياب المواطن عن صناعة القرار لغياب الأحزاب السياسية والجمعيات السياسية وجماعات الضغظ السياسية التي يمكن أن يلعب المواطن فيها دوراً في التأثير في السياسات الخارجية لهذه الدول. كما أن معظم هذه الدول حكومات تقوم على الوراثة في مبدأ علاقة تبعية من المواطن، فهذه الأنظمة تقوم على تبادل الشرعية مقابل الفاعلية من خلال أنظمة اقتصادية ريعية يتم فيها تنظيم شرعية النظام السياسي في هذه البلدان، وإن كانت بعض البلدان قد شهدت نوعاً من الإصلاحات السياسية مثل الانتخابات البلدية في المملكة العربية السعودية ومحاولات الإصلاح في بقية دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن تأثير المحددات السياسية يبقى فقط في ظل إدراك النخب الحاكمة وخصائصها الشخصية التي تلعب دوراً مهماً في تحديد السياسات الخارجية لهذه الدول.
لكن الأنظمة السياسية تغيب عنها الديمقراطية والمشاركة الشعبية، فمعظم القرارات في السياسات الخارجية تلعب فيها الدور الكبير مؤسسات الحكم. وعليه يمكن القول إن تأثير المحدد السياسي، كما تم تبيانه آنفاً، متشابه بين دول مجلس التعاون الخليجي وعليه يكون له الأثر نفسه من حيث تأثيره المحدود في السياسات الخارجية لأن بقاء هذه الأنظمة السياسية فترة طويلة يشير إلى عدم تأثير المحددات السياسية أو إلى استقرار السياسة الخارجية لهذه الدول بغض النظر عن مستويات تحليل أخرى في محاولة فهمنا لهذه السياسات كالمحددات الإقليمية والدولية.
أما المحددات الاقتصادية فتلعب دوراً كبيراً في التأثير في السياسات الخارجية من حيث إن عامل النفط يلعب دوراً كبيراً وذا علاقة بكافة المتغيرات السياسية والديموغرافية وغيرها مثل المحددات الإقليمية والدولية، وبما أن النفط يشكل العمود الفقري لاقتصادات هذه الدول، فإن ذلك يحدد على هذه العوامل استقراراً في السياسات الخارجية لأن استقرارها سيضمن استقراراً لمبيعات النفط وعوائده، كما أن هذا المحدد على أهميته الكبيرة لهذه الدول إلا أنه يشكل عائقاً في حرية تصرف الدول إقليمياً ودولياً، بحيث يفرض على صناع القرار الإبقاء على علاقات دولية معينة واتباع سياسات خارجية معينة رغماً عن عدم قناعة صناع القرار، لأن النفط أولاً بالنسبة لهذه الدول، لذا نجد مؤخراً محاولة خليجية للحد من هذه المعضلة في السياسات الخارجية وذلك بتوزيع صادرات النفط وتوزيع الدول المستوردة لإعطائها نوعاً من المرونة وحتى لا يكون النفط محدداً سلبياً في حرية السلوك في السياسة الخارجية. مع العلم أن الخروج من هذه المعضلة سيدخلها في معضلات تتعلق بالأمن ستتم مناقشتها لاحقاً خاصة علاقة هذه الدول مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي مجال المحددات الديموغرافية، فستتم مناقشة محددات أساسية في هذا المجال تشمل السكان، العمالة الأجنبية، والموقع الجغرافي. ويشكل عامل السكان أثراً كبيراً في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون، ففي معظم هذه الدول ماعدا السعودية وعُمان، يعتبر السكان الأصليون هم الأقلية بالمقارنة مع العمالة الوافدة في تلك الدول التي تؤثر في طبيعة السياسات الخارجية لهذه الدول مع دول العمالة الوافدة. كما أن عامل الأمن الداخلي يقلق كثيراً من هذه الدول، خاصة جيوشها التي تلعب دوراً كبيراً في تنفيذ السياسات الخارجية لا سيما بالنسبة للدول الكبرى والتي لم تجرب إلى الآن في هذه الدول.
ويلعب الموقع الجغرافي دوراً مؤثراً لهذه الدول التي تقع في منطقة ذات أهمية استراتيجية ومن حيث سيطرتها على أكبر مخزون نفطي، كما أنه يقع في قلب الصراع الدائر في العراق والتنافس الإقليمي في المنطقة، فإن كل ذلك يشكل عامل ضغط على سلوك هذه الدول في السياسة الخارجية.
المحددات الإقليمية: وتتلخص هذه المحددات في عدة عوامل مشتركة ومتداخلة تشمل: الجوار الأمني الأمريكي لدول الخليج العربية والدور الإيراني والنزاعات الحدودية بين دول مجلس التعاون مع دول الجوار.
ويلعب الجوار الأمني الأمريكي لدول مجلس التعاون دوراً مؤثراً في سياسات دول الخليج العربية، فقد وقفت كل هذه الدول مع الولايات المتحدة في حرب تحرير الكويت تحت مظلة الشرعية الدولية، كما وقفت كلها أيضاً مع الحرب الأمريكية على العراق للتخلص من نظام صدام حسين والسيطرة على المنطقة سيطرة مباشرة من دون الحاجة إلى القواعد العسكرية في هذه الدول مع أن قطر تحوي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية موجودة في المنطقة بعد الوجود العسكري الأمريكي في العراق، لكن ذلك سيتغير بعد استقرار الوضع في العراق إن حدث ذلك على المدى البعيد. لذلك فإن هذه الدول ترى أن الجوار الأمني الأمريكي يشكل عامل ضغط قوياً عليها للاستمرار في سياسات خارجية وداخلية أصبحت حرجة للأنظمة السياسية في هذه البلدان، وأدى إلى قلق هذه الدول من الذي سيحدث بعد انتهاء الاحتلال الأمريكي للعراق وخاصة ما يتعلق بالعلاقات الأمريكية- الإيرانية، لأن أي شكل لهذه العلاقات سيؤثر في سياسات هذه الدول. فكما أثر سحب القوات العسكرية من السعودية في إعادة النظر بالنواحي الأمنية لهذه الدول، فإن حصول تحسن في العلاقات الإيرانية-الأمريكية سيؤثر في منظور دول الخليج العربية للولايات المتحدة الأمريكية، كما أن سوء هذه العلاقات سيؤثر في تحسن العلاقات مع الولايات المتحدة، لذا فإن المحددات الإقليمية دائمة ومستمرة التأثير، وشكلت في السنوات الثلاث الماضية حالة من القلق لدى دول مجلس التعاون الخليجي.
كما أن الطموح الإيراني إلى السيطرة على منطقة الخليج العربي وذلك من خلال سعيها لامتلاك سلاح نووي سيؤثر بشكل كبير في سلوك دول الخليج العربية، فمن ناحية وجود عامل سني وشيعي، والاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية، ومحاولة إثارة الفتن الداخلية في الدول ذات الأقليات الشيعية وهناك عدم ثقة متبادلة بالدور الإيراني في المنطقة، وهذا قد يؤدي بدول الخليج العربية خاصة في ظل تراجع اعتمادها الأمني على أمريكا إلى أن تسعى إلى تطوير أسلحتها وجيوشها مما سيقود المنطقة إلى سباق تسلح قد يؤثر سلباً في أهداف التنمية الداخلية في هذه الدول. ولذلك تعتبر البيئة الإقليمية ذات أهمية في تحديد السياسات الخارجية للدول.
إن النزاعات الداخلية في دول مجلس التعاون تؤثر في إدراك الدول الخارجية لها، وبالرغم من حل معظم هذه النزاعات إلا أنه تبقى بعض النزاعات مع الدول المجاورة لها والتي قد تتحول إلى نزاعات مسلحة بين هذه الدول مما يقود المنطقة إلى مزيد من عدم الاستقرار. أما بالنسبة للصراع العربي-الإسرائيلي فهو يؤثر بشكل أساسي في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون من حيث إن هذه القضية تعتبر ذات ارتباط ديني وقوي، وكانت السياسات الخارجية إلى مدى قصير تعتمد على تقديم المساعدات المالية إلى الفلسطينيين إلا أن المبادرة العربية التي قدمها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (كان آنذاك ولياً للعهد) تعتبر إنجازاً غير مسبوق على المستوى الخليجي، مع العلم أن بعض الدول الخليجية تحاول أن تلعب دوراً فاعلاً يتعدى سياسة المساعدات الاقتصادية فقط، خاصة أن مفتاح العلاقات الدولية مع الولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة للدول العربية هو إسرائيل.
المحددات الدولية:
ولعبت العلاقات الخليجية-الأمريكية دوراً كبيراً في التأثير في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي، فقد ارتبطت دول مجلس التعاون مع أمريكا بعلاقات قامت على مبدأ أن تقوم أمريكا بتقديم الحماية الأمنية والعسكرية لدول مجلس التعاون، وتمثل ذلك بالقوات العسكرية الأمريكية وتحرير الكويت ومبيعات الأسلحة إلى دول مجلس التعاون وذلك مقابل تأمين تدفق النفط الخليجي إلى أمريكا والدول الغربية، لذلك بقيت السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون مستقرة لفترة طويلة حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، خاصة عندما بدأت المملكة العربية السعودية بالتفكير في إعادة النظر في سياستها الخارجية تجاه الولايات المتحدة والنظر ببدائل استراتيجية جديدة مثل التوجه إلى الصين والهند وغيرها، مما أعطى دول مجلس التعاون حرية التصرف في سياساتها الخارجية. لذلك فإن العالم يجمع على أهمية دول مجلس التعاون الخليجي بسبب عامل النفط، وأن هذه الدول تسعى بشكل كبير إلى الإبقاء على علاقات جيدة معها مما يعطي دول مجلس التعاون حرية في التصرف، خاصة أن الحلفاء الجدد لا يطالبون بإصلاحات داخلية وتغييرات، كما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لذلك.
وباختصار فإن السياسات الخارجية ماعدا الدور المهم للمملكة العربية السعودية يبقى أثرها محدوداً جداً في مخرجات العلاقات الدولية بغض النظر عما تقوم به قطر أحياناً عبر محاولة لفت النظر إليها من خلال تحالفات غير محدودة مع أمريكا وعلاقات مع إسرائيل من أجل الحصول على الاهتمام الإعلامي الدولي، لكن تبقى المملكة العربية السعودية أكبر دولة خليجية ذات تأثير كبير في سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، وتبقى هي الأكثر أهمية في التأثير في التطورات الإقليمية سواء المرتبطة بالتنافس الإقليمي السعودي-الإيراني، أو الدور الإسلامي الدولي أو الصراع العربي-الإسرائيلي، فقد لعبت محددات السعودية الداخلية، كونها تحتوي على الحرمين الشريفين للعالم الإسلامي وأكبر مخزون نفطي وأكبر مساحة وعدد سكان، دوراً كبيراً لتبقى الدولة المواصلة لإضفاء صبغتها في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي، وتبقى سياسات هذه الدول تابعة للسياسة الخارجية السعودية أو تنبثق منها. وبالرغم مما ذكر يبقى تأثير السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي مرتبطاً بمعضلة النفط-الأمن وبالتالي بالمحدد الداخلي-الخارجي.

الآراء الواردة في هذه المقالة تعبر عن آراء صاحبها فقط

::/fulltext::
::cck::3428::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *