أمريكا ومنظور الأمن والدفاع في الخليج العربي

::cck::3438::/cck::
::introtext::

تعتبر منطقة الخليج من أهم المناطق في العالم بالنسبة للاستقرار الإقليمي والحفاظ على السلام العالمي، والسبب في ذلك هو ارتباط أمن الخليج بالاقتصاد العالمي. إن أول معضلة تواجه الذين يناقشون موضوع الأمن في الخليج هي تداخل المصالح الوطنية الإقليمية والدولية مع بعضها بل تتنافس فيما بينها أحياناً.

::/introtext::
::fulltext::

تعتبر منطقة الخليج من أهم المناطق في العالم بالنسبة للاستقرار الإقليمي والحفاظ على السلام العالمي، والسبب في ذلك هو ارتباط أمن الخليج بالاقتصاد العالمي. إن أول معضلة تواجه الذين يناقشون موضوع الأمن في الخليج هي تداخل المصالح الوطنية الإقليمية والدولية مع بعضها بل تتنافس فيما بينها أحياناً.
ويوجد اتفاق تام بين جميع المهتمين بالشؤون الأمنية والتوازن الاستراتيجي في العالم وكذلك السياسيين على أن انهيار الشيوعية الغربية عام 1989 شكّل نقطة تحول في التاريخ الحديث، حيث فجأة أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة العظمى في العالم، وفي عام 1990 جاءت حرب الخليج الثانية لتؤكد هذه الحقيقة، وفي الوقت نفسه تسلط الضوء على قضية الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي باعتبارها أكبر مركز عالمي للثروات الطبيعية (النفط – الغاز) بالإضافة إلى الموقع الجغرافي الذي يسيطر على الممرات البحرية والجوية.
إن منطقة الخليج من أهم المناطق في العالم بالنسبة لأي حكومة أمريكية، كما يمكن تلخيص سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في العمل على استمرار تدفق النفط للأسواق العالمية وبأسعار مناسبة، وأكد ذلك الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه (الفرصة السانحة) حين قال: (إن ما يهم الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة ما يسمى الشرق الأوسط هو استمرار النفط في الدول الصناعية).
هل هو النفط فقط؟
إن أي نقاش حول المنظور الأمريكي للأمن والدفاع في منطقة الخليج يؤدي إلى محور واحد وهو النفط. ولا أحد يستطيع إنكار أن الاقتصاد العالمي ولعدة سنوات مقبلة سوف يعتمد اعتماداً كلياً على نفط منطقة الخليج. ويشير الكاتب جيمس راسيل إلى أنه في عام 2003 تم تصدير 22.9 مليون برميل في اليوم من منطقة الخليج، ما يعادل 27 في المائة من الإنتاج العالمي، ويتم تصدير حوالي 15 مليون برميل نفط يومياً عن طريق البحر مما يعطي أهمية كبرى لخطوط المواصلات البحرية والمضائق التي تربط العالم، أما بالنسبة للغاز الطبيعي فإن حوالي 40 في المائة من إجمالي هذا الغاز الطبيعي في العالم يوجد في منطقة الخليج.
أمن الخليج وصراع القوى
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ودخول العالم في صراع القوتين أو ما يسمى الحرب الباردة اتضحت أهمية منطقة الخليج للمعسكرين الغربي والشرقي وخصوصاً الولايات المتحدة التي كانت سياساتها في المنطقة تهدف إلى الحد من انتشار الشيوعية ومنع الاتحاد السوفييتي من الوصول إلى نفط الخليج.
وفي هذه الفترة قدم هنري كسنجر مشروعاً للأمن في منظمة الخليج يقوم على خيارين، أولهما فرض السلام في المنطقة بنفسها، أي الولايات المتحدة الأمريكية، والثاني هو الاعتماد على قوة أو أكثر من القوى الإقليمية لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة. وتبنت الحكومة الأمريكية آنذاك الاقتراح الثاني وهو الذي عرف فيما بعد بنظرية (شرطي الخليج)، واعتمدت الولايات المتحدة على إيران لحماية مصالحها في منطقة الخليج حتى قيام الثورة الإسلامية، بعد ذلك دخلت المنطقة في دوامة حرب الخليج الأولى الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام، ثم واجهت المنطقة منعطفاً خطيراً جداً يهدد الأمن فيها بشكل خاص والعالم بشكل عام تمثل بالغزو العراقي لدولة الكويت، وكان من أهم نتائج هذا الغزو دخول دول المنطقة في ترتيبات أمنية مع الولايات المتحدة.
ولأكثر من نصف قرن كان صراع القوى حول منطقة الخليج يتمثل في تدفق النفط وبأسعار مناسبة للأسواق العالمية مع الحفاظ على حرية طرق الملاحة البحرية والجوية، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 إتضح أن الطاقة ليست الهدف الوحيد للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وأن أي دولة تريد التغلب على الإرهاب في العالم لابد لها من الاعتماد على دول الخليج.
مفهوم الأمن
الأمن هو حالة شعورية واقعية أساسها الإحساس بالطمأنينة من جانب والاستعداد التام لردع أي عدوان من جانب آخر. وهناك من يعرّف الأمن القومي بأنه مجموعة الإجراءات التي يتعين على الدول أو مجموعة من الدول أن تتخذها في حدود طاقاتها للحفاظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل، مع مراعاة المتغيرات الدولية.
إن مفهوم الأمن لا يوصف بالجمود بل هو مفهوم متطور يعني أشياء مختلفة في أوقات وأماكن مختلفة، وقد يكون أمن دولة معينة أو عدة دول يعتمد على استقرار وأمن منطقة معينة في العالم، هذا هو الوصف الدقيق للعلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة الخليج. حيث أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر في يناير 1980 أن أي محاولة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج سوف تعتبر هجوماً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وأن أي اعتداء من هذا النوع سوف يقاوم بكل الطرق الممكنة بما في ذلك الخيار العسكري. وتعتبر حرب الخليج الثانية خير دليل على صحة كلام الرئيس كارتر.
الولايات المتحدة الأمريكية والأمن في الخليج
لمعرفة المنظور الأمريكي للأمن في منطقة الخليج يجب معرفة الاهتمامات والمصالح الأمريكية في المنطقة، وقد حددت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أن اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الخليج على المدى البعيد هو من أجل السلام وحرية الوصول إلى مصادر الطاقة (النفط والغاز) وبأسعار مستقرة للأسواق العالمية، وكذلك العمل على حل القضية الفلسطينية، وتشجيع تطبيق الديمقراطية وسياسات الانفتاح في المنطقة مع الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل.
في مقال للكاتب ميشيل ياف اقترح بعض النقاط التي تساعد الولايات المتحدة في الحفاظ على أمن واستقرار منطقة الخليج منها:
تقليل حجم القوات الأمريكية في المنطقة.
إجراء التمارين المشتركة مع دول المنطقة بشكل مستمر.
تركيز دول المنطقة على العمليات الدفاعية المشتركة مع تقوية أنظمة القيادة والسيطرة وتبادل المعلومات الاستخبارية لإعطاء إنذار مبكر عن أي تهديد محتمل.
إدخال العراق ضمن مجلس التعاون الخليجي سوف يساعد على إيجاد توازن واستقرار للأمن في المنطقة ووضع الحلول للمشكلات الحدودية.
تأسيس منتدى أمن الخليج الإقليمي الذي يضم كلاً من دول الخليج الجنوبية والشمالية من دون استثناء وكذلك يضم عضوية الدول التي لها اهتمامات في المنطقة.
سياسات دول الخليج طويلة الأمد يجب أن تعتمد على اتفاقيات دفاع مشتركة مع الولايات المتحدة.
ويربط الرئيس الحالي للولايات المتحدة جورج بوش الابن بين النجاح في العراق والسلام في الشرق الأوسط، ومن أبرز مطالبه للحصول على أمن الولايات المتحدة في الخليج هو:
الديمقراطية وسياسات الانفتاح في المنطقة.
احترام حقوق الإنسان.
الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل.
محاربة الإرهاب.
الجميع يترقب ماذا يحدث في المشهد العراقي، وهل الديمقراطية في المنطقة سوف تساعد الولايات المتحدة الأمريكية على تحقيق الأمن والاستقرار والسلام في منطقة الخليج بشكل خاص والشرق الأوسط بشكل عام. تقول الكاتبة ليزا اندرسون رغم أن الديمقراطية تقدم السلام والاستقرار، فإن الدول الديمقراطية عكس ذلك.
لقد لخص الكاتب ريتشارد لوغلر الخطة الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج في النقاط التالية:
– ضمان أمن واستقرار دول المنطقة من خلال اتفاقيات دفاع مشتركة.
– التصدي ومنع إيران من القيام بأي عمل عسكري ضد أي دولة في المنطقة.
– التدخل وحل أي نزاع داخل دول المنطقة.
أما الكاتب أندرو راثميل فيقترح أن تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الخليج يحتاج إلى دراسة ثلاثة محاور رئيسية:
– إيجاد توازن بين القوى.
– الإصلاح الداخلي.
– التجارة المتعددة.
الإرهاب
العديد من المحللين السياسيين يعتبرون منطقة الخليج من المناطق الأكثر سخونة في العالم بالنسبة للإرهاب، بل يعتبرها البعض ومنهم الكاتب جوزيف مكميلان (مركز الإرهاب العالمي، والعراق وإيران قامتا بمساعدة عمليات إرهابية ضد المصالح الأمريكية في الخليج)
وبعد أحداث (الحادي عشر من سبتمبر) اتضح أن الجماعات الإرهابية لا تؤثر في المصالح الأمريكية في الخارج وحسب، بل تعدّت ذلك ووصلت إلى الشعب الأمريكي داخل الولايات المتحدة، مما يحتم على الولايات المتحدة وحلفائها محاربة الإرهاب بشتى صوره، من هنا تتضح أهمية منطقة الخليج في محاربة الإرهاب. كما أن من أهم العناصر التي ركزت عليها الولايات المتحدة في تحقيق الأمن في منطقة الخليج هو تطوير قدرات دول المنطقة الدفاعية لصد أي عدوان أو تهديد إرهابي داخلي. ويعتقد الكثير من السياسيين الأمريكيين بأن سياسة الإصلاح الداخلي وإقرار الديمقراطية في دول الخليج العربية سوف يساعدان على القضاء على الإرهاب بكل صوره، ويقدمون العراق على أنه المثال الذي يجب على بقية الدول أن تقتدي به، ولكن تجربة العراق لم تنته بعد ولم تتضح معالمها، وهل بإمكان هذه التجربة القضاء على الإرهاب أم التنسيق والدفاع المشترك هما الحل؟
دور الدول الكبرى في عملية أمن الخليج
تشترك الدول الأوروبية مع الولايات المتحدة الأمريكية في مصالحها بمنطقة الخليج (تدفق النفط وبأسعار مناسبة مع محاربة الإرهاب والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل)، أما بالنسبة لروسيا فإن مصالحها تتضمن (النفط ومبيعات الأسلحة). وكذلك نجد دخول الصين كلاعب جديد في المنطقة التي تتلخص مصالحها في (مصادر الطاقة وبيع الأسلحة وإيجاد سوق للسلع الصينية). حيث إن تداخل مصالح هذه الدول أعطى الفرصة لدول المنطقة لتقييم التأثير الأمريكي ومقارنته بدول أخرى أوروبية أو روسيا أو الصين، وكذلك وجود أسواق أخرى غير الأمريكية للإمداد بالأسلحة.
السياسة الأمنية
لقد شكل غزو دولة الكويت وتحريرها منعطفاً مهماً في مسيرة مجلس التعاون الخليجي، وبذل مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ قيامه عام 1981 جهوداً كبيرة لتحقيق أفضل مستوى من الأمن مع حل القضايا المشتركة.
كما أن البرنامج النووي الإيراني والتهديد الذي يشكله على المنطقة يحتم ضرورة إيجاد تنسيق وتعاون مشترك بين جميع الدول المعنية بأمن واستقرار الخليج العربي. لذلك فإن اتفاقيات الدفاع المشترك بين جميع دول المجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية مهمة جداً في هذه المرحلة أو ما يسمى (مرحلة العالم الجديد).
في المؤتمر السنوي الثاني لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (أمن الخليج: المنظور الوطني) عام 1998 قدم الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد والقائد العام لقوة الدفاع في مملكة البحرين مفهوماً متطوراً للسياسات الأمنية حيث قال: (إن السياسات الأمنية تشبه الآلة، إذ تتكون عادة من عدة أجزاء تعمل معاً في تناغم لتحقيق الحد الأقصى من الإنتاج، وحتى تتطور السياسة الأمنية في المنطقة يجب أن نلم بأوجه القوة والضعف في ترتيبات التعاون الدفاعي القائمة الآن، ونفكر في الإنجازات السابقة ونستشرف التطورات المستقبلية).
لو أمعنا النظر في كلام ولي العهد لوجدنا أنه يركز على تقييم الوضع الحالي والعمل على تطوير عملية الدفاع المشترك بين الدول المعنية (أجزاء الآلة) بأمن منطقة الخليج.
إن دولة واحدة وخصوصاً في الوقت الحاضر لا تستطيع الوقوف وحدها أمام عمليات الإرهاب أو صد عدوان خارجي، حيث إن أهم ما يجب أن يتم التركيز عليه هو تنسيق الدفاع الجماعي الخليجي.
ومنذ اكتشاف النفط في منطقة الخليج العربي دخلت المنطقة في دوامة صراع القوى والسبب في ذلك القيمة الاستراتيجية لهذه الدول، وكثر الحديث عن (أمن الخليج) وخصوصاً بعد حرب الخليج الأولى، وتم تعريف (أمن الخليج) بتعريفات مختلفة باختلاف مصالح واهتمامات الجهة التي تتحدث عنه.
ويؤكد جميع السياسيين والمهتمين بالشؤون الأمنية أن أمن الخليج العربي مسألة دولية يجب أن تشارك جميع دول العالم في استقراره، ولكن ما يهمنا هو عدم نسيان أن أمن الخليج واجب وطني يخص في المقام الأول أبناء الخليج الذين لن يترددوا في الدفاع عنه.
في الختام لا بد لنا من وقفة مع قائد يمتلك رؤية استراتيجية واضحة عن المخاطر التي تهدد الأمن في منطقة الخليج، هو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين القائد الأعلى لقوة الدفاع، فلقد بيّن الشيخ حمد المنظور الاستراتيجي في الدفاع عن الخليج في كتابه الرائع (الضوء الأول) حيث قال: (إن مجلس التعاون رمز من رموز التضامن والبناء المتين ليس على الصعيد العربي فحسب، بل على الصعيد الدولي أيضاً وأثبت ذلك كل ما كتب من دراسات إقليمية ودولية حول مستقبل الخليج العربي، ولذلك فإن تقوية التنسيق والتكامل بين دول المجلس سواء كان ذلك في المجال الدفاعي أو الأمني أو الاقتصادي أمر حيوي وأساسي وكل خطوة نخطوها في هذا الاتجاه تبعد المنطقة عن أي ضعف لهذا الجسد الخليجي).
إن التحديات التي تواجه الأمن في منطقة الخليج العربي في الوقت الراهن كبيرة ومتعددة، وتحتم على دولها كافة تنسيق الجهود للتصدي لأي تهديد خارجي أو داخلي، كما أن تحقيق الأمن يتطلب تعاون جميع المستويات المحلية والعربية والإقليمية والدولية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3438::/cck::
::introtext::

تعتبر منطقة الخليج من أهم المناطق في العالم بالنسبة للاستقرار الإقليمي والحفاظ على السلام العالمي، والسبب في ذلك هو ارتباط أمن الخليج بالاقتصاد العالمي. إن أول معضلة تواجه الذين يناقشون موضوع الأمن في الخليج هي تداخل المصالح الوطنية الإقليمية والدولية مع بعضها بل تتنافس فيما بينها أحياناً.

::/introtext::
::fulltext::

تعتبر منطقة الخليج من أهم المناطق في العالم بالنسبة للاستقرار الإقليمي والحفاظ على السلام العالمي، والسبب في ذلك هو ارتباط أمن الخليج بالاقتصاد العالمي. إن أول معضلة تواجه الذين يناقشون موضوع الأمن في الخليج هي تداخل المصالح الوطنية الإقليمية والدولية مع بعضها بل تتنافس فيما بينها أحياناً.
ويوجد اتفاق تام بين جميع المهتمين بالشؤون الأمنية والتوازن الاستراتيجي في العالم وكذلك السياسيين على أن انهيار الشيوعية الغربية عام 1989 شكّل نقطة تحول في التاريخ الحديث، حيث فجأة أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة العظمى في العالم، وفي عام 1990 جاءت حرب الخليج الثانية لتؤكد هذه الحقيقة، وفي الوقت نفسه تسلط الضوء على قضية الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي باعتبارها أكبر مركز عالمي للثروات الطبيعية (النفط – الغاز) بالإضافة إلى الموقع الجغرافي الذي يسيطر على الممرات البحرية والجوية.
إن منطقة الخليج من أهم المناطق في العالم بالنسبة لأي حكومة أمريكية، كما يمكن تلخيص سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في العمل على استمرار تدفق النفط للأسواق العالمية وبأسعار مناسبة، وأكد ذلك الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه (الفرصة السانحة) حين قال: (إن ما يهم الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة ما يسمى الشرق الأوسط هو استمرار النفط في الدول الصناعية).
هل هو النفط فقط؟
إن أي نقاش حول المنظور الأمريكي للأمن والدفاع في منطقة الخليج يؤدي إلى محور واحد وهو النفط. ولا أحد يستطيع إنكار أن الاقتصاد العالمي ولعدة سنوات مقبلة سوف يعتمد اعتماداً كلياً على نفط منطقة الخليج. ويشير الكاتب جيمس راسيل إلى أنه في عام 2003 تم تصدير 22.9 مليون برميل في اليوم من منطقة الخليج، ما يعادل 27 في المائة من الإنتاج العالمي، ويتم تصدير حوالي 15 مليون برميل نفط يومياً عن طريق البحر مما يعطي أهمية كبرى لخطوط المواصلات البحرية والمضائق التي تربط العالم، أما بالنسبة للغاز الطبيعي فإن حوالي 40 في المائة من إجمالي هذا الغاز الطبيعي في العالم يوجد في منطقة الخليج.
أمن الخليج وصراع القوى
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ودخول العالم في صراع القوتين أو ما يسمى الحرب الباردة اتضحت أهمية منطقة الخليج للمعسكرين الغربي والشرقي وخصوصاً الولايات المتحدة التي كانت سياساتها في المنطقة تهدف إلى الحد من انتشار الشيوعية ومنع الاتحاد السوفييتي من الوصول إلى نفط الخليج.
وفي هذه الفترة قدم هنري كسنجر مشروعاً للأمن في منظمة الخليج يقوم على خيارين، أولهما فرض السلام في المنطقة بنفسها، أي الولايات المتحدة الأمريكية، والثاني هو الاعتماد على قوة أو أكثر من القوى الإقليمية لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة. وتبنت الحكومة الأمريكية آنذاك الاقتراح الثاني وهو الذي عرف فيما بعد بنظرية (شرطي الخليج)، واعتمدت الولايات المتحدة على إيران لحماية مصالحها في منطقة الخليج حتى قيام الثورة الإسلامية، بعد ذلك دخلت المنطقة في دوامة حرب الخليج الأولى الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام، ثم واجهت المنطقة منعطفاً خطيراً جداً يهدد الأمن فيها بشكل خاص والعالم بشكل عام تمثل بالغزو العراقي لدولة الكويت، وكان من أهم نتائج هذا الغزو دخول دول المنطقة في ترتيبات أمنية مع الولايات المتحدة.
ولأكثر من نصف قرن كان صراع القوى حول منطقة الخليج يتمثل في تدفق النفط وبأسعار مناسبة للأسواق العالمية مع الحفاظ على حرية طرق الملاحة البحرية والجوية، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 إتضح أن الطاقة ليست الهدف الوحيد للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وأن أي دولة تريد التغلب على الإرهاب في العالم لابد لها من الاعتماد على دول الخليج.
مفهوم الأمن
الأمن هو حالة شعورية واقعية أساسها الإحساس بالطمأنينة من جانب والاستعداد التام لردع أي عدوان من جانب آخر. وهناك من يعرّف الأمن القومي بأنه مجموعة الإجراءات التي يتعين على الدول أو مجموعة من الدول أن تتخذها في حدود طاقاتها للحفاظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل، مع مراعاة المتغيرات الدولية.
إن مفهوم الأمن لا يوصف بالجمود بل هو مفهوم متطور يعني أشياء مختلفة في أوقات وأماكن مختلفة، وقد يكون أمن دولة معينة أو عدة دول يعتمد على استقرار وأمن منطقة معينة في العالم، هذا هو الوصف الدقيق للعلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية ومنطقة الخليج. حيث أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر في يناير 1980 أن أي محاولة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج سوف تعتبر هجوماً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وأن أي اعتداء من هذا النوع سوف يقاوم بكل الطرق الممكنة بما في ذلك الخيار العسكري. وتعتبر حرب الخليج الثانية خير دليل على صحة كلام الرئيس كارتر.
الولايات المتحدة الأمريكية والأمن في الخليج
لمعرفة المنظور الأمريكي للأمن في منطقة الخليج يجب معرفة الاهتمامات والمصالح الأمريكية في المنطقة، وقد حددت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أن اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الخليج على المدى البعيد هو من أجل السلام وحرية الوصول إلى مصادر الطاقة (النفط والغاز) وبأسعار مستقرة للأسواق العالمية، وكذلك العمل على حل القضية الفلسطينية، وتشجيع تطبيق الديمقراطية وسياسات الانفتاح في المنطقة مع الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل.
في مقال للكاتب ميشيل ياف اقترح بعض النقاط التي تساعد الولايات المتحدة في الحفاظ على أمن واستقرار منطقة الخليج منها:
تقليل حجم القوات الأمريكية في المنطقة.
إجراء التمارين المشتركة مع دول المنطقة بشكل مستمر.
تركيز دول المنطقة على العمليات الدفاعية المشتركة مع تقوية أنظمة القيادة والسيطرة وتبادل المعلومات الاستخبارية لإعطاء إنذار مبكر عن أي تهديد محتمل.
إدخال العراق ضمن مجلس التعاون الخليجي سوف يساعد على إيجاد توازن واستقرار للأمن في المنطقة ووضع الحلول للمشكلات الحدودية.
تأسيس منتدى أمن الخليج الإقليمي الذي يضم كلاً من دول الخليج الجنوبية والشمالية من دون استثناء وكذلك يضم عضوية الدول التي لها اهتمامات في المنطقة.
سياسات دول الخليج طويلة الأمد يجب أن تعتمد على اتفاقيات دفاع مشتركة مع الولايات المتحدة.
ويربط الرئيس الحالي للولايات المتحدة جورج بوش الابن بين النجاح في العراق والسلام في الشرق الأوسط، ومن أبرز مطالبه للحصول على أمن الولايات المتحدة في الخليج هو:
الديمقراطية وسياسات الانفتاح في المنطقة.
احترام حقوق الإنسان.
الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل.
محاربة الإرهاب.
الجميع يترقب ماذا يحدث في المشهد العراقي، وهل الديمقراطية في المنطقة سوف تساعد الولايات المتحدة الأمريكية على تحقيق الأمن والاستقرار والسلام في منطقة الخليج بشكل خاص والشرق الأوسط بشكل عام. تقول الكاتبة ليزا اندرسون رغم أن الديمقراطية تقدم السلام والاستقرار، فإن الدول الديمقراطية عكس ذلك.
لقد لخص الكاتب ريتشارد لوغلر الخطة الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج في النقاط التالية:
– ضمان أمن واستقرار دول المنطقة من خلال اتفاقيات دفاع مشتركة.
– التصدي ومنع إيران من القيام بأي عمل عسكري ضد أي دولة في المنطقة.
– التدخل وحل أي نزاع داخل دول المنطقة.
أما الكاتب أندرو راثميل فيقترح أن تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الخليج يحتاج إلى دراسة ثلاثة محاور رئيسية:
– إيجاد توازن بين القوى.
– الإصلاح الداخلي.
– التجارة المتعددة.
الإرهاب
العديد من المحللين السياسيين يعتبرون منطقة الخليج من المناطق الأكثر سخونة في العالم بالنسبة للإرهاب، بل يعتبرها البعض ومنهم الكاتب جوزيف مكميلان (مركز الإرهاب العالمي، والعراق وإيران قامتا بمساعدة عمليات إرهابية ضد المصالح الأمريكية في الخليج)
وبعد أحداث (الحادي عشر من سبتمبر) اتضح أن الجماعات الإرهابية لا تؤثر في المصالح الأمريكية في الخارج وحسب، بل تعدّت ذلك ووصلت إلى الشعب الأمريكي داخل الولايات المتحدة، مما يحتم على الولايات المتحدة وحلفائها محاربة الإرهاب بشتى صوره، من هنا تتضح أهمية منطقة الخليج في محاربة الإرهاب. كما أن من أهم العناصر التي ركزت عليها الولايات المتحدة في تحقيق الأمن في منطقة الخليج هو تطوير قدرات دول المنطقة الدفاعية لصد أي عدوان أو تهديد إرهابي داخلي. ويعتقد الكثير من السياسيين الأمريكيين بأن سياسة الإصلاح الداخلي وإقرار الديمقراطية في دول الخليج العربية سوف يساعدان على القضاء على الإرهاب بكل صوره، ويقدمون العراق على أنه المثال الذي يجب على بقية الدول أن تقتدي به، ولكن تجربة العراق لم تنته بعد ولم تتضح معالمها، وهل بإمكان هذه التجربة القضاء على الإرهاب أم التنسيق والدفاع المشترك هما الحل؟
دور الدول الكبرى في عملية أمن الخليج
تشترك الدول الأوروبية مع الولايات المتحدة الأمريكية في مصالحها بمنطقة الخليج (تدفق النفط وبأسعار مناسبة مع محاربة الإرهاب والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل)، أما بالنسبة لروسيا فإن مصالحها تتضمن (النفط ومبيعات الأسلحة). وكذلك نجد دخول الصين كلاعب جديد في المنطقة التي تتلخص مصالحها في (مصادر الطاقة وبيع الأسلحة وإيجاد سوق للسلع الصينية). حيث إن تداخل مصالح هذه الدول أعطى الفرصة لدول المنطقة لتقييم التأثير الأمريكي ومقارنته بدول أخرى أوروبية أو روسيا أو الصين، وكذلك وجود أسواق أخرى غير الأمريكية للإمداد بالأسلحة.
السياسة الأمنية
لقد شكل غزو دولة الكويت وتحريرها منعطفاً مهماً في مسيرة مجلس التعاون الخليجي، وبذل مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ قيامه عام 1981 جهوداً كبيرة لتحقيق أفضل مستوى من الأمن مع حل القضايا المشتركة.
كما أن البرنامج النووي الإيراني والتهديد الذي يشكله على المنطقة يحتم ضرورة إيجاد تنسيق وتعاون مشترك بين جميع الدول المعنية بأمن واستقرار الخليج العربي. لذلك فإن اتفاقيات الدفاع المشترك بين جميع دول المجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية مهمة جداً في هذه المرحلة أو ما يسمى (مرحلة العالم الجديد).
في المؤتمر السنوي الثاني لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية (أمن الخليج: المنظور الوطني) عام 1998 قدم الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد والقائد العام لقوة الدفاع في مملكة البحرين مفهوماً متطوراً للسياسات الأمنية حيث قال: (إن السياسات الأمنية تشبه الآلة، إذ تتكون عادة من عدة أجزاء تعمل معاً في تناغم لتحقيق الحد الأقصى من الإنتاج، وحتى تتطور السياسة الأمنية في المنطقة يجب أن نلم بأوجه القوة والضعف في ترتيبات التعاون الدفاعي القائمة الآن، ونفكر في الإنجازات السابقة ونستشرف التطورات المستقبلية).
لو أمعنا النظر في كلام ولي العهد لوجدنا أنه يركز على تقييم الوضع الحالي والعمل على تطوير عملية الدفاع المشترك بين الدول المعنية (أجزاء الآلة) بأمن منطقة الخليج.
إن دولة واحدة وخصوصاً في الوقت الحاضر لا تستطيع الوقوف وحدها أمام عمليات الإرهاب أو صد عدوان خارجي، حيث إن أهم ما يجب أن يتم التركيز عليه هو تنسيق الدفاع الجماعي الخليجي.
ومنذ اكتشاف النفط في منطقة الخليج العربي دخلت المنطقة في دوامة صراع القوى والسبب في ذلك القيمة الاستراتيجية لهذه الدول، وكثر الحديث عن (أمن الخليج) وخصوصاً بعد حرب الخليج الأولى، وتم تعريف (أمن الخليج) بتعريفات مختلفة باختلاف مصالح واهتمامات الجهة التي تتحدث عنه.
ويؤكد جميع السياسيين والمهتمين بالشؤون الأمنية أن أمن الخليج العربي مسألة دولية يجب أن تشارك جميع دول العالم في استقراره، ولكن ما يهمنا هو عدم نسيان أن أمن الخليج واجب وطني يخص في المقام الأول أبناء الخليج الذين لن يترددوا في الدفاع عنه.
في الختام لا بد لنا من وقفة مع قائد يمتلك رؤية استراتيجية واضحة عن المخاطر التي تهدد الأمن في منطقة الخليج، هو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين القائد الأعلى لقوة الدفاع، فلقد بيّن الشيخ حمد المنظور الاستراتيجي في الدفاع عن الخليج في كتابه الرائع (الضوء الأول) حيث قال: (إن مجلس التعاون رمز من رموز التضامن والبناء المتين ليس على الصعيد العربي فحسب، بل على الصعيد الدولي أيضاً وأثبت ذلك كل ما كتب من دراسات إقليمية ودولية حول مستقبل الخليج العربي، ولذلك فإن تقوية التنسيق والتكامل بين دول المجلس سواء كان ذلك في المجال الدفاعي أو الأمني أو الاقتصادي أمر حيوي وأساسي وكل خطوة نخطوها في هذا الاتجاه تبعد المنطقة عن أي ضعف لهذا الجسد الخليجي).
إن التحديات التي تواجه الأمن في منطقة الخليج العربي في الوقت الراهن كبيرة ومتعددة، وتحتم على دولها كافة تنسيق الجهود للتصدي لأي تهديد خارجي أو داخلي، كما أن تحقيق الأمن يتطلب تعاون جميع المستويات المحلية والعربية والإقليمية والدولية.

::/fulltext::
::cck::3438::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *